النص المفهرس
صفحات 61-80
والأموالِ صِرْنَا إلى هذا؟ قال: يا بُنيَّ دعوةُ مَظْلُومٍ غَفَلْنا عنها، لم يَغْفُلِ اللهُ عنها . مات يحيى مَسْجوناً بالرَّقَّة سنةَ تسعين ومئة عن سبعين سنة . فأما جَعْفَرٌ ، فكان من مِلاحِ زمانه ، كان وَسيماً أبيضَ جَميلاً فصيحاً مُفوَّهاً ، أديباً، عَذْبَ العِبارة ، حاتِمِيَّ السَّخَاء ، وكان لعّاباً غارقاً في لذَّات دنياه ، وَلِيَ نيابةً دمشق ، فقَدِمَها في سنة ثمانين ومئة ، فكان يَسْتخلفُ عليها ، ويُلازِمُ هارونَ ، وكان يقولُ : إذا أقبلت الدُّنيا عليك، فَأَعْطِ ، فإنها لا تَفْنى، وإذا أَدْبرتْ ، فأعْطِ فإِنَّها لا تَبْقى. قال ابنُ جَرِير (١) : هاجَت العَصَبِيَّةُ بالشَّام ، وتفاقَمَ الأمرُ ، فَاغْتَمَّ الرَّشيدُ ، فعقد لجعفر ، وقال : إما أَن تَخرُجَ أو أُخرُجَ ، فسار فقَتَل فيهم ، وهذَّبَهم، ولم يدْ لهم رُمْحاً ولا قَوْساً، فهَجَمَ الأمرُ(٢)، واستخلف على دمشق عيسى بن المُعلى، وردً(٣) . قال الخطيب : كان جَعْفرٌ عند الرَّشيد بحالةٍ لم يُشارِكْهُ فيها أحدٌ ، وجُودُهُ أشهرُ من أن يُذكَرَ ، وكان من ذوي اللَّسَن والبلاغة، يقال : إنَّه وقَّعَ ليلةً بحضرة الرَّشيد زيادةً على ألفِ توقيع ، ونظر في جميعها ، فلم يخرجْ شيئاً(٤) منها عن مُوجِبٍ الفِقه. كان أبوه قد ضَمَّه إلى القاضي أبي (١) في ((تاريخه)) ٢٦٢/٨. (٢) يقال : هجم الشيء: سكن وأطرق ، قال ابن مقبل : حتى استبنتُ الهُدى والبيدُ هاجمة يخشعن في الآل غلفاً أو يصلينا وفي ((تاريخ الطبري)) ٢٦٢/٨: فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ تلك النائرة . (٣) في ((تاريخ الطبري)) ٢٦٣/٨: واستخلف على الشام عيسى بن العكي ، وانصرف . (٤) في تاريخ بغداد : فلم يَخْرُجْ شيءٌ منها . ٦١ يوسف حتى فَقُّهَ (١) . وعنُّ ثُمَامة بنٍ أَشْرس ، قال : ما رأيتُ أَبْلَغَ من جَعفر البَرْمَكي والمأمون . قيل : اعتذر إلى جعفرٍ رجلٌ ، فقال: قد أَغْناك اللـهُ بالعُذر منا عن الاعتذار إلينا ، وأَغْنانا بالمودَّةِ لك عن سوءِ الظَّنِّ بك (٢) قال جَحظَةُ : حدثنا مَيْمون بن مِهْران ، حدثني الرَّشيدي ، حدَّثني مُهذَّب حاجب العبّاس بن محمد - يعني أخا المنصور - أنَّ العَبَّاسَ نالَتْه إضاقةٌ ، فأخرجَ سَفَطاً فيه جَوْهرُ بألفِ ألف ، فحمله إلى جعفر ، وقال : أُريدُ عليه خمس مئة ألف . قالَ: نعم . وأخذ السَّفَط . فلما رجع العبَّاسُ إلى دارِهِ ، وجَدَ السَّفَط قد سبقَه ومعه ألفُ ألف . ودخل جعفرٌ على الرّشيد ، فخاطبه في العبّاس، فأَمَرَ له بثلاثٍ مئة ألفٍ دينار . وعن إبراهيم المَوْصِلي ، قال : حجَّ الرشيدُ وجعفر وأنا معهم ، فقال لي جَعْفرٌ : انظُرْلي جاريةً لامِثْلَ لها في الغِنَاءِ والظَّرف . قال : فأُرشِدتُ إلى جاريةٍ لم أرَ مِثْلَها ، وغنَّتْ ، فَأَجادَتْ ، فقال مولاها : لا أَبيعُها بأقلَّ مِن أربعين ألفَ دينار. قلتُ: قد أخذتُها، فأُعجِبَ بها جَعْفَرٌ ، فقالت الجاريةُ : يا مولاي في أَيِّ شيءٍ أنتَ ؟ قال : قد عرفتٍ ما كنَّا فيه من النِّعمة ، فأردتُ أَنْ تَصِيري إلى هذا الملك، فَتَسْعَدي . قالتْ : لو ملكت منك ما ملكتَ مني ، ما بعتُك بالدنيا ، فاذكُرِ العهدَ - وقد كان حلفَ أنْ لا يَأْكُلَ لها ثَمَناً - فَتَغْرِغَرَتْ عيناه ، وقال لجعفر: اشهدُوا أَنَّها حُرَّة ، وأنِّي قد (١) ((تاريخ بغداد)) ١٥٢/٧، و((وفيات الأعيان)) ٣٢٨/١، ٣٢٩. (٢) ((تاريخ بغداد)) ١٥٣/٧، وابن خلكان ١٥٣/٧. ٦٢ تزوَّجْتُها ، وأمهرتُها داري . فقال جعفرٌ: انهضْ بنا . فدعوتُ الحمَّالين لنقل الذَّهَب، فقال جعفرٌ: واللهِ لاصَحِبَنا منه دِرْهَمٌ . وقال لمولاها: أَنْفِقْهُ علیكما(١) . قيل : کان في خزائن جعفر دنانیر زنةُ الواحد مئة مِثقال ، کان یرمي بها إلى أصطِحَةِ الناسِ سِكَّتَهُ . يَلُوحُ عَلَى وَجْهِهِ جَعْفَرُ وأَصْفَرَ مِنْ ضَرْبٍ دارٍ الملوك يَزِيدُ عَلى مِئةٍ واحِدَاً مَتَّى يُعْطَّهِ مُعْسِرٌ يُوسِرُ (٢) وقيل : بل الشِّعْرُ لَّأبي العتاهية ، وكان على الدِّينار صورةُ جعفر . قال صاحبُ ((الأغاني)): أخبرنا عبدُ الله بنُ الرَّبيع، حدثني أحمدُ بنُ إسماعيل ، عن محمَّدٍ بن جعفر، قال : شهدتُ أبي يُحدِّثُ جدِّي وأنا صغيرٌ ، قال : أخذَ بيدي أَميرُ المؤمنين ، فأقبل يخترِقُ الحُجَرَ حتى انتهينا إلى حُجْرَةٍ ، ففتحها ، ودخلنا فأغلقها ، وقعدنا على بابٍ ونَقَّرَهُ ، فسمعتُ صوتَ عودٍ ، فغنَّتِ امرأةٌ ، فأجادتْ ، فَطَرِبْتُ واللهِ ، ثم غنَّت ، فرقصنا معاً ، وخرجْنا، فقال لي : أَتعرِفُ هذه ؟ قلتُ : لا ، قال : عُلَيَّة أُختي ، واللَّهِ لَئِن لَفَظْتَ به، لَأَقْتُلَّك، فقال له جدِّي : فقد لفظتَ به ، واللَّهِ ليقتُلَنَّك(٣). وقيل : إنَّ امرأةً ◌ِلابيةً أنشدت جعفراً : إِنِّي مَرَرْتُ عَلَى العَقيقِ وَأَهْلُهُ يَشْكُونَ مِنْ مَطَرِ الرَّبيعِ نُزُوراً (١) القصة مطولة في ((تاريخ بغداد)) ١٥٥/٧ . (٢) ((تاريخ بغداد)) ١٥٦/٧، وقوله ((سكته)) أي: أنه هو الذي سَكَّ تلك الدنانير، والسكة : حديدة منقوشة تضرب عليها النقود . (٣) ((الأغاني)) ١٨٨/١٠، ١٨٩ في أخبار عُلية بنت المهدي . ٦٣ ما ضَرَّهُمْ إِذْ مَرَّ فِيهِمْ جَعْفرٌ أَنْ لا يَكُونَ رَبِيعُهُم مَمْطُورَاً (١) قد اختُلِفَ في سبب مَصْرع جعفرٍ على أقوال : فقيل : إنَّ جبريلَ ابن بختيشوع الطَّيب(٢) قال: إني لقاعدٌ عند الرَّشيد، فدخلَ يحيى بنُ خالد، وكان يدخُلُ بلا إذن ، فسلَّم ، فَرَدَّ الرشيدُ ردّاً ضعيفاً ، فَوَجَم يحيى ، فقال هارونُ : يا جبريلُ ، يدخُلُ عليكَ أَحدٌ بلا إذن ؟ قلتُ : لا ، قال : فما بالُنا؟ فوثبَ يحيى ، وقال : قدَّمني اللهُ يا أميرَ المؤمنين قِبَلك ، واللهِ ما هو إلَّ شيءٌ خَصَصْتَني به ، والآن فُتُبْتُ، فاستحيى الرّشيدُ ، وقال: ما. أردتُ ما تكرهُ، ولكنَّ الناسَ يقولون(٣) . وقيل : إنَّ ثُمَامةَ قال : أول ما أنكر يحيى بنُ خالد مِن أمره أنَّ محمدَ ابنَ اللَّيْث رفعَ رسالةً إلى الرّشيد يَعِظُه، وفيها : إنَّ يحيى لا يُغْني عنك مِن الله شيئاً . فأوقفَ الرشيدُ يحيى على الرسالة ، وقال : أتعرِفُ محمدَ بنَ الليث؟ قال : نعم ، هو مُنَّهِمٌ على الإِسلام، فسجَنَه ، فلما نُكِبَتِ البرامكةُ ، أحضره ، وقال : أَتُحِبُّني ؟ قال: لا والله . قال : أَتقولُ هذا ؟ قال : نعم ، وضعت في رجليَّ القَيْدَ ، وحُلْت بيني وبين عيالي بلا ذنبٍ سوى قولِ حاسدٍ يَكيدُ الإِسلام وأهله، ويُحِبُّ الإِلحادَ وأهله . فأطلقَه ، وقال: أُحِبُّني؟ قال: لا ، ولا أَبْغِضُك فأمر له بمئة ألف، وقال: أتحبُّني ؟ قال : (١) ((وفيات الأعيان)) ٣٣٠/١. (٢) كان طبيب هارون الرشيد وجليسه وخليله ، يقال: إن منزلته ما زالت تقوى عند الرشيد حتى قال لأصحابه : من كانت له حاجة إليَّ، فليخاطب بها جبريل ، فإني أفعل كل ما يسألني فيه ، ويطلبه مني . فكان القواد يقصدونه في كل أمورهم ، ولما توفي الرشيد خدم الأمين ، فلما ولي المأمون سجنه ، ثم أطلقه وأعاده إلى مكانته عند أبيه الرشيد ، فلم يزل إلى أن توفي سنة ٢١٣ هـ، ودفن في دير مار جرجس بالمدائن. ((طبقات الأطباء)): ١٨٧، ٢٠١. (٣) (( تاريخ الطبري)) ٢٨٧/٨ . ٦٤ نعم. قال: انتقم اللهُ مَّمَّن ظلمك، فقال الناسُ في البرامكة وكَثَّروا(١). وقيل : إنَّ يحيى دخل بَعدُ على الرَّشيد ، فقال للغلمان : لا تَقُوموا له . فارْبَدَّ لَوْنُ يحيى(٢). وقيل : بل سَبَبُ قتل جعفرٍ أَنَّ الرَّشيد سلَّم له يحيى بنَ عبدِ الله بن حَسَنِ الْعَلَوي ، فَرَقَّ له، وأَطلقه سِرّاً، فجاءَ رجلٌ يَنْعتُه إلى الرشيد ، وأَنَّه رآه بحُلوان ، فأعطى الرَّجُلَ مالاً (٣). وقيل : بل أَنْشأ جعفرٌ داراً أنفق عليها عشرين ألف ألف درهم ، فأسرف . وقيل : اعتمر يحيى بنُ خالد ، فتعلَّق بالأستارِ ، وقال : ربِّ ذُنوبي عظيمةٌ ، فإنْ كُنتَ مُعاقبي ، فاجعل عُقوبتي في الدُّنيا ، وإنْ أحاطَ ذلك بسمعي وبصري ومالي وولدي حتى أبلُغَ رِضاك ، فقدحَ الأميرُ ابنُ مَاهَان عند الرشيد في موسى بن يحيى بن خالد ، وأعلمه طاعةً أهلِ خُراسان له ، وأنَّه يُكَاتِبُهم ، فاسْتوحشَ الرشيدُ منه، وركبه دينٌ ، فاختفى من الغُرماء ، فتوهَّمَ الرشيدُ أَنَّه سار إلى خُراسان ، ثم ظهر، فسجَنه . فهذا أولُ نَكْبَتِهم ، فأتت أُمُّه تُلاطِفُ الرشيد، فقال: يضمَنُه أبوه، فَضَمِنَه(٤). وغضبَ الرشيدُ أيضاً على الفضلِ بنِ يحيى لتركِهِ الشُّرب معه ، وكان الفَضْلُ يقولُ : لو علمتُ أَنَّ شُربَ الماءِ يَنقُصُ مروءتي، لتركتُه، وكان ٠ (١) (( تاريخ الطبري)) ٢٨٨/٨. (٢) (( تاريخ الطبري)) ٢٨٨/٨. (٣) ((الكامل)) لابن الأثير ١٧٥/٦ بأطول مما هنا. (٤) ((تاريخ الطبري)) ٢٩٢/٨، ٢٩٣، و((الكامل)) ١٧٦/٦، ١٧٧. ٦٥ سير ٥/٩ مشغوفاً بالسَّماع ، وكان جعفرٌ يُنادِمُ الرشيدَ ، ويأمُرُه أبوه بالإِقلالِ مِن ذلك ، فلا يَسمعُ ، وقال يحيى: يا أميرَ المؤمنين، أنا أكرهُ مداخل جعفرٍ معك ، فلو اقتصرتَ به على الإِمرة دون العُشْرة، قال : يا أبتِ ليس ذا بك ، بل تُريدُ أن تُقَدِّمَ الفضلَ عليه(١). ابن جرير : حدثنا أحمد بن زهير أظنه عن عمه زاهر [بن حرب] أن سبب هلاك البرامكة أن الرَّشيد كانَ لا يَصْبِرُ عن جعفرٍ ، وأُخته عَبّاسة، وكان يُحضِرُهما مجلسَ الشَّراب ، فيقوم هو فقال : أَزَوِّجُكها على أن لا تَمسَّها. قال : فكانا يَثْمَلَانِ، ويَذْهَبُ الرشيدُ ، ويثبُ جعفرٌ عليها ، فولدت منه غلاماً، فوجَّهَتْهُ إلى مكة ، فاختفى الأمرُ ، ثم ضَربتْ جاريةٌ لها ، فوشَتْ بها . فلما حجَّ الرشيدُ، همَّ بقتل الطفلِ ، ثم تأثّم من ذلك ، فلما وصلَ إلى الحِيْرَةِ ، بعثَ إلى مسرورٍ الخادم ، ومعه أبو عِصْمة وأجنادٌ ، فأحاطوا بجعفرٍ ليلاً، فدخلَ عليه مَسرورٌ ، وهو في مجلس لهوٍ، فأخرجه بعُنْفٍ وقَّدَهُ بقيدِ حمار ، وأتى به فأمرَ الرشيدُ بقتلِه(٢). وعن مسرورٍ قال : وقع على رجلي يُقُبِّلُها ، وقال : دعني أدخلُ ، فأُوصي . قلتُ : لا سبيلَ إلى ذا ، فَأَوْصِ بما شئتَ ، فَأَوْصَى ، وأعتقَ مماليكَهُ ، ثم ذبحتُه بعد أَنْ راجعتُ فيه الرشيد ، وجئتُه برأسه ، ووجَّهَ الرشيدُ جُنداً إلى أبيه ، فأحاطُوا به وبأولادِه ومواليه ، وأُخِذتْ أموالُهم وأملاكُهم ، وبُعثِتْ جثّةُ جعفرٍ إلى بغداد ، فصُلِبَ ، ونُودِيَ : أَلا لا أَمانَ لمن آوى (١) ((تاريخ الطبري)) ٢٩٣/٨. (٢) ((تاريخ الطبري)) ٢٩٤/٨، ولا يصح، فإن أحمد بن زهير، وعمه زاهر لا يعرفان . ٦٦ برمكياً، وصلب الرَّشيدُ أنسَ بنَ أبي شيخ على الزَّنْدَقة ، وكان مُختصَّاً بالبرامكة(١) . عن إبراهيم بن المَهْدي قال : خلا جعفرٌ يوماً بنُدَمائِه ، وأنا فيهم ، وتَضمَّخ بالطّيب، فجاءه عبدُ الملك بنُ صالح، فدخل فارْبَدَّ وجهُ جعفر، فدعا عبدُ الملك غلامَه، فنزع سواده وقَلنسُوتَه ، وأتى مجلسَنا، فَأَلْبَسُوه حريراً، وأطعم وشَرب ، فقال : والله ما شربتُه قبل اليوم ، فأخفِ عليَّ، ونادم أحسنَ مُنادَمَة ، وسُرِّيَ عن جعفرٍ ، وقال : اذكُرْ حوائجك ، فإِنِّي لا أستطيعُ مقابلَةَ ما كان منك . قال : في قلبِ أميرِ المؤمنين عليَّ مَوْجِدَةٌ ، فَتُخرِجُها . قال: قد رضيَ عنكَ أَميرُ المُؤمنين. قال: وعليَّ أربعةُ آلاف ألف . قال : قُضِيَ دَينُك. قال : وابني إبراهيمُ أُحِبُّ أَن أُزوّجَه . قال : قد زوَّجه أميرُ المؤمنين بالعالية بنتِه . قال : وأُوثِرُ أن يُولَّى بلداً. قال : قد ولَّه أميرُ المؤمنين مِصْر. فخرج، ونحن مُتعجّبون من إِقدام جعفرٍ على هذه الأمورِ العظيمةِ من غيرِ استئذان ، وركبَ إلى الرشيد ، فأمضى له الجمیع (٢). قال ابنُ خَلِّكان: بلغَ من أمر جعفرٍ أَنَّ الرَّشيدَ اتَّخذ له ثوباً له زيقان يلبسه هو وهو ، ولم يكُنْ له عنه صبر ، وكانت عبَّاسةُ أختُ الرشيد أعزَّ امرأةٍ عليه ، فكان متى غابت أو غابَ جعفرٌ ، تنغَّص ، وقال لجعفرٍ : سأُزوَّجُكَها لمجرَّد النظر، فاحذرْ أَنْ تخلُوَ بها ، فزوَّجه . فقيل : إِنَّها أحبَّته ، وراودَتْه ، فأبى، وأَعيَتْها الحيلةُ، فبعثَتْ إلى والدةِ جعفرٍ : أن ابعثيني إلى ابنك كأنّني جاريةٌ لك ، تتحفينَه بها ، فأَبَتْ ، فقالت : لئِن (١) ((تاريخ الطبري)) ٢٩٥/٧، ٢٩٦. (٢) ((وفيات الأعيان)) ٣٣٠/١، ٣٣١. ٦٧ لم تَفْعلي ، لأقولَنَّ عنك: إنَّكِ دَعَوتِيني إلى هذا، ولئن ولَدتُ من ابنِك ، ليكوننَّ لكم الشَّرفُ، فأجابتها. قال: فاقتَضَّها، فقالت: كيف. رأيت خديعةً بناتِ الخلفاء ، فأنا مَوْلاتُك، فطار السُّكُرُ من رأسه ، وقام ، وقال لُأَمِّه : بعتيني واللّه رخيصاً . وحَبِلَتْ منه، فلما ولدتْ ، وَكَّلت بالولد خادماً ومُرضِعاً، وبعثْهم إلى مكَّةَ ، ثم