النص المفهرس

صفحات 261-280

فلما كانت سنة ثلاثين ومئتين طرق المجوسُ الأرْدمانيون(١) إشبيلية في
ثمانين مركباً في الوادي ، فصادفُوا أهلَها على غرارة بمطاولة أمدِ الأمان لهم
مع قِلَّة خبرتهم بحربهم ، فطلعوا من المراكب ، وقد لاح لهم خَوَرٌ مِن
أهلها ، فقاتلُوهم ، وقَووا على المسلمين ، ووضعوا السيفَ فيهم ، وملكوا
إشبيليةَ بعد القتل الذَّريع في أهلها حتى في النساء والبهائم ، وأقاموا بها سَبعة
أيام ، فورد الخبرُ على الخليفة عبد الرحمن بن الحكم ، فاستنفر جيشه
وبَعث بهم إلى إشبيلية فحلُّوا بالشرق ، ووقع القتالُ ، واشتدَّ الخطبُ ،
وانتصرَ المسلمون ، واستَحرَّ القتلُ بالملاعين حتى فني جمع الكفرة ، لعنهم
الله ، وحرق المسلمون ثلاثين مركباً من مراكبهم ، فكان بينَ دخولهم إلى
إشبيليةَ وهروبهم عنها ثلاثة وأربعون يوماً . وهذا كان السبب في بناء سورٍ
واديها(٢) .
وفي سنة خمس وثلاثين جاء سيلٌ مَهُولٌ حتى احتمل رَبَض قنطرة
قرطبة ، واحتملَ ست عشرة قرية إلى البحر بما فيها مِن الناس والمواشي .
وهلك ما لا يُعَدُّ ولا يُحصى ، فلا قُوَّةَ إلا بالله .
وكان مولدُ عبد الرحمن بن الحكم بِطُلَيْطِلَة في شعبان ، سنة ست
وسبعين ومئة .
ومات في ثالث ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومئتين .
(١) هم النورمان ، كانوا يغيرون على الأندلس من المنافذ النهرية ، وسماهم المسلمون
((المجوس)) لأنهم كانوا يشعلون النيران كثيراً، فظن المسلمون أنهم يعبدونها . انظر ابن عذاري
١٣٠/٢.
(٢) انظر ((المغرب)) ٤٩/١.
٢٦١

٥٩ - محمد بن عبد الرحمن بن الحكم *
صاحبُ الأندلس ، أبو عبد الله الأمويُّ المرواني .
كان محباً لِلعلم ، مُؤثِراً لأصحابِ الحديث ، مُكرِماً لهم ، حسنَ
السيرة ، وهو الذي نصر بَقيَّ بن مَخْلد الحافظَ على أهل الرأي .
قال بقيُّ : ما كلمتُ أحداً من الملوكِ أكملَ عقلًا ، ولا أبلغَ لفظاً من
الأمير محمد ، ولقد دخلتُ عليه يوماً في مجلس خلافته ، فافتَتَحَ الكلامَ
بحمد الله ، والصلاةِ على نبيِّه، ثم ذكر الخلفاءَ ، فحلَّى كلَّ واحد بحليته
وصفتِهِ ، وذكر مآثِّرَه بأفصحِ لسان حتى انتهى إلى نفسه ، فحمِدَ الله على ما
قدَّره ، ثم سكت .
قلت : رأى مصنَّفَ أبي بكر بن أبي شَيبَة، إذ نازع أهلُ الرأي(١) بقيَّ
ابن مَخْلَد(٢) فأمر بنَسخِه، وقال : لا تَستغني خِزانْتُنَا عن هذا.
* العقد الفريد: ٤٩٣/٤، جذوة المقتبس: ١١، الكامل لابن الأثير: ٢٠١/٦،
المغرب : ٥٢/١، الحلة السيراء: ٦٤، البيان المغرب: ٩٦/٢، الوافي بالوفيات:
٢٢٤/٣، ابن خلدون: ١٣٠/٤، أخبار مجموعة: ١٤١، نفح الطيب: ٣٥٠/١.
(١) لقد خصص ابن أبي شيبة في كتابه ((المصنف)) جزءاً أورد فيه الأحاديث التي ادعى أن
أهل الرأي خالفوها، وقد رد عليه العلامة المحدث الشيخ زاهد الكوثري في كتابه ((النكت
الطريفة)) فراجعه . قال ابن حزم : فلما دخل بقي بن مخلد الأندلسي بمصنف ابن أبي شيبة ،
وقرىء عليه ، أنكر عليه جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستبشعوه ، وقام جماعة من
العامة عليه ، ومنعوه من قراءته ، فاستحضره الأمير محمد وإياهم ، وتصفح الكتاب جزءاً جزءاً ،
حتى أتى على آخره ، ثم قال لخازن كتبه : هذا الكتاب لا تستغني خزانتنا عنه ، فانظر في نسخه
لنا، وقال لبقي: انشر علمك واروما عندك، ونهاهم أن يتعرضوا له. ((نفح الطيب » ٥١٩/٢ ،
و ((جذوة المقتبس)) ١٠، و((المغرب)) ٥٢/١.
(٢) هو الإِمام شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن القرطبي ، صاحب المسند الكبير الذي روى
فيه عن ألف وثلاث مئة صاحب ونيف ، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه ، فهو مسند
ومصنف، وكان إماماً ثقة ضابطاً متقناً مجتهداً لا يقلد أحداً بل يفتي بالأثر. ((تذكرة الحفاظ))
٦٢٩/٢، ٠٦٣٠
٢٦٢

