النص المفهرس
صفحات 401-420
عاصم ، عن عبيد بن أبي عبيد، عن أبي هريرة قال : ومررت معه ببقعة، فقال: سمعت رسول الله وَّه يقول: ((رُبَّ يمين لا تَصْعَدُ إلى الله عزَّ وجلَّ في هذِهِ البُقْعَةِ))(١). قال أبو هريرة : فرأيت فيها النَّخاسين . وبه إلى ابن المبارك : أخبرنا ابن عَجْلان ، عن نافع ، عن ابن عمر، عن النبي ◌ََّ قال: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وكُلُّ مُسكِرٍ خَمْرٌ))(٢). أخبرنا إسحاق بن طارق الأسدي ، أخبرنا ابنُ خليل ، أخبرنا عبد الرحيم بن محمد الكاغِدي ، أخبرنا أبو علي المقرىء، أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا محمد بن إسحاق ، سمعت ابن أبي رِزْمة ، سمعت علي بن الحسن بن شقيق ، سمعت عبد الله بن المباركِ يقول : إنَّا لنحكي كلامَ اليهودِ والنصارى ، ولا نستطيعُ أن نحكي كلامَ الجَهْمية(٣). وبه إلى محمد بن إسحاق السَّراج: سمعت أبا يحيى يقول: (١) إسناده ضعيف لضعف عاصم بن عبيد الله العمري ، وشيخه عبيد بن أبي عبيد لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، وهو في ((المسند ((٣٠٣/٢ من طريق عبد الرحمن، عن سفيان ، عن عاصم ، عن عبيد ، عن أبي هريرة . (٢) إسناده حسن، وأخرجه مسلم (٢٠٠٣) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعاً: (( كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب ، لم يشربها في الآخرة )) وأخرجه أحمد ٩٨/٢، والترمذي (١٨٦١)، وأبو داود (٣٦٧٩)، والنسائي ٥٥٨/٩ . (٣) أتباع جهم بن صفوان الراسبي المكنى بأبي محرز ، نشأ في سمرقند بخراسان ، ثم قضى فترة من حياته الأولى في ترمز ، وكان مولى لبني راسب من الأزد ، وقد أطبق السلف على ذمه بسبب تغاليه في التنزيه ، وإنكار صفات الله ، وتأويلها المفضي إلى تعطيلها . وقد قتل سنة ١٢٨ هـ مع الحارث بن سريج في حربه ضد بني أمية . ٤٠١ سمعت علي بن الحسن بن شقيق يقول : قلت لعبد الله بن المبارك : كيف يعرفُ ربُّنا عز وجل ؟ قال : في السماء على العرش . قلتُ له : إن الجَهْمية تقول هذا. قال : لا نقول كما قالت الجهمية : هو معنا هاهنا . قلت : الجهمية يقولون : إن الباري تعالى في كلُّ مكان ، والسلف يقولون : إن علم الباري في كُلِّ مكان ، ويحتجُّون بقوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ﴾ [ الحديد: ٤] يعني: بالعلم ، ويقولون: إنَّه على عرشه استوى ، كما نطق به القرآن والسنة . وقال الأوزاعيُّ ، وهو إمام وقته : كنا - والتابعون متوافرون - نقول : إن الله تعالى فَوقَ عرشه ، ونُؤْمِنُ بما وردت به السنَّة من صِفاته ، ومعلوم عند أهل العلم من الطوائف أن مذهبَ السلف إمرارُ آيَاتِ الصِّفات وأحاديثها كما جاءت مِن غير تأويل ولا تحريف ، ولا تشبيه ولا تكييف ، فإن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذاتِ المقدسة . وقد عَلِمَ المسلمون أن ذاتَ الباري موجودةٌ حقيقة ، لا مِثْلَ لها ، وكذلك صفاتُه تعالى موجودة ، لا مِثْل لها . أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه ، إجازة ، أخبرنا عبد القادر الحافظ ، أخبرنا محمد بن أبي نصر بأصْبهان ، أخبرنا حسين بن عبد الملك ، أخبرنا عبد الله بن شَبيب ، أخبرنا أبو عمر السُّلمي ، أخبرنا أبو الحسن اللُّبناني، حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب ((الرد على الجهمية))(١) له، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم (١) ينفي غير واحد من أهل العلم - ومنهم المؤلف - نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد ، فقد رواه عن عبد الله بن الإمام أحمد الخضر بن المثنى ، وهو مجهول ، والرواية عن مجهول = ٤٠٢ الدَّورقي ، حدثنا علي بن الحَسن بن شقيق قال : سألت ابن المبارك : كيف ينبغي لنا أن نعرف ربَّنا ؟ قال : على السماء السابعة على عرشه ، ولا نقول كما تقول الجهمية : إنه هاهنا ، في الأرض . وروى عبدُ الله بن أحمد في هذا الكتاب بإسناده ، عن ابن المبارك ، أن رجلاً قال له : يا أبا عبد الرحمن ، قد خِفْتُ الله تعالى مِن كثرة ما أدعو على الجهمية . قال : لا تخفْ ، فإنهم يزعمونَ أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء . قال عبد الله بن إدريس : كلُّ حديثٍ لا يعرفُه ابنُ المبارك ، فنحن منه براء . وعن ابن المبارك قال : في صحيح الحديث شُغْلٌ عن سقيمه(١) . أخبرنا يحيى بن أحمد الجُذامي ، أخبرنا محمد بن عماد ، أخبرنا ابن رفاعة ، أخبرنا أبو الحسن الخِلعيُّ ، أخبرنا ابن الحاج ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن الرَّملي ، حدثنا العباسُ بن الفضل الأسْفَاطِي ، حدثنا أحمد بن يونس ، سمعتُ ابن المبارك قرأ شيئاً من القرآن ، ثم قال : من زعم أنَّ هذا مخلوق ، فقد كفر بالله العظيم . = مقدوح فيها ، ومطعون في سندها ، ومما يقوي قولهم : أنا لا نجد له ذكراً لدى أقرب الناس إلى الإمام أحمد ممن عاصروه وجالسوه ، أو أتوا بعده مباشرة ، وكتبوا في الموضوع نفسه ، كالإمام البخاري ، وابن قتيبة ، وأبي سعيد الدارمي . (١) لقد صدق هذا الإمام رحمه الله، فإن في ما صح من حديث رسول الله وَ لقر غناء وأي غناء عن الأحاديث الضعيفة ، ذات الضرر السَِّّىء بالعقيدة والعبادة والسلوك ، وقد نبه غير واحد من الأئمة على تجنب رواية الحديث ، والاستشهاد به مالم تعلم صحته من طريق حافظ مشهور متثبت من حفاظ الحديث . ٤٠٣ قال عليّ بن الحسن بن شقيق : قمتُ لأخرجَ مع ابن المبارك في ليلة باردة من المسجد ، فذاكرني عند الباب بحديث ، أو ذاكرتُهُ ، فما زلنا نتذاكر، حتى جاء المؤذِّن للصُّبح . وقال فَضَالة النَّسائي : كنتُ أجالسُهُم بالكوفة ، فإذا تشاجروا في حديث قالوا : مُرُّوا بنا إلى هذا الطبيب حتى نسأله، يعنونَ ابنَ المبارك . قال وَهْب بن زمعة المروزي : حدَّث جرير بن عبد الحميد بحديثٍ عن ابن المبارك ، فقالُوا له : يا أبا عبد الحميد ، تُحدِّث عن عبد الله ، وقد لقيت منصور بن المُعْتَمِر؟ فغضب ، وقال : أنا مثلُ عبد الله ، أحملُ علم أهل خُراسانَ ، وعلمَ أهل العراق ، وأهلِ الحجاز، وأهلِ اليمن ، وأهلِ الشَّام . قال أحمدُ بن أبي الحَوَاري : جاء رجل من بني هاشم إلى عبد الله ابن المبارك ليسمع منه ، فأبى أن يُحدِّثه ، فقال الشريف لغلامه : قم ، فإنَّ أبا عبد الرحمن لا يرى أن يُحدِّثنا، فلما قام ليركب ، جاء ابنُ المبارك ليُمسك بركابِه ، فقال : يا أبا عبد الرحمن تفعلُ هذا ولا ترى أن تحدِّثني ! فقال : أذِلُّ لك بدني ، ولا أذِلُّ لكَ الحديثَ . روى المسيَّب بن واضح : أنه سمع ابنَ المبارك ، وسأله رجل عَمِّن يأخذ، فقال : قد يلقى الرجل ثقةً، وهو يُحدِّث عن غير ثقة ، وقد يلقى الرجلُ غيرَ ثقة يُحدِّث عن ثقة ، ولكن ينبغي أن يكون : ثقة عن ثقة . عثمان بن سعيد الدَّارمي : سمعت نُعيم بن حَمَّاد يقول : ما رأيتُ ٤٠٤ ابنَ المبارك يقول قطُّ: ((حدثنا)) كان يرى ((أخبرنا)) أوسع(١)، وكان لا يرد على أحد حرفاً إذا قرأ . وقال نُعَيم : ما رأيت أعقلَ من ابنِ المبارك ، ولا أكثر اجتهاداً في العبادة . الحسن بن الربيع : قال ابن المبارك في حديث ثوبان ، عن النبي وَ: ((اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ ما اسْتَقَامُوا لَكُمْ))(٢): يُفَسِّرُهُ حديثُ أم سلمة: ((لا تَقْتُلُوهُمْ ما صَلَّوْا))(٣). واحتجّ ابنُ المبارك في مسألةِ الإِرجاء ، وأن الإِيمان يتفاوتُ ، بما روى عن ابن شَوْذبٍ، عن سَلَمة بن كُهَيل ، عن هُزَيْلِ بنِ شُرْحبيل ، قال : قال عمر : لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ أهلِ الأرضِ ، لَرَجَحَ . قلت : مرادُ عمر رضي الله عنه أهل أرض زمانه . نُعَيم بن حَمَّاد : سمعت ابن المبارك يقول : السَّيفُ الذي وقع بين الصحابة فتنةٌ ، ولا أقول لأحد منهم هو مَفْتونٌ . (١) قال أبو عبد الله الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ٢٦٠: الذي أختاره في الرواية ، وعهدت عليه أكثر مشايخي ، وأئمة عصري : أن يقول في الذي يأخذه من المحدث لفظاً وليس معه أحد: ((حدثني فلان))، وما يأخذه عن المحدث لفظاً مع غيره: ((حدثنا فلان))، وما قرأ على المحدث بنفسه: ((أخبرني فلان))، وما قرىء على المحدث وهو حاضر: (( أخبرنا فلان)). وقال يحيى بن سعيد: ((أخبرنا)) و((أنبأنا)) واحد. (٢) تقدم تخريج هذا الحديث في ص ٢١٥ تعليق رقم (١) فارجع اليه . (٣) أخرجه مسلم (١٨٥٤) في الإِمارة ، والترمذي (٢٢٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٠) ، وأحمد ٢٩٥/٦، ٣٠٢، ٣٠٥، ٣٢١، من حديث أم سلمة أن رسول الله وَّر قال: ((إنه يستعمل عليكم أمراء ، فتعرفون وتنكرون ، فمن كره فقد برىء ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع ، قالوا : أفلا نقاتلهم؟ قال : لا ، ما صلَّوا)). ٤٠٥ وعن ابن المبارك ، وسئل : مَنِ السِّفْلة ؟ قال : الذي يدورُ على القضاة يطلبُ الشهادات . وعنه قال: إن البصراء لا يأمنون من أربع : ذنب قد مضى لا يُذْرَى ما يصنع فيه الربُّ عزَّ وجل ، وعمرٍ قد بقي لا يُدْرَى ما فيه من الهَلَكَةِ ، وفضل قد أُعطي العبدُ لعله مكرٌ واستدراجٌ ، وضلالة قد زُيِّنت، يراها هدىًّ ، وزيغِ قلب ساعة فقد يُسلب المرءُ دينَه ولا يشعر . قال منصورُ بن دينار ، صاحبُ ابن المبارك : إن عبد الله كان یتصدَّق لمقامه ببغداد ◌ُلَّ يومٍ بدينار . وعن عبد الكريم السُّكّري قال : كان عبد الله يُعجبه إذا خَتَم القرآنَ أن يكون دعاؤه في السُّجود . قال إبراهيم بن نوح المَوْصِلي: قَدِمَ الرشيدُ عين زَرْبة(١) ، فأمر أبا سُليم أن يأتيَه بابن المبارك ، قال : فقلتُ : لا آمنُ أن يُجيب ابنُ المبارك بما يكره فيقتله . فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين ، هو رجل غليظُ الطَّباع، جِلْفٌ ، فأمسك الرشيد . الفضل بن محمد الشَّعْراني : حدثنا عبدةُ بن سليمان قال: سمعتُ رجلًا يسأل ابن المبارك عن الرجل يصوم يوماً ويُفطر يوماً . قال : هذا رجل يضيع نصف عمره ، وهو لا يدري . يعني لمَ لا يصومُها . قلت : أحسِبُ ابن المبارك لم يذكر حينئذ حديثَ: ((أفْضَلُ (١) بلد بالثغر من نواحي المصيصة . ٤٠٦ الصَّومِ صَوْمُ داود ))(١) ولا حديث: النهي عن صَوْمِ الدَّهْرِ(٢). قال أبو وَهْب المَرْوَزي : سألت ابن المبارك : ما الكِبْرُ؟ قال : أن تَزْدَري الناس . فسألته عن العُجْب ؟ قال : أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك ، لا أعلم في المصلِّين شيئاً شراً من العُجْب . قال حاتم بن الجرّاح : سمعتُ علي بن الحسن بن شقيق ، سمعتُ ابن المبارك، وسأله رجل عن قَرْحَة خرجت في رُكبته منذ سبع سنين، وقد عالجتُها بأنواعِ العِلاج ، وسألتُ الأطباءَ ، فلم أنتفِعْ به . فقال له : اذهب ، فاحفِر بئراً في مكان حاجة إلى الماء ، فإني أرجو أن ينبع هناك عينٌ ، ويُمسك عنك الدَّم ، فَفَعل الرجل ، فبرأ . قال أحمد بن حنبل : كان ابنُ المبارك يُحدِّثُ مِن الكتاب ، فلم يكن له سَقط كثيرٌ، وكان وكيع يُحدِّث مِن حفظه ، فكان يكون له سقط كم يكون حفظ الرجل. وروى غيرُ واحد أن ابنَ المبارك قيل له : إلى متى تكتُبُ العلم ؟ قال : لعل الكلمةَ التي أنتفع بها لم أكتُبْها بعد . قال عمرو النَّاقد: سمعتُ ابن عُيّينة يقول : ما قَدِمَ علينا أحد يُشبِهُ ابنَ المبارك ، ويحيى بن أبي زائدة . (١) أخرجه البخاري ١٣/٣، ١٤ في التهجد: باب من نام عند السحر، ومسلم (١١٥٩) (١٨٩) في الصيام : باب النهي عن صوم الدهر ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله : ((إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً)) . (٢) انظر صحيح البخاري ٣٢٧/٦ في الأنبياء : باب قول الله تعالى ﴿وآتينا داود زبوراً ﴾ · مسلم (١١٥٩) في الصيام : باب النهي عن صوم الدهر . ٤٠٧ وقال مَخْلَدُ بن الحسين : جالستُ أيوب وابن عَوْن ، فلم أجد فيهم مَن أَفَضِّلُه على ابن المبارك . قال عَبْدان : قال ابنُ المبارك ، وذكر التَّدليس ، فقال فيه قولاً شديداً (١)، ثم أنشد : دلَّسَ لِلنَّاسِ أحاديثه واللَّهُ لا يَقبلُ تَدْليساً عن ابن المبارك قال : من استخفَّ بالعلماء ، ذهبت آخرتُه ، ومن استخفَّ بالأمراء ، ذهبت دنياه ، ومن استخفَّ بالإِخوان ، ذهبت مُروءتُه . قد أسلفنا لعبد الله ما يدل على فروسيته . وقال محمد بن المثنى : حدثنا عبد الله بن سِنَان قال : كنتُ مع ابن المبارك ، ومُعتمرٍبن سليمان بطَرَسُوس ، فصاح الناسُ : النفير ، فخرج ابن المبارك والناس ، فلما اصطفَّ الجمعان ، خرج رومي ، فطلب البِراز ، فخرج إليه رجلٌ ، فشدَّ العِلْجُ عليه فقتله ، حتى قتل سِتَةً من المسلمين ، وجعل يَتْبَخْتَرُ بينَ الصَّفين يطلُب المبارزة ، ولا يخرجُ إليه أحد ، فالتفتَ إليَّ ابنُ المبارك ، فقال : يا فلان ، إن قُتِلتُ فافعل كذا وكذا ، ثم حرَّكَ دابته ، وبرز للِعِلْج ، فعالج معه ساعة ، فقتل العِلْجَ ، وطلب المبارزة ، فبرز له علج آخر فقتله ، حتى قَتل ستة عُلوج ، وطلب البراز، فكأنهم كاعوا(٢) عنه ، (١) التدليس: أن يروي الراوي عمن عاصره ما لم يسمع منه بصيغة لا تقتضي السماع، أو يصف الشيخ الذي روى عنه بأوصاف لا تعرف ، وهو مذموم على الإطلاق ، حتى بالغ إمام الجرح والتعديل شعبة بن الحجاج ، فقال : لأن أزني أحب إلي من أن أدلس ، وقال : التدليس أخو الكذب ، والصحيح الذي رجحه أئمة الحديث وجهابذته أن ما رواه الموصوف بالتدليس بلفظ محتمل لم يصرح فيه بالسماع لا يقبل ، وما صرح فيه بالسماع يقبل ، وهذا إذا كان المدلس ثقة في روايته . (٢) كاعوا عنه : جبنوا ، والكاعي : المنهزم . ٤٠٨ فضرب دابته ، وطرد بين الصفين ، ثم غاب ، فلم نشعر بشيء ، وإذا أنا به في الموضع الذي كان ، فقال لي : يا عبد الله لئن حدَّثت بهذا أحداً ، وأنا حَيٍّ ، فذكر كلمة . قال أبو صالح الفرَّاء : سألتُ ابن المبارك عن كتابة العلم ، فقال : لولا الكتابُ ما حفظنا . وسمعتُه يقول : الحِبْرُ في الثوب خَلُوقُ العلماء . وقال : تواطؤُ الجيران على شيء أحبُّ إليَّ مِن شهادة عدلين . وقيل : إنَّ ابن المبارك مرَّ براهبٍ عند مقبرة ومزبلة ، فقال : يا راهب ، عندك كنز الرجال ، وكنز الأموال ، وفيهما مُعتَبرٌ . وقد تفقَّه ابن المبارك بأبي حنيفة ، وهو معدود في تلامذته . وكان عبدُ الله غنياً شاكراً، رأسُ ماله نحو الأربع مئة ألف . قال حِبَّن بن موسى : رأيت سُفرة ابنِ المبارك حُمِلَت على عَجَلة . وقال أبو إسحاق الطالقاني : رأيتُ بعيرين محمَّلين دَجاجاً مشوياً لسُفرةٍ ابنِ المبارك . وروى عبد الله بن عبد الوهّاب ، عن محمد بن عبد الرحمن بن سَهْم ، قال : كنتُ مع ابنِ المبارك ، فكان يأكل كُلَّ يوم ، فيُشوى له جَدْي ، ويتخذ له فالوذق(١). فقيل له في ذلك . فقال : إني دفعتُ إلى وكيلي ألفَ دينار، وأمرته أن يُوسِّع علينا . قال الحسن بن حمَّاد : دخل أبو أسامة على ابنِ المبارك ، فوجد في (١) الفالوذق ، كالفالوذج نوع من الحلواء تسوى من لب الحنطة ، فارسي معرب . ٤٠٩ وجهه عبدُ الله أثَر الضُّرِّ ، فلما خرج ، بعثَ إليه أربعة آلاف درهم ، وكتب إليه : وَمِن المُروءَةِ غَيْرُ خَالٍ وَفَتىَّ خَلا مِن مَالِه وكَفاكَ مَكْروهَ السُّؤالِ أعْطَاكَ قَبْلَ سُؤالِه وقال المسيب بن واضح : أرسل ابنُ المبارك إلى أبي بكر بن عيَّاش أربعةَ آلاف درهم ، فقال: سُدَّ بها فتنةَ القومِ عنك. قال علي بن خَشْرَم : قلت لعيسى بن يونس : كيف فَضَلكم ابنُ المبارك ، ولم يكن بأسنَّ منكم؟ قال : كان يقدم ، ومعه الغِلْمةُ الخراسانية ، والبِزَّة الحسنة ، فيصِلُ العلماء ، ويُعطيهم ، وكنا لا نَقدِرُ على هذا . قال نُعَيم بن حمَّاد : قَدِمَ ابنُ المبارك أيْلَة على يونس بن يزيد ، ومعه غُلام مفرَّغ لعمل الفالونج ، يتخذه للمحدثين . أخبرنا ابنُ أبي الخير في كتابه ، عن عبد الرَّحیم بن محمد ، أخبرنا الحسن بن أحمد ، أخبرنا أبو نُعَيم ، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا نُعيم بن حمّاد ، حدثنا الوليد بن مُسْلم ، حدثنا ابن المبارك، عن خالد الحذَّاء ، عن عِكْرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللهِ وَ: ((البَرَكَةُ مَع أكَابِرِكُمْ))(١). فقلت للوليد : أين سمعت من ابن المبارك ؟ قال : في الغزو . (١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ١٧١/٨، من طريق نعيم بن حماد ، عن الوليد بن مسلم ، حدثنا ابن المبارك ... وأخرجه ابن حبان (١٩١٢) من طريق عمرو بن عثمان ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا ابن المبارك ... وهذا سند قوي ، وأخرجه الحاكم ٦٢/١ من طريق أحمد بن سيار ، حدثنا وارث بن عبيد الله ، حدثنا ابن المبارك ... وصححه ، ووافقه الذهبي. ٤١٠ عن ابن المبارك قال : ليكن مجلسُك مع المساكين ، واحذر أن تجلِس مع صاحب بدعة . قال الحسن بن الربيع : لما احتُضِرَ ابن المبارك في السَّفر قال : أشتهي سويقاً ، فلم نجُدْه إلا عند رجل كان يعمل للسلطان ، وكان معنا في السفينة ، فذكرْنا ذلك لعبد الله ، فقال : دعوه ، فمات ولم يَشْرَبْه . قال العلاء بن الأسود : ذُكر جهْم عند ابن المبارك ، فقال : عَجبتُ لشيطانٍ أتى الناسَ داعياً إلى النَّار وانشقَّ اسمُه من جَهَنَّم أخبرنا إسحاق الأسدي ، أخبرنا ابنُ خليل ، أخبرنا عبدُ الرحيم بن محمد ، أخبرنا أبو علي الحدَّاد، أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ ، حدثنا سُليمان بن أحمد ، حدثنا أحمد بن يحيى الحُلْواني ، حدثنا سعيدُ بن سُليمان ، عن ابن المبارك ، عن مَعْمَرْ ، عن محمد بن حمزة ، عن عبد الله بن سَلام ، قال : ((كان النبيُّ نَّهِ إِذَا نَزل بأهلِه الضِّيقُ أَمَرُهُمْ بِالصَّلاةِ، ثمَّ قرأ ﴿وَأُمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَليها لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُفُكَ﴾(١) . هذا مرسل ، قد انقطع فيه ما بين محمد وجدِّ أبيه عبد الله . وقد كان ابنُ المبارك رحمه الله شاعراً، مُحْسناً ، قوَّالاً بالحق . قال أحمد بن جميل المَرْوَزي : قيل لابن المبارك : إن إسماعيل بن عُلِيَّة ، قد ولي القضاءَ ، فكتب إليه : يَا جَاعِلَ العِلْمِ لَهُ بَازِياً يَصْطَادُ أَمْوَالَ المَسَاكِينِ (١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ١٧٦/٨، وقد تحرف فيه ((الضيق)) إلى ((الضيف)). وانظر تفسير ابن كثير ١٧١/٣ . ٤١١ بحيلَة تَذْهَبُ بالدِّينِ احْتَلْت للدُّنيا ولذَّاتِها كُنْتَ دَوَاءً لِلمَجانِينِ فَصِرْتَ مَجْنوناً بِهَا بَعْدَما عَنْ ابْنِ عَوْنٍ وابْنِ سِيرِينٍ أَيْنَ رِوَايَاتُكَ فِي سَرْدِهَا في تَرْكِ أَبْوابِ السَّلاطِينِ أَيْنَ رِوَايَاتُكَ فيما مَضَى زَلَّ حِمَارُ العِلْمِ في الطِّينِ إِنْ قُلْتَ أُكْرِهْتُ فما ذا كذا وروی عبد الله بن محمد قاضي نَصِیبین ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سُكَينة ، قال : أملى عليَّ ابنُ المبارك سنة سبع وسبعين ومئة ، وأنفذها معي إلى الفُضَيل بن عياض من طَرَسُوس : لَعَلِمْتَ أَنَّكَ فِي العِبَادَةِ تَلْعِبُ يَا عَابِدَ الحَرمِيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا فَنُحورُنا بِدِمائِنا تَتَخضَّبُ مَن كَانَ يَخْضِبُ جيدَه بِدُمُوعِهِ فَخُيولُنا يَوْمَ الصَّبِيحَةِ تَتْعَبُ أَوْ كَانَ يُتْعِبُ خَيْلَه فِي بَاطِلٍ رَهَجُ السَّنَابِكِ والغُبَارُ الأَطْيَبُ (١) رِيحُ العَبير لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيرُنا قَوْلٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لا يُكْذَبُ وَلَقَدْ أَتَّانَا مِنْ مَقَالٍ نَبِّنا أَنْفِ امْرِىء ودُخانُ نَار تَلهبُ (٢) لا يَسْتوي وغُبَارُ خيل اللَّهِ فِي لَيْس الشهيدُ بميتٍ لا يُكْذَبُ هُذا كِتابُ اللَّهِ يَنطقُ بَيْنَنا (١) الرَّهْجِ والرَّهَج: الغبار، والسنابك جمع سنبك طرف حافر الخيل وجانباه من قُدَّام . (٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد ٢٥٦/٢ و٣٤٢ و٤٤١. والنسائي ١٢/٦، ١٣، ١٤، والحاكم ٧٢/٢، والبيهقي ١٦١/٩، من حديث أبي هريرة أنه سمع رسول الله والخري يقول: ((لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع الشح والإِيمان في قلب عبد أبداً)) وفي سنده ابن اللجلاج لم يوثقه غير ابن حبان ، وباقي رجاله ثقات ، وله طريق آخر عند أحمد ٣٤٠/٢، والنسائي ١٢/٦، ١٣، والحاكم ٧٢/٢ من حديث الليث ، عن محمد ابن عجلان ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . وهذا سند حسن ، وصححه. ابن حبان (١٥٩٧) و(١٥٩٩). ٤١٢ فلقيت الفُضيلَ بكتابه في الحرم ، فقرأه وبكى ، ثم قال : صدق أبو عبد الرحمن ونصح . قال ابن سَهْم الأنطاكي : سمعتُ ابن المبارك ينشد : فَكَيْفَ قَرَّتْ لِهْلِ العِلْمِ أَعْيُنْهُم أَو اسْتَلُّوا لَذِيذَ النَّومِ أو هَجَعُوا والنَّارُ ضَاحِيةٌ لاَ بُدَّ مَوْرِدُها وَلَيْسَ يَدْرُونَ مَن يَنْجُو وَمَنْ يَقَعُ وَطَارَتِ الصُّحْفُ في الْأَيْدِي مُنَشَّرَةً فِيها السَّرائِرُ والجبَّارُ مُطَّلِعُ إِمَّا نَعِيمٌ وعَيْشٌ لا انْقِضَاءَ لَهُ أَو الجَحِيمُ فَلاَ تُبْقي ولا تَدَعُ تَهْوي بِسَاكِنها طَوْراً وتَرْفَعه إِذَا رَجَوْا مَخْرَجاً مِنْ غمِّها قُمِعُوا لِينْفعِ العِلْمُ قَبْلَ المَوْتِ عَالِمهُ قَدْ سَالَ قَوْمٌ بِهَا الرُّجْعِى فَمَا رَجَعُوا وروى إسحاق بن سُنين لابن المبارك : إِنِّي امرؤٌ لَيْسَ في دِيني لغامزه لِيْنْ وَلَسْتُ عَلى الإِسْلاَمِ طَعَّانَا فَلا أَسْبُّ أَبَا بَكْرٍ وَلاَ عُمَراً وَلَنْ أَسُبَّ مَعَاذَ اللَّهِ عُثْمَانَا ولَ ابنَ عمِّ رَسُولِ اللهِ أَشْتِمهُ حَتَّى أُلَّس تَحْتَ الثُّرب أَكْفَانَا ٤١٣ ولَ الزُّبَيرِ حَوَارِيَّ الرَّسُولِ وَلا أُهْدِي لِطَلْحَةَ شَتْماً عزَّ أوهانا وَلاَ أَقُولُ عَلِيُّ فِي السَّحابِ إِذاً قَدْ قُلْتُ واللَّهِ ظُلْماً ثُمَّ عُدْوَانَا وَلاَ أَقُولُ بِقَوْل الجَهْمِ إِنَّ لَهُ قَوْلاً يُضارعُ أهْلَّ الشِّرك أحْيانًا ولا أقُولُ تَخَلَّى مِنْ خَلِيقَتِه رَبُّ العِبَادِ وَوَلَّى الأَمْرَ شَيْطَانًا مَا قَالَ فِرْعَونُ هُذا في تَمرُّدِهِ فِرْعَوْنُ موسى ولاَ هَامَانُ طغيانا اللَّهُ يَدْفَعُ بالسُّلْطَانِ مُعْضِلَةً عَنْ دِيننا رَحْمَةً مِنْهُ وَرِضْوانَا لَوْلاَ الأَئِمةُ لَمْ تَأْمَنْ لَنَا سُبُلٌ وَكَانَ أَضْعَفُنا نَهْباً لِقْوانَا فيُقال: إن الرشيد أعجبَه هذا، فلما أن بلغه موتُ ابن المبارك بهِيت(١) قال : إنَّا لله وإنا إليه راجعون . يا فضل: إيذن للناس يُعزُّونا في ابنٍ المبارك . وقال : أما هو القائل : اللَّهُ يدفع بالسُّلطان معضلة .. فمن الذي يسمعُ هذا مِن ابن المبارك ، ولا يعرف حقّنا ؟ قال الكُدَيمي : حدثنا عبدة بن عبد الرحيم قال : كنتُ عند فُضيل (١) مدينة على الفرات فوق الأنبار من أعمال العراق، لكنها في بر الشام ، والأنبار في بر بغداد ، والفرات يفصل بينهما ، ودجلة تفصل بين الأنبار وبغداد ، وبها قبر هذا الإِمام . ٤١٤ ابن عياض وعنده ابنُ المبارك ، فقال قائل : إنَّ أهلك وعيالك قد احتاجوا مَجهودِين محتاجين إلى هذا المال ، فاتَّقِ الله ، وخذْ مِن هؤلاء القوم ، فزجَره ابنُ المبارك ، وأنشأ يقول : خُذْ مِن الجَارُوشِ والـ واجْعَلنْ ذَاكَ حَلَالًاً وانْأَ مَا اسْطَعْتَ هَدَا لاَ تَزُرْهَا واجْتَنِبْها تُوهِنُ الدِّينَ وَتُدْ قَبْلَ أَنْ تَسْقُطَ يَا وَارْضَ يا وَيْحِكَ مِنْ إنَّهِا دَارُ بَلاء مَا تَرى قَدْ صَرَعَتْ كَمْ بِيَطْنِ الأَرْضِ مِنْ وَصَغِيرِ الشأنِ عَبْد لَو تَصَفَّحت وُجُو لَمْ تميِّزْهُمْ وَلَم خمدُوا فَالقَوْمُ صَرْعَى واسْتَوَوْا عِنْدَ مَلِيك احْذَرِ الصَّرْعَةَ يَا أَيْنَ فِرْعَوْنُ وَهَا أوَ مَا تَخشاهُ أنْ أَوَ مَا تَحْذَرُ مِنْ اقْمَطَرَّ الشَّرُّ فِيهِ ـّـرَزِّ والخُبْزِ الشَّعير تْجُ مِن حَرِّ السَّعِير كَ اللَّهُ عَنْ دَارِ الأَمِير إِنَّها شَرُّ مَزُور نيكَ مِنْ الحُوبِ الكَبِير مَغْرُورُ فِي حُفْرَةٍ بِير دُنياكَ بالْقُوتِ الْيَسير وغُرُور وَزَوَال قَبْلَكَ أصحابَ القُصُور ثَاوٍ شَرِيف وَوَزِير خَامِلِ الذِّكرِ حَقير هَ القَوْمِ فِي يَوْمٍ نَضير تَعْرِفْ غَنِياً مِنْ فَقِير تَحْتَ أَشقاقِ الصُّخور بِمسَاويهم خَبِير مِسْكِينُ مِنْ دَهْر عَثُور مَانُ ونُمِرُودُ النسُور يرمِيكَ بالمَوْتِ المُبير يَوْمٍ عَبُوسٍ قَمْطَرِير بِعَذَابِ الزَّمْهِرِير ٤١٥ قال : فغُشِيَ على الفضيل ، فردَّ ذلك ولم يأخذه . ولابن المبارك : مِن بَعْدٍ تَقْوَى الإِله كَالَأَدَبِ جَرَّبتُ نَفْسِي فَمَا وَجَدْتُ لَها أَفْضَلَ مِنْ صَمْتِهَا