النص المفهرس

صفحات 61-80

مُسْلم من طريق إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بنِ عبد الرحمن وهو أبو
طُوالة، ولم يخرِّج البخاري لأبي يونس شيئاً فيما علمت ، والله أعلم .
قال أبو عبدِ الله الحاكم - وذكر سَادةً من أئمة التابعين بالمدينة ، كابن
المسيِّب ، ومَنْ بعده - قال : فما ضُربت أكبادُ الإِبل من النواحي إلى أحد
منهم دونَ غيره ، حتى انقرضُوا وخلا عَصْرُهم ، ثم حدَّث مثلُ ابنِ شِهاب ،
وربيعةً ، ويحيى بنِ سعيد ، وعبدِ الله بن يزيد بن هُرْمز، وأبي الزِّناد ،
وصفوانَ بن سُلَيم ، وكلُّهم يُفتي بالمدينة ، ولم ينفرد واحد منهم بأن ضُرِبت
إليه أكبادُ الإِبل حتى خلا هذا العصر فلم يقع بهم التأويلُ في عالم أهل
المدينة . ثم حدَّث بعدهم مالكٌ ، فكان مُفتيها ، فضُربت إليه أكبادُ الإِبلِ
من الآفاق ، واعترفوا له ، وروتِ الأئمةُ عنه ممِّن كان أقدمَ منه سناً ،
كاللَّيث عالمِ أهلِ مصر والمغرب ، وكالأوزاعي عالمِ أهل الشام
ومفتيهم ، والثوريِّ، وهو المقدَّم بالكوفة ، وشعبةً عالمِ أهل البصرة . إلى
أن قال : وحمل عنه قَبلهم يحيى بنُ سعيد الأنصاري حين ولاه أبو جعفر
قضاءَ القُضاة ، فسأل مالكاً أن يكتب له مئةَ حديثٍ حين خرج إلى العراق ،
ومن قبلُ كان ابنُ جُرَيج حملَ عنه .
أبو مُصعَب : سمعتُ مالكاً يقول : دخلتُ على أبي جعفر أميرٍ
المؤمنين ، وقد نزّلَ على مثالٍ له - يعني فرشه - وإذا على بساطه دابتان ما
تَروثانٍ ولا تَبولانِ ، وجاء صبيٌّ يخرج ثم يرجعُ ، فقال لي : أتدري من هذا ؟
قلتُ : لا . قال : هذا ابني ، وإنما يَفْزِعُ من هيبتك ، ثم ساءلني عن أشياءً
منها حلالٌ ، ومنها حرامٌ ، ثم قال لي : أنت - والله - أعقلُ الناسِ ، وأعلمُ
الناس . قلت : لا والله يا أميرَ المؤمنين . قال : بلى . ولكنك تكتُمُ . ثم
قال : والله لئن بقيتُ لأكتبنَّ قولك كما تُكْتبُ المصاحفُ، ولأبعثنَّ به إلى
٦١

الآفاق ، فلأحملَّهم عليه(١).
الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي : حدثنا عبدُ الله بنُ يوسف ، عن خَلف
ابنِ عمر ، سمع مالكاً يقول : ما أجبتُ في الفتوى حتى سألتُ من هو أعلم
مني : هل تراني مَوْضِعَاً لذلك ؟ سألت ربيعة ، وسألت يحيى بنّ سعيد ،
فأمراني بذلك . فقلت : فلو نَهوْك ؟ قال : كنت أنتهي ، لا ينبغي للرجل أن
يَبذُلَ نفسه حتى يسأل من هو أعلم منه(٢) .
قال خَلَف : ودخلت عليه ، فقال : ما ترى(٣) ؟ فإذا رؤ يا بَعثَها بعضُ
إخوانه ، يقول: رأيتُ النبي ◌َّ في المنام ، في مسجد قد اجتمع الناسُ
عليه ، فقال لهم : إني قد خبأتُ تحت منبري طِيباً أو علماً ، وأمرتُ مالكاً أن
يُفَرِّقه على الناس ، فانصرف الناس وهم يقولون : إذاً ينفِّذُ مالكٌ ما أمره به
رسول اللّه ◌َ﴾. ثم بكى، فقمتُ عنه(٤).
أحمد بن صالح : سمعتُ ابنَ وَهْبٍ يقول : قال مالك: لقد سمعتُ من
ابن شِهاب أحاديثَ كثيرةً ، ما حدثتُ بها قط ، ولا أُحدِّثُ بها .
نَصْر بن علي الجَهْضَمِي(٥) ، حدثني حُسَين بنُ عروة قال : قدم
المهديُّ ، فبعث إلى مالك بألفي دينار ، أو قال : بثلاثة آلاف دينار ، ثم أتاه
الربيعُ بعد ذلك ، فقال : إن أمير المؤمنين يُحِبُّ أن تُعادِله(٦) إلى مدينة
(١) أورده المؤلف في ((تذكرة الحفاظ)) ٢٠٩/١.
(٢) ذكره في الحلية ٣١٧/٦.
(٣) نص الحلية : فقال لي : انظر ما ترى تحت مصلاي أو حصيري ، فنظرت ، فإذا أنا
بكتاب ، فقال : اقرأه ...
(٤) ((الحلية)) ٣١٧/٦.
(٥) نسبة إلى الجهاضمة ، محلة بالبصرة .
(٦) أي تكون له عديلاً في ((المحمل)) وتصاحبه في سفره إلى بغداد .
٦.٢