وكان ذا رأي وحزمٍ وشجاعة وإقدام .
بويع عند موت والده في سنة ثمان وثلاثين ، وله إحدى وثلاثون سنة
وذلك بعهد من والده . وأمُّه : أمُّ ولد .
وامتدَّتْ دولتُه ، وقيل: إنه كان يتوغَّلُ في بلاد الروم ، ويَبقى في الغزو
السنة وأكثر .
قال أبو المظفر بن الجوزي : هو صاحب وقعة سَليط(١) . وهي ملحمةٌ
مشهورةٌ لم يُعْهَدْ قبلَها بالأندلس مثلُها ، يُقال : قتل فيها ثلاث مئة ألف كافر .
وهذا شيء لم نسمع بمثله . قال : وللشعراء فيه مدائحٌ كثيرةٌ .
قال اليسع بن حزم : كان محمد يُسمَّى : بالأمين .
قلت : مات في آخر صفر سنة ثلاث وسبعين ومثتين عن أربع وستين
سنة . رحمه الله .
٦٠ - المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم *
أبو الحَكَم المروانيُّ ، صاحبُ الأندلس ، تملَّكَ بعد والده ، فكانت
دولتُه سنتين ، فمات وهو يُحاصِرُ عمر بن حَفْصون(٢)، رأسَ الخوارج
(١) انظر ((الكامل)) لابن الأثير ٧٣/٧، ٧٤، و((نفح الطيب)) ٣٥٠/١.
* العقد الفريد: ٤٩٦/٤، ابن القوطية: ١١٩، جذوة المقتبس: ١١، الكامل لابن
الأثير: ٥١/٧، الحلة السيراء: ٦٥، البيان المغرب: ١١٦/٢، بلغة الظرفاء: ٣٢، ابن
خلدون : ١٣٢/٤، نفح الطيب: ٣٥٢/١، أخبار مجموعة . ١٤٩، ومخطوطة الرباط :
١٢٤ .
(٢) قال الحميدي في ((جذوة المقتبس)) : ٣٠١ : هو عمر بن حفص المعروف بابن
حفصون ، كان من الخوارج القائمين بالأندلس بأعمال رية قبل سنة خمس وسبعين ومئتين ، وكان
جلداً شجاعاً أتعب السلاطين ، وطال أمره ، لأنه كان يتحصن عند الضرورة بقلعة هنالك ، تعرف
بقلعة بُبَشْتَر موصوفة بالامتناع .
٢٦٣

بالأندلس . وكان هذا بدوياً يجلب السمكَ بالأندلس ، فَآلَ به الأمرُ إلى أن
كثر جَمْعُه ، واستولى على جماعة حُصون .
مات المنذرُ في نصف صَفَر سنة خمس وسبعين ومئتين ، وله ست
وأربعون سنة .
٦١ - عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن *
الأميرُ أبو محمد المروانيُّ ، أخو المنذر .
تملَّك الأندلس بعد أخيه ، وامتدت أيامُهُ . وكان أسنَّ من أخيه بعام ،
وكان ليناً وادعاً، يُحِبُّ العافية . فقام عليه في كل قطرٍ مِن الأندلس مُتَغَلِّبٌ ،
وتناقضَ أمرُ المروانيّة في دولته .
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه : كان الأميرُ عبد الله مِن أفاضل أمراء
بني أمية . بَنَى السَّاباط ، وواظَب الخروجَ عليه إلى الجامع ، والتزم الصلاة
إلى جانب المنبر طولَ مدته .
وقال محمد بن وضَّاح : كان عبدُ الله الأميرُ مِن الصالحين المتَّقين
العالمين ، روى العلمَ كثيراً، وطَالَعَ الرأي ، وأبصر الحديثَ ، وحَفظ
القرآن ، وتَفَقَّه ، وأكثر الصومَ . وكان يلتزِمُ الصلوات في الجامع ، فيمرُّ
بالصف، فيقومُ الناس له، فكتب إليه سعيد بنِ حُمير : أيُّها الإِمام
أنت من المتَّقين ، وإنما يقومُ الناسُ لرب العالمين ، فلا ترضَ مِن رعيتك
بغير الصَّواب ، فإن العزّة الله جميعاً . فأمر العامَّةَ بترك ذلك فلم ينتهُوا ،
فحينئذ ابتنى السَّاباط طريقاً مشهوراً مِن قَصْره إلى المقصورة .
* العقد الفريد: ٤٩٧/٤، المقتبس: ١٢، الكامل لابن الأثير: ٢٤/٨، الحلة
السيراء: ٦٥، ابن خلدون: ١٣٢/٤، نفح الطيب: ١ / ٣٥٢.
٢٦٤

قال اليسعُ بن حزم : استضعفت دولةُ بني أمية ، وقامَ ابنُ جَفصون ،
وكان نَصرانيَّ الأصلِ، فأسلم وتنصَّح(١) وأَلَّب وحَشَد ، وصارت الأندلسُ
شعلةً تُضْرَمُ، ولم يبق لبني أمية مِنْبَرٌ يُخطب فيه إلا مِنبَرُ قُرطبة ، والغارات
تُشنُّ عليها حتى قام عبد الرحمن الناصر ، فتراجع الأمرُ .
مات عبدُ الله في أول ربيع الأول سنة ثلاث مئة ، وله اثنتان وسبعونَ
سنةً .
٦٢ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله *
ابنِ محمد بنِ عبد الرحمن بنِ الحكمِ بنِ هشام بنِ الدَّاخل عبد
الرحمن ، سلطانُ الأندلس، المدعوُّ: أمير المؤمنين ، الناصر لدين الله ، أبو
المطَرِّف الأموي المرواني .
كان أبوه محمد وليَّ عهدٍ والده عبد الله بن محمد ، فقتله أخوه أبو
القاسم المطَرِّف ، فقتله أبوهما به .
ففي سنة سبع وسبعين ومئتين قُتِل محمدٌ ، وله سبع وعشرون سنة ،
وتأخر قتلُ المطَرِّف إلى رمضان سنة اثنتين ومئتين . ولما قُتِلَ محمد ، كان
لعبد الرحمن هذا عشرون يوماً .
وولي الخلافة بعد جدِّه .
(١) تنصح : أي تشبّه بالنصحاء ، والتنصح : كثرة النصح ، ومنه قول أكثم بن صيفي:
إياكم والتنصُّح فإنه يورث التهمة .
* العقد الفريد: ٤ / ٤٩٨، جذوة المقتبس: ١٣، الكامل لابن الأثير: ١٧٧/٨،
المغرب في حلي المغرب : ١٨٠/١٠، ١٨٦، الحلة السيراء : ٩٩، طبقات السبكي:
٣٣٠/٢، ابن خلدون: ١٣٧/٤، نفح الطيب: ٣٥٣/١ -٣٧١، أزهار الرياض :
٢٥٧/٢ - ٢٨٤، المنتخب لابن شقدة (مخطوط)، وأخبار مجموعة : ١٥٣، غزوات
العرب : ١٦٧ - ١٨٢، تراجم إسلامية : ١٤٢.
٢٦٥