عَنِ الكَذِبِ فِي كُلِّ حَالَتِهَا وَإِنْ كَرِهَتْ حَرَّمَهَا ذُو الجَلَاَلِ فِي الْكُتُبِ أَوْ غِيْبَةِ النَّاسِ إِنَّ غِيبَتُهم الحِلْمُ والعِلمُ زَيْنُ ذِي الحَسَبِ قُلْتُ لَهَا طَائِعَاً وَأَكْرِهُهَا نَفْسُ فَإِنَّ السُّكُوتَ مِنْ ذَهَبِ إِنْ كَانَ مِنْ فِضَّةِ کَلَامُكِ يا قال أبو العباس السَّراج : أنشدني يعقوب بن محمد لابن المبارك : أيُّ عَيْشٍ وَقَدْ نَزَلْتَ يَطِيبُ أبإِذْنٍ نَزَلْتَ بي يا مَشِيْبُ آملُ العَيْشَ والمَمَاتُ قَرِيبُ وكَفَى الشَّيْبُ واعِظَاً غَيْرَ أَنِّي وندَائي مُوَلِّياً مَا يُجِيبُ كَمْ أُنَادِي الشَّبابَ إِذْ بَانَ مِنِّي وبه : عَيْبُ الغِنِىْ أَكْثَرُ لَوْ تَعْتَبِرْ يا عَائِبَ الفَقْرِ أَلا تَزْدَجِرْ عَلَى الغِنَى لو صَحَّ مِنْكَ النَّظَرْ مِنْ شَرَفِ الفَقْرِ ومِنْ فَضْلِهِ وَلَيْسَ تَعْصِي اللَّهَ كَيْ تَفْتَقِرْ أنَّكَ تَعْصِي لِتَنَالَ الغِنَىْ قال حبَّان بن موسى : سمعتُ ابن المبارك يُنشد : والمُسْلِمَاتُ مَعَ العَدُوِّ المُعْتَدِي كَيْفَ القَرَارُ وَكَيْفَ يَهْدَأُ مُسْلِمٌ الدَّاعِياتُ نَبيَّهُنَّ مُحَمَّدٍ الضَّارِبَاتُ خُدُودَهنَّ بِرَنَّة جهد المَقَالَة لِيْتَنَا لَمْ نُولَدِ القَائِلات إذَا خَشِيْن فَضِيحَةً إِلَّ التَّستُّرُ مِنْ أَخِيها باليْدِ مَا تَسْتَطِيعُ وَمَالَهَا مِنْ حِيلَة ٤١٦ قال أبو إسحاق الطالقاني : كنا عند ابنِ المبارك ، فانهد القَهَنْدَزِ(١) فأتى بسنَّينِ ، فَوُجِدَ وزنُ أحدهما مَنَوان(٢) ، فقال عبدُ الله : مِنَ الحِصْنِ لَمّا أَثَارُوا الدَّفِيْنَا أَتَيتُ بِسِنَّيْنَ قَدْ رُمَّتا تُقِلُّ به الكَفُّ شَيئاً رَزِينَا عَلَى وَزْن مَنْوَيْنِ إِحْدَاهُما تَّبَارَكْتَ يا أَحْسنَ الخَالِقِينَا ثَلاثُونَ سِنَّاً عَلَى قَدْرِها ومَا كانَ يَمْلأ تِلْكَ الْبُطُونَا فَمَاذَا يقومُ لَأَفْواهِهَا تَصَاغَرَتِ النَّفْسُ حَتَّى تَهُونَا إِذَا مَا تَذَكَّرْتِ أَجْسَامَهُمْ فَبَادُوا جَميعاً فَهُمْ هَامِدُونَا وَكُلِّ عَلَى ذَاكَ ذَاقَ الرَّدى وجاء من طرق عن ابنِ المبارك ، ويُقال : بل هي لحميد النَّحوي: إِذَا كُنْتَ فَارِغاً مُسْتَرِيحًا اغْتَنِمْ رَكْعَتَيْنٍ زُلْفَى إلى اللَّهِ فَاجْعَلْ مَكَانَه تَسْبِيحَا وإِذَا مَا هَمَمْتَ بِالنُّطْقِ بِالْبَاطِلِ خَوْضٍ وإِنْ كُنْتَ بِالكلامِ فَصيحًا فَاغْتِنَامُ السُّكُوتِ أفْضَلُ مِنْ وسمع بعضُهم ابنَ المبارك وهو يُنْشِدُ على سور طَرَسُوس : وَمِنَ الْبَلَاءِ ولِلْبَلاءِ عَلَمَةٌ أَنْ لَا يُرَىَ لَكَ عَنْ هَوَاكَ نُزُوعُ والحُرُّ يَشْبِعُ مَرَّةٌ وَيَجُوعُ العَبْدُ عَبْدُ النَّفْسِ فِي شَهَوَاتِها قال أبو أميّة الأسود : سمعتُ ابنَ المبارك يقول : أُحِبُّ الصالحينَ ، ولستُ منهم ، وأُبِغِضُ الطَّالحين ، وأنا شرٌّ منهم ، ثم أنشأ يقول: (١) ضبطه ياقوت بفتح أوله وثانيه، وسكون النون، وفتح الدال ، وزاي، وقال: هو في الأصل : اسم الحصن أو القلعة في وسط المدينة ، وهي لغة كأنها لأهل خراسان وما وراء النهر خاصة . أما السمعاني فقد ضبطه بضم القاف والهاء وسكون النون وضم الدال المهملة ، وقال : هو من بلاد شتى ، وهو المدينة الداخلة المسورة . (٢) المن : معيار قديم كان يكال به أو يوزن ، ومقداره ٨١٠ غرامات تقريباً . ٤١٧ الصَّمتُ أزْينُ بالفَتَى مِنْ مَنْطِقِ فِي غَيْرِ حِينِهِ في القَوْلِ عِنْدِي مِنْ يَمِينِه والصِّدْقُ أَجْمَلُ بالفَتَى سِمَةٌ تَلُوحُ عَلَى جَبِينِه وعَلَى الفَّتَى بِوَقَارِهِ ـكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى قَرِينِه فَمَنِ الَّذِي يَخفى عَلَّيْـ غلبَ الشَّقاءُ عَلَى يقينِه رُبَّ امْرِىءٍ مُتَيَقِّنٍ فَابْتاعَ دُنِياهُ بدينِه فَأَزَالَه عِنْ رَأْيِهِ قال أحمدُ بن عبد الله العِجْلي : حدثني أبي قال : لما احتُضِرَ ابنُ المبارك ، جعل رجل يُلقِّنُه ، قل : لا إله إلا الله ، فأكثر عليه ، فقال له : لست تُحْسِنُ، وأخافُ أن تُؤذي مسلماً بعدي . إذا لقَّنتني ، فقلتُ : لا إله إلاّ الله، ثم لم أحدِث كلاماً بعدها ، فدعني ، فإذا أحدثتُ كلاماً ، فلقنِّي حتى تكونَ آخر كلامي . يُقال : إن الرشيد لما بلغه موتُ عبد الله قال: مات اليومَ سيدُ العلماء . قال عَبدان بن عثمان: مات ابنُ المباركِ بهِيت وعانَات(١) في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة . قال حَسن بن الربيع: قال لي ابنُ المبارك قبل أن يموت : أنا ابنُ ثلاث وستين سنة . قال أحمد بن حنبل : ذهبتُ لأسمَع مِن ابن المبارك ، فلم أُدركْه ، وكان قد قَدِمَ بغداد فخرج إلى الثَّغر، ولم أره . (١) قال ياقوت : بلد مشهور بين الرقة وهيت ، يعد في أعمال الجزيرة ، وهو مشرف على الفرات قرب حديثة النورة وبها قلعة حصينة . ٤١٨ قال مُحمد بن الفضيل بن عياض : رأيتُ ابن المبارك في النّوم ، فقلت : أيُّ العمل أفضلُ ؟ قال: الأمرُ الذي كنتُ فيه . قلت: الرِّباط والجهاد ؟ قال : نعم . قلتُ : فما صَنع بك ربُّك ؟ قال : غفر لي مغفرةً ما بعدها مغفرة. رواها رجلان عن محمد . وقال العباس بن محمد النَّسفي : سمعت أبا حاتم الفِرَبْرِي يقول : رأيتُ ابن المبارك واقفاً على باب الجنة بيده مفتاح ، فقلت : ما يُوقفك ههنا؟ قال: هذا مفتاح الجنة، دفعه إليَّ رسول الله وَّر، وقال: حتى أزورَ الربَّ ، فكن أميني في السماء ، كما كنتَ أميني في الأرض . وقال إسماعيل بن إبراهيم المصِّيصي : رأيتُ الحارث بن عطيّة في النوم، فسألته، فقال: غفر لي. قلتُ: فابنُ المبارك ، قال: بخٍ بخٍ ذاك في علِّين ممن يَلجُ على الله كُلَّ يوم مرتين . وعن نَوْفلِ ، قال : رأيتُ ابن المبارك في النوم ، فقلتُ : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي برحلتي في الحديث . عليكَ بالقرآن ، عليك بالقرآن . قال علي بن أحمد السَّواق: حدثنا زكريا بن عَدي قال : رأيتُ ابن المبارك في النوم ، فقلتُ : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي برحلتي . قال النسائي : أثبتُ الناس في الأوزاعي عبد الله بن المبارك . قال الفَسوي في ((تاريخه)): سمعتُ الحسن بن الربيع يقول : شهدتُ موتَ ابن المبارك ، مات لعشر مضى مِن رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة . ومات سحرَاً ، ودفناه بهيت . ولبعضِ الفُضلاء : مَرَرْتُ بِقَبْرِ ابْنِ المُبارك غَدْوَةً فَأَوْسَعَنِ وَعْظَاً وَلَيْسَ بِنَاطِقٍ ٤١٩ غَنِيّاً وبِالشَّيْبِ الَّذِي فِي مَفَارقي وَقَدْ كُنْتُ بِالعِلْمِ الَّذِي في جَوَانِحي إِذَا هِي جَاءَتْ مِنْ رِجَالِ الحَقَائِقِ وَلَكِنْ أَرَى الذِّكْرِى تُنَبِّه عَاقِلًا قرأتُ على أبي حفص عمر بن عبد المنعم الطائي ، أخبركم القاضي أبو نصر محمد بن هبة الله بن مميل الشافعي ، سنة ثلاثين وست مئة بمنزله ، أخبرنا عبد الرحمن بن علي الخرقي ، أخبرنا نصر بن أحمد السُّوسي ، أخبرنا سَهْل بن بشر، أخبرنا علي بن منير الخَلَّال ، حدثني خالي أحمد بن عتيق الخشاب ، حدثنا أبو بكر محمد بن أبي الأصْبَغ ، حدثنا هاشم بن مرثد ، سمعت أبا صالح الفراء ، سمعت ابن المبارك يقول : المَرْءُ مِثْلُ هِلَالٍ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ يَبْدُو ضَئِيلَا تَرَاهُ ثُمَّ يَتَّسِقُ حَتَّى إِذَا ما ترَاهُ ثمَّ أَعْقَبَه كَرُّ الجَديدَيْنِ نَقْصَأَ ثُمَّ يَمَّحِقُ من تاريخ أبي عمر أحمد بن سعيد الصَّدفي: محمد بن وَضَّاح ، عن يحيى بن يحيى الليثي قال : كنا عند مالك ، فاستُؤْذِنَ لعبد الله بن المبارك بالدُّخول ، فأذن له ، فرأينا مالكاً تزحزح له في مجلسه ، ثم أقعده بلصقه ، وما رأيت مالكاً تزحزح لأحد في مجلسه غيره ، . فكان القارىء يقرأ على مالك ، فربما مرَّ بشيء فيسأله مالك : ما مذهبُكم في هذا ؟ أو ما عندكم في هذا ؟ فرأيتُ ابن المبارك يُجَاوبه ، ثم قام ، فخرج ، فأعجب مالكٌ بأدبه ، ثم قال لنا مالك : هذا ابنُ المبارك فقيهُ خراسان . وعن المسيَّب بن واضح قال : أرسل ابنُ المبارك إلى أبي بكر بن عياش بأربعين ألف درهم ، وقال : سُدَّ بهذه فتنة القومِ عنك . وسئل ابن المبارك بحضور سفيان بن عيينة عن مسألة ، فقال : إنا نُهينا أن نتكلم عند أكابرنا . ٤٢٠