النص المفهرس
صفحات 141-160
سُفيان، بن الحارث ، بن عَمْرو، بن عُبيد ، بن رُؤاس ، الإِمامُ الحافظُ ، محدِّثُ العِراق ، أبو سُفْيان الرُّؤاسي ، الكوفيُّ، أحدُ الأعلام . ولد سنةَ تسعٍ وعشرين ومئة ، قاله أحمدُ بنُ حنبل . وقال خليفةُ وهارونُ بنُ حاتِم : ولد سنةَ ثمانٍ وعشرين . واشتغل في الصِّغَر . وسمع من: هشامِ بنِ عُرْوة ، وسُلَيمان الأعمش ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وابنٍ عَوْن ، وابنٍ جُرَيجٍ ، وداودَ الأَوْدي ، ويونُس بنِ أبي إسحاق ، وأَسْود بنٍ شَيْبان، وهشامِ بنِ الغاز، والأوزاعي، وجَعْفَرِ بنِ بُرْقان ، وزكرِيًّا بنِ أبي زائدة، وطلحةً بن عَمْرو المكِّي ، وفُضَيل بن غَزْوان ، وأبي جَنَابِ الكَلْبِي ، وحَنظلة بنِ أبي سُفيان ، وأَبَانَ بن صَمْعة ، وأَبَان بنِ عبد الله البجلي، وأُبَان بنِ يزيد، وإبراهيمَ بنِ الفَضْل المخزومي ، وإبراهيم بنِ يزيد الخُوزي ، وإدريسَ بنِ يزيد ، وإسماعيلَ ابن رافع المَدَني ، وإسماعيل بن سليمان الأزرق ، وإسماعيل بن أبي الصُّفَيرا(١) ، وإسماعيل بن مُسلم العَبْدي، وأفلح بن حُميد ، وأيمن بن نابِل ، وبدرِ بنِ عُثمان ، وبَشِيرِ بن المُهَاجر ، وحُرَيْثِ بنِ أبِي مَطَر ، وأبي خَلْدَةَ خالدِ بنِ دينار ، وخالدِ بن طَهْمَان ، ودَلْهَم بن صالح ، وسَعْد ابن أوس ، وسعدان الجُهَني ، وسعيدِ بنِ السَّائب، وسعيدِ بن عُبَيد الطّائي، وسَلَمَةَ بنِ نُبَيْطِ، وطَلْحة بنِ يحيى، وعبَّادِ بنِ منصور، وُثْمان الشَّخَّام ، وعُمر بنِ ذَرِّ ، وعيسى بن طَهْمَان ، وعُيَينة بنِ عبد (١) ((الصُّفيرا)) بزيادة ألف كما ضبطه ابن حجر في ((تبصير المنتبه)): ٨٣٩، وفي ((تهذيب الكمال)) و((تهذيب التهذيب)) و((التقريب)) بحذفها، وهو خطأ. ١٤١ الرحمن بن جَوْشَن، وكَهْمَس، والمُثَنَّى بن سعيد الضُّبَعِي، والمُثَنَّى بنِ سعيد الطّائي، وابنٍ أبي ليلى، ومِسْعَرِ بن حَبيب ، ومِسْعَرِ بنِ كِدَام ، ومعاويةَ بنِ أبي مُزَرِّد ، ومُصْعبِ بنِ سليم ، وابنِ أبي ذِئب ، وسُفْيان ، وشُعبة ،. وإسرائيل ، وشَريك ، وخلق كثير . وكان من بُحور العلم وأئمة الحفظ . حدَّث عنه: سُفْيانُ الثوريُّ أحدُ شيوخه، وعبدُ الله بنُ المبارك ، والفضلُ بنُ موسى السِّينَاني - وهما أكبر منه - ويَحيى بنُ آدم ، وعبدُ الرَّحمن بنُ مَهْدِي، والحُمَيدِيُّ، ومُسَدَّدٌ، وعليٌّ، وأحمدُ ، وابنُ مَعين ، وإسحاقُ، وبنو أبي شَيْبة، وأبو خَيْثَمَة، وأبو كُرَيب، وابنُ نُمَير ، وأبو هشام الرِّفاعي ، وعبدُ اللّه بنُ هاشم الطُّوسي ، وأحمدُ بنُ عبدِ الجبّار العُطَارِدِي ، وإبراهيمُ بنُ عبد اللّه العَبْسي ، وأممّ سواهم . وكان والدهُ ناظراً على بيتِ المال بالكوفة ، وله هَيْبةٌ وجلالة . ورُويَ عن يحيى بن أيُّوب المَقَابِرِي ، قال: وَرِث وكيعُ من أُمِّه مئة ألف درهم . قال يحيى بنُ يَمان: لما ماتَ سُفيان الثَّوري، جلس وكيعٌ مَوضِعَه . قال القَعْنَبِيُّ : كنَّا عند حمَّد بن زيدٍ ، فلمَّا خرج وكيعٌ ، قالوا : هذا راوية سُفيان ، قال حمَّدْ : إنْ شئتُم ، قلتُ : أرجحُ من سُفيان . الفضل بن محمد الشِّعراني : سمعتُ يحيى بنَ أَكْثَم يقول : صَحِبْتُ وكيعاً في الحَضَرِ والسَّفَر ، وكان يَصومُ الدَّهْرَ ، ويَخْتِمُ القرآن كُلَّ ليلة . ١٤٢ قلتُ : هذه عبادةٌ يخضعُ لها ، ولكنَّها من مثلِ إمامٍ من الأئمةِ الأَثَرية مفضُولَةُ، فقد صحَّ نهيُه عليه السَّلام عن صَومِ الذَّهر (١)، وصحّ أنَّه نهى أن يُقرأ القرآنُ في أقلَّ من ثلاث(٢)، والدِّين يُسْرٌ، ومتابعةُ السُّنَّةِ أولى، فرضيَ اللّه عن وكيع ، وأينَ مثلُ وكيع ؟! ومعَ هذا فكان مُلازِماً لشُربٍ نبيذِ الكوفة الذي يُسْكِرُ الإِكثارُ منه فكان مُتَأَوِّلاً في شُربه ، ولو تركه تورُّعاً، لكان أولى به ، فإنَّ مَنْ تَوَقَّى الشُّبهات، فقد استبرأَ لِدِينِهِ وعِرْضِه(٣)، وقد صَحَّ النهيُ والتحريمُ للَّبِيذِ المذكور(٤)، وليس هذا (١) وردت أحاديث كثيرة في النهي عن صوم الدهر، انظر ((شرح السنة)) ٣٦٢/٦، و ((جامع الأصول)) ٣٥٢/٦. (٢) أخرجه البخاري ١٩٥/٤ من حديث مغيرة ، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو ، وفيه: فقال رسول اللّه ◌َلثر: ((اقرأ القرآن في كل شهر)) فقال: إني أطيق أكثر من ذلك ، فما زال حتى قال: ((في ثلاث)). وفيه أيضاً ٩/ ٨٤ في فضائل القرآن : باب في كم يقرأ القرآن ، ومسلم (١١٥٩) (١٨٢): أن رسول الله رَّلة قال لعبد الله بن عمرو: ((اقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك )» . (٣) هو جزء من حديث صحيح ، رواه البخاري ١١٦/١، ١١٩ في الإِيمان : باب فضل من استبرأ لدينه ، وفي البيوع : باب الحلال بيّن والحرام بيّن ، ومسلم ( ١٥٩٩) في المساقاة : باب لعن آكل الربا ومؤكله . (٤) فقد أخرج أبو داود (٣٦٨١) في الأشربة : باب النهي عن المسكر ، والترمذي (١٨٦٦) في الأشربة : باب ما جاء كل مسكر حرام ، كلاهما عن قتيبة ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن بكر بن داود بن أبي الفرات ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول اللّه ◌َ: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)). وهذا إسناد قوي، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (١٣٨٥)، وأخرجه ابن ماجة ( ٣٣٩٣) من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم ، عن أنس بن عياض ، عن داود بن بكر بهذا الإسناد ، وفي الباب عن ابن عمر عند ابن ماجة (٣٣٩٢)، وعن عبد الله بن عمرو عنده أيضاً (٣٣٩٤)، وأخرج مالك في ((الموطأ)) ٨٤٥/٢ باب تحريم الخمر ، ومن طريقه البخاري ٣٥/١٠ في الأشربة : باب الخمر من العسل وهو البِتْع ، ومسلم ( ٢٠٠١ ) في الأشربة : باب بيان أن كل مسكر خمر ، عن ابن شهاب الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي هو أنها قالت: سُئِل رسول الله وَّ عن البِتع فقال: ((كل شراب أسكر حرام)). وأخرج أحمد ٢٦٧/٤، وأبو داود ( ٣٦٧٦)، والترمذي ( ١٣٧٨) عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول اللّه وَّهُ: ((إنَّ من العنب خمراً، وإنَّ من التمر خمراً ، وإنَّ من العسل خمراً ، وإنَّ من البُرّ خمراً، وإنَّ من الشعير خمراً» وفي = ١٤٣ موضعُ هذه الأمور، وكلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ من قوله ويُتركُ ، فلا قُدوةَ في خطأ العالِم ، نَعَم ، ولا يُوَبَّخُ بما فعله باجتهاد، نسأل اللّه المُسَامحة. قال يحيى بنُ مَعين : وكيعٌ في زمانه كالأوزاعيِّ في زمانه . وقال أحمدُ بنُ حنبل : ما رأيتُ أحداً أوعى للعلم ولا أحفظَ من وكيع . قلتُ : كان أحمدُ يُعَظِّمُ وكيعاً ويُفَخِّمُه . قال محمدُ بنُ عامر المِصِّيصِي : سألتُ أحمد : وكيعُ أَحَبُّ إليك أو يَحيى بنُ سَعيد؟ فقال : وكيع ، قلتُ : كيف فَضَّلْتَه على يحيى ، ويحيى ومكانه من العلمِ والحفظِ والإِنْقَانِ ما قد علمتَ ؟ قال : وكيعٌ كان صديقاً لحفص بنٍ غِيَاث، فلمَّا وليَ القَضاءَ ، هَجَرَهُ ، وإنَّ يحيى كان صديقاً لمعاذ بنٍ مُعاذ، فلما وليَ القَضَاءَ ، لم يَهْجُرْهُ يحيى . وقال محمدُ بنُ علي الوَرَّاق : عُرِضَ القضاءُ على وكيع ، فامتنع . محمد بن سَلَام البِيكَنْدِيّ : سمعتُ وكيعاً يقولُ : مَنْ طلبَ الحديثَ كما جاء ، فهو صاحبُ سُنّة ، ومن طلبه ليُقَوِّيَ به رأيَه ، فهو صاحبُ بِدْعَة . قال الحافظُ أبو القاسم ابنُ عساكر : قد حدَّث وكيعٌ بدمشق ، فأخذَ عنه هشامُ بنُ عمَّار ، وابنُ ذَكْوان . قال أحمد بنُ أبي خَيْئَمة : حدَّثنا محمدُ بنُ يزيد ، حدَّثني حسين = سنده إبراهيم بن المهاجر البجلي ، وهو صدوق لين الحديث ، لكن تابعه أبو حَريز عند أبي داود ( ٣٦٧٧) فيتقوی به ، فالسند حسن ، وله شاهد عند أحمد ( ٥٩٩٢ ) من حديث ابن عمر ، وإسناده حسن في الشواهد . ١٤٤ أخو زيدان قال : كنتُ مع وكيعٍ ، فأقبلنا جميعاً من المِصْيصة أو طَرَسُوس، فأتينا الشّام ، فما أتينا بلداً إلا استقبلَنَا واليها ، وشهدنا الجمعةَ بدمشق، فلما سلَّم الإِمامُ ، أطافوا بوكيع ، فما انصرفَ إلى أهله يعني إلى اللَّيل . قال: فَحدَّثَ بِه مَليحاً ابنَه ، فقال : رأيتُ فِي جَسَدِ أبي آثار خضرة مما زُحِمَ ذلك اليوم . قال محمدُ بنُ عبد الله بنِ عمَّار: أحرمَ وكيعٌ من بيت المقدس(١) . وقال محمدُ بنُ سعد : كان وكيعٌ ثقةً مأموناً عالياً رفيعاً كثير الحديث حُجَّة . قال محمودُ بنُ غَيْلان : قال لي وكيعُ : اختلفتُ إلى الأعمش سنين . وقال محمدُ بنُ خَلَف النَّيْمي : أخبرنا وكيعٌ قال : أتيتُ الأعمشَ ، فقلتُ : حدِّثْنِي . قال : ما اسمُكَ ؟ قلتُ : وكيع . قال : اسمُ نبيلٍ . ما أَحْسِبُ إِلا سيكون لك نبأٌ ، أينَ تنزِلُ من الكوفة ؟ قلتُ : في بني رُؤَاس. قال: أينَ من مَنزل الجرَّاحِ بنِ مَليح؟ قلتُ : ذاكَ أبي ، وكان على بيت المال ، قال لي : اذهبْ ، فجِثْني بعَطائي ، وتَعالَ حتى أُحدِّثَكَ بخمسةِ أحاديث . فجئتُ إلى أبي ، فأخبرتُه ، قال: خُذْ نصفَ العطاءِ ، واذهبْ، فإذا حدَّثَك بالخمسة ، فخُذ النّصفَ الآخر حتى تكون عشرة ، فأتيتُه بنصفِ عَطائه ، فوضَعه في كَفِّه ، وقال : هكذا ؟ ثم سكت، فقلتُ : حدِّثني، فأملى عليَّ حديثين، فقُلتُ : وعدتَني بخمسة. قال : فأينَ الدَّراهمُ كُلُّها؟ أَحسبُ أَنَّ أَباك [أمرك](٢) بهذا، (١) السنة أن يحرم الإنسان من الميقات الذي يمر به . (٢) سقطت من الأصل، واستدركت من ((تاريخ بغداد)) ١٣ /٤٦٨. ١٤٥ سير ١٠/٩ ۔ ولم يَدْرِ أن الأعمش مُدرَّب ، قد شهِدَ الوقائع ؟ اذهب فجئني بتمامه ، فجِئْتُهُ، فحذَّثني بخمسة ، فكان إذا كان كُلِّ شهر، جئتُه بعَطَائِه ، فحدَّثني بخمسةِ أحاديث . قال قاسمُ بنُ يزيد الجَرْمي : كان الثَّوْرِيُّ يدعو وكيعاً ، وهو غلامُ فيقولُ : يا رُؤَاسِيُّ ! تعالَ، أيَّ شيءٍ سمعتَ؟ فيقولُ : حذَّثني فلانٌ بكذا ، وسُفْيَانُ يَتَبَسَّمُ ، ويَتعجّبُ من حفظه . قال ابنُ عمَّار : ما كان بالكوفةِ في زمانِ وكيعٍ أفقهُ ولا أعلمُ بالحديث من وكيع ، وكان جِهْبِذَاً ، سمعتُه يقول : ما نظرتُ في كتابٍ منذ خمس عشرة سنة إلا في صحيفةٍ يوماً، فقلت له : عَدُّوا عليك بالبَصْرة أربعةَ أحاديث غَلِطْتَ فيها. قال : وحدَّثْتُهم بعَبَّادان بنحوِ من ألفٍ وخمس مئة ، أربعةُ أحاديث ليست بكثيرةٍ في ذلك . قال يَحيى بنُ مَعين : سمعتُ وكيعاً يقولُ : ما كتبتُ عن الثَّورِيِّ قطَّ ، كنتُ أَتحقَّظُ ، فإذا رجعتُ إلى المنزل ، كتَبْتُها . قال محمدُ بنُ عِمْران الأخْنسي : سمعتُ يَحيى بنَ يَمان يقولُ : نظر سُفْيانُ إلى عَينَيْ وكيعٍ ، فقال : لا يموتُ هذا الرؤاسيُّ حتى يكون له شَأْنٌ . فماتَ سُفْيانُ ، وجلسَ وكيعٌ مكانه . قال أحمدُ بنُ أبي الحَوارِي : قلتُ لأبي بكر بنِ عيَّاش : حَدِّثْنا . قال: قد كبِرْنَا، ونَسِينا الحديث ، اذهبْ إلى وكيع في بني رُؤَاس. قال الشَّاذُكُوني : قال لنا أبو نعيم يوماً : ما دامَ هذا التِنِينُ حيّاً - يعني وكيعاً - ما يُفْلِحُ أحدٌ معه . قلتُ : كان وكيع أسمرَ ضَحْماً سَمِيناً . قال ابنُ عَدِي : حُدِّثْتُ عن نُوح بن حَبيب ، عن عبد الرَّزَّاق ، ١٤٦ قال : رأيتُ الثَّورِيَّ وابنَ عُيَينَةَ ومَعْمَراً ومالكاً ، ورأيتُ ورأيتُ ، فمارأَتْ عينايَ قطُّ مثلَ وكيع . قال المُفَضَّلُ الغَلَابِي : كنا بِعَبَّادان، فقال لي حمَّدُ بنُ مَسْعدة : أُحِبُّ أن تَجيءَ معي إلى وكيع، فأتيناه ، فسلّم عليه، وتحدَّثنا ، ثم انصرفنا ، فقال لي حمَّاد : يا أبا مُعَاوية! قد رأيتُ الثَّوريّ، فما كان مثل هذا . قال عبدُ اللّه بنُ أحمد بن حنبل : سمعتُ أبي يقول : كان وكيعٌ حافظاً حافظاً ، ما رأيت مثلَه . وقال بِشْرُ بنُ موسى : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقولُ : ما رأيتُ قطّ مِثْلَ وكيعٍ في العِلم والحفظِ والإِسنادِ والأبوابِ مع خشوعٍ وَوَرَّع . قلتُ : يقولُ هذا أحمدُ مع تَحرِّيه وورعه ، وقد شاهدَ الكِبار مثل هُشَيمٍ ، وابن عُيَيْنَةَ ، ويحيى القَطّان ، وأبي يوسف القاضي وأمثالهم . وكذا روى عن أحمدَ إبراهيمُ الحربيُّ ، قال جعفرُ بنُ محمد بنٍ سَوَّار النَّيْسابوري : سمعتُ عبدَ الصَّمد بنَ سُليمان البَلْخِي : سألتُ أحمدَ ابْنَ حنبل، عن يحيى بن سعيد ، وعبد الرحمن ، ووكيعٍ ، وأبي نُعَيم ، فقال : ما رأيتُ أحفظَ من وكيع ، وكفاكَ بعبد الرَّحمن معرفةً وإتقاناً ، وما رأيتُ رجلاً أوزنَ بقومٍ من غير مُحَاباةٍ ، ولا أَشَدَّ تَنَبَِّأَّ فِي أُمور الرِّجالِ من يحيى بن سعيد ، وأبو نُعَيم أَقلُّ الأربعةِ خطأً ، وهو عندي ثقةٌ موضِعُ الحُجَّة في الحديث . وقال صالحُ بنُ أحمد : قلتُ لأبي : أيُّما أثبتُ عندكَ ، وكيعٌ أو يزيدُ ؟ فقال : ما منهما بحمد اللّه إلا ثَبتُ ، وما رأيتُ أوعى للعلم من وكيعٍ ، ولا أُشْبَه من أهل النُّسُك منه ، ولم يَختَلِط بالسُّلطان. وقال التِّرمذيُّ : سمعتُ أحمدَ بنَ الحسن : سُئِلَ أحمدُ بنُ حنبل ١٤٧ ٠ ٠ ٠ عن وَكيعٍ وابنِ مَهْدي ، فقال: وكيعُ أكبرُ في القلب ، وعبدُ الرَّحْمن إمام . وقال زاهدُ دمشق أحمدُ بنُ أبي الحَوَاري : ما رأيتُ فيمن لقيتُ أخشعَ من وكيع . عليُّ بِنُ الحُسين بن حِبَّان، عن أبيه، سمعتُ ابنَ معين يقولُ : ما رأيتُ أفضلَ من وكيع ، قيل : ولا ابن المبارك ؟ قال : قد كان ابنُ المبارَكِ له فَضْلُ ، ولكن ما رأيتُ أفضلَ من وَكيع ، كان يستقبِلُ القِبْلةَ ، ويحفَظُ حديثَهُ ، ويقومُ اللَّيلَ، ويَسْرُدُ الصَّومَ، ويُفتي بقولِ أبي حنيفة رحمه الله، وكان قد سمعَ منه كثيراً(١) . قال صالحُ بنُ محمد جَزَرَة : سمعتُ يحيى بنَ مَعين يقولُ : ما رأيتُ أحداً أحفظَ من وكيع . فقال له رجلٌ : ولا هُشَيم ؟ فقال: وأينَ يقعُ حديثُ هُشَيم من حديث وكيع؟ قال الرَّجُلُ: إني سمعتُ عليَّ بِنَ المَدِيني يقولُ: ما رأيتُ أحداً أحفَظَ من يزيدَ بنِ هارون . فقالَ : كان يزيدُ يتحقَّظُ ، كانت له جارِيةٌ تُحقِّظُه من كتاب قال قُتَيْبَةُ : سمعتُ جَرِيراً يقولُ : جاءني ابنُ المبارك ، فقلتُ له : يا أبا عبد الرَّحمن، مَنْ رَجُلُ الكوفةِ اليوم ؟ فسكتَ عني ، ثم قال : رَجُلُ المِصْرَين وكيعْ . تمتام(٢): حدَّثنا يحيى بنُ أيوب ، حدَّثني بعضُ أصحاب وكيع الَّذِين كانوا يَلزَمُونه، أَنَّ وكيعاً كان لا يَنامُ حتى يقرأَ جُزْءَه من كُلِّ ليلةٍ ثُلُثَ القرآن، ثُم يقومُ في آخر اللَّيل، فيقرأُ المُفَصَّل ، ثم يَجلسُ ، (١) الخبر في ((تاريخ بغداد)) ١٣ / ٤٧٠، ٤٧١ . (٢) هو الحافظ الإِمام أبو جعفر محمد بن غالب بن حرب الضبّ البصري التَّمَّار، نزيل بغداد ، المتوفى ( ٢٨٣ هـ) . ١٤٨ فيأخُذُ في الاستغفار حتى يطلُعَ الفَجْر . وقال أبو سعيد الأَشَجُّ: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ وكيع ، قال : كان أبي يُصَلِّي ، فلا يبقى في دارِنا أَحَدٌ إلَّ صلَّى حتى جارية لنا سوداء . عبَّاس : حدثنا يحيى بنُ مَعين : سمعتُ وكيعاً يقولُ كثيراً : وأيُّ يومٍ لنا من الموت؟ ورأيتُه أخَذَ في كتاب ((الزّهْدِ)) يَقرؤُه، فلما بلغَ حديثاً منه، تركَ الكتابَ ، ثم قامَ ، فلم يُحَدِّثْ ، فلما كان من الغد ، وأخذ فيه ، بلغَ ذلك المكان ، قام أيضاً ، ولم يُحَدِّثْ ، حتى صنعَ ذلك ثلاثَة أيام . قلتُ ليحيى : وأيُّ حديثٍ هو؟ قال: حديث ((كُنْ فِي الدُّنْيا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيل))(١) . قال ابنُ عمَّار: كان وكيعٌ يصومُ الدَّهَرَ ، ويُفطِرُ يومَ الشَّكِّ والعيد ، وأخبرتُ أَنَّه كان يَشتكي إذا أفطر في هذه الأيام . وعن سُفيان بنِ وكيعٍ ، قال : كانَ أبي يَجلِسُ لأصحابِ الحديث من بُكْرَة إلى ارتفاعِ النهار، ثم ينصرِفُ ، فَيَقِيلُ، ثم يُصَلِّي الظُّهر، ويَقصِدُ الطريقَ إلى المَشْرَعَةِ (٢) التي يَصْعَدُ منها أصحابُ الرَّوَايا (٣)، (١) ((تاريخ ابن معين)): ٦٣١، ٦٣٢، وحديث ((كن في الدنيا .. )) أخرجه البخاري ٢٠٠،١٩٩/١١ في الرقاق: باب قول النبي ◌َّة: ((كن في الدنيا كأنك غريب)) من طريق علي بن عبد الله ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، عن الأعمش ، حدثني مجاهد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول اللّه بِ﴿ بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل)) وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت ، فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت ، فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك . وأخرجه الترمذي (٢٣٣٣ ) في الزهد : باب ما جاء في قصر الأمل ، وابن ماجة (٤١١٤) في الزهد : باب مثل الدنيا، وأحمد ٢٤/٢، و٤١ من طريق الليث بن سعد، عن مجاهد ، عن ابن عمر . (٢) المشرعة : المواضع التي يُنحَدرُ إلى الماء منها ، والمشرعة : مورد الشاربة التي يشرعها الناس، فيشربون منها ويستقون. وفي ((تاريخ بغداد)): ويقصد طريق المشرعة . (٣) جمع راوية : المزادة فيها الماء ، والدابة التي يستقى عليها الماء . ١٤٩ فَيُرِيحون نَوَاضِحَهُم، فيُعَلِّمُهم من القُرآن ما يُؤدُّونَ به الفَرضَ إلى حدود العصر، ثم يرجعُ إلى مَسجده، فيُصلّي العصرَ، ثم يجلِسُ يَدْرُس القرآن ويذكرُ اللهَ إلى آخر النَّهار ، ثُمَّ يَدخُل منزله ، فيُقدَّم إليه إِفطارُه، وكان يُفطِرُ على نحو عشرةِ أرطالٍ (١) من الطعام ، ثم تُقَدَّمُ إليه قُرابةٌ فيها نحوٌ من عشرة أرطالٍ من نبيذ ، فيشرب منها ما طاب له على طعامه ، ثم يجعلها بين يديه ، ثم يقوم فيصلي ورده من الليل ، كلما صلى شيئاً شرب منها حتى يُنفِدَها ، ثم ينام . روى هذه الحكايةَ الدَّارقطنيُّ، عن القاضي ابنِ أُمِّ شَيْبان ، عن أبيه ، عن أبي عبد الرحمن بن سُفيان بن وكيع ، عن أبيه (٢). قال إسحاقُ بنُ بُهْلُول : قدمَ علينا وكيعٌ ، فنزل في مسجد الفُرات ، وسمعتُ منه، فطلبَ مني نَبَيذاً، فَجِثْتُهُ به ، وأقبلتُ أَقْرأ عليه الحديثَ ، وهو يشربُ، فلمَّا نفد ما جئتُهُ به ، أطفأَ السِّراجَ . قلتُ : ما هذا؟ قال : لو زِدْتَنا ، زِدْنَاك . قال جعفر الطَّيَالِسي : سمعتُ يحيى بنَ مَعين يقولُ: سمعتُ رجلاً يسألُ وكيعاً ، فقال: يا أبا سفيان ، شربتُ البارحةَ نبيذاً، فرأيتُ فيما يرى النائم كأنَّ رجلاً يقول : شربتَ خمراً. فقال وكيع : ذلكَ الشيطان . وقال نُعَيمُ بنُ حمَّاد : تَعشَّينا عند وكيع - أو قال: تَغْدَّينا - فقال : أَيِّ شيء تُريدون أَجيئُكم منه : نبيذ الشُّيوخ أو نبيذُ الفِتيان؟ فقلتُ : (١) بالرطل البغدادي الذي يزن ٣٧٥ غراماً تقريباً . (٢) ((تاريخ بغداد)) ١٣ /٤٧١. ١٥٠ ٠٠ تتكلَّمُ بهذا؟ قال : هو عندي أَحَلُّ من ماءِ الفُرات ، قلتُ له : ماءُ الفُرات لم يُختَلَفْ في حِلُّه ، وقد اختُلِف في هذا. قلتُ : الرجلُ سامحه الله لو لم يَعتقِد إباحَتَه ، لما قال هذا . وعن إبراهيم بن شماس قال : لو تَمنَّتُ كنتُ أتمنَّى عقلَ ابنِ المُبارك وورعه، وزُهدَ ابنِ فُضَيل ورِقْتَه ، وعبادةً وكيعٍ وحِفظَه ، وخُشوعَ عيسى بن يونس، وصَبْرَ حُسَين الجُعفي، صَبرَولم يتزوَّج(١)، ولم يدخُل في شيءٍ من أمر الدنيا . وروى بعضُ الرُّواة عن وكيعٍ قال : قال لي الرشيدُ ، إنَّ أهلَ بلدك طلبُوا مني قاضياً . وقد رأيتُ أَنْ أُشرِكَكَ في أَمانتي وصالحٍ عملي، فخُذ عهدَكَ . فقلتُ : يا أمير المؤمنين ، أنا شيخٌ كبير، وإحدى عينَيَّ ذاهبةٌ ، والأخرى ضعيفة . قال عليُّ بنُ خَشْرم : ما رأيتُ بيد وكيعٍ كتاباً قطُّ ، إنما هو حِفظٌ ، فسألتُهُ عن أدويةِ الحِفظِ ، فقال : إنْ عَلَّمتُك الدواءَ استعملتَه ؟ قلتُ : إِي واللَّهِ . قال : تركُ المعاصي ما جَرَّبتُ مثلَه للحفظ . وقال طاهرُ بنُ محمد المِصِّيصي : سمعتُ وكيعاً يقولُ : لو علمتُ (١) وليس هذا الأمر مما يتمنى ولا يفرح به ، ولا يقلد به صاحبه ، لأنه مخالف لهدي النبي الثابت فيما رواه البخاري ٨٩/٩، ٩٠ في النكاح: باب الترغيب في النكاح ، ومسلم (١٤٠١ ) في النكاح : باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه من حديث أنس ، أن نفراً من أصحاب النبي ◌ِ ﴿، سألوا أزواج النبي ◌ِحثة عن عمله في السِّر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش ، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: (( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ؟ لكني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني )). ١٥١ أنَّ الصَّلاة (١) أفضلُ من الحديث ما حدَّثُكُم . قال سُفيانُ بنُ عبد الملك صاحبُ ابن المبارك : كان وكيعٌ أحفظً من ابن المُبارك . وقال أحمدُ العِجْلِيُّ : وكيعُ كوفيٌّ ثقةٌ عابدٌ صالحٌ أديبٌ من حُفَّاظ الحديث ، وكان مُفْتِياً . وقال أبو عُبيد الآجُرِّي : سُئل أبو داود : أيُّما أحفظُ وكيعٌ أو عبدُ الرحمن بن مَهْدي ؟ قال : وكيعُ أحفظُ ، وعبدُ الرحمن أتقنُ ، وقد التقيا بعد العشاء في المسجد الحرام ، فتواقفا حتى سمعا أذانَ الصُّبح . عبَّاسٌ. وابنُ أبي خَيْئَمة ، سمعا يحيى يقولُ: مَنْ فَضَّل عبدَ الرحمن بنَ مَهْدي على وكيع ، فعليه لَعْنَةُ اللهِ والملائكة والناس أجمعين . قلتُ : هذا كلامٌ رَديء ، فغفرَ الله لَيَحيى، فالذي أعتقدُهُ أنا أَنَّ عبد الرحمن أعلمُ الرَّجُلين وأفضلُ وأتقنُ ، وبكلِّ حالٍ هما إمامان نظيران . قال أبو داود : ما رُئي لوكيعٍ كتابٌ قطُّ، ولا لهُشَيم ، ولا لحمَّادِ ابنِ زيد ، ولا لمعمر . قال ابنُ المديني : أوثقُ أصحابٍ سُفْيان الثَّوري ابنُ مَهْدِي والقَطَّانُ ووكيع . وقال أبو حاتِم : أَشهَدُ على أحمد بن حنبل قال : الثَّبْتُ عندنا (١) يعني بذلك النوافل . ١٥٢ بالعراق وكيعٌ ، ويحيى القَطَّان ، وعبدُ الرحمن . رواها أحمدُ بنُ أبي الحَوَاري عن أحمد بن حنبل أيضاً ، ثم قال : فذكرتُهُ ليحيى بنِ مَعين ، فقال : الثَّبْتُ عندنا بالعراق وكيع . السَّاجي : حدّثني أحمدُ بنُ محمد : سمعتُ يحيى بنَ مَعين يقولُ : ما رأيتُ أحفظَ من وكيع . قال يعقوبُ الفَسَويُّ - وبلغه قولُ يحيى: مَنْ فَضَّلَ عبد الرحمن على وكيع فعليه اللَّعنة - : كانَ غيرُ هذا أشبهَ بكلامِ أهل العلم ، ومَنْ حاسَبَ نفسه، لم يقُلْ مثلَ هذا، وكيعُ خَيِّرُ فَاضِلٌ حافظ . وقد سُئل أحمدُ بنُ حنبل : إذا اختلف وكيعٌ وعبدُ الرحمن ، بقول مَنْ نَأخُذ ؟ فقال : نُوافِقُ عبدَ الرَّحمن أكثر، وخاصةً في سُفيان ، كان مَعْنِيًاً بحديثه، وعبدُ الرحمن يَسْلَمُ منه السَّلفُ، ويَجْتِبُ شُرب المُسْكر، وكان لا يَرى أَن يُزرعَ في أرض الفُرات(١). قلتُ : عبدُ الرحمن له جَلالٌ عجيبةٌ ، وكان يُغْشى عليه إذا سمع القُرآن، نقله صاحب (( شريعة المقارىء)). عَّاس الدُّورِي : قُلْتُ ليحيى: حديثُ الأعمش إذا اختلف وكيعٌ وأبو مُعاوية ؟ قال : يُوقَّفُ حتى يجيء من يُتابعُ أحدَهما ، ثم قال : كانت الرّحلةُ إلى وكيع في زمانه . قال أبو حاتِم الرَّازي : وكيعٌ أحفظُ من ابنِ المُبارك . (١) أورده في ((تهذيب الكمال)): ١٤٦٤، وذكره الفسوي في ((تاريخه)) ١٧٠/٢ إلى قوله (( بحديث سفيان)). ١٥٣ قال حنبلُ بنُ إسحاق : سمعتُ ابنَ مَعين يقولُ : رأيتُ عند مَروان ابنِ مُعاوية لوحاً فيه أسماءُ شيوخ : فلان رافضي ، وفلان كذا ، ووكيع رافضي . فقلتُ لمروان : وكيعٌ خيرٌ منك ، قال : مني ؟ قلتُ : نعم . فسكتَ ، ولو قال لي شيئاً ، لوثب أصحابُ الحديث عليه . قال : فبلغَ ذلك وكيعاً ، فقال : يحيى صاحبُنا ، وكان بعد ذلك يَعرِفُ لي، ويُرَّحِّب(١) . قلتُ : مرَّ قولُ أحمد : إِنَّ عبدَ الرَّحمن يَسْلَمُ منه السَّلفُ، والظَّاهرُ أَنَّ وكيعاً فيه تشَيُّعُ يسير لا يضرُّ إن شاء الله ، فإنه كوفيٌّ في الجملة ، وقد ضَنَّفَ كتابَ فضائل الصحابة ، سمعناهُ قدَّم فيه باب مناقب عليٍّ على مناقب عُثمان . رضي الله عنهما . قال الحُسينُ بنُ محمد بن عُفَير : حدَّثنا أحمدُ بنُ سِنان قال : كان عبدُ الرحمن بن مَهْدي لا يُتَحدَّثُ في مجلسه ، ولا يقومُ أحدٌ ، ولا يُبرى فيه قلمٌ ، ولا يتبسم أحدٌ ، وكان وكيع يكونون في مجلسه كأنهم في صلاة ، فإن أنكر من أمرهم شيئاً انتعل ودخل ، وكان ابنُ نُمير يغضب ويصيح ، وإن رأى من يبري قلماً، تغيَّر وجههُ غَضَباً. قال تَمِيمُ بنُ محمد الطُّوسي : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقولُ : عليكم بمُصَنَّفَاتٍ وكيع . محمد بن أحمد بن مسعود : سمعتُ عبدَ الله بن أحمد بن حنبل : سمعتُ أبي يقول : أخطأ وكيعٌ في خمس مئة حديث . وقال عليُّ بنُ المديني : كان وكيعٌ يَلْحَنُ ، ولو حدثتُ عنه (١) الخبر في ((تاريخ بغداد)) ٤٧٠/١٣ . ١٥٤ بألفاظه، لكانت عجباً، كان يقولُ: حدَّثنا مسْعَر عن ((عيشة). نقلها يعقوبُ بنُ شَيْبَة عنه . وقال أحمدُ بنُ حنبل : كان وكيعٌ أحفظَ من عبد الرحمن بكثير . قال عبدُ الله بنُ أحمد ، عن أبيه : ابنُ مَهْدي أكثرُ تَصحيفاً من وكيع ، لكنَّه أقلُّ خَطَأْ . وقال إبراهيمُ الحَرْبِيُّ : سمعتُ أحمد يقولُ : ما رأتْ عَيْنَايَ مثلَ وكيعٍ قطُّ ، يحفَظُ الحديثَ جيداً ، ويُذاكِرُ بالفِقه ، فيُحسِنُ مع ورعٍ واجتهادٍ ، ولا يتكلّمُ في أحد . قال الحافظُ أحمدُ بنُ سَهْلِ النَّيْسابوري : دخلتُ على أحمدَ بن حنبل بعد المِحْنةِ ، فسمعتُه يقولُ : كان وكيعٌ إمامَ المسلمين في زمانه . قال سَلْمُ بنُ جُنَادة : جالستُ وكيعاً سبع سنين ، فما رأيتُهُ بَزَق ، ولا مسَّ حصاةً ، ولا جلس مجلساً فتحرَّكَ ، وما رأيتُهُ إلا مستقبلَ القبلة ، وما رأيتُهُ يحلِفُ بالله . وقال أبو سعيد الأَشَجُّ: كنتُ عند وكيعٍ فجاءَهُ رجلٌ يدعوهُ إلى عُرْسٍ ، فقال : أَثَمَّ نبيذٌ ؟ قال : لا . قال : لا نحضُر ◌ُرساً ليس فيه نبيذٌ ، قال : فإنّي آتيكُم به . فقام . وروي عن وكيعٍ أَنَّ رجلًا أَغلظَ له ، فدخل بيتاً ، فعَفَّر وجهَهُ ثم خرج إلى الرجل ، فقال : زِدْ وكيعاً بذنبه ، فلولاه ما سُلَّطْتَ عليه . نصر بن المُغيرة البخاري : سمعتُ إبراهيم بن شماس يقولُ : رأيتُ أفقهَ الناس وكيعاً ، وأحفظَ الناس ابنَ المُبَارك ، وأورع الناس الفُضَيل . ١٥٥ قال مروانُ بنُ محمد الطّاطَرِيّ : ما رأيتُ فيمن رأيتُ أخشعَ من وكيعٍ ، وما وُصِفَ لي أحدٌ قطُّ إلا رأيتُهُ دون الصِّفة إلا وكيعاً، رأيتُه فوقَ ما وُصِفَ لي . قال سعيد بنُ منصور: قدِمَ وكيعُ مكَّة ، وكان سَميناً ، فقال له الفُضَيلُ بنُ عِياض : ما هذا السِّمَنُ ، وأنت راهبُ العِراق ؟ قال : هذا من فرحي بالإِسلام . فأفحمه . أبو سعيد الأشجُّ: سمعتُ وكيعاً يقولُ: الجهرُ بالبَسْملةِ بِدْعَة (١). (١) وذلك أنه لم يثبت عنه ب أنه جهر بها ، ولا عن أبي بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، فقد أخرج البخاري ١٨٨/٢ في صفة الصلاة : باب ما يقول بعد التكبير من حديث أنس أن النبي بية، وأبا بكر، وعمر رضي الله عنهم كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وأخرجه الترمذي (٢٤٦)، وعنده ((القراءة)) بدل ((الصلاة)) وزاد: ((وعثمان)) وأخرجه مسلم ( ٣٩٩) في الصلاة: باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، بلفظ ((صليت مع رسول الله بية وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم)) ورواه أحمد ٢٦٤/٣، والطحاوي ١١٩/١، والدارقطني: ١١٩، وقالوا فيه ((فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم)) ورواه ابن حبان في (( صحيحه)) وزاد: (ويجهرون بالحمد لله رب العالمين))، وفي لفظ للنسائي ١٣٥/٢، وابن حبان: ((فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)) وفي لفظ لأبي يعلى الموصلي في ((مسنده)) ((فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به ، بالحمد لله رب العالمين))، وفي لفظ للطبراني في ((معجمه))، وأبي نعيم في ((الحلية))، وابن خزيمة في ((صحيحه)) ( ٤٩٨)، والطحاوي ١١٩/١: ((وكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم)). قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ٣٢٧/١: ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرج لهم في الصحيح جُمَع. وأخرج أحمد! ٤ /٨٥، والترمذي (٢٤٤)، والنسائي ٢٣٥/٢ من حديث عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال لي : أي بني ، مُحدثٌ ! إياك والحدث، قال: ولم أر أحداً من أصحاب رسول الله وَالر كان أبغض إليه الحدث في الإِسلام - يعني - منه، قال: وقد صليت مع النبي ◌َّ ومع أبي بكر، ومع عمر، ومع عثمان ، فلم أسمع أحداً منهم يقولها ، فلا تقلها ، إذا أنت صليت ، فقل : الحمد لله رب العالمين . وحسنه الترمذي . ١٥٦ قال الفضلُ بنُ عَنْبَسَة : ما رأيتُ مثلَ وكيعٍ من ثلاثين سنة . وقال إسحاقُ بنُ راهَوَيه : حِفظي وحِفظُ ابنِ المبارك تَكَلُّف ، وحِفظُ وكيعٍ أَصْلي ، قام وكيعٌ ، فاستند ، وحدَّث بسبع مئة حديث حفظاً . وقال محمودُ بنُ آدم : تَذَاكر بِشْرُ بنُ السَّرِيِّ ووكيعُ ليلةً، وأنا أراهما من العِشاء إلى الصُبْحِ ، فقلتُ لِشْرِ: كيفَ رأيتَه ؟ قال : ما رأيت أحفظ منه . وقال سَهْلُ بنُ عُثمان : ما رأيتُ أحفظَ من وكيع . قال أحمدُ بنُ حنبل : كان وكيعٌ مَطْوع الحفظ . وقال محمدُ بنُ عبد الله بن نُمَير : كانوا إذا رَأَوا وكيعاً ، سكتُوا ، يعني في الحفظ والإِجلال . وقال أبو حاتم : سُئلَ أحمدُ عن يحيى ، وابنٍ مَهْدي ، ووكيع ، فقال : وكيعٌ أسردُهم . أبو زُرعة الرَّازي : سمعتُ أبا جعفرِ الجمّال يقولُ : أتينا وكيعاً ، فخرجَ بعد ساعةٍ ، وعليه ثيابٌ مَغْسولة ، فلما بَصُرْنا به ، فزِعنا من النور الذي رأيناهُ يَتَلأَّلاً من وجهه، فقال رجلٌ بجنبي : أهذا مَلَك ؟ !فتعجّبنا من ذلك النور . وقال أحمدُ بنُ سِنان : رأيتُ وكيعاً إذا قام في الصَّلاة ، ليس يَتَحرَّكُ منه شيءٌ، لا يزولُ ولا يَميلُ على رِجْلٍ دون الأخرى . قال أحمدُ بنُ أبي الحَوَاري : سمعتُ وكيعاً يقولُ: ما نعيشُ إلا ١٥٧ في سترة ، ولو كُشِفَ الغِطاءُ، لكُشِفَ عن أمر عَظيم. الصِّدَقَ النَّّةَ. قال الفَلَّسُ : ما سمعتُ وكيعاً ذاكِراً أحداً بسُوءٍ قطُّ . قلت : مع إمامته ، كلامُهُ نزْرٌ جداً في الرِّجال . قال أحمدُ بنُ أبي الحَوَاري ، عن وكيعٍ : ما أخذتُ حديثاً قطُّ عَرْضاً . فذكرتُ هذا لابنِ مَعين، فقال: وكيعٌ عندنا ثّبْت . قال عبدُ الرحمن بنُ الحَكَم بن بَشير : وكيعٌ عن الثَّوري غايةٌ الإِسناد ، ليس بعده شيء ، ما أُعدِلُ بوكيعٍ أحداً. فقيل له : فأبو مُعاوية ؟ فَنَفَرَ من ذلك . قلت : أصحُ إسنادٍ بالعراق وغيرها : أحمد بن حنبل ، عن وكيع ، عن سُفْيان ، عن مَنصور ، عن إبراهيم ، عن عَلْقَمة ، عن عبدِ الله ، عن النبي ◌ٌَّ، وفي ((المُسْنَد)) بهذا السند ◌ِدَّةُ مُتُون. (١) قال عبدُ الله بنُ هاشم : خرج علينا وكيعٌ يوماً ، فقال : [أمُّ] الإِسنادين أَحَبُّ إليكم: الأعْمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله . أو سُفيان ، عن مَنْصور، عن إبراهيم ، عن عبد الله ؟ فقلنا : الأعمش ، فإنَّه أعلى . فقال: بل الثاني، فإنَّه فقيهٌ ، عن فقيهٍ ، عن فقيهٍ ، عن فقيه ، والآخر شيخٌ عن شيخٍ ، وحديثٌ يتداولُه الفُقهاءُ خيرٌ من حديثٍ يتداوَلهُ الشُّيوخ(٢). (١) لم ترد في الأصل . (٢) مراد وكيع أن المحدث الذي يجمع إلى الحفظ والضبط البصر بما في الحديث ، والتفقه به ، والاستنباط منه يكون حديثه أضبط وأصح من المحدث الذي يقتصر على الحفظ وسرد المرويات . وهذا بيِّن لا خفاء فيه . ١٥٨ نوح بن حبيب ، حدَّثْنا وَكِيعٌ ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ مَهْدي قال : حضرتُ موتَ سُفيان ، فكان عامَّةُ كلامه : ما أَشدَّ الموتَ . قال نوحٌ : فأتيتُ عبدَ الرحمن ، فقلتُ له : حدَّثنا عنك وكيعٌ . فكان مُتَّكِئاً ، فقَعدَ ، وقال : أنا حدَّثْتُ أبا سُفيان ، جزاه الله خيراً، ومَنْ مثلُ أبي سفيان ؟! وما يُقالُ لِمِثْلِ أبي سفيان ؟! وقيل : إنَّ وكيعاً وصلَ إنساناً مرَّةً بِصُرَّةٍ دنانير لكونه كتبَ من مِحْبَرَةِ [ذلك](١) الإِنسان ، وقال : اعذِرْ، فلا أَملِكُ غيرها . علي بن خَشْرم : سمعتُ وكيعاً يقولُ : لا يَكْمُلُ الرجلُ حتى يكتبَ عَمَّن هو فوقَه ، وعمن هو مِثْلُه ، وعمن هو دونَه . وعن مَلِيحِ بنِ وكيعٍ ، قال: لما نزلَ بأبي الموتُ ، أخرج يَديه ، فقال : يا بُنَيَّ تَرَى يديّ، ما ضربتُ بهما شيئاً قطُّ . قال مَليح : فحدَّثتُ بهذا داودَ بنَ يحيى بن يَمان، فقال: رأيتُ رسولَ اللهِ وََّ فِي النَّوم، فقلتُ : يا رسولَ الله مَنِ الأَبدالُ؟ قال : الذين لا يضربُون بأيديهم شيئاً ، وإنَّ وكيعاً منهم . قلتُ : بل الذي يَضرِبُ بيده في سبيل الله أشرفُ وأفضلُ . محنة وكيع ـ وهي غريبة - تورَّطَ فيها، ولم يُرِدْ إلا خيراً، ولكن فاتتهُ سكتَةٌ، وقد قال النبيُّ ونَ﴿: ((كَفى بالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُحَدِّثَ بكل ما سَمِعَ (٢)، فليتَّقِ عبدٌ رَبَّه، ولا يَخافَنَّ إلا ذَنْبَه)). (١) لم ترد في الأصل . (٢) أخرجه أبو داود (٤٩٩٢)، ومسلم (٥) في مقدمة ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة، وعنده (( كفى بالمرء كذباً)). ١٥٩ قال عليُّ بنُ خَشْرم : حدَّثنا وكيعُ ، عن إسماعيل بنِ أبي خالد ، عن عبدِ الله البَهِيِّ، أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق جاءَ إلى النَّبِي بَه بعد وفاته، فأكبَّ عليه، فقَبَّله، وقال: ((بأبي وأُمِّي، ما أَطْيَبَ حياتَكَ ومِيتَتَكَ))، ثم قال البهيُّ : وكان تُرِكَ يوماً وليلةً حتى رَبَا بَطْنُه ، وانثَنَتْ خِنْصِرَاهُ . قال ابنُ خَشْرم : فلما حدَّثَ وكيعٌ بهذا بمكّة ، اجتمعتْ قريش ، وأرادوا صَلْبَ وكيع ، ونصبُوا خَشَبةً لصَلْبِهِ، فجاء سفيانُ بنُ عُيَيَنة ، فقال لهم : اللَّهَ اللَّهَ! هذا فقيهُ أهل العِراق ، وابنُ فقيهه ، وهذا حديثٌ معروفٌ . قال سُفيان : ولم أكنْ سمِعتُه إلا أَنِّي أردتُ تخليص وكيع . قال عليُّ بنُ خَشْرم : سمعتُ الحديثَ من وكيع ، بعدما أَرادُوا صَلْبَهُ، فَتَعجِبْتُ من جَسَارَتِهِ ، وأخبرتُ أَنَّ وكيعاً احتجَّ ، فقال: إنَّ عِدَّةً من أصحابٍ رسول اللّهِوَّه، منهم عُمر، قالوا: لم يَمُتْ رسول الله. فأرادَ اللَّهُ أَنْ يُرِيَهُم آيَةً الموت . رواها أحمدُ بنُ محمد بنٍ علي بن رَزين الباشاني قال : حدثنا عليُّ ابنُ خَشْرم . وروى الحديثَ عن وكيع : قُتَيِبةُ بنُ سعيد(١). فهذه زَلَةُ عالِمٍ ، فما لوكيعٍ ولرواية هذا الخَيَرِ المُنكرِ المُنْقَطِعِ الإِسنادِ ! كادت نفسُه أن تذهب غلطاً، والقائمون عليه مَعذُورُون ، بل مأجُورُون ، فإنَّهم تَخَيَّلوا من إشاعةِ هذا الخبر المردود ، غَضّاً ما لمنصب النُّبُوَّة، وهو في بادىء الرَّأي يُوهِمُ ذلك ، ولكن إذا تأمَّلْتَه ، فلا بأسَ إنْ شاء اللهُ بذلك ، فإنَّ الحيَّ قد يربو جوفُه، وتَسترخي مَفَاصِلُه ، وذلك تَفُرُّع من الأمراض، و((أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءَ الْأَنْبِياءِ)) (٢)، وإنَّما المحذورُ أن (١) انظر ((الكامل)) لابن عدي : ٦٥٤ . (٢) قطعة من حديث صحيح، ولفظه بتمامه ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل = ١٦٠