قال ابن حزم : كانت خلافتُه من المستطرف ، لأنه كان شاباً
وبالحضرة جماعة من أعمامه ، وأعمام أبيه ، فلم يَعترِض معترضٌ عليه .
واستمر له الأمر ، وكان شَهماً صارماً .
وكلُّ من تَقَدَّم مِن آبائه لم يَتَسمَّ أحد منهم بإمرة المؤمنين ، وإنما كانوا
يُخَاطَبُون بالإِمارة فقط ، وفعل مثلهم عبد الرحمن إلى السنة السابعة
والعشرين من ولايته ، فلما بَلَغْهِ ضَعْفُ الخِلافة بالعراق ، وظُهُور الشيعة
العُبَيدية بالقَيْروان ، رأى أنه أحقُّ بإمرة المؤمنين ، ولم يزل منذ وَلَيَ الأندلس
يستنزلُ المُتَغْلِّبين حتى صارت المملكةُ كلُّها في طاعتِه ، وأكثر بلاد العُدْوة ،
وأخافَ مُلُوكَ الطوائف حوله(١) .
وابتدأ ببناء مدينة الزَّهراء في أول سنة خمس وعشرين وثلاث مئة فكان
يُقَسِّم دخْلَ مملكته أثلاثاً : فثلثٌ يرصُدُه للجند ، وثلث يدَّخِرُه في بيت
المال ، وثلث يُنفِقه في الزَّهراء .
وكان دَخلُ الأندلس يومئذ خمسةَ آلاف ألف دينار ، وأربع مئة ألف
وثمانين ألفاً ، ومن السوق والمستخلص سبع مئة ألف دينار وخمسة وستون
ألفاً .
ذكر ابن أبي الفياض في ((تاريخه)) قال : أُخْبِرْتُ أنه وُجِدَ في تاريخ
الناصر أيام السرور التي صَفَتْ له ، فَعُدَّتْ ، فكانت أربعة عشر يوماً ، وقد
مَلَك خمسين سنة ونصفاً.
قال اليَسع بن حزم : نظر أهل الحلِّ والعَقد ، مَن يَقوم بأمر الإِسلام ،
(١) ((المغرب)) ١٨١/١، ١٨٢.
٢٦٦

فما وجدوا في شباب بني أمية من يصلح للأمر إلا عبد الرحمن بن محمد ،
فبايعوه وطلب منهم المال فلم يجده ،وطلب العُدَد فلم يجدها ، فلم يزل
السَّعْد يخدمه إلى أن سار بنفسه لابن حفصون ، فوجده مجتازاً لوادي
التُّفاح ، ومعه أكثر من عشرين ألف فارس - كذا نقل اليسع ، وما أحْسِبُ أن
ابن حفصون بقي إلى هذا التاريخ - قال : فهزمه ، وأفلت ابنُ حفصون في
نفرٍ يسير، فتحصَّن بحصن مبشّر .
ولم يزل عبد الرحمن يغزو حتى أقام العِوَج ، ومَهَّد البلاد ، ووضع
العدلَ ، وكَثُرَ الأمنُ ، ثم بعث جيشاً إلى المغرب ، فغزا برْغواطة بناحية
سَلاَ (١)، ولم تزل كلمته نافذة، وسِجِلْماسة(٢)، وجميع بلاد القبلة، وقُتِل
ابن حفصون . وصارت الأندلس أقوى ما كانت وأحسنها حالاً ، وصفا وجهُه
للروم ، وشنَّ الغارات على العدو ، وغزا بنفسه بلادَ الروم اثنتي عشرة غزوةً ،
ودَوَّخِهم ، ووضع عليهم الخَرَاج ، ودانت له ملوكُها ، فكان فيما شرط عليهم
اثنا عشر ألف رجل يصنعُون في بناء الزّهراء التي أقامها لسكناه على فرسخ من
قرطبة .
وساق إليها أنهاراً، ونَقَب لها الجبل ، وأنشأها مدوَّرة ، وعدة أبراجها
ثلاث مئة بُرج ، وشرفاتها من حجر واحد ، وقسَّمها أثلاثاً : فالثلث المسند
إلى الجبل قصورُه ، والثلث الثاني دورُ المماليك والخدم ، وكانوا اثني عشر
ألفاً بمناطق الذهب ، يركبون لركوبه ، والثلثُ الثالث بساتين تحت القصور .
وعمل مجلساً مُشْرِفَاً على البساتين، صَفَّحَ عُمُدَه بالذَّهب ، ورصَّعه بالياقوت
والزّمُّد ، واللؤلؤ، وفرشه بمنقوش الرُّخام ، وصنع قدَّامه بحرةً مستديرة
(١) مدينة بالمغرب على ساحل المحيط الأطلسي ، قرب المعمورة وبقربها برغواطة .
(٢) مدينة داخلية في جنوب المغرب بينها وبين فاس عشرة أيام .
٢٦٧

ملأها زئبقاً ، فكان النورُ ينعكِسُ منه إلى المجلس ، فدخل عليه قاضيه ،
منذرُ بنُ سعيد البِلُّوطي(١)، فوقف وقرأ: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
لَجَعَلْنَا لِمَنْ يكفِّرُ بِالرَّحمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفَاً مِن فِضَّة ... ) الآيتين:
[ الزخرف: ٣٣، ٣٤]. فقال: وعظت أبا الحكم، ثم قام عنٍ
المجلس ، وأمر بنزعِ الذَّهب والجواهر .
وقال عبد الواحد المراكشي في ((تاريخه)): أَتَّسعتْ مملكةُ الناصر ،
وحكم على أقطار الأندلس ، ومَلَكَ طَنَجَة وسَبْتَة ، وغيرهما من بلاد العُدْوة ،
وكانت أيامه كلها حروباً. وعاش المسلمون في آثارِه الحميدة آمنين برهة .
ويقال : إن بناء الزهراء أكملَ في اثنتي عشرة سنة ، بألف بنّاءٍ في
اليوم ، مع البنّاء اثنا عشر فاعلًا.
حكى أبو الحسن الصفَّار : أن يوسفَ بنَ تاشفين ملك المغرب لما
دخل الزهراء ، وقد خَرِبَتْ بالنيران والهدم ، من تسعين سنة قَبَلَ دخوله
إليها ، وقد نُقِلَ أكثر ما فيها إلى قرطبة وإشبيلية ، ونظر آثاراً تَشْهَدُ على
محاسنها ، فقال : الذي بنى هذه كان سفيهاً ، فقال له أبو مروان بن سراج :
كيف يكون سفيهاً وإحدى كرائمه أخرجت مالاً في فداء أسارى في أيامه ، فلم
يُوجد ببلاد الأندلس أسيرٌ يُفدى .
(١) هو المنذر بن سعيد البلوطي ، قاضي الجماعة بقرطبة ، كان عالماً فقيهاً، وأديباً
بليغاً ، وخطيباً مصقعاً ، متكلماً بالحق ، متبيناً بالصدق ، له كتب مؤلفة في السنة والقرآن والورع
والرد على أهل الأهواء والبدع ، وله اليوم المشهور الذي ملأ فيه الأسماع ، وبهر القلوب بخطبته
البليغة التي ارتجلها بين يدي الناصر في ذلك الجمع الحاشد المهيب ، الذي أعده لاستقبال
رسول ملك الروم ، فأعجب به الناصر أيما إعجاب ، فقال لابنه : والله لقد أحسن ما شاء ، ولئن
أخرني الله بعد لأرفعن من ذكره ، فضع يدك عليه ، واستخلصه ، وذكرني بشأنه ، فما للصنيعة
مذهب عنه، ثم ولاه الصلاة والخطابة في المسجد الجامع بالزهراء. (نفح الطيب)) ٣٦٦/١،
٣٧٤ .
٢٦٨

توفي النّاصر في رمضان سنة خمسين وثلاث مئة ، وستعاد ترجمته
مختصرةً بزيادات مهمّة ، وأنه افتتح سبعين حصناً . رحمه الله .
٦٣ - الحَكَم بن عبد الرحمن بن محمد *
أميرُ المؤمنين بالأندلس ، أبو العاص ، المستنصرُ بالله بن الناصر
الأمويُّ المرواني .
بويع بعد أبيه في رمضانَ سنة خمسين وثلاث مئة .
وكان حسنَ السيرة ، جامعاً للعلم ، مُكرِماً للأفاضل ، كبير القَدر ، ذا
نَهْمة مُفرِطة في العلم والفضائل ، عاكفاً على المطالعة .
. جمع من الكتب ما لم يجمعه أحدٌ من الملوك ، لا قَبَلَه ولا بعده ،
وتطلَّبَها ، وبذل في أثمانها الأموالَ ، واشتُرِيتْ له من البلادِ البعيدة بأغلى
الأثمان ، مع صفاء السريرة والعقل والكرم ، وتقريب العلماء .
أكثر عن زكريا بن الخطاب ، وأجاز له قاسم [بن ] ثابت(١) كتاب:
(( الدلائل في غريب الحديث)) . وكتبَ عن خلقٍ كثير منهم : قاسم بن
أَصْبَغِ ، ومحمدُ بنُ محمد بن عبد السلام الخُشني ، وأحمد بن دُحيم .
ولقد ضاقت خزائنُه بالكتب إلى [ أن ] صارت إليه ، وآثرها على لذات
* جمهرة الأنساب : ٩٢، جذوة المقتبس: ١٣، الكامل لابن الأثير: ٢٢٤/٨، ابن
خلدون: ١٤٤/٤، نفح الطيب ٣٨٢/١ -٣٩٦، أزهار الرياض: ٢٨٦/٢ - ٢٩٤.
(١) هو قاسم بن ثابت السرقسطي الأندلسي الإِمام الجليل الفقيه المحدث الورع الناسك،
وكتابه (( الدلائل )) في شرح ما أغفله أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث كتاب نفيس في بابه ،
ولكنه لم يكمله ، فأتمه بعده أبوه ثابت ، فقد بقي حياً بعد وفاة ابنه أحد عشر عاماً ، وكان كابنه
فقيهاً محدثاً لغوياً . قال الحميدي : ذكره أبو محمد علي بن أحمد ، وأثنى عليه ، وقال : ما شآء
أبو عبيد إلا بتقدم العصر. ((الديباج المذهب)) ١٤٧/٢، ١٤٨.
١٢٦٩٠

الملوك ، فَغَزُرَ عِلمُه ، ودقَّ نظرُه، وكان له يدٌ بيضاء في معرفة الرجال
والأنساب ، والأخبار ، وقلَّما تجدُ له كتاباً إلا وله فيه قراءةً أو نظر ، من أي فن
كان .. ويكتب فيه نسب المؤلّف ، ومولده ووفاته ، ويأتي من ذلك بغرائب لا
تكادُ تُوجد .
ومِن محاسنه أنه شدَّد في مملكته في إبطال الخمور تشديداً عظيماً .
وكان أخوه الأمير عبد الله المعروف بالولد ، على أنموذجه في محبةٍ
العلم ، فَقُتِلَ في أيام أبيه .
وكان المستنصر موثّقاً فيما ينقله . ذكره ابن الأبَّار في تاريخه . وقال :
عجباً لابن الفرضي ، وابن بَشْكُوال ، كيف لم يذكراه .
مولده في سنة اثنتين وثلاث مئة .
قال اليسع بن حزم : كان الحكم عالماً ، راويةً للحديث ، فَطِناً ،
وَرِعاً .
وفد عليه أبو علي القالي، وأبو علي الزُّبَيدي، وغيرهما .
ولما توفي القاضي منذر بن سعيد استعمل على القضاء الفقيه ابن
بشير ، فَشَرط عليه نُفُوذَّ الحق والعدل ؛ فرفع إليه تاجرٌ أنه ضاعت له جاريةٌ
صغيرة ، وأنها في القصر ، فانتهى الأمرُ إلى الحكم ، فقال الحكم : نُرضي
هذا التاجرَ بكل ما عسى أن يرضى به ، فقال ابنُ بشير : لا يكمل عدلُك حتى
تُنْصِفَ مِن نفسك ، وهذا قد ادَّعى أمراً، فلا بُدَّ من إحضارها ، وشهادة
الشهود على عينها، فأحضرها الحَكَمُ ، وأنصف التاجرَ .
وفي دولة الحكم هَمَّتِ الرومُ بأخذ مواضع مِن الثغور ، فقواها بالمال
والجيوش ، وغزا بنفسه ، وزاد في القطيعة على الروم ، وأذلَّهم .
٢٧٠

وكان موته بالفالج في صفر سنةً ست وستين وثلاث مئة . وخلّف ولداً
وهو هشام ، فأقيم في الخلافة بتدبير الوزير ابنٍ أبي عامر القحطاني .
٦٤ - هشام بن الحكم *
ابن عبد الرحمن الخليفة ، المؤيدُ بالله بنِ المستنصر بالله بنِ الناصر ،
الأموي الأندلسي ، أبو الوليد .
ولي الأمر بعد والده ، وطالت أيامُه .
مولده بمدينة الزَّهراء ، في جمادى الآخرة سنة أربع وخسمين .
وبُويع وله اثنا عشر عاماً بإشارة الدولة ، وقام بتدبير الخلافة
المنصور محمد بن أبي عامر ، واستبدَّ بالأمورِ ، فقبض أوَّل شيء على عمه
المغيرة بن الناصر .
وكان هشامٌ العاشرَ مِن ملوك بني أمية بالأندلس ، وكان ضعيفَ الرأي
أخرق ، محجوراً عليه ، فكان صورة ، وكان المنصورُ هو الكلَّ ، فساس
المملكةَ أتمَّ سياسة ، وغزا عدةً غزوات ضِخَام .
وسيأتي في حدود الأربع مئة خبرُ المؤيَّد ، وهذا المنصور .
٦٥ - يَعْلى بن الأشدق * *
العُقَيلِيُّ ، البدوي ، المعَمَّر.
* جذوة المقتبس: ١٧، الكامل لابن الأثير: ٢٢٤/٨، النبراس : ٢٢، البيان
المغرب: ٢/ ٢٥٣ و٣/٣، ١١٢، ١٩٧، ابن خلدون ١٤٧/٤، نفح الطيب: ١٨٧/١.
** التاريخ الكبير: ٤١٩/٨، التاريخ الصغير: ١٧٩/٢، المعرفة والتاريخ: ٢٥٧/١،
الجرح والتعديل: ٣٣٠/٩، كتاب المجروحين والضعفاء: ١٤١/٣، الكامل لابن عدي :
٤ /٤٦٩ / ١، ميزان الاعتدال ٤ /٤٥٦ - ٤٥٧.
٢٧١

حدَّث عن . عمِّه عبد الله بن جَراد ، ورقاد بن ربيعة ، وكُليب بن جُرَي
الأعراب . وزَعم أن لهم صحبة ، وعن النابغة الجعدي .
وعنه : عمر بن إسماعيل بن مجالد ، وإسماعيل بن عبد الله قاضي
دمشق ، وداود بن رشيد ، وأبو وَهْب الوليد بن عبد الملك ، وهاشم بن قاسم
الحرَّانيان ، وأيوب بن محمد الوزَّان ، وآخرون .
كنيته أبو الهيثم ، وكان تالفاً يدور النواحي ، ويشحذ .
قال أحمد الأبَّار: سألت الوزَّان عنه فقال : كانَ مِن أهل البادية ، كتب
عنه أهلُ حَرَّان ، رأيتُ له ابناً كأنه أكبر منه ، وبنتأً كأنها أمه ، فَظننتُ أنها
أمه . فقال : هذه بنتي ولدت بعد المئة .
وقال أبو وَهْب : سمعتُه يقول : لي مئة وستٌ وعشرون سنة ونصف .
وقال أبو حاتم : قال أبو مُسْهِر : قدم يَعْلى دمشق ، وكان أعرابياً ،
فحدَّث عن عبد الله بن جَرَاد سبعة أحاديث . فقلنا : لعله حق ، ثم جعلها
عشرة ، ثم عشرين ، ثم جعلها أربعين .
وكان سائلاً يسألُ الناسَ .
وقال البخاري : لا يُكتب حديثُه .
وقال أبو زُرْعة : لا يُصدَّق .
وقال ابنُ عدي : بلغني عن أبي مُسْهِر قال : قلتُ لِيَعْلى : ما سمع
عُمُّك من النبيَِّ؟ قال: ((جامع الثوري)) و((موطَّأ مالك)) وشيئاً من
الفوائد .
وقال ابن حِبَّان: وضعوا له أحاديثَ، فحدَّث بها ، ولم يَدْرِ
!
٢٧٢
.

قلت : بقي إلى [ ما ] بعد ثمانين ومئة .
٦٦ - العَطَّاف * (ت، س)
ابن خالد بن عبد الله بنِ العاص بنِ وَابِصَة بنِ خالد بنِ عبد الله بنِ عُمر
ابنِ مخزوم ، الإِمامُ أبو صَفوان المخزومي المدني ، أحدُ المشايخ الثقات .
حدَّث عن : نافع، وزيدِ بن أسْلَم ، وأبي حازم المديني ، وجماعة .
وعنه : أبو اليمان ، وسعيدُ بن أبي مريم ، وآدمُ بنُ إياس ، وسعيدُ بن
منصور، وقُتَيْبةُ ، وأبو مُصَعب ، وآخرون .
وثَّقه أحمد بن حنبل .
وقال أبو داود : ليس به بأس .
وقال البخاري : لم يَحْمَدْهُ مالكٌ .
وقال أبو أحمد في (( الكنى)): ليس بالمتين عندهم ، غمزَّه مالك .
وقال أبو حاتم : ليس بذاك .
قلت: تفرَّد عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ◌ََّ: أقاد مِن خَدْشٍ (١).
وهذا منكر ، لكن تفرَّد به عنه مَخْلَد بن مالك .
وللعطّاف نحو من مئة حديث ، وهو نحو فُلَيح ، وابنٍ أبي حازم في
القُوة .
* التاريخ لابن معين: ٤٠٦، المعرفة والتاريخ: ٢٤١/١، ٢٤٢، و٣٠٠/٢، الجرح
والتعديل: ٣٢/٧، كتاب المجروحين : ١٩٣/٢، تهذيب الكمال: ٩٤١، ميزان الاعتدال:
٦٩/٣، تهذيب التهذيب: ٢٢١/٧، خلاصة تذهيب الكمال : ٣٠٦ . .
. (١) ذكره ابن عدي في ((الكامل)) ٤ /٢/٢٦٠، من طريق سعيد بن عثمان الحراني ،
والحسين بن أبي معشر ، قالا : حدثنا مخلد بن مالك ، حدثنا العطاف بن خالد ، عن نافع ، عن
ابن عمر ... ، وقال : وهذا لم أسمعه بهذا الإسناد إلا منهما جميعاً ، وهو منكر .
٢٧٣،

وسمعه يحيى بن بُكير يقول : أنا أسنُّ مِن مالك ، ولدت سنة إحدى
وتسعين .
قلت : موته قريب من وفاة مالك .
٦٧ - إبراهيم بن صَالح *
ابن علي بنِ عَبد الله بنِ عباس العباسي ، أميرُ الشام للمهدي ، ثم أمير
مصر للرشيد ، وزوَّجه بأخته ، وهو أخو عبد الملك .
قيل : مرض إبراهيمُ ، فقال الرشيد لجبريل الطبيب : ما أبطأك ؟
قال : تشاغلتُ بإبراهيم ، لأنه يموت . فبكى وجَزع، ولم يأكل . فقال
جعفر : هذا أعلمُ بطبِّ الروم ، وابن بهْلة(١) أعلمُ بطب الهند ، فبعث بابن
بهلة فرجع ، وقال : إنه لا يموت في عِلته ، فأكل الرشيد وسكن . فلما أمْسَوْا
جاءه الموتُ ، فبكى الرشيد ، فأَتاه ابن بَهْلة وقال: إنه لم يمت ، فَدخل
الرشيدُ معه . قال : فنخسه بمسلَّة تحت ظفره ، فحرك يده شيئاً ، ثم أمر
بنزع الكفن عنه ، ودعا بمنفاخ وكُنْدُس(٢)، فَنفخ في أنفه ، فعطس وفتح
عينيه، فرأى الرشيدَ فأخذ يده ، فقبّلها ، فقال : كيف حالك ؟ قال : كنتُ
في أَلذّ نومة ، فعضَّ شيء أصبعي فآلمني ، وعوفي . ثم زوَّجه بأخته
عباسة ، وولَّه مصر ، وبها مات . فكان يُقال : رجل مات ببغداد ، ومات
ودفن بمصر .
* الطبري : ١٤٨/٨، المعرفة والتاريخ: ١٥٦/١، ٦٨٢، الولاة والقضاة: ١٢٣،
١٣٥، البداية والنهاية ١٦٩/١٠، تهذيب تاريخ ابن عساكر: ٢٢٢/١.
(١) قال ابن أبي أصيبعة في ((عيون الأنباء)) ص ٤٧٥: هو صالح بن بهلة الهندي ، متميز
من علماء الهند ، وكان خبيراً بالمعالجات التي لهم ، وكان بالعراق في أيام الرشيد هارون ، وقد
أورد له هذا الخبر بأطول مما هنا .
(٢) قال صاحب ((القاموس)): هو عروق نبات ، داخلُه أصفر وخارجه أسود، مُقِّىء،
مسهل ، جلاء للبهق، وإذا سحق ونفخ في الأنف عَطَّس وأنار البصر الكليل وأزال العشا.
٢٧٤

مات سنة ست وسبعين ومئة في شعبان .
وله ◌ِدَّةُ إخوة أمراء ، سادة ، قادة ، قلَّ أن يتفق إخوة مثلهم في الجلالةِ
والسؤدُد ، وهم : إسماعيلُ ، وعبدُ الوهَّاب ، وعبدُ الله ، وعبد الملك ،
والفضل .
٦٨ - الفَيض *
ابن أبي صالح شِيرويه ، الوزيرُ الكبير ، أبو جَعفر الفارسي . أسْلم ،
وكان نصرانياً ، فوزر للمهديِّ في أواخر دولته .
وكان سخياً جواداً ، يُضرَّب بكرمِهِ المَثَلُ ، وفيه تِيهُ مُفْرِطٌ ، أنسى
الناس تِيه الوزير أبي عُبيد الله(١).
قال الصُّولي : لم يزل وزيراً حتى مات المهدي ، ثم ولي الفيضُ ديوانَ
الجيش إلى أن مات في سنة ثلاث وسبعين ومئة .
٦٩ - عُمَارة بن حمزَة * *
الهاشمي ، مولاهم ، الکاتبُ الأديب ، أحدُ بُلغاء زمانه ، ورئیس
وقته ، من أولاد عكرمة مولى ابن عباس، قاله ابنُ خلكان ، قال: وکان کاتب
المنصور، وكان أعْور .
* تاريخ الطبري: ١٨٤/٦، الوزراء والكتاب للجهشياري : ١٦٤، ١٦٦، ٢٥٤،
وفيات الأعيان : ٧ / ٢٦ .
(١) هو يعقوب بن داود بن عمر ، وستأتي ترجمته .
* * تاريخ خليفة: ٤٣٦، تاريخ الطبري ٦/ ١٨٣ و٥١/٨، الفهرست لابن النديم :
١١٨/١، معجم الأدباء: ٢٤٢/١٥، ٢٥٧، إرشاد الأريب: ٣/٦ -١١، النجوم الزاهرة:
٢ / ١٦٤، رغبة الآمل : ١٤٤/٨.
٢٧٥

وكان المنصُور والمهديُّ يُقدِّمانه لبلاغته ، ويحتمِلان أخلاقَه ، وله
رسائلُ مجموعة .
كان فصيحاً مُفوّهاً، جواداً، مُمدّحاً، صَلِفاً ، تَيَّهاً، يُضرَبُ بكِبرِهِ
المثلُ .
وليَ أعمالاً جليلةً .
صُودِرَ يحيى بن خالد البرمكي مرةً، فبعث وَلَدَه إلى عُمارة ليقرضه
مئتي ألف دينار ، فأعطاه ، فلما عاد أمْرُهُ ، ونفذ إليه بالمال ، عبَّس وقال:
أكنت صيرفياً له ؟ ثم قال لولده الفضل بن يحيى : خذها لك .
وعن عبد الله بن أبي أيوب قال : وصل عُمارةُ أبي بثلاث مئة ألف
درهم .
وقيل : إنَّ جماعةً أَتوه ليشفعوا في برِّ قومٍ ، فأمر لهم بمئة ألف
درهم ، وكان كثير الأموالِ والنَّعَم .
٧٠ - عُبَيس بن ميمون * [ ق ]
الإِمام المحدِّثُ ، أبو عبيدة التَّيميُّ، الرَّقَاشي، البصريُّ، الخزَّاز.
[ روى ] عن بكر المُزني، ومعاوية بن قُرَّة ، وثابت ، ويحيى بنِ أبي
كثير، والقاسِم بن محمد - إن كان لَحِقَه - وعَوْنٍ بن أبي شدَّاد ، وعِدة .
* التاريخ الكبير: ٧٩/٧، التاريخ الصغير: ١٨١/٢، ٢٠٥، كتاب المجروحين
والضعفا: ١٨٦/٢، الضعفاء : ٢٤٤/٣، تهذيب الكمال : ٩٠١، تذهيب التهذيب :
١/٢٦/٣، ميزان الاعتدال: ٢٦/٣، تهذيب التهذيب: ٨٨/٧، وقد تحرف في التقريب ،
وتهذيب التهذيب إلى عبيدة . الجرح والتعديل ٣٤/٧ .
٢٧٦

وعنه : الطَّالسيُّ، وأبو عاصم، ومُسْلِمٌ ، ويحيى بنُ غَيْلان، وسعيدُ
ابنُ منصور ، وخَلَفُ بنُ هشام ، وأحمدُ بنُ عَبْدة ، وقُتَبةُ ، وداهِرُ بنُ نوح ،
وخلقٌ .
قال أحمد : له أحاديث منكرة .
وقال ابنُ مَعين : متروك . وقال أيضاً : ليس بشيء . وقال النَّسَائِي:
ليس بثقة ، وقال أبو داود : تُرك .
قلت : له في ابن ماجه حديثٌ واحد(١) .
وتُوفي في حدودِ الثمانين ومئة .
٧١ - خالد بن عبد الله * (ع )
ابن عبد الرحمن بن يزيد الحافظ الإِمام الثَّبت أبو الهيثم ، ويُقال : أبو
محمد المُزني ، مولاهم الواسِطي ، الطحَّان ، ويقال : ولاؤه للنُّعمان بن
مُقرِّن .
حدَّث عن حُصَينٍ بن عبد الرحمن ، وبَيانِ بنِ بِشْر، وأبي طُوالَة ،
وسُهيل بنِ أبي صالح ، وعاصم بنِ كُلَيب ، وعطاءِ بنِ السَّائب ، ومُغيرة بنِ
مِقْسَم ، وحُمَيد الطويل ، وخالد الحذَّاء ، وإسماعيلَ بنِ أبي خالد ، وأبي
(١) (٢٢٣٤) في التجارات : باب الأسواق ودخولها ، من حديث سلمان الفارسي قال :
سمعت رسول الله وهو يقول: ((من غدا إلى صلاة الصبح غدا براية الإِيمان، ومن غدا إلى السوق
غدا براية إبليس )) . وإسناده ضعيف لضعف عُبيس بن ميمون ، ولجهالة اثنين من رواته .
* طبقات خليفة: ٣٢٦، تاريخ خليفة: ٤٥٦، المعرفة والتاريخ: ١٧١/١، ٣٤١،
٥٣٦/٢، ٥٤٩، الجرح والتعديل: ٣٤٠/٣، تاريخ بغداد: ٨/ ٢٩٥، تهذيب الكمال:
٣٦١، تذهيب التهذيب: ٢/١٨٩/١، تذكرة الحفاظ: ٢٥٩/١، العبر ٢٧٣/١، ٤٠٧،
٤٤٣، تهذيب التهذيب : ١٠٠/٣ ، خلاصة تذهيب الكمال: ١٠١ .
٢٧٧

بِشْر جعفر بنِ أبي وحشية ، والجريري ، وعمرو بنٍ يحيى بنْ عُمارة
المازني ، ومُطَرِّف بنِ طريف ، وواصل مولى أبي عُيَيْنة ، وليثِ بنِ أبي
سُليم ، وسليمان النَّيمي ، ويونس بن عبيد ، وأبي إسحاق الشَّيباني ، وأبي
حيان النَّيمي ، ويزيد بن أبي زياد ، وخلقٍ كثير ، وأبي حُصَين ، وما أَظُنُّه
سَمِعَ من الأعمش .
وعنه : يحيى القطّان ، ووكيع ، وابنُ مَهْدي ، ومسدَّد ، ویحیی بنُ
يحيى ، وأبو عمر الحَوْضي ، وسعيد بنُ يعقوب الطَّالْقاني ، ومحمد بن
الصَّبَّحِ الدُّولابي ، وعمرو بنُ عَوْن ، ومحمد بن سَلَام البيْكَندي ، ومحمد
ابن مقاتل المروزي ، ومُعلَّى بنُ منصور ، ووهب بن بقية ، وقتيبة ، وعبد
الحميد بن بيان ، وإسحاق بن شاهين ، وخَلْقٌ سواهم .
قال عبدُ الله بن أحمد بن حنبل ، قال أبي : كان خالد الطحَّان ثقةً ،
صالحاً في دينه . بلغني أنَّه اشترى نفسَه مِن الله ثلاثَ مرات ، وهو أحبُّ إلينا
من هُشیم .
وقال عبدُ الله بن أحمد أيضاً : قال أبي : كان خالدٌ مِن أفاضلِ
المسلمين ، اشترى نفسه مِن الله أربع مرات : فتصدق بوزنِ نفسه فضةً أربعَ
مرات .
وقال ابنُ سعيد ، وأبو زُرْعة ، وأبو حاتِم ، والنّسائي : ثقة .
وقال الترمذي : ثقة حافظ .
وقال أبو حاتم أيضاً : صحيحُ الحديث .
قال أبو داود : قال إسحاق الأزرق : ما أدركتُ أفضلَ من خالد
الطحَّان . قيل : قد رأيتَ سفيان ؟ قال : كان سفيانُ رَجُلَ نفسِه ، وكان خالد
رجلَ عامَّة .
٢٧٨

وقال محمد بن عبد الله بن عَمَّار : هو أثبتُ مِن جرير بن عبد الحميد .
وأما عثمان بن أبي شيبة ، فكان يُقدِّم جريراً على خالد بن عبد الله .
قال عمرو بن عَوْن : ما صليتُ خلف ابن عبد الله إلا سمعتُ قَطر دموعِه
على البَارِيّة(١) .
وقال علي بن عبد الله بن مُبشر الواسطي : ولد سنة عشر ومئة .
وقال عبدُ الحميد بن بيان : مات خالد الطحان في رجب سنةً تسع
وسبعين ومئة، وكان لا يَخضِبُ، وفيها أرخه يعقوب الفسوي(٢).
وقال خليفة ، وابن سعد : مات سنة اثنتين وثمانين ومئة .
أخبرنا أحمد بنُ إسحاق ، أخبرنا أكملُ بن أبي الأزهر ، أخبرنا سَعيدُ
ابن أحمد ، أخبرنا أبو نَصر الزَّينبي، أخبرنا أبو بكر بن زُنْبور ، أخبرنا عبدُ الله
ابن أبي داود ، حدثنا إسحاق بن شاهين ، حدثنا خالدٌ، عن الجُريري ، عن
حكيم بن معاوية، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَّهُ: (( في الجَنَّةِ بَحْرُ
المَاءِ ، ويَحْرُ اللَّبَنِ، وبَحْرُ الخَمْرِ، وبَحْرُ العَسَلِ، ثُمَّ تَتَفِجَّرُ الأَنْهَارُ
بَعْدُ )) . تابعه بَهْز بن حكيم ، عن أبيه ، أخرجه الترمذي من حدیث یزید بن
هارون عن بَهز(٣) ، وصححه ، وانفرد بإخراجه عن باقي الأئمة .
(١) هو بفتح الباء ، وتشديد الياء: الحصير المنسوج، فارسي معرب.
(٢) ١/ ١٧١ .
(٣) هذا وهم من المؤلف رحمه الله ، فليس في السند عند الترمذي بهز بن حكيم ، وإنما
رواه هو (٢٥٧١)، وأحمد ٥/٥، والدارمي ٣٣٧/٢ من طريق يزيد بن هارون ، عن الجريري
سعيد بن إياس ، عن حكيم بن معاوية ، عن أبيه ورجاله ثقات . وصححه ابن حبان (٢٦٢٣) من
طريق خالد بن عبد الله الواسطي ، عن الجريري ، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه . ولفظ
الترمذي: ((ثم تشقق الأنهار بعد))، ولفظ ابن حبان: (( ثم تنشق منها بعد الأنهار))، ولفظ
الدارمي: (( ثم تشقق منه الأنهار)).
٢٧٩
1
۔
،۔۔

٧٢ - موسى بن أعْيَن * (خ، م، د، س، ق)(١)
الإِمامُ الحجةُ ، أبو سَعيد الحرَّاني .
[ روى] عن عطاء بن السَّائب، ولَيث، وعبدِ الكريم الجَزَري ،
والأعمش ، وعبدِ الله بن محمد بن عَقيل ، ومُطَرِّف بنِ طريف ، ويزيد بن
أبي زياد ، ومَعمر ، وخَلق .
وعنه : إسماعيلُ بن عَبد الله بن سَمَاعة ، وأحمدُ بن أبي شُعيب ،
وعبدُ الغفَّار بنُ داود ، وسعيد بنُ حفص النُّفَيلي ، وقرابتُه أبو جعفر النُّفَيلي ،
ويحيى بن يحيى ، وآخرون .
وثَّقه أبو حاتم وغيره .
توفي سنة سبع وسبعين ومئة .
٧٣ - أما المُفضَّل بن فَضالة ** (د، ت، ق)
ابن أبي أمية ، أبو مالك القرشيُّ ، مولاهم البصري ، أخو مبارك بنِ
فَضالة ، فأقدمُ قليلاً ، من صاحب الترجمة .
روى عن بَكْر بنِ عبد الله المُزني ، وثابت البُنَاني ، وحَبيب بنِ
الشَّهيد ، وعاصم بنِ أبي النَّجود ، وجماعة .
* طبقات خليفة: ٣٢، الجرح والتعديل: ١٣٦/٨، مشاهير علماء الأمصار : ١٨٦،
تهذيب الكمال : ١٣٨٥، تذهيب التهذيب: ١/٧٧/٤، العبر: ٢٧١/١، تهذيب التهذيب:
١٠ / ٣٣٥، خلاصة تذهيب الكمال : ٣٨٩.
(١) الرموز سقطت من الأصل، واستدركت من ((التهذيب)).
* * التاريخ لابن معين: ٥٨٢، الجرح والتعديل: ٣١٧/٨، الولاة والقضاة: ٣٧٧،
٣٨٥، حلية الأولياء: ٣٢١/٨، الجمع: ٥١١، ميزان الاعتدال: ١٦٩/٤، تذكرة
الحفاظ : ١٣٢/١، البداية والنهاية : ١٧٩/١٠ .
٢٨٠