السَّلامِ، فقال: قال النبي ◌ِّهَ: ((المَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ)). والمال عندي على حاله(١).
محمودُ بن غَيْلان ، حدثنا إسماعيل بن داود المِخْراقي : سمعت
مالكاً يقول : أخذ ربيعةُ الرأى بيدي ، فقال : وربِّ هذا المقام ، ما رأيتُ
عراقياً تامًّ العقل ، وسمعت مالكاً يقول : كان عطاءُ بنُ أبي رباح ضعيفَ
العقل .
ياسينُ بن عبد الأحد ، حدثني عمر بن المحبِّر الرُّعَيْني ، قال : قدم
المهديّ المدينة ، فبعث إلى مالك ، فأتاهُ ، فقال لهارونَ وموسى :
اسمعا منه ، فبعث إليه ، فلم يُجبهما، فأعلما المهديَّ ، فكلمه، فقال: يا
أمير المؤمنين ، العلمُ يؤتى أهلُه . فقال : صدَق مالك ، صِيرا إليه ، فلما
صارا إليه، قال له مؤدبُهما : اقرأ علينا ، فقال : إنَّ أهل المدينةِ يقرؤون على
العالم، كما يقرأ الصبيانُ على المعلِّم، فإذا أخطؤوا، أفتاهم. فرجعوا إلى
المهديِّ ، فبعثَ إلى مالك ، فكلمه ، فقال : سمعتُ ابن شهاب يقول :
جمعنا هذا العلم في الروضة من رجال ، وهم يا أمير المؤمنين: سعيد بن
المسيِّب، وأبو سَلَمَة، وعروة ، والقاسم ، وسالم، وخارجة بنُ
زيد، وسليمانُ بنُ يَسار، ونافع ، وعبد الرحمن بنُ هُرْمز، ومِن بعدهم:
أبو الزِّناد، وربيعةُ ، ويحيى بنُ سعيد، وابنُ شهاب ، كلَّ هؤلاء يُقرأ عليهم
(١) الخبر في ((تذكرة الحفاظ)) ٢١٠/١، و((الانتقاء)) ص ٤٢، و((ترتيب المدارك))
٢١٠/١، ومقدمة الجرح والتعديل ٣٢/١، وحديث: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون))
أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٨٨٧/٢، ٨٨٨، والبخاري ٧٨/٤، ٨٠، ومسلم (١٣٨٨) من
حديث سفيان بن أبي زهير قال : سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((تفتح اليمن ، فيأتي قوم يُبسُّون ،
فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح الشام ، فيأتي قوم
يُبسُّون ، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم.، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح العراق ،
فيأتي قوم يُبسُّون ، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون )).
٦٣
٠