وشَتْ بها زُبَيدة ، فحجَّ، وتحقَّق الأمر، فأضمر السُّوءَ للبرامكة ، وأشار أبو نُوَاس إلى ذلك ، فقال : أَلَ قُل لِأَمين الل ـه وابنِ القادَةِ السَّاسَه إِذَا مَا نَاكِثٌ سَرَّ كَ أَنْ تُعْدِمَه راسَه فَلا تَقْتُلْهِ بالسَّيْفِ وَزَوِّجْهُ بَعِبَّاسَه(١) وسُئِلَ سعيدُ بنُ سالم عن ذنب البرامكة ، فقال : ما كان منهم . بعضُ ما يُوجِبُ ما فعلَ الرشيدُ ، لكن طالت أيَّامُهم ، وكلُّ طويلٍ يُمَلُّ . وقيل : رُفعت قِصَّةٌ إلى الرشيد فيها : قُلْ لأمينِ اللّه في أرضِهِ ومَنْ إلَيْه الحَلُّ والعَقْدُ هَذا ابنُ يحيى قدْ غدا مَالِكاً مِثْلَكَ مَا بَيْنَكُمَا حَدُّ وأمْرُهُ ما إنْ لَهُ رَدُّ أَمْرُكَ مردُودٌ إلى أَمْرِهِ وَقَد بَنَى الدَّارَ الَّتي ما بنى الــفُرْسُ لها مِثْلاً ولا الهِنْدُ الدُّرُّ واليَاقُوتُ حَصْبَاؤها وَتُرْبُها العَنْبَرُ والثَّدُّ وَنَحْنُ نخْشىْ أَنَّه وارِثٌ مُلْكَكَ إنْ غِيَّبَكَ اللَّحدُ فقرأها ، وأثّرت فيه(٢) . (١) الخبر بطوله في ((وفيات الأعيان)) ٣٣٢/١، ٣٣٤. (٢) ابن خلكان ٣٣٥/١، ٠٣٣٦ ٦٨ وقيل : إن أُختَه قالَتْ له : ما رأيتُ لكَ سُروراً منذُ قتلتَ جعفراً ، فِلِمَ قتلتَه؟ قال : لو علمتُ أَنَّ قميصي يعلَمُ السَّبَبَ، لمزَّقْتُه (١) عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي خطيبِ الكوفة ، قال : دخلتُ على أُمِّي يوم الأضحى ، وعندها عجوزٌ في أثوابٍ رَثَّةٍ ، فقالت : تعرِفُ هذه ؟ قلتُ : لا ، قالت : هذهِ والدةُ جعفرٍ البرمكي، فسأَّمتُ عليها ، ورحّبْتُ بها ، وقلتُ : حدِّثينا ببعض أمركم . قالتْ: لقد هجمَ عليَّ مثلُ هذا العيد ، وعلى رأسي أربع مئة جارية ، وأنا أزعمُ أَنَّ ابني عاقٌّ لي ، وقد أتيتُكم يُقنِعُني جلدُ شاتَيْن، أجعل أحدَهما فراشاً لي (٢). قال: فأعطيتُها خمس مئة درهم ، فكادتْ تموتُ فَرَحاً . لم يزلْ يحيى وآلهُ محبوسين وحالُهم حسنَةٌ إلى أَنْ سَخِطَ الرشيدُ على ابنِ عمِّه عبد الملك بنِ صالح، فَعَمَّهم بسُخْطِه ، وجدَّدَ لهم التُّهمةَ، وضيَّقَ عليهم (٣) . ودامت جُنَّةُ جعفر مُعَلَّقةً مُدَّةً ، وعُلِّقَت أطرافُه بأماكن ، ثم أُحرِقت . وقيل : لم يُحبس محمدُ بنُ يحيى . وفي تاريخ ابن خلِّكان: أَنَّ الرشيدَ دعا ياسراً غُلَامه ، فقال : قد انتخبتُكَ لَأمرٍ لم أَرَ له الأمينَ ولا المأمون، فحقّقْ ظَنِّي . قال : لو أمرتَنِي بقتلِ نفسي ، لفَعلتُ . قال : ائتني برأسِ جعفر، فَوَجم لها ، قال : ويلك ما لَكَ ؟ قال : الأمرُ عظيم، ليتَني متُّ قبل هذا. قال : (١) ابن خلكان ٣٣٦/١ ٠ (٢) ((تاريخ بغداد)) ١٥٦/٧، ١٥٧ . (٣) ((تاريخ الطبري)) ٢٩٧/٨، و((الكامل)) ١٧٩/٦. ٦٩ امضٍ ، ويلك. فمضى، فأتى جَعفراً، فقال : يا ياسر سرَرْتَني [ بإقبالك] لكن سُؤْتَني بدخُولِك بلا إِذْنٍ. قال: الأمرُ وراءَ ذلك يا جعفر، قد أُمِرْتُ بكذا ، قال المسكين - وأقبل يُقَبِّلُ قدمه ، وقال : دعني أَدْخُل وأوصي . قال : لا سبيلَ إلى ذلك، فأوصٍ . فقال: لي عليكَ حَقٌّ ، فارجِعْ إلى أميرِ المؤمنين ، وقل : قتلتُه، فإِنْ نَدِمَ ، كانَتْ حياتي على يدك . قال: لا أَقدِرُ، قال: فآتي معكَ إلى مُخَيَّمه ، وأسمعُ كلامَه، وقولك له . قال: أَمَّا هذا، فنعم . وذهب به ، فلما دخلَ ياسرٌ ، قال: ما وراءَك ؟ فذكر له قولَ جعفرٍ ، فشتمه ، وقال : لئن راجعتَني ، لُأَقَدِّمنَّك قبله . فخرجَ ، وضربَ عُنُقه، وأَتاهُ برأسه ، فقال : يا ياسر ، جِئْنِي بِفُلانٍ وفُلانٍ. فلما أَتَاهُ بهما ، قال : اضربا عُنْقَه ، فإِنِي لا أَقدِرُ أرى قاتل جعفر(١) . وقال أبو العتاهية : قُولا لمنْ يَرْتَجِي الحَيَاةَ أَمَا فِي جَعْفَرٍ عِبْرَةٌ وَيَحْيَاهُ كانَا وَزِيرَيْ خليفةِ اللّه ها رونَ هُمَا مَا هما وَزِيرَاهُ في حالِقٍ رَأْسُهُ وَنِصْفَاهُ نَجَّاهُ عن نَفْسِه وأَقْصَاهُ فَأَصْبَحوا في البلادِ قَدْ تأهُوا يُرضي به العَبْدَ يَجْزِهِ اللهُ نَشْهَدُ أَنْ لا إله إلاَّ هُو فَذَالِكُم جَعْفَرٌ بِرُمَّتِهِ والشيخُ يَحيى الوَزِيرُ أصبحَ قَدْ ثُئِّتَ بعدِ الجميع شَمْلُهُمُ كذاكَ مَنْ يُسْخِطِ الإِلهَ بِما سُبْحان مَنْ دانتِ المُلُودُ لَهُ طُوبى لمنْ تَابَ قَبْل عَثْرِتِهِ فَتَابَ قبلَ المَمَاتِ طُوْبَاهُ(٢) (١) ابن خلكان ٣٣٨/١. (٢) ((تاريخ الطبري)) ٣٠١/٨، ٣٠٢. ٧٠ قال المحدِّثُ عبدُ الله بن رَوْحِ المدائني : وُلِدتُ يومَ قتل جعفر ابن يحيى ، وهو أولُ صَفَر سنةً سبعٍ وثمانين ومئة ، عاش سبعاً وثلاثين سنة، وماتَ أخوُهُ الفَضْلُ (١) في سنة اثنتين وتسعين ومئة،" وكان أخاً للرشيد من الرَّضاعة، وأمُّه بَرْبَرِيَّةٌ وكان قد وَلِيَ إِمرةَ خُراسان ، وكان من نُبَلاءِ الرِّجالِ ، وكان أكرمَ وأجودَ من جَعْفر، لكنَّه كان ذا تيهٍ وکبْرِ عَظيم ، وصل مرةً عَمْرو بنَ جميل التَّميمي بألفِ ألفِ درهم ، وعاش خمساً وأربعين سنة ، وله عِدَّةُ إخوة . ٠٠٠٠٠٠ ١٩ - يَزيد بن مَزْيد * ابن زائدة ، أميرُ العرب ، أبو خالد الشيباني، أحدُ الأبْطالِ والأَجْواد، وهو ابنُ أخي الأمير معنٍ بن زائدة، وَلَيَ اليمن، ثم ولي أَذَرْ بيجان وأَرْمينية للرشيد، وقتلَ رأسَ الخوارج الوليد بن طَريف (٢) ، وكان يزيدُ مع فَرْطِ شجاعتِه وكرمهِ من دُهاة، العرب ، وتَمتْ له حروبٌ مع الوليد حتَّى إِنَّه بارزه بنفسه ، فتصاولا نحو ساعتين ، وتعجَّبَ منهما الجمعانِ ، ثم ضَرَب رِجْلَ الوليد ، فسقَط ، وكلاهما مِن بني شَيْبان . وقيل : إِنَّ الرشيد قال له : يا يزيدُ، ما أكثر أمَراءَ المؤمنين في قومك . قال : نعم ، إلَّ أَنَّ منابرهم الجُذوع(٣). (١) مترجم في ((تاريخ بغداد)) ٣٣٤/١٢، و((وفيات الأعيان)) ٢٧/٤، ((الطبري)) ٢٥٧/٨، ٢٦٠، ((العبر)) ٣٠٩/١، النجوم الزاهرة ١٤٠/٢، شذرات الذهب ٣٣٠/١. * المعارف : ٤١٣، جمهرة الأنساب ٣٠٧، تاريخ بغداد ٣٣٤/١٤، وفيات الأعيان ٣٢٧/٦، مرآة الجنان ٤٠٠/١، خزانة الأدب ٥٤/٣، هبة الأيام للبديعي: ٢١١، ٢١٥. (٢) انظر أخباره في ((وفيات الأعيان)) ٣١/٦. (٣) يعني : الجذوع التي يُصلبون عليها إذا قُتلوا . ٧١ وقيل: إِنَّ الرشيد أعطاهُ لما بعثَه لحرب الوليد ((ذو الفقار)) وقال : سَتُنْصَرُ بِهِ . فقال مسلم بن الوليد : أَذَكَرْتَ سَيْفَ رَسُولِ اللّه ◌ُسُنَّتَهُ وبَأْسَ أوَّلِ مَنْ صَلَّى ومَنْ صَامَا (١) يعني : علياً رضي الله عنه . قال الأصمعيُّ: رأيتُ الرشيد مُتَقَدِّداً سيفاً، فقال: ألا أُريك ((ذو الفقار)) ؟ قلتُ: بلى، قال: استَلَّ سيفي. فاستلَلْتُه، فرأيتُ فيه ثماني عشرة فَقَارة . ولمنصور بن الوليد (٢): لَوْ لَمْ يَكُنْ لِبَنِي شَيْبَانَ مِنْ حَسبٍ سوى يَزِيدَ لَفَاتُوا النَّاسَ بِالحَسَبِ قيل : نظرَ يزيدُ إلى لِحيةٍ عظيمةٍ مَخْضوبةٍ ، فقال لصاحِبها : أنتَ مِن لحيتك في مُؤنة ، قال : أَجَّل ، ولذلك أقول : لَهَا دِرْهَمْ الطَّيب في كُلِّ ◌َيْلَةٍ وَآخَرُ لِلحَّاءِ يَبْتَدِرَانِ ولَوْلا نَوَالٌ مِنْ يَزِيدَ بن مَزْيَدٍ لَصَوَّتَ فِي حَافَاتِهَا الجَلَمانِ (٣) (١) يعني بأس علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ كان هو الضارب به ، والبيت في ((ديوانه)) ص ٦٦ من قصيدة مطلعها : طيفَ الخيالِ حَمِدْنا منك إلماما داوَيْتَ سقماً، وقد هيَّجْت أسقاما (٢) كذا الأصل وهو خطأ صوابه : منصور بن الزبرقان بن سلمة النمري الشاعر المشهور المتوفى نحو ١٩٠ هـ . والبيت من قصيدة طويلة له أورد منها أبو الفرج في ((الأغاني)) ثمانية أبيات ١١٥/١٣ في ترجمته، وانظر ((تاريخ بغداد))، ٦٧/١٣، وابن خلكان ٣٣٦/٦، و ((طبقات ابن المعتز)» : ٢٤٢. (٣) الجلمان - بفتح الجيم واللام - تثنية جلم، وهو المقص - والخبر أورده المبرد في ((الكامل)) ٤٧٠/٢ ت الدكتور زكي المبارك. وفيه: ((في كل جمعة)) بدل كل ليلة. ٧٢ وبلغنا أَنَّ يزيدَ بن مَزْيد أهدِيتْ له جارِيةٌ ، فاقتَضَّها ، فماتَ على صدرها ببرذعة(١) ، سنة خمس وثمانين ومئة ، وخلّف ابنَيْه الأميرين خالداً ومحمداً . ولِمُسلم فيه مدائحُ بديعة . ٢٠ - أبو مُعَاوِيَة * (ع) مُحَمِدُ بنُ خازِمِ مولى بني سعد ، بن زيد مَنَاة ، بن تَميم ، الإِمامُ الحافظُ الحُجَّة ، أبو مُعَاوية السَّعديُّ الكوفيُّ الضَّرِيرُ ، أحدُ الأعلام . قال أحمدُ وجماعة : وُلد سنةَ ثلاث عشرة ومئة . وعمِيَ وهو ابنُ أربعِ سنين ، فأقاموا عليه مأْتَماً ، قاله أبو داود . ويُقالُ : عمِي ابنَ ثمان سنين . حدّث عن : هشام بن عُرْوة ، وعاصِم الأحْول ، ويحيى بنِ سَعيد الأنصاري، والأَعْمشِ ، وسُهَيل ، وإسماعِيلَ بنِ أبي خالد ، وبُريد بنِ عبد الله بن أبي بُردة ، وداود بنِ أبي مِنْد، وعُبَيْدِ اللّه بن عُمر، وأبي مالك الأَشْجَعِي ، وأبي إسحاق الشَّيباني ، ومحمد بن سُوْقة ، (١) مدينة من أقصى بلاد أذربيجان. * التاريخ لابن معين: ٥١٢، ٥١٣، طبقات ابن سعد ٣٩٢/٦، طبقات خليفة: ت ١٣٠٤، التاريخ الكبير ٧٤/١،، المعارف: ٥١٠، الجرح والتعديل ٢٤٦/٧ ، مشاهير علماء الأمصار : ت ١٣٦٨ ، تهذيب الكمال : لوحة ١١٩١ ، تذهيب التهذيب ١/٢٠٠/٣، العبر ٣١٨/١، ميزان الاعتدال ٥٧٥/٤، تذكرة الحفاظ ٢٩٤/١، الكاشف ٢٧/٣، دول الإسلام ١٢٣/١، نكت الهميان: ٢٤٧، شرح العلل لابن رجب ٢ /٦٦٩، تهذيب التهذيب ١٣٧/٩، النجوم الزاهرة ١٤٨/٢، طبقات الحفاظ : ١٢٢، خلاصة تذهيب الكمال : ٣٣٤. ٧٣ والكُلْبِي ، وسعدٍ بن طَرِيف الإِسْكاف ، وإسماعيلَ بنِ مُسلم المكّي ، وبَشَّارِ بنِ كِدَام ، وجعفرٍ بِنِ بُرْقَان ، وجُوَيْبِر بن سعيد، وحَجَّاجِ بنِ أَرْطاة ، والحسنِ بن عَمْرو الفُقَيمي ، وخالد بنِ إِلْياس ، وسعدِ بنِ سعيد، وعَمْرِو بن مَيْمون بنِ مِهران، وأبي بُردة عَمْرو بن يزيد ، وقَنَان ابن عبد الله ، ولَيْثِ بن أبي سُلَيْم ، وخلقٍ كثير . وعنه : ابنُه إبراهيم ، وابنُ جُرَيج شيخُه ، والأعمش شيخُه ، ويحيى ابنُ سعيد القَطَّان ، ويحيى بنُ يحيى ، وعَمْرو بنُ عَوْن، وأحمدُ بنُ يونس ، وأحمدُ بنُ حنبل ، وابنُ مَعين ، وإسحاقُ وأبو كريب ، وابنا أبي شَيْبةٍ، وعليٍّ، وأبو خَيْئمة، وسعيدُ بنُ منصور، وابنُ نُمَير، وهَنَّدٌ ، وقُتَيبة، وعليُّ بن محمد الطَّنَافِسي، وأحمدُ بنُ أبي الحَوَاري ، وأحمدُ ابن مَنِيع ، وعلىُّ بنُ حَرْب ، وأخوه أحمدُ بنُ حرب ، وأحمدُ بن سِنان ، والحسنُ بنُ عَرَفة، والحسنُ بنُ محمد الزَّعْفراني ، وسهلُ بنُ زَنْجِلَة ، وصَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ ، وسعدانُ بنُ نَصر، وعبدُ الرحمن بنُ محمد الطّرسُوسي ، وعليُّ بن إِشْكاب، ومحمدُ بنُ إسماعيل الحسَّاني ، ومحمدُ بنُ إسماعيل الأَحْمَسي ، ومحمدُ بنُ طَرِيف ، ومحمدُ بنُ عبد الله المُخَرِّمِي ، ومحمدُ بنُ المُثَنَّى العَنَزي ، ومحمد بن يحيى بن أبي عُمر العَدَني ، ويَعْقُوبُ الدَّوْرَقي، وخلقٌ كثير خاتِمتُهم أحمدُ بن عبد الجبّار العُطَارِدِيُّ . - - سُئِل أحمدُ عن أبي مُعاوية وجرير في الأعمش ، فَقَدَّم أبا مُعاوية . وقال عبدُ الله بنُ أحمد عن أبيه : كان أبو مُعاوية إذا سُئِل عن أحاديث الأَعمش ، يقولُ : قد صارَ حديثُ الأعمش في فمي عَلْقماً أو أَمَرَّ لكثرةٍ ما تردّد عليه ، ثم قال أبي : أبو معاوية في غير حديث ٧٤ . الأعمش مُضطرِبٌ ، لا يحفظُها حفظاً جيداً . وسمعتُ أبي يقول : كان والله حافظاً للقُرآن . وقال يحيى بنُ مَعين : هو أثبتُ من جرير في الأعمش . قال : وروى أبو مُعاوية عن عُبيد اللّه أحاديثَ مناكير . وقال : هو أثبتُ أصحاب الأَعمش بعد سُفيان وشُعبة . أحمد بن زُهَير ، عن ابن مَعين ، قال لنا وكيع : مَنْ تَلزَمون ؟ قلنا : نَلزمُ أبا معاوية. قال : أَمَا إِنَّه كان يَعُدُّ علينا في حياة الأعمش ألفاً وسبع مئة . فقلتُ لأبي معاوية: إِنَّ وكيعاً قال كذا وكذا . فقال : صدق ، ولكنّي مرضتُ مرضةً ، فأُنسيتُ أربع مئة . عبَّاس ، عن يحيى، قال أبو معاوية: حفظتُ مِن الأَعمش ألفاً وستَّ مئة ، فَمَرِضْتُ مرضةً ، فذهبَ عنِّي منها أربعُ مئة . قال يحيى : كان عنده ألفٌ ومئتان . وعند وكيع عن الأعمش ثمان مئة . قلتُ ليحيى : كان أبو معاوية أحسَنَهم حديثاً عن الأعمش ؟ قال : كانت تلك الأحاديثُ الكِبارُ العاليةُ عندَه(١) . قالَ عليُّ بِنُ المَديني : كتبنا عن أبي مُعاوية عن الأَعْمش ألفاً وخمس مئة حديث ، وكان عند جرير ألفٌ ومئتان عن الأعمش ، وكان عند الأعمش ما لم يكن عند أبي معاوية أربع مئة ونّيِّف وخمسون حديثاً . محمود بنُ غَيْلان ، عن أبي نُعيم : سمعتُ الأَعْمش يقول لأبي مُعاوية : أَمَّا أنتَ ، فقد ربطتَ رأسَ كيسك .. ومحمود بن غَيْلان : سمعتُ شَبابة يقول : جاء أبو معاوية إلى (١) (( تاريخ ابن معين)): ٥١٢ . ٧٥ مَجلِس شُعبة ، فقال : يا أبا معاوية ، سمعتَ حديثَ كذا من الأعمش ؟ قال : نعم . فقال شُعبةُ : هذا صاحبُ الأعمش ، فاعرفوه . وقال أبو زُرْعة الدِّمشقيُّ : سمعتُ أيا نُعَيم يقول : لزم أبو معاوية الأعمَشَ عشرين سنة . وقالَ أحمدُ بنُ عُمر الوَكِيعي : ما أدركْنا أحداً كان أعلَم بأحاديثِ الأَعْمَش من أَبي مُعاوية . قال أحمدُ بنُ داود الحرَّاني : سمعتُ أبا مُعاوية يقول : البُصَراءُ كانوا عِيالاً عليَّ عند الأعمش . وقال ابنُ عَمَّار : سمعتُ أبا مُعاوية يقول : كُلُّ حديثٍ أقول فيه ((حدثنا))، فهو ما حفظتُه من في المُحدِّث ، وماقُلتُ: ذكر فلان ، فهو ما لم أحفظُه مِن فيه ، وقُرىء عليه من كتابٍ ، فحفظتُه وعرفتُه . قال العِجْلي : كوفيٌّ ثقة، يرى الإِرجاء(١) وكان لَيِّنَ القولِ فيه . وقال يعقوبُ بنُ شَيْبة : ثقةٌ، ربما دلَّس، كان يَرَى الإِرجاء ، فيقالُ : إِنَّ وكيعاً لم يحْضُر جنازتَه لذلك . وقال أبو داود : كان رئيسَ المُرجئة بالكوفة . وقال النَّسائي : ثقة . وقال ابنُ خِراش : صدوق ، وهو في الأعْمش ثقةٌ ، وفي غيره فيه اضطراب . (١) قد تقدم غير مرة أن هذا لا يعد قدحاً في حق القائل به عند الجهابذة النقاد من المحدثين . ٧٦ وقال ابنُ حِبَّن : كان حافظاً مُنْقِناً، ولكنه كان مُرْجِئاً خَبيئاً . وقال جَرِيرُ بنُ عبد الحميد : كنا نَرْقَعُ الحديثَ عند الأعمش ، ثم نخرُجُ ، فلا يكونُ أحدٌ أحفظَ منَّا لحديثه من أبي مُعاوية . وكان هارون الرَّشيدُ يُجلُّ أبا مُعاوية، ويحتَرِمُه ، قيل: إنَّه أكل عنده ، فغسل يديه ، فكان الرَّشید هو الذي صَبَّ على يده ، وقال : تدري یا أبا معاوية من يَصُبُّ عليك؟ ثم وَصَلَهُ بذهَبٍ كثير . قالَ محمدُ بنُ عبد الله بن نُمَير : ماتَ أبو معاوية سنةً أربعٍ وتسعين ومئة . وقال عليُّ بنُ المَدِيني وجماعة : ماتَ سنة خمسٍ وتسعين ، وزاد بعضهم : في صفر أو أول ربيع الأول . أخبرنا أبو الغَنائم بنُ مَحاسن ، أخبرنا جَدِّي عبدُ الله بنُ أبي نصر القاضي ، أخبرنا عيسى بنُ أحمد، حدَّثنا الحُسينُ بنُ علي ، أخبرنا عبد الله ابن يحيى ، أخبرنا إسماعيل بنُ مُحمد الصَّفَّار ، حدثنا سَعدانُ بنُ نصر ، حذَّثنا أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن ابن سِيرين ، عن تَميمِ الدَّاريّ أَنَّه قرأ القرآنَ في ركعة(١) . أَخبرنا عبدُ المؤمن بنُ خَلَف الحافظ ، أخبرنا محمدُ بنُ عبد الله (١) وأخرجه الطحاوي ٢٠٥/١، وابن أبي داود في ((المصاحف)) من غير وجه عن عاصم بهذا الاسناد، وقد صح عنه أنه قال لعبد الله بن عمرو: ((اقرأ القرآن في كل شهر)) قال: قلت: إني أجد قوة، قال: ((فاقرأه في عشرين ليلة)) قال: قلت : إني أجد قوة، قال: ((فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك)) أخرجه البخاري ٨٤/٩، ومسلم (١١٥٩)، ولأبي داود (١٣٩٤)، والترمذي (٢٩٥٠) بسند صحيح ، عن عبد الله بن عمرو أن النبي ◌َّ* قال: ((لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)). ٧٧ ابن أبي السَّهْلِ ، ومحمدُ بنُ علي بن السَّبَّك، وعلي بن سالم، قالوا : أخبرنا أبو الفتح بنُ شاتِيل ، ونصرُ اللّه القَزَّاز قالا : أخبرنا أبو القاسم الرَّبَعِي، زادَ ابنُ شاتيل ، فقال : وأخبرنا الحسينُ بنُ عليّ ، قالا : أخبرنا محمدُ بنُ محمد البزَّاز، حدَّثنا محمدُ بنُ عَمْرو الرَّزَّاز، حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الجبَّار، حدَّثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل ، عن قَيْس ، عن جرير بن عبد الله، قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَ سِرِيَّةً إلى خَثْعَم، فاعتصم ناسٌ بالسُّجود، فَأَسْرَعَ فيهم القتلُ، فبلغ ذلك النبيِّ وََّ فَأْمَرَ لهم بِنِصْفِ العَقْلِ، وقال: (أَنا بَرِيءُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيم بَيْن ظَهْرَي المُشْرِكِين)) قالوا: يا رسول الله، ولمَ؟ قالَ: ((لا تَرَاءَى نَارَاهُمَا))(١). ٢١ - أبو معاوية الأسود * مِن كبارٍ أَوْلياءِ الله ، صحب سُفْيان الثَّوْري ، وإِبراهيم بن أدهم ، ٨ (١). وأخرجه أبو داود (٢٦٤٥ ) في الجهاد: باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود ، والترمذي (١٦٠٤ ) في السير: باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين ، كلاهما من طريق هناد بن السري ، عن أبي معاوية بهذا الإسناد ، وهذا سند رجاله ثقات إلا أن أكثر أصحاب إسماعيل وهو ابن أبي خالد لم يذكروا فيه جريراً . ورجح البخاري وغيرُه المرسل ، لكن الحديث ثابت من غير وجه ، فقد أخرج النسائي ١٤٨/٧، وأحمد ٣٦٥/٤، والبيهقي ١٣/٩ ، من طريق أبي وائل عن أبي نخيلة أو نحيلة البجلي ، قال: قال جرير: أتيت النبي ◌ّله وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك، واشترط علي فأنت أعلم، قال: ((أبايعك على أن تعبد الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتناصح المسلمين ، وتفارق المشركين )) . وإسناده صحيح ، وفي الباب عن سمرة بن جندب مرفوعاً: ((من جامع المشرك وسكن معه، فإنه مثله)) أخرجه أبو داود (٢٧٨٧ ) في آخر كتاب الجهاد. وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صل#: (( لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين الى المسلمين )) . أخرجه النسائي ٨٣/٥، وابن ماجة ( ٢٥٣٦)، وسنده حسن ، وصححه الحاكم ٦٠٠/٤، ووافقه الذهبي . * حلية الأولياء ٢٧١/٨. ٧٨ ۵٠ وغيرهما، وكان يُعَدُّ من الأَبْدال . وقيل : إنه ذهب بصرُه، فكان إذا أراد التِّلاوةَ في المصحف ، أَبصرَ بإذن الله . قالَ أحمدُ بنُ أبي الحَوَارِي : جاءَ إلى أبي مُعاوية الأسود جماعةٌ ، ثم قالوا : ادْعُ الله لنا . فقال: اللَّهَم ارْحَمْني بهم، ولا تَحْرِمْهم بي . قال أحمدُ بنُ فُضَيل العَكَّيّ : غزا أبو مُعاوية الأسود ، فحضر المسلمون حِصْناً فيه عِلْجٌ لا يَرمي بِحَجر ولا نُشَّاب إلا أصاب، فَشَكوا إلى أبي معاوية، فقرأ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ الله رَمى﴾ [الأنفال: ١٧ ] استروني منه ، فلما وقف ، قال : أين تُريدون بإذن الله ؟ قالوا : المذاكير . فقال: أيْ ربِّ ، قد سمعتَ ما سألوني ، فأعطني ذلك : بسم الله ، ثم رمى المذاكير ، فوقع . قال أبو داود : لما مات عليُّ بنُ الفُضَيل، حجَّ أبو مُعَاوية الأسود من طَرَسُوس ليُعزِّيَ الفُضيل . ومن كلامه : من كانتِ الدُّنيا هَمَّه ، طالَ غداً غَمُّه ، ومَنْ خافَ ما بين يَدَيه ، ضاق به ذَرْعُه ، وله مواعظ وحكم . ٢٢ - إبراهيم المَوْصِلي * رَئيس المُطْربين ، أبو إسحاق إبراهيم ، بن مَاهان ، بن بَهْمَن ، * الأغاني ١٥٤/٥ - ٢٥٨، تاريخ بغداد ١٧٥/٦، وفيات الأعيان ٤٢/١، ٤٣، العبر ٤٢٠/١، مرآة الجنان ٤٢٠/١، البداية ٢٠٠/١٠، النجوم الزاهرة ١٢٦/٢، شذرات الذهب ٣١٨/١. ٧٩ الفارِسي الأصل، الأرَّجَاني(١)، مولى بني حَنظلة . صَحِبَ بالكوفة فِتِياناً في طلب الغِنَاءِ ، فاشتدَّ عليه أخوالُهُ ، فهربَ إلى المَوْصِل . وكان ماهان قَدِمَ من أَرَّجَان ، وهذا حَمَل ، فُلِد بالكوفة سنة خمس وعشرين ومئة . فبرع في الآداب والشِّعرِ والموسيقى ، وسافرَ في تطلُّب ذلك إلى أن بَرّع واشتهرَ، وبَعُدَ صِيتُه، واتَّصل بالخُلفاء والبرامكة . وحصَّل الأموالَ ، وكان نَدِيَّ الصَّوْت جداً، ماهراً بالعُود ، لعَّاباً مُترفاً ، سامحه الله . وله أخبارٌ في ((الأغاني)) (٢) . وهو والدُ العَلَّمة الأديب إسحاق المَوْصلي . مات سنةً ثمانٍ وثمانين ومئة . قاله عمرُ بنُ شَبَّة . ويقال : عاش إلى [ ما] بعد الثّمانين. ٢٣ - المُعافى * (خ، د، س) المُعَافِىُ بن عِمْران، بن نُقَيل، بن جابر ، بن جَبَلة، الإِمامُ، شيخُ الإِسلام ، ياقُوتَةُ العلماء ، أبو مسعود الأَزْدي المَوْصِلي الحافظ . (١) نسبة إلى أَرَّجان بتشديد الراء : مدينة بين فارس والأهواز . (٢) ١٥٤/٥ - ٢٥٨. * طبقات ابن سعد ٤٨٧/٧، طبقات خليفة: ت ٣١٠٢، التاريخ الكبير ٦٠/٨، الجرح والتعديل ٣٩٩/٨، مشاهير علماء الأمصار: ت ١٤٨٩، تاريخ بغداد ٢٢٦/١٣، تهذيب الكمال: لوحة ١٣٤٠، تذهيب التهذيب ٢/٤٨/٤، العبر ٢٩١/١، ميزان الاعتدال ١٣٤/٤، تذكرة الحفاظ ٢٨٧/١، الكاشف ١٥٥/٣، دول الإسلام ١١٨/١، تهذيب التهذيب ١٩٩/١٠، النجوم الزاهرة ١١٧/٢، طبقات الحفاظ: ١٢٠، خلاصة تذهيب الكمال : ٣٨٠، شذرات الذهب ٣٠٨/١، منية الأدباء : ١١٩. ٨٠