النص المفهرس
صفحات 421-440
قال أحمد : کان ابنُ المبارك يُحدِّث من کتاب ، ومن حدَّث من کتاب لا یکاد أن یکون له سقط کثیر . وکان وکیع یُحدِّث من حفظه ، فکان یکون له سقَط ، كم يكون حفظُ الرجل ؟ . ١١٣ - ضَيْغم* ابن مالك ، الزَّاهدُ القدوةِ الرَّبانيُّ، أبو بكر الرَّاسِبِي البصري. أخذ عن التابعين . روى عنه: ابنُ مالك ، وسَيَّار بن حاتم ، وأبو أيوب مولى ضَيغم . قال عبد الرحمن بن مهدي : ما رأيت مثل ضيغم في الصلاح والفضل . قال ابنُ الأعرابي : كان وِرْدُه في اليوم والليلة أربع مئة ركعة ، وصلى حتى انحنى ، وكان مِن الخائفين البكَّائين . وقال علي ابن المَديني : دَفن ضيغم كتبه . وكان ينام ثلثَ الليل ، ويتعبَّد ثلثيه . توفي ضَيغَم سنة ثمانين ومئة ، هو وصاحبُهُ بُسْر بن منصور العابد في يوم . وعنه ، قال : قَوُوا على الاجتهادِ بما يَدْخُل قلوبهم من حلاوة العبادة . ١١٤ - الفُضَيل بن عياض ** (خ، م، د، س، ت) ابن مسعود بنِ بِشْر ، الإِمامُ القدوة الثَّبْتُ ، شيخ الإِسلام ، أبو علي * الجرح والتعديل ٤ / ٤٧٠ . ** التاريخ الكبير: ١٢٣/٧، التاريخ الصغير: ٢٤١/٢، المعارف: ٥١١ ، = ٤٢١ التميمي اليَرْبوعي الخراساني ، المجاورُ بحرم الله . وُلد بِسَمِرْقَند، ونشأ بأَمْوَرْدَ ، وارتحل في طلب العلم . فكتب بالكوفة عن منصور والأعمش ، وبَيان بن بِشْر، وحُصين بنِ عبد الرحمن ، ولَيث ، وعطاء بن السائب ، وصفوان بن سُليم ، وعبد العزيز بن رُفَيع ، وأبي إسحاق الشَّيباني ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وهشام بن حسَّان ، وابنٍ أبي ليلى ، ومُجالد ، وأشعث بن سَوَّار ، وجعفر الصادق ، وحُميد الطويل ، وخلقٍ سواهم من الكوفيين والحجازيين . حدَّث عنه: ابنُ المبارك ، ويحيى القطّان ، وعبدُ الرحمن بن مَهْدي ، وابن عُيينة ، والأصْمعي ، وعبدُ الرزاق ، وعبد الرحمن بن مهدي ابن هِلال ، شيخ واسطي ، وحسين الجُعْفي، وأسَدُ السنة (١) ، والشافعي ، وأحمد بن يونس ، ويحيى بن يحيى التميمي ، وابن وَهْب ، ومَسدَّد ، وقُتيبة ، وبِشر الحافي ، والسَّرِي بن مُغَلِّس السَّقطي ، وأحمد بن المِقدام ، وعبيد الله القواريري ، ومحمد بن زُنْبور المكي ، ولُوَين ، ومحمد بن يحيى العَدني، والحُميدي، وعبد الصمد بن يزيد مَردويه ، وعبدة بن عبد الرحيم المروَزي ، ومحمد بن أبي السَّري العَسْقلاني ، ومحمد بن قُدامة = المعرفة والتاريخ للفسوي: ١٧٩/١، الجرح والتعديل: ٧٣/٧، طبقات الصوفية للسلمي : ١٤/٦، حلية الأولياء: ٨٤/٨، تاريخ ابن عساكر: ١٢٩/١٤ / أس، صفوة الصفوة: ١٣٤/٢، التوابون: للمقدسي: ٢٧، وفيات الأعيان: ٤٧/٤ - ٥٠، تهذيب الكمال: ١١٠٤، تذهيب التهذيب: ٢/١٤١/٣، تذكرة الحفاظ: ٢٤٥/١، العبر: ٢٩٨/١، ميزان الاعتدال : ٣٦١/٣، روض الرياحين اليافعي: ٤١، تهذيب التهذيب: ٢٩٤/٨، النجوم الزاهرة: ١٢١/٢، ١٤٣، البصائر والذخائر: ١٨٨/٤، خلاصة تذهيب الكمال: ٣١٠، الجواهر المضيَّة: ٤٠٩/١، شذرات الذهب: ٣٦١/١. (١) هو أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن داود الأموي الملقب بأسد السنة، قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يغرب . ٤٢٢ المصِّيصي ، ويحيى بن أيوب المقابري ، وخلق كثير ، آخِرُهم موتاً الحسين ابن داود البَلْخي . وَروى عنه سفيانُ الثوري أجلُّ شيوخه ، وبينهما في الموت مئة ، وأربعون عاماً . وَروى عنه سفيانُ الثوري أجلُّ شيوخه ، وبينهما في الموت مئة ، وأربعون عاماً . قال أبو عمار الحسين بن حُرَيث ، عن الفَضْل بن موسى ، قال : كان الفضيل بن عياض شاطراً يقطعُ الطريقَ بين أَبِيوَرْد وسَرْخس ، وكان سببُ توبته أنه عشق جارية ، فبينا هو يرتقي الجدرانَ إليها ، إذ سمع تالياً يتلو ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أن تَخْشَعِ قُلوبِهُم ... ﴾ [الحديد: ١٦] فَلَما سَمِعَها ، قال : بلى يا رب ، قد آن ، فرجع ، فَآواه الليلُ إلى خَرِبة ، فإذا فيها سابلة ، فقال بعضُهم : نرحل ، وقال بعضهم: حتى [ نصبح ](١) فإِن فُضَيلاً على الطريق يقطعُ علينا . قال : ففكرتُ ، وقلت : أنا أسعى بالليل في المعاصي ، وقومٌ من المسلمين ها هنا ، يخافوني ، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدعَ ، اللهمَّ إني قد تبتُ إليك ، وجعلتُ توبتي مُجاورةً البيت الحرام . وقال إبراهيم بن محمد الشافعي : سمعتُ سفيان بن عيينة يقول : فُضيل ثقة . وقال أبو عُبيد : قال ابن مَهْدي : فضيل رجل صالح ، ولم يكن بحافظ . (١) سقطت من الأصل . ٤٢٣ وقال العِجلي : كوفي ثقة متعبِّد ، رجل صالح سكن مكة . وقال محمد بن عبد الله(١) بن عمَّار: ليت فضيلا كان يُحدثك بما يعرف ، قيل لابن عمار : ترى حديثه حجة ؟ قال : سبحانَ اللَّهِ . وقال أبو حاتم : صدوق . وقال النسائي : ثقةٌ مأمون ، رجل صالح . وقال الدارقطني : ثقة . قال محمد بن سعد : ولد بخراسان بكورة أُبِيوَرْد ، وقدِم الكوفة ، وهو كبير ، فسمع من منصور وغيره ، ثم تعبَّد ، وانتقل إلى مكة ، ونزلها إلى أن مات بها في أول سنة سبع وثمانين ومئة . في خلافة هارون ، وكان ثقةً نبيلاً فاضلاً عابداً ورعاً ، كثير الحديث . وقال أبو وَهْب محمد بن مُزَاحم : سمعتُ ابن المبارك يقول : رأيتُ أعبدَ الناس عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ، وأورعَ الناس الفُضيلَ بن عياض ، وأعلمَ الناس سفيان الثوري ، وأفقهَ الناس أبا حنيفة ، ما رأيت في الفقه ٠٥ مِثْلَه . وروى إبراهيم بن شَمَّاس ، عن ابن المبارك ، قال : ما بقي على ظَهر الأرض عندي أفضلُ مِن الفضيل بن عياض . قال نَصْر بن المغيرة البخاري : سمعت إبراهيم بن شماس يقول : رأيت أفقه الناس ، وأورع الناس ، وأحفظ الناس وكيعاً والفضيل وابن المبارك . (١) في الأصل : محمد بن عمار بن عمار، وهو خطأ ، والصواب ما أثبتناه عن ((التهذيب )). ٤٢٤ وقال عُبيد الله القواريري : أفضلُ من رأيت من المشايخ : بِشْر بن منصور ، وفُضيل بن عياض ، وعَوْن بن مَعْمر، وحمزة بن نَجيح . قلت : عَوْن وحمزة لا يكادان يُعرفان ، وكانا عابدين . قال النَّضر بن شُمَيل : سمعت الرشيدَ يقول : ما رأيتُ في العلماء أهيبَ من مالك ، ولا أورعَ من الفضيل . وروى أحمد بن أبي الحَوَاري ، عن الهَيثم بن جميل ، سمعتُ شَريكاً يقول : لم يزل لكلِّ قوم حجةٌ في أهل زمانهم ، وإن فضِيلَ بنَ عِياض حجةٌ لأهل زمانه ، فقام فتى من مجلس الهيثم ، فلما توارى ، قال الهيثم: إن عاش هذا الفتى يكون حجةً لأهل زمانه . قيل: من كان الفتى ؟ قال : أحمد ابن حنبل . قال عبد الصمد مَرْدويه الصائغ : قال لي ابنُ المبارك : إن الفضيل بن عياض صدق اللَّهَ ، فأجرى الحِكمةَ على لسانه ، فالفضيلُ ممَّن نَفَعه علمه . وقال أبو بكر عبد الرحمن بن عفان : سمعتُ ابن المبارك يقول لأبي مريم القاضي : ما بقي في الحجاز أحدٌ من الأبدال إلا فُضيل بن عياض ، وابنُه علي ، وعليٌّ مُقدَّم في الخوف ، وما بقي أحد في بلاد الشام إلا يوسف ابن أسباط ، وأبو معاوية الأسود ، وما بقي أحد بخراسان إلا شيخ حائك ، يُقال له : مَعْدان . قال أبو بكر المقاريضي المذكِّر : سمعتُ بشْر بن الحارث يقول : عشرة ممن كانوا يأكلون الحلال ، لا يُدخِلُون بطونهم إلا حلالاً ولو استقُّوا الترابَ والرماد . قلت : من هُم يا أبا نَصْر؟ قال : سفيان ، وإبراهيمُ بن ٤٢٥ أدهم، والفضيلُ بن عياض ، وابنُه ، وسليمانُ الخَوَّاص ، ويوسفُ بن أسباط، وأبو معاوية نَجيح الخادم ، وحُذَيفة المَرْعَشي ، وداود الطائي ، وُهَیب بن الورد . وقال إبراهيم بن الأشعث : ما رأيتُ أحداً كان اللَّهُ في صدره أعظمَ من الفضيل، كان إذا ذَكر الله، أو ذُكِرَ عنده ، أو سَمِعَ القرآن ، ظهر به من الخوف والحزن ، وفاضت عيناه ، وبكى حتى يرحمه من يحضُره ، وكان دائمَ الحزن ، شديدَ الفكرة ، ما رأيت رجلاً يُريد الله بعلمه وعمله ، وأخذه وعطائِهِ، ومِنْعِهِ وبذله، وبُغضِه وحبه، . وخصالِه كلِّها، غيرَه . كنا إذا خرجنا معه في جنازة لا يزال يَعِظُ ، ويذكِّر ويبكي كأنه مودِّع أصحابه ، ذاهبٌ إلى الآخرة ، حتى يبلُغَ المقابر ؛ فيجلس مكانه بين الموتى من الحزن والبكاء ، حتى يقومَ وكأنَّه رجع من الآخرة يخبر عنها . وقال عبد الصَّمد بن يزيد مردويه : سمعتُ الفضيل يقول : لم يتزِيَّن الناسُ بشيء أفضَل مِن الصدق ، وطلبٍ الحلال . فقال ابنُه علي : يا أبةٍ إِنَّ الحلالَ عزيز. قال: يا بني ، وإن قليله عند اللَّه كثير. قال سَرِي بن المُغَلِّس : سمعت الفُضيل يقول : مَنْ خاف اللَّهَ لم يضرَّه أحدٌ ، ومن خاف غيرَ اللَّه ؛ لم ينفعه أحد . وقال فَيضُ بن إسحاق : سمعتُ الفضيل بن عياض ، وسأله عبد الله ابن مالك: يا أبا علي ما الخلاصُ مما نحن فيه ؟ قال : أخبرْني ، من أطاع الله هل تضرُّه معصيةُ أحد ؟ قال : لا . قال : فمن يعصي الله هل تنفعُه طاعةُ أحد ؟ قال : لا . قال : هو الخلاصُ إن أردت الخلاص . قال إبراهيم بن الأشعث : سمعت الفضيل يقول : رَهْبَةُ العبد من اللَّه على قدر علمه بالله ، وزهادته في الدنيا على قَدر رغبته في الآخرة ، مَن عمل ٤٢٦ بما علم استغنى عما لا يعلم ، ومن عمل بما علم وفَّقه الله لما لا يعلم ، ومن ساء خلقُه شان دينَه وحسبه ومروءته . وسمعته يقول : أكذبُ الناسِ العائد في ذنبه ، وأجهلُ الناس المُدِلُّ بحسناته ، وأعلمُ الناسِ بالله أخوفُهم منه ، لن يكمُلَ عبدٌ حتى يُؤثِرَ دينَه على شهوته ، ولن يَهْلِكَ عبدٌ حتى يُؤثِرَ شهوتَه على دينه . وقال محمد بن عَبدويه : سمعتُ الفُضيل يقول : تركُ العملِ من أجل الناسِ رياءٌ ، والعملُ من أجل الناس شِرْكٌ، والإِخلاصُ أن يعافِيَكَ اللَّهُ عنهما . قال سَلْمُ بن عبد الله الخراساني : سمعت الفُضَيل يقول : إنما أمس مَثلٌ ، واليومَ عملٌ ، وغداً أملٌ . وقال فيض بن إسحاق: قال الفضيلُ : والله ما يَحِلُّ لك أن تؤذيَ كلباً ولا خنزيراً بغير حقٍّ ، فكيف تُؤذي مسلماً . وعن فضيل : لا يكون العبد من المتَّقين حتى يأمنه عَدُوُّه . وعنه : بقدر ما يصغر الذَّنبُ عندك يعظمُ عند الله ، وبقدر ما يَعْظُمُ عندك يصغرُ عند الله . قال مُحْرز بن عَون : أتيتُ الفضيل بمكّة ، فقال لي : يا مُحْرِز ، وأنت أيضاً مع أصحاب الحديث ، ما فعل القرآن ؟ والله لو نزل حرفٌ باليمن ، لقد كان ينبغي أن نذهب حتى نسمعَه ، والله لأن تكونَ راعي الحُمُرِ وأنت مقيم على ما يُحِبُّ الله، خير لك مِن الطواف وأنت مقيم على ما يكره اللَّهُ . المفضل الجندي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري ، قال : ما رأيتُ أحداً أخوف على نفسه ، ولا أرجى للناسِ مِن الفضيل. كانت قراءتُه ٤٢٧ حزينةً ، شَهِيَّةً ، بطيئة ، مترسِّلة ، كأنه يُخاطب إنساناً ، وكان إذا مربآية فيها ذِكرُ الجنة یُرَدِّد فيها ، وسأل ، وكانت صلاتُه بالليل أكثر ذلك قاعداً ، يُلقى له الحصيرُ في مسجده ، فَيُصلي مِن أول الليل ساعةً ، ثم تغلبه عينُه ، فيُلقي نفسه على الحصير ، فينامُ قليلاً ، ثم يقوم ، فإذا غلبه النومُ نام ، ثم يقومُ هكذا حتى يُصبح . وكان دأبُه إذا نعس أن ينام ، ويقال : أشدُّ العبادة ما كان هكذا . وكان صحيحَ الحديث ، صدوقَ اللسان ، شديد الهيبة للحديث إذا حدَّث ، وكان يثقُل عليه الحديثُ جداً ، وربما قال لي : لو أنك طلبتَ مِنِّي الدنانيرَ كان أيسر عليَّ من أن تطلب مني الحديث . فقلت: لو حدَّثتني بأحاديث فوائد ليست عندي ، كان أحبَّ إليَّ من أن تَهَبَ لي عدَدَها دنانير . قال : إنك مفتون ، أما واللهِ لو عملتَ بما سمعت ، لكان لك في ذلك شُغْل عمّا لم تسمع ، سمعت سليمان بن مهْران يقول : إذا كان بينَ يديك طعامٌ تأكله ، فتأخذ اللُّقمة ، فترمي بها خلفَ ظهرك متى تشبع ؟ أنبأنا أحمد بن سَلامة ، عن أبي المكارم التَّيمي ، أخبرنا الحدَّاد ، أخبرنا أبو نُعيم ، حدثنا الطبراني ، حدثنا محمد بن زكريا الغَلابي ، حدثنا أبو عمر الجَرْمي النَّحوي ، حدثنا الفضلُ بن الربيع ، قال : حجّ أميرُ المؤمنين - يعني هارون - فقال لي : وَيْحَكَ، قد حكَّ في نفسي شيءٍ ، فانظر لي رجلاً أسألُه . فقلت : ها هنا سُفيان بن عيينة ، فقال : امضِ بنا إليه ، فأتيناه ، فقرعت بابه ، فقال : من ذا ؟ فقلتُ : أجِبْ أمير المؤمنين ، فخرج مسرعاً ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، لو أرسلتَ إليَّ أتيتُك . فقال : خُذ لما جئتُك له ، فحَدَّثَه ساعةً ، ثم قال له : عليك دَيْنٌ. قال : نعم . فقال لي : اقضِ دَيْنَه ، فلما خرجنا قال : ما أغنى عني صاحبك شيئا . قلت : هاهنا عبد الرزاق . قال : امّضٍ بنا إليه ، ٤٢٨ فأتيناه ، فقرعتُ الباب فخرج ، وحادثه ساعةً ، ثم قال : عليك دينٌ ؟ قال: نعم . قال : أبا عباس ، اقضِ دينه . فلما [خرجنا](١) قال: ما أغنى عنّي صاحبُك شيئاً ، انظر لي رجلاً أسأله ، قلت : هاهنا الفضيلُ ابن عياض، قال : امضِ بنا إليه، فأتيناه ، فإذا هو قائم يُصلي، يتلُو آيَةً يُردِّدُها ، فقال : اقرع الْبَاب ، فقرعتُ ، فقال: من هذا؟ قلتُ : أجب أمير المؤمنين . قال : مالي ولأمير المؤمنين ؟ قلتُ : سبحانَ الله ، أما عليكَ طاعةٌ ، فنزل ، ففتح الباب ، ثم ارتقى إلى الغُرفة ، فأطفأ السِّراج ثم التجأ إلى زاوية ، فدخلنا ، فجعلنا نجولُ عليه بأيدينا فسبقت كفّ هارون قبلي إليه ، فقال : يا لها مِن كفِّ ما ألينَها إن نجت غداً مِن عذاب الله ، فقلتُ في نفسي : ليكلمنَّه الليلة بكلام نقيٍّ من قلب تقي ، فقال له : خذ لما جئناك له ، رحمك الله ، فقال : إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخِلافةَ دعا سالم بن عبد الله ، ومحمد بن كعب ، ورجاء بن حَيوة ، فقال لهم : إني قد ابتُليتُ بهذا البلاءِ ، فأشيروا عليَّ . فعدَّ الخلافةَ بلاءً ، وعددتَها أنت وأصحابُك نِعمةً . فقال له سالم : إن أردتَ النجاة ، فصم الدنيا وليكن إفطارُك منها الموت . وقال له ابن كعب : إن أردتَ النجاة من عذاب الله ، فليكن كبيرُ المسلمين عندك أباً ، وأوسطُهم . أخاً ، وأصغرُهم ولداً، فوقِّرْ أباك، وأكرِمْ أخاك، وتَحنَّنْ على ولدك. وقال له رجاء : إن أردت النَّجاة مِن عذاب الله، فأحبَّ للمسلمين ما تُحِبُّ لنفسك ، واكره لهم ما تكره لِنفسك ، ثم مُت إذا شئت ، وإني أقولُ لك هذا ، وإني أخافُ عليك أشدَّ الخوف يوماً(٢) تَزِلَّ فيه الأقدامُ ، فهل معك رحمك الله من (١) سقطت من الأصل، واستدركت من ((الحلية)) ١٠٦/٨. (٢) في الأصل: ((يوم)) وما أثبتناه من ((الحلية)). ٤٢٩ يُشير عليك بمثل هذا. فبكى بكاءً شديداً حتى غُشي عليه . فقلتُ له : ارفُقْ بأميرٍ المؤمنين ، فقال : يا ابنَ أمِّ الربيع تقتُله أنت وأصحابُك ، وأرفُق به أنا ؟ ثم أفاق ، فقال له : زدني رحمك الله . قلتُ : بلغني أن عاملًا لعمر بن عبد العزيز شُكي إليه ، فكتب إليه : يا أخي أذكِّرك طولَ سَهَر أهل النار في النار مع خلود الأبد ، وإيَّك أن يُنْصَرف بك من عند الله، فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء ، فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قَدِمَ عليه ، فقال : ما أقدمك ؟ قال : خلعتَ قلبي بكتابك ، لا أعودُ إلى ولاية حتى ألقى اللَّهَ. فبكى هارون بكاءً شديداً فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن العبّاس عمَّ النبي ◌َّ جاء إليه فقال: أُمِّرْني، فقال له : ((إِنَّ الإِمارَةَ حَسْرَةٌ ونَدَامٌ يومَ القيامةِ، فإن اسْتَطعتَ أن لا تكونَ أميراً فافْعِلْ))(١) . فبكى هارون ، وقال : زِدْني . قَال : يا حسنَ الوجه أنتَ الذي يسألُك الله عن هذا الخلقِ يومَ القيامة ، فإن استطعت أن تقي هذا الوجهَ مِن النار ، فافعل، وإيّاك أن تُصبحَ وتمسيَ وفي قلبك غِشٌْ لأحد من رعيتك، فإن النبي ◌َّه قال : ((مَنْ أصْبحَ لَهُمْ غَاشَّاً لم يَرِحْ رائحة الجنة ))(٢) . فبکی هارون وقال له : أ (١) ذكر الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: ٣٥٠/٢ حديث العباس بلفظ: « یا عباس ، يا عم النبي ، نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها )) وقال : أخرجه ابن أبي الدنيا معضلاً بغير إسناد ، ورواه البيهقي من حديث جابر متصلاً ، ومن رواية ابن المنكدر مرسلاً ، وقال : هذا هو المحفوظ مرسلاً ، والمحفوظ أيضاً حديث أبي ذر قلت يا رسول الله ألا تستعملني ؟! قال: (( إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)). أخرجه مسلم في صحيحه (١٨٢٥)، وحديث عبد الرحمن بن سمرة: ((لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)) ، أخرجه البخاري: ١١٠/١٣، ومسلم (١٦٢٥) وحديث أبي هريرة، أن النبي ◌َّا* قال: ((إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة )) أخرجه البخاري : ١١١/١٣، والنسائي في البيعة: باب ما يكره من الحرص على الإمارة، والقضاء: باب النهي عن مسألة الإمارة ، وأحمد : ٤٧٦/٢ . (٢) أخرجه البخاري : ١١٢/١٣، ١١٣، في الأحكام : باب : من استرعي رعية فلم ينصح ، ومسلم (١٤٢ ) في الإِيمان : باب : استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار ، من حديث = ٤٣٠ ۔ عليك دينٌ؟ قال: نعم ، دينّ لربي ، لم يحاسبني عليه . فالويلُ لي إن ساءلني ، والويلُ لي إن ناقشني ، والويلُ لي إن لم أُلهَم حجتي . قال : إنما أعني من دَین. العباد . قال : إن ربِّي لم يأمُرني بِهذا ، أمرني أن أصدق وعده ، وأطيع أمرَه ، فقال عز وجل : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [ الذاريات: ٠.٥٦] الآيات. فقال: هذه ألفُ دينار خذها ، فأنفقْها على عيالك ، وتقوَّ بها على عبادة ربك . فقال : سبحان الله ، أنا أدلَّك على طريق النجاة ، وأنت تُكافئني بمثل هذا. سَلَّمكَ اللَّهُ، ووفّقك. ثم صمت، فلم يُكلِّمنا ، فخرجنا ، فقال هارون : أبا عباس ، إذا دللتني ، فدلني على مثل هذا، هذا سيِّد المسلمين. فدخلَتْ عليه امرأةً مِن نسائِه فقالت: قد ترى ما نحن فيه من الضِّيق، فلو قبلتَ هذا المال. قال: إنما مَثلي ومثلكُم كمثلِ قومٍ لهم بعير يأكلون من كْبِهِ ، فلما كَبِرَ ، نحروهُ ، فأكلوا لحمَه ، فلما سمع هارون هذا الكلام قال : ندخل فعسى أن يقبل المال ، فلما علم الفضيلُ ، خرج فجلس في السّطح على باب الغرفة ، فجاء هارون ، فجلس إلى جنبه ، فجعل يُكلمه فلا يُجيبه . فبينا نحن كذلك إذ خرجت جاريةٌ سوداء ، فقالت : يا هذا، قد آذيتَ الشيخ منذ الليلة ، فانصرفْ فانصرفنا . حكاية عجيبة، والغلابي غير ثقة، وقد رواها غيرُه . أخبرتنا عائشة بنت عيسى ، أخبرنا ابن راجح ، أخبرنا السِّلَفي ، أخبرنا العلَّف، أخبرنا أبو الحسن الحمَّامي ، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحجّاج بالْمَوصل ، حدثنا محمد بن سعدان الحَرَّاني ، حدثنا أبو عمر النحوي ، هو = مغفل بن يسار قال: سمعت رسول الله #* يقول: ((ما من أحد يسترعيه الله عز وجل رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) وفي رواية: ((فلم يحطها بنصح لم يرح رائحة الجنة )). ٤٣١ الجَرْمي ، عن الفَضْل بن الربيع ، بها . قال محمد بن علي بن شقيق: حدثنا أبو إسحاق قال : قال الفضيل : لو خُيِّرت بَيْنَ أن أعيش كلباً وأموتَ كلباً ، ولا أرى يومَ القيامة ، لاخترتُ ذلك . وقال فيض بن إسحاق: سمعتُ الفُضيل يَقول : واللَّه لأن أكونَ تراباً أحبُّ إليّ من أن أكونَ في مِسْلاخ أفضلِ أهل الأرض ، وما يَسرُّني أن أعرف الأمر حقَّ معرفته ، إذاً لطاش عقلي . وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري : سمعتُ الفضيل يقول : لو قلت: إنك تخاف الموت ما قبلت منك ، لو خفتَ الموتَ ما نفعك طعامٌ ولا شراب ، ولا شيء . ما يسرُّني أن أعرِفَ الأمر حقِّ معرفته إذاً لطاش عقلي ، ولم أنتفع بشيء . عبد الصمد بن يزيد : سمعتُ الفضيل يقول : لا تجعلِ الرجالَ أوصياءَك ، كيف تلومُهم أن يُضيعوا وصيتك ، وأنت قد ضيعتها في حياتك . وسمعته يقول : إذا أحبَّ اللَّهُ عبداً، أكثر غمَّه، وإذا أبغض عبداً، وسَّع عليه دنياه . وقال إبراهيم بن الأشْعث : سمعتُ الفضيل يقول : من أحبُّ أن يُذْكَر لم يذكر ، ومن كره أن يُذکر ذُكِرَ . وسمعته يقول : وعزَّتِه ، لو أدخلني النار ما أيستُ . وسمعته - وقد أَفَضْنا من عرفات - يقول: واسوأتاهُ - واللَّهِ منك - وإن عفوتَ . وسمعته يقول : الخوفُ أفضل من الرَّجاء مادام الرجلُ صحيحاً ، فإذا نزل به الموت ، فالرجاءُ أفضل . ٤٣٢ قلت: وذلك لِقوله ◌َ﴿ه: ((لا يَمُوتَنَّ أحَدُكُمْ إلا وهو يُحْسِنُ الظَنَّ بالله))(١) . روى أحمد بن إبراهيم الدَّورقي ، عن عليّ بن الحسن قال : بلغ الفضيلَ أن حَرِيزاً يُريد أن يأتيه ، فأقفل البابَ مِن خارج ، فجاء فرأى الباب مقفلًا ، فرجع ، فأتيتُه ، فقلت له : حريز . قال : ما يَصْنعُ بي ، يُظهِرُ لي محاسنَ كلامه ، وأُظهِرُ له محاسن كلامي ، فلا يتزيَّنُ لي ، ولا أتزينُ له ، خيرٌ له . ثم قال علي : ما رأيتُ أنصحَ للمسلمين ، ولا أخوفَ منه ، ولقد رأيتُه في المنام قائماً على صندوق يُعطي المصاحف ، والناسُ حوله ، فيهم : سفيان بن عُيينة، وهارون أمير المؤمنين ، فما رأيتُه يودّع أحداً ، فيقدر أن يتمَّ وداعه . قال فیض بن وثیق(٢) : سمعت الفضیل یقول : إن استطعتَ أن لا تكون محدِّثاً ولا قارئاً ، ولا متكلِّماً . إن كنت بليغاً، قالوا: ما أبلغَه ، وأحسَنَ حديثه ، وأحسنَ صوته ، فيُعجبك ذلك ، فتنتفخ ، وإن لم تكن بليغاً ، ولا حسنَ الصوت ، قالوا : ليس يُحسن يحدِّث ، وليس صوته بحسَن ، أحزنك ذلك ، وشقَّ عليك ، فتكون مرائياً ، وإذا جلست ، فتكلمت ، فلم تُبَالِ مَنْ ذمك ومَن مدحك ، فتكلَّمْ . وقال محمد بن زُنْبور: قال الفضيل : لا يَسْلَمُ لك قلبُك حتى لا تبالي مَنْ أكل الدنيا . (١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢٨٧٧) في الجنة وصفة نعيمها وأهلها . من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع النبي #9 قبل موته بثلاثة أيام يقول: (( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عزّ وجلّ ». (٢) كذا الأصل: ((فيض بن وثيق)) وهو مترجم في ((الجرح والتعديل)) ولكنه لم يذكر في شيوخه الفضيل ، وربما يكون محرفاً عن فيض بن إسحاق وهو خادم الفضيل ، وقد روى عنه أكثر من خبر تقدمت في هذه الترجمة وسيأتي بعضها. وانظر ((الجرح والتعديل)) ٨٨/٧. ٤٣٣ وقيل له : ما الزُّهد ؟ قال : القُنوع، قيل : ما الوَرعُ؟ قال : اجتنابُ المحارم . قيل : ما العبادة ؟ قال : أداءُ الفرائض . قيل: ما التَّواضعُ ؟ قال : أن تخضع للحق . وقال : أشدُّ الورع في اللسان . قلت : هكذا هو ، فقد ترى الرجلَ ورعاً في مأكله وملبسه ومعاملته ، وإذا تحدَّث يدخل عليه الداخلُ مِن حديثه ، فإما أن يتحرَّى الصدق ، فلا يكمل الصدق ، وإما أن يصدق ، فينمق حديثه ليُمدَح على الفصاحة ، وإما أن يُظهر أحسنَ ما عنده ليعظم ، وإما أن يسكُت في موضع الكلام ، ليُثْنَى عليه . ودواءُ ذلك كله الانقطاع عن الناس إلا مِن الجماعة . قال عبد الصمد بن يزيد: سمعتُ الفضيل يقول : لو أنَّ لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في إمامٍ ، فصلاحُ الإِمام صلاحُ البلاد والعباد . وسمعته يقولُ : إنما هما عالمان : فعالمُ الدنيا علمهُ منشورٌ ، وعالمُ الآخرة علمُه مستورٌ . احذروا عالمَ الدنيا ، لا يضرّكم بسُكْره ، العلماء كثير ، والحكماء قليل . وعنه : لا يبلُغُ العبدُ حقيقة الإيمان حتى يَعُدَّ البلاءَ نعمةً ، والرخاءَ مصيبة ، وحتى لا يُحِبَّ أن يُحمد على عبادة الله . قال الحسين بن زياد المَرْوزي : سمعت فُضيلاً يقول : لو حلفتُ أني مراء كان أحبُّ إليَّ مِن أن أحلف أني لستُ بمراء ، ولورأيتُ رجلًا اجتمع الناسُ حوله لقلت : هذا مجنون ، مَن الذي اجتمع الناسُ حوله ، لا يُحب أن يُجوِّد كلامَه لهم ؟ فيض بن إسحاق : سمعتُ فضيلًاً يقول : ليست الدنيا دارَ إِقامة ، وإنما آدم [ أُهبط ] إليها عقوبةً ، ألا ترى كيف يَزْويها عنه ، ويمرِّرها عليه بالجوع، ٤٣٤ بالعُري ، بالحاجة ، كما تصنعُ الوالدة الشفيقة بولدها، تسقيه مرةً حُضَضَاً (١) ومرةً صَبِراً ، وإنما تُريد بذلك ما هو خيرٌ له . وعن الفضيل : حرامٌ على قلوبكم أن تُصيب حلاوةَ الإِيمان حتى تزهدوا في الدنيا . وعنه : إذا لم تقدِرْ على قيام الليل ، وصيامِ النهار ، فاعلم أنك محرومٌ ، كبَّلَتْكَ خطيئْتُك . وعن فضيل ، ورأى قوماً مِن أصحاب الحديث يمرَحُون ويضحكون ، فناداهم : مَهْلاً يا ورثَةَ الأنبياء ، مَهْلاً ثلاثاً، إنكم أئمة يُقتدَى بكم . قال ابن عُيينة : سمعت الفضيل بن عياض يقول : يُغْفَر للجاهل سبعون ذنباً ما لا يغفر للعالم ذنب واحد (٢) قال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو جعفر الحذَّاء ، سمعت الفضيل يقول : أخذتُ بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي ، فقلتُ : إن كنتَ تظنُّ أنه بقي على وجه الأرض شرٌّ مني ومنك ، فبئس ما تَظُنُّ . قال عبد الصمد مَرْدويه : سمعتُ الفُضيل يقول : من أحبَّ صاحبَ بدعة، ، أحبط الله عملَه، وأخرج نورَ الإِسلام من قلبه ، لا يرتفِعُ لصاحب بدعة إلى الله عمل ، نظرُ المؤمن إلى المؤمن يجلو القلبَ، ونظرُ الرجل الى صاحب بدعة يورث العمى ، من جلس مع صاحب بدعة . لم يُعْطَ الحكمة . قال أبو العباس السَّراج : حدثني أبو النَّضْر إسماعيل بن عبد الله ، حدثنا يحيى بن يوسف الزَّمِّي ، عن فُضيل بن عياض قال : لما دخل عليَّ هارونُ أمير (١) الحضض : عصارة شجر معروف مر المذاق يُتداوى به ، ويشبه الصبر . (٢) في الأصل ((ذنباً واحداً)) والتصويب من ((حلية الأولياء)) ١٠٠/٨. ٤٣٥ المؤمنين قلتُ : يا حسن الوجه ، لقد كُلُّفْتَ أمراً عظيماً، أما إني ما رأيتُ أحداً أحسن وجهاً منك ، فإن قدرتَ أن لا تُسوِّد هذا الوجه بلفحة مِن النار ، فافعل . قال : عظني . قلتُ : بماذا أَعِظُكَ؟ هذا كتابُ الله بين الدَّفتين ، انظر ماذا عَمِلَ بمن أطاعه ، وماذا عمل بمن عصاه ، إني رأيتُ الناس يغوصون على النار غَوْصاً شديداً ، ويطلبونها طلباً حثيثاً ، أما واللَّهِ لو طلبوا الجنةَ بمثلها أو أيسرَ ، لنالوها ، وقال: عد إليَّ، فقال : لولم تبعث إليّ لم آتك، وإن انتفعتَ بماسمعتَ ، عدتُ إليك . قال إبراهيم بن الأشعث : سمعتُ الفضيل يقول في مرضه : ارحمني بحبِّي إياك فليس شيء أحبَّ إليَّ منك . وسمعته يقول وهو يشتكي: مسَّني الضر وأنت أرحم الراحمين . وسمعته يقول : من استوحش من الوحدة ، واستأنس بالناسٍ ، لم يَسلم من الرِّياء ، لا حجّ ولا جهادَ أشدُّ مِن حبس اللسان ، وليس أحد أشدَّ غَماً ممن سجن لسانَه . قال الحسين بن زياد : سمعتُ الفضيل كثيراً يقول : احفظ لسانك ، وأقبِلْ على شأنك ، واعرف زَمانك ، وأخفٍ مكانك . وقال أحمد بن إبراهيم الدَّورقي : حدثنا الفيضُ بن إسحاق ، سمعتُ الفضيل يقول : وددت أنه طارفي الناس أني مُتُّ حتى لا أذكر . إني لأسمعُ صوت أصحابِ الحديث ، فيأخذني البول فَرَقاً منهم . وقال الدَّورقي : حدثنا الحسين بن زياد ، سمعتُ فضيلا يقول لأصحاب الحديث : لِمَ تُكرهوني على أمرٍ تعلمون أني كاره له - يعني الرواية -؟ لو كنتُ عبداً لكم ، فكرهتكم كان نَوْلي أن تبيعوني ، لو أعلمُ أني إذا دفعت ردائي هذا ٤٣٦ إليكم ذهبتُم عني ، لفعلت . الدَّورقي: وسمعت إسحاق بن إبراهيم يقول : سمعتُ الفضيل يُخاطب نفسه : ما أراه أخرجك من الحِلِّ فدسَّك في الحرم إلا ليُضْعف عليك الذنب ، أما تستحي تذكرُ الدينارَ والدرهم ، وأنت حولَ البيت ، إنما كان يأتيه التائب والمستجير . وعن الفضيل قال : المؤمن يَغْبِطُ ولا يحسدُ ، الغبطة من الإِيمان ، والحسدُ من النفاق . قلتُ: هذا يُفسِّر لك قوله عليه الصلاةُ والتسليم: ((لا حَسَدَ إلَّ في اثْنَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مالًا يُنفِقُهُ في الحَقِّ، وَرَجلٍ آتَاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِه آنَاءَ الليلِ وأطْرافَ النهار))(١). فالحسدُهنا معناه: الغِبطةُ، أن تَحسُدَ أخاك على ما آتاه الله، لا أنك تحسُده، بمعنى أنك تودُّ زوالَ ذلك عنه، فهذا بغيٌ وخُبْثٌ . وعن الفضيل قال : من أخلاقِ الأنبياء الحلمُ والأناةُ وقيام الليل . قال أبو عبد الرحمن السُّلمي : أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر ، أخبرنا الحسن بن عبد الله العسكري ، حدثنا ابن أخي أبي زُرْعة ، حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه ، حدثنا أبو عمَّار، عن الفَضْل بن موسى قال : كان الفضيلُ شاطِراً(٢) يقطعُ الطريق ، فذكر الحكاية ، وقد مضت . (١) أخرجه البخاري: ٦٥/٩، ومسلم (٨١٥ ) من حديث ابن عمر ، وأخرجه البخاري : ١٥٢/١، ١٥٣، ومسلم (٨١٦) من حديث ابن مسعود . (٢) قال في ((اللسان)): وشطر عن أهله شُطوراً وشُطورة وشطارة : إذا نزح عنهم وتركهم مراغماً أو مخالفاً ، وأعياهم خبثاً، والشاطر مأخوذ منه، وأراه مولداً. وقال الجوهري: شَطَرَ وشَطُر بالضم شطارة فيهما . قال أبو اسحاق : قول الناس فلان شاطر معناه أنه أخذ في نحو غير الاستواء ، ولذلك قيل له : شاطر ، لأنه تباعد عن الاستواء . ٤٣٧ وقال إبراهيمُ بن الليث : حدثنا المحدِّث علي بن خَشْرَم قال : أخبرني رجلٌ مِن جيران الفضيل من أَبِيوَرْد ، قال : كان الفضيلُ يقطع الطريق وحدَه، فبينا هو ذاتَ لَيلة ، وقد انتهت إليه القافلةُ ، فقال بعضهم : اعدِلُوا بنا إلى هذه القرية ، فإن الفُضيل يقطع الطريق . فسمع ذلك ، فأُرعِدَ ، فقال : يا قوم جُوزوا ، واللَّهِ لأجتهدن أن لا أعصيَ اللَّه . وروي نحوها من وجه آخر ، لكنه في الإِسناد ابن جَهْضَم ، وهو هالك . وبكل حال : فالشركُ أعظمُ مِن قطع الطريق ، وقد تاب من الشِّرك خَلْقٌ صاروا أفضلَ الأمة . فنواصي العباد بيد الله تعالى، وهو يُضلَّ من يشاء ، ويهدي إليه من أناب . قال إبراهيم بن سعيد الجَوْهري: قال لي المأمون ، قال لي الرَّشيد : ما رأت عيناي مثلَ فُضيل بن عياض ، دخلتُ عليه فقال لي: فرِّغْ قلبَك للحزن وللخوف حتى يسكناه ، فيقطعاك عن المعاصي ، ويُباعداك من النار . وعن ابن أبي عمر قال : ما رأيتُ بعد الفضيل أعبدَ مِن وكيع . قال إبراهيم بن الأشْعث : رأيتُ سفيان بن عيينة يُقَبِّل يدَ الفضيل مرَّتين، وعن ابن المبارك قال : إذا نظرتُ إلى الفضيل، جدَّدَلي الحزنَ ، ومقتُّ نفسي ، ثم بكى . قال يحيى بن أيُّوب : دخلتُ مع زافربن سليمان على الفُضيل بن عياض ، فإذا معه شيخٌ ، فدخل زافر ، وأقعدني على الباب . قال زافر : فجعل الفضيلُ ينظر إليَّ ثم قال: هؤلاء المحدِّثون يُعجبهم قُرْبُ الإِسناد ، ألا أُخبرُك بإسناد لا شكَّ فيه ، رسول الله عن جبريل، عن الله: ﴿نَاراً وَقُودُها الناسُ والحجارةُ عليها ملائكةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ ﴾ [ التحريم: ٦]. فأنا وأنت يا أبا سليمان من النَّاس ، ثم ٤٣٨ غُشي عليه ، وعلى الشيخ ، وجعل زافرينظر إليهما ، ثم خرج الفُضيل ، وقُمنا، والشيخ مَغِشيٍّ عليه . قال سھْل بن راهويه : قلتُ لابن عيينة : ألا ترى إلى الفضيل لا تكادتچِفُّ له دمعة . قال : إذا قَرِح القلب ، نَدِيت العينانِ . قال الأصمعي : نظر الفُضيل إلى رجل يشكو إلى رجل ، فقال : يا هذا تشكو من يرحمُك إلى من لا يرحمُك . قال أحمد بن [ أبي ] الحَوَاري : حدثنا أبو عبد الله الأنطاكي قال: اجتمع الفضيل والثَّورِيُّ ، فتذاكرا ، فَرَقَّ سفيانُ وبكى ، ثم قال : أرجو أن يكون هذا المجلسُ علينا رحمة وبركة . فقال له الفضيل : لكني يا أبا عبد الله أخاف أن لا [ يكون ] أضَرَّ علينا منه. ألست تخلَّصت إلى أحسن حديثك، وتخلَّصتُ أنا إلى أحسن حديثي ، فَتَزَيِّنْتَ لي وتزينتُ لك ؟ فبكى سفيان ، وقال : أحييتني أحياك الله . وقال الفيض : قال لي الفضيل : لوقيل لك : يا مُرائي ، غضبتَ ، وشقَّ عليك ، وعسى ما قيل لك حق ، تزيَّنتَ للدنيا وتصنَّعتَ ، وقصرتَ ثيابك ، وحسنتَ سمتك ، وكففتَ أذاك حتى يُقال: أبو فلان عابدُ ، ما أحسنَ سَمْتَه فيكرمونك ، وينظرونك ، ويقصدونك ويهدون إليك ، مثل الدرهم السُّتُّوق(١) لا يعرفه كُلُّ أحد فإذا قُشر ، قُشر عن نحاس . إبراهيم بن الأشعث : سمعتُ الفُضيل يقول : بلغني أن العلماء فيمامضى (١) هو الرديء الزيف الذي لا خير فيه ، وضبطوه بفتح السين وبضمها مع تشديد التاء المضمومة فيهما ، قال في ((اللسان)): وكل ما كان على هذا المثال ، فهو مفتوح الأول إلا أربعة أحرف جاءت نوادر وهي : سبُّوحِ، وقُدُّوس ، وذُرُّوح ، وستُّوق ، فإنها تفتح وتضم . ٤٣٩ كانوا إذا تعلموا عَمِلُوا، وإذا عَمِلُوا شُغِلوا، وإذا شُغِلُوا فُقِدوا ، وإذا فُقِدوا طُلِبوا ، فإذا طُلِبُوا هربوا . وعنه قال: كفى بالله محَباً وبالقرآن مُؤْنِساً ، وبالموت واعظاً ، وبخشية الله علماً ، وبالاغترار جهلاً . وعنه : خصلتان تقسِّيان القلب : كثرةُ الكلام ، وكثرةُ الأكل . وعنه : كيف ترى حال من كثرت ذنوبُه، وضَعُفَ علمُه ، وفني عمرهُ ، ولم يتزود لمعاده . وعنه: يامسكين ، أنت مسي ءٌ وترى أنك محسن ، وأنت جاهل وترى أنك عالم ، وتبخلُ وترى أنك كريم ، وأحمق وترى أنك عاقل ، أجلُكَ قصير ، وأملُك طويل . قلت : إي واللهِ ، صدق ، وأنت ظالم وترى أنك مظلومٌ ، وآكل للحرام وترى أنك متورِّع، وفاسق وتعتقِدُ أنك عَدْلٌ ، وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبُه لله . عباس الدُّوري : حدثنا محمد بن عبد الله الأنْباري ، قال : سمعت فُضیلاً يقول : لما قَدِمَ هارون الرشيد إلى مكّة قعد في الحِجْر(١) هو وولدُه ، وقومٌ من (١) هو من الكعبة ، إلا قريشاً عجزت عن بنائه حين جددت بناء الكعبة ، فقد أخرج الترمذي (٨٧٦) والنسائي ٢١٩/٥، وأبو داود (٢٠٢٨) من طريق علقمة ، عن أمه ، عن عائشة قالت : كنت أحب أن أدخل البيت ، فأصلي فيه، فأخذ رسول الله وَطقه بيدي ، فأدخلني الحجر ، فقال : صل في الحجر إن أردت دخول البيت ، فإنما هو قطعة من البيت ، ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت)). وأخرج مسلم في ((صحيحه)) (١٣٣٣) (٤٠١) من طريق سعيد بن ميناء ، عن عبد الله بن الزبير قال: حدثتني خالتي عائشة قالت: قال رسول الله وَلته ((يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة ، فألزقتها بالأرض ، وجعلت لها = ٤٤٠