ولا يقرؤون ، فقال: في هؤلاء قدوةٌ ، صيروا إليه، فاقرؤوا عليه ، ففعلوا .
قُتِيبةُ، حدثنا مَعْن، عن مالك ، قال: قَدِمَ هارونُ يريد الحجِّ،
ومعه يعقوبُ أبو يوسف ، فأتى مالكٌ أمير المؤمنين ، فقرَّبه ؛ وأكرمه ، فلما
جلس ، أقبل إليه أبو يوسف ، فسأله عن مسألة فلم يُجبه ، ثم عاد فسأله فلم
يُجبه ، ثم عاد فسأله . فقال هارون : يا أبا عبد الله ، هذا قاضينا يعقوبُ ،
يَسألك، قال : فأقبل عليه مالك ، فقال : يا هذا ، إذا رأيتني جلستُ لأهلِ
الباطِلِ ، فتعال أُجبْك معهم (١) .
السَّراجُ: حدَّثنا قتيبة : كنا إذا دخلنا على مالك، خرج إلينا مُزَيّناً
مكحَّلاً مطيّباً، قد لبس من أحسنٍ ثيابه ، وتصدَّر الحلقةَ ، ودعا بالمراوح ،
فأعطى لكلِّ منا مروحة .
محمد بن سعد : حدثني محمد بن عمر ، قال : كان مالك يأتي
المسجد ، فيشهد الصلواتِ والجمعةَ ، والجنائزَ ، ويعود المرضى ،
ويجلسُ في المسجد ، فيجتمعُ إليه أصحابُه ، ثم ترك الجلوسَ ، فكان
يُصَلِّي وينصرِفُ ، وترك شهودَ الجنائز، ثم ترك ذلك كُلُّه ، والجمعةَ،
واحتمل الناسُ ذلك كلَّه ، وكانوا أرغَب ما كانوا فيه ، وربما كُلِّم في ذلك ،
فيقول : ليس كلُّ أحد يَقْدرُ أن يتكلم بعُذْره (٢).
(١) أورد الخبر في ((تذكرة الحفاظ)) ٢١٠/١ من طريق الحاكم، عن علي بن عيسى
الحيري ، عن محمد بن إبراهيم العبدي، عن قتيبة ، عن معن بن عيسى، . قال شعيب: إن صح
هذا القول عن إمام دار الهجرة - ولا إخاله يصح - فإن ذلك يعد هفوة منه رحمه الله في حق كبير
القضاة الذي انعقدت الخناصر من الموافق والمخالف على إمامته في الفقه، وبراعته في الحفظ،
وثقة مروياته ، وسعة اطلاعه ، واستقامه سيرته، وللمؤلف جزء في ترجمة هذا الإمام مطبوع، سرد
فيه جملة صالحة من مناقبه ، وثناء الأئمة عليه، فراجعه .
(٢) الخبر في ((طبقات ابن سعد)) وابن خلكان في ((الوفيات)) ١٣٦/٤، وعلق عليه كما =
٦٤

وكان يجلس في منزله على ضِجَاعٍ له، ونَمارق(١) [ مطروحة في
منزله يمنة ويسرة ] لمن يأتيه من قريش ، والأنصار ، والناس .
وكان مجلسه مجلس وقارٍ وحِلم(٢) . قال : وكان رجلاً مَهيباً نبيلاً ،
ليس في مجلسه شيءٌ من المِراء ، واللغط ، ولا رفع صَوْتٍ ، وكان(٣)
الغرباء يسألونه عن الحديث ، فلا يُجيب إلا في الحديثِ بعدَ الحديث ،
وربما أَذِنَ لبعضهم يقرأ عليه ، وكان له كاتب قد نسخ كتبَه ، يقال له :
حَبيب (٤). يقرأ للجماعة ، ولا ينظر أحد في كتابه ولا يَستفهم، هيبةً
لمالك ، وإجلالاً له ، وكان حبيب إذا قرأ ، فأخطأ ، فتح عليه مالك ، وكان
ذلك قليلاً(٥).
ابنُ وَهْب : سمعتُ مالكاً يقول: ما أكثرَ أحدٌ قطُّ فأفلح .
حَرْمَلةُ : حدَّثنا ابن وَهْب ، قال لي مالك : العلم يَنْقُصُ ولا يَزِيد ،
ولم يزل العلمُ ينقُصُ بعد الأنبياء والكتب .
= وجد بخطه بقوله: وإنما كان تخلفه عن المسجد ، لأنه سَلِس بولُه ، فقال عند ذلك : لا يجوز أن
أجلس في مسجد الرسول وص # ، وأنا على غير طهارة ، فيكون ذلك استخفافاً .
(١) جمع نمرقة : الوسادة .
(٢) في (( ترتيب المدارك)): وعلم .
(٣) في الأصل: ((كانوا)) وسيأتي الخبر قريباً بلفظ ((كان)) كما أثبتنا.
(٤) هو أبو محمد حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك بن أنس ، قال عنه الإِمام أحمد : ليس
بثقة ، وقال ابن معين : كان حبيب يقرأ على مالك ، وكان يُخطرف (يسرع) بالناس يصفح
ورقتين ثلاثاً . قال يحيى : وكان يحيى بن بكير سمع من مالك بعرض حبيب ، وهو شر
العرض ، واتهمه أبو داود بالكذب ، وقال ابن حبان : كان يروي عن الثقات الموضوعات ، وقال
النسائي: أحاديثه كلها موضوعة عن مالك وغيره. قال القاضي عياض في ((الإِلماع)) ص ٧٧ :
ولهذه العلة لم يخرج البخاري من حديث يحيى بن بكير عن مالك إلا القليل ، وأكثر عنه ، عن
الليث ، وقالوا : لأن سماعه كان بقراءة حبيب ، وقد أنكر هو ذلك .
(٥) ((ترتيب المدارك)) ١٥٣/١، ١٥٤، و((الانتقاء)) ص ٤١.
٦٥

أحمدُ بن مسْعود المقدِسي : حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم الحُنَيْنِي ،
قال : كان مالك يقول : واللهِ ما دخلتُ على مَلِكِ من هؤلاء الملوكِ حتى
أُصِلَ إليه ، إلا نَزَعَ اللّهُ هيبته من صدري .
حَرْمَلةُ : حدثنا ابنُ وَهْب : سمعتُ مالكاً يقول: اعلم أنَّهُ فسادٌ عظيم
أن يتكلم الإِنسانُ بكلِّ ما يَسمع .
هارون بن موسى الفَروي : سمعت مصعباً الزُّبَيري يقول : سأل
هارون الرشيد مالكاً ، وهو في منزله ، ومعه بنوهُ ، أن يقرأ عليهم . قال : ما
قرأت على أحد منذ زمان وإنما يُقرأ عليَّ، فقال: أَخرِجِ الناسَ حتى أقرأ أنا
عليك، فقال : إذا مُنِعَ العامُ لبعض الخاصِّ ، لم ينتفعِ الخاصُّ . وأمر مَعْنَ
ابن عيسى، فقرأ عليه .
إسماعيل بن أبي أُويس ، قال : سألتُ خالي مالكاً عن مسألة ، فقال
لي : قِرَّ. ثم توضأ ، ثم جلس على السرير - ثم قال : لا حول ولا قوة إلا
بالله . وكان لا يُفتي حتى يقولها .
ابنُ وهْب : سمعت مالكاً يقول : ما تعلمتُ العلمَ إلا لِنفسي ، وما
تعلمتُ ليحتاج الناسُ إليَّ، وكذلك كان الناسُ.
إسماعيل القاضي : سمعتُ أبا مُصعب يقول : لم يَشْهَدْ مالكٌ
الجماعةَ خمساً وعشرين سنة ، فقيل له : ما يمنعُك ؟ قال : مخافةً أن أرى
منكراً، فأحتاج أن أُغيِّرهُ .
إبراهيم الحِزَامي: حدثني مُطَرِّف بنُ عبد الله ، قال لي مالك : ما
يقولُ الناسُ فيَّ ؟ قلت : أما الصديقُ فَيُثْني، وأما العدوُّ فَيَقع . فقال : ما
٦٦

زال الناسُ كذلك، ولكن نعوذ بالله من تَتَابُعِ الألسنةِ كُلِّها(١).
أحمد بن سعيد الرِّباطي(٢): سمعت عبد الرزاق يقول: سأل
سَنْدَلٌ (٣) مالكاً عن مسألة، فأجابه ، فقال : أنتَ مِنَ الناس ، أحياناً تُخطىء،
وأحياناً لا تُصيب ، قال : صدقتَ . هكذا الناسُ . فقيل لمالك : لم تَدْرِ ما
قال لك ؟ فَفَطِنَ لها ، وقال : عهدتُ العلماءَ ، ولا يتكلمون بمثل هذا ،
وإنما أُجيبه على جوابٍ الناس .
حَرْمَلَة : حدثنا ابنُ وهب : سمعتُ مالكاً يقول : ليس هذا الجدلُ مِن
الدِّين بشيءٍ .
ابن وهب ، عن مالك ، قال : دخلت على المنصور ، وکان يدخل
عليه الهاشميُّون ، فيُقبلون يَدَه ورجلَه - عصمني الله من ذلك - .
الحارثُ بن مسكينٍ : أخبرنا ابنُ القاسم قال: قيل لمالك : لِمَ لَمْ
تأخذْ عن عمرو بنِ دینار ؟ قال: أتيتُه ، فوجدتُه يأخذون عنه قياماً ، فأجللتُ
حديث رسول الله ﴿ أن آخذَه قائماً.
إبراهيمُ بن المنذر : حدثنا مَعْن ، وغيرُه ، عن مالك ، قال : لا يؤخَذُ
العلمُ عن أربعة : سَفيه يعلن السَّفَه ، وإن كان أروى الناس ، وصَاحبٍ بِدعة
يدعُو إلى هواهُ ، ومن يكذبُ في حديث الناس ، وإن كنتُ لا أتّهمه في
(١) أورده في ((الحلية)) ٣٢١/٦.
(٢) نسبة إلى الرباط : اسم لموضع رباط الخيل وملازمة أصحابها الثغر لحفظه من عدو
الإِسلام ، فيقال لفاعل ذلك : مرابط وإنما قيل له : الرباطي ، لأنه كان على الرباط وعمارته ،
وتولي الأوقاف التي له .
(٣) سندل: لقب عمر بن قيس المكي ، تركه أحمد والنسائي والدارقطني وقال يحيى بن
معين : ليس بثقة ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال أحمد أيضاً : أحاديثه بواطيل ، والخبر
أورده المؤلف في (( ميزانه )» بنحوه .
٦٧

الحديث ، وصالحٍ عابد فاضلٍ إذا كان لا يحفظُ ما يُحدِّث به .
أصْبَغ : حدثنا ابن وهب ، عن مالك - وسُئل عن الصّلاة خلفَ أهلِ
البدع- القدريَّة وغيرهم - فقال: لا أرى أن يُصلَّى خلفهم . قيل :
فالجُمعة ؟ قال : إن الجمعة فريضة ، وقد يُذْكَرُ عن الرجل الشيءُ ، وليس
هو عليه . فقيل له : أرأيت إن استيْقنتُ، أو بلَّغني مَنْ أثق به ، أليس لا
أصلي الجُمعة خلفَه ؟ قال : إن استيقنتَ . كأنه يقول : إن لم يستيقنْ
ذلك ، فهو في سَعة من الصلاة خلفه .
أبو يوسف أحمد بنُ محمد الصَّيْدَلاني : سمعت محمد بنَ الحسنِ
الشيباني يقول : كنتُ عند مالك فنظَر إلى أصحابه ، فقال : انظروا أهلَ
المشرق ، فأنزلوهم بمنزلةِ أهلِ الكتابِ إذا حدَّثوكم ، فلا تصدِّقوهم ، ولا
تكذِّبوهم ، ثم التفتَ ، فرآني ، فكأنه استحيى ، فقال : يا أبا عبدِ الله ،
أكره أن تكون غيبة ، هكذا أدركتُ أصحابنا يقولون.
قلت : هذا القولُ من الإِمام قاله لأنه لم يكن له اعتناءً بأحوال
بعض القوم ، ولا خبر تراجمھم ، وهذا هو الورع. ألا تراه لما خبرَ حال
أَيُّوب السَّخْتياني العِراقي كيف احتجَّ به . وكذلك حُمَيْد الطويل، وغيرُ
واحد ممِّن روى عنهم (١) . وأهلُ العراق كغيرهم ، فيهم الثقةُ الحجّة ،
والصَّدُوقُ ، والفقيه ، والمقرىءُ، والعابدُ ، وفيهم الضعيف ، والمتروكُ ،
والمتَّهمُ. وفي (( الصحيحين)) شيء كثير جداً من رواية العراقيين رحمهم
الله .
وفيهم مِن التابعين كمثل علقَمَة ، ومَسروقٍ ، وعَبِيدة ، والحسَن ،
(١) يقول مالك فيما رواه عنه حمزة، كما في ((إسعاف ((المبطأ)): إنما كانت العراق تجيش
علينا بالدراهم والثياب ، ثم صارت تجيش علينا بالعلم .
٦٨

وابن سيرين، والشعبي ، وإبراهيم ، ثم الحكم ، وقتادة ، ومنصورٍ ، وأبي
إسحاق ، وابنِ عونٍ، ثم مِسْعَر، وشعبَة، وسُفيان، والحمَّادَيْن ، وخلائق
أضعافهم ، رحم اللّهُ الجميع. وهذه الحكاية رواها الحاكم عن النّجاد ، عن
هِلال بن العَلاء ، عن الصَّيْدَلاني .
صفة الإِمام مالك
عن عيسى بن عُمر قال : ما رأيتُ قطُّ بياضاً ولا حُمرةً أحسنَ من وجهِ
مالك ، ولا أشدَّ بياضِ ثَوْبٍ مِن مالك .
ونقل غيرُ واحد(١) أنه كان طُوالاً، جسيماً ، عظيمَ الهامة ، أشقر ،
أبيض الرأس واللحية، عظيمَ اللحية ، أصْلَع، وكان لا يُحفي شاربَه(٢)،
ويراه مُثْلَةً .
وقيل: كان أزرقَ العين . روى بَعضَ ذلك ابنُ سعد ، عن مُطَرِّف بن
عبد الله .
وقال محمد بن الضَّحَّاك الحِزَامي : كان مالكٌ نقيَّ الثوب ، رقيقه ،
يكثر اختلافَ اللَّبوس .
وقال الوليدُ بن مسلم : كان مالك يَلْبَسُ البياضَ ، ورأيتُه والأوزاعِيَّ
يلبسان السِّيجان(٣).
,
قال أشهب : كان مالك إذا اعتمَّ ، جعل منها تحت ذقنه ، ويُسدِل
طَرَفَها بين كتفيه .
(١) وانظر الديباج المذهب: ص ١٨ .
(٢) أي لا يبالغ في قصه، وانظر ((زاد المعاد)) ١٧٨/١ - ١٨٢.
(٣) السيجان : الطيالسة السود أو الخضر، واحدها ساج .
٦٩

وقال خالد بنُ خِدَاشِ : رأيتُ على مالك طَيلَساناً ، وثياباً مَرْويةٌ
جياداً .
وقال أشهب : كان مالك إذا اكتحل للضرورة ، جلس في بيته .
وقال مصعب : كان يلبَسُ الثيابَ العَدنِيَّةِ ويتطيِّبُ .
وقال أبو عاصم : ما رأيتُ مُحدِّثاً أحسنَ وجهاً من مالك .
وقيل : كان شَديدَ البياض إلى صُفرةٍ، أعينَ(١)، أشمَّ(٢)، كان يوفِّر
سَبَته(٣) ، ويحتجُّ يفتلِ عمر شاربَه .
وقال ابن وهب : رأيتُ مالكاً خَضَبٍ بِحِنَّاء مرة .
وقال أبو مُصْعبٍ : كان مالكٌ من أحسن الناس وجهاً ، وأجلاهم عيناً ،
وأنقاهم بياضاً ، وأتَمِّهم طُولاً، في جَودة بَدَن .
وعن الواقدي : كان رَبْعةٌ ، لم يخضِبْ ، ولا دخل الحمام .
وعن بِشْر بن الحارث قال : دخلتُ على مالك ، فرأيتُ عليه طَيْلساناً
يُساوي خمس مئة، وقد وقع جناحاه على عينيه أشبه شيء بالملوك .
وقال أشهبُ : كان مالك إذا اعتمَّ ، جعل منها تحت حَنَكه ، وأرسَلَ
طرفها خلفه ، وكان يتطيِّب بالمسك وغيره .
وقد ساق القاضي عياض (٤) من وُجوه، حُسْنَ بزة الإِمام ووفورَ تجَمُّلِهِ .
(١) يقال : إنه أعين : إذا كان ضخم العين واسعها .
(٢) الشمم : ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء في أعلاه ، وإشراف الأرنبة قليلاً ، فإن كان
فيها احديداب ، فهو القنا .
(٣) السبلة : ما على الشفة العليا من الشعر، يجمع الشاربين وما بينهما .
(٤) في ((ترتيب المدارك)) ١١٣/١، ١١٦.
٧٠

في نسب مالك اختلاف(١) ، مع اتفاقهم على أنه عربيٌّ أَصْبُحيٌّ ،
فقيل في جده الأعلى : عَوْف بنُ مالك بنِ زيد بنِ عامر بن ربيعة بنِ نَبْت بنٍ
مالك بنِ زيد بنِ كَهْلان بنِ سَبَأْ بِ يَشْجُب بنِ يَعْرُب بنِ فَحطان ، وإلى
فَحطان جماع اليمن . ولم يختلفوا أن الأصْبَحْيِّين من حِمْيَر ،وحمير فمِن
قحطان .
نَعَمْ ، وغَيْمان في نسبه المشهور بغين معجمة ، ثم بآخر الحروف على
المشهور ، وقيل : عثمان على الجادة وهذا لم يصح . وخُثيل : بخاء معجمة
ثم بمثلثة . قاله ابنُ سَعْد وغيره ، وقال إسماعيل بنُ أبي أُويس والدَّارقُطني :
◌ُثَيل : بجيم ثم بمثلثة ، وقيل: حَنْبَل، وقيل: حِسْل ، وكلاهما تصحيف .
قال القاضي عياض : اخْتُلِفَ في نَسب ذي أَصْبح ، اختلافاً كثيراً .
مَولِدُه : تقدم أنه سَنَةَ ثلاث وتسعين ، قاله يحيى بن بُكَير ، وغيرُه ،
وقيل: سنة أربع ، قاله: مُحمد بن عبد الله بن عَبد الحكم ، وعُمَارة بن
وَثِيمة ، وغيرُهُما . وقيل: سنةً سبع ، وهو شاذٌ .
قال خليفةُ بنُ خياط ، وإسماعيل بنُ أبي أُويس : ذو أَصْبَح من حِمْير .
ورُوي عن ابنِ إسحاق أنه زعم أن مالكاً وآله موالي بني تَيْمٍ ، فأخطأ
وكان ذلك أقوى سببٍ في تكذيبِ الإِمام مالكٍ له ، وطعنه عليه .
وقد كان مالكٌ إماماً في نقد الرجال ، حافظاً، مجوّداً، مُتْقِناً .
قال بشر بنُ عُمر الزَّهْراني : سَألت مالكاً عن رجل ، فقال : هل رأيته
(١) انظر ((جمهرة أنساب العرب)) ٤٣٥/١، ٤٣٦، و((الوفيات)) ١٣٨/٤، و((ترتيب
المدارك)) ١٠٢/١، ١٠٧.
٧١

في كُتُبِي ؟ قلت : لا ، قال : لو كانَ ثقةً لَرَأَيْتَه فِي كُتُبِي.
فهذا القولُ يُعطيك بأنه لا يَروي إلا عمَّن هو عنده ثقةٌ . ولا يلزم من
ذلك أنه يروي عن كلِّ الثقات ، ثم لا يلزم مما قال أن كل من روَى عنه ،
وهو عنده ثقةٌ ، أن يكون ثقةً عند باقي الحفّاظ ، فَقد يَخفى عليهِ من حال
شَيخه ما يَظهرُ لِغيره ، إلا أنَّه بكلِّ حالٍ كثيرُ التحرِّي في نَقد الرجال ، رحمه
الله .
ابنُ البَرْقي : حَدثنا عثمان بنُ كِنَانة ، عن مالك ، قال : ربما جلس
إلينا الشيخ ، فُيُحدِّث جُلَّ نهارهِ ، ما نأخذ عنه حديثاً واحداً ، وما بِنا أن
نَتَّهِمَهُ ، ولكن لم يكن من أهل الحديث .
إسماعيل القاضي : حدَّثنا عتيقُ بنُ يعقوب ، سَمعت مالكاً يقول :
حدثنا ابنُ شِهاب ببضعة وأربعينَ حديثاً، ثم قال : أَعِدْها عليَّ، فأعدتُ
عليه منها أربعين حديثاً .
وقال نَصْر بنُ علي : حدثنا حسينُ بنُ عُرْوة ، عن مالك ، قال : قَدِم
علينا الزهريُّ ، فأتيناه ومعنا ربيعة ، فحدثنا بنّف وأربعين حديثاً ، ثم أتيناهُ
مِن الغد ، فقال : انظروا كتاباً حتى أُحدثكم منه، أرأيتُمْ ما حدثتُكم به
أمس ، أيش في أيديكم منه؟ فقال ربيعةُ : ها هنا من يردُ عليكَ ما حدثت به
أمس(١) . قال : ومَنْ هو؟ قال : ابنُ أبي عامر . قال : هاتٍ ، فَسَردَ له
أربعين حديثاً منها ، فقال الزهريُّ : ما كنت أرى أنه بقيَ من يحفظُ هذا
غيري .
:
(١) في الأصل: أنس وهو تصحيف، والتصويب من ((تهذيب الكمال)) و((تذهيب
التهذيب )) للمؤلف.
٧٢

قال البخاريُّ عن علي بنِ عبد الله : لمالك نحوٌ مِن ألف حديث .
قلت : أراد ما اشتُهِرَ له في ((الموطأ)» وغيرِه، وإلّ، فعنده شيءٌ
كثيرٌ ، ما كان يَفْعَلُ أن يَرويِهِ(١) .
وروى عليُّ بنُ المديني ، عن سُفيانَ ، قال : رحمَ الله مالكاً ، ما كان
أشدَّ انتقادَه للرجال (٢) .
ابنُ أبي خَيْئَمة : حدثنا ابنُ معين ، قال ابنُ عُيَيْنَةَ : ما نحن عند
مالك ، إنما كنا نتَّبْع آثار مَالك ، وننظر الشيخَ ، إن كان كتب عنه مالك ،
كتبنا عنه .
ورَوى طاهرُ بنُ خالد الأَيْلي ، عن أبيه ، عن ابن عُيَينة ، قال : كان
مالك لا يُبلِّغ من الحديث إلا صحيحاً، ولا يُحدِّث إلا عن ثقة ، ما أرى
المدينةَ إلا سَتَخْرَبُ بعد موته - يعني مِن العلم - .
الطحاويُّ : حدثنا يونس : سمعت سُفيانَ - وذكر حديثاً - فقالوا :
يُخالفك فيه مالكٌ، فقال: أتقرنني بمالك ؟ ما أنا وهو إلا كما قال جرير(٣) :
(١) جاء في مناقب الشافعي ص ١٩٩ لابن أبي حاتم : قال الشافعي : قيل لمالك بن
أنس : إن عند ابن عيينة عن الزهري أشياء ليست عندك ؟ فقال مالك : وأنا كل ما سمعت من
الحديث أحدث به؟ أنا إذن أريد أن أظلمهم. ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣٢٢/٦ بنحوه.
(٢) مقدمة ((الجرح والتعديل)) ٢٣/١، وفي ((الحلية)) ٣٢٢/٦ عن علي بن عبد الله،
حدثنا سفيان قال : كان مالك ينتقي الرجال ولا يحدث عن كل أحد ، قال علي : ومالك أمان فيمن
حدث عنه من الرجال .
(٣) ديوانه : ٢٣١ من قصيدة يهجو التيم ، ومطلعها :
فالحنو أصبح قفراً غير مأنوس
حي الهدملة من ذات المواعيس
وهو من شواهد سيبويه ٢٦٥/١، و((المقتضب)) ٤٦/٤، ٣٢٠، و((الجمل)) للزجاجي ص
١٩٢، واللسان: ( لبن، لز، قعس )، والمغني ١ /٧٥ .
٧٣.

وابنُ اللَُّونِ إِذَا ما لُزَّ فِي قَرَنٍ لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ(١)
ثم قال يونس : سمعت الشافعيَّ يقول : مالك وابن عُيينة القَرِينانِ ،
ولولا مالك وابن عُيينة ، لذهب علمُ الحجاز .
وَهْبِ بنُ جرير وغيره ، عن شُعبة ، قال : قدمتُ المدينةَ بعد موت
نافعٍ بسنة ، ولمالك بن أنس حلقة .
وقال حمَّادُ بن زيد : حدثنا أيوبُ قال : لقد كان لمالك حلقة في حياة
نافع .
وقال أشهبُ : سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن مالك ، وابن
الماجِشُون ، فرفع مالكاً ، وقال : ما اعتدلا في العلم قطُ .
ابن المديني : سمعتُ عبد الرحمن بنَ مَهْدي يقول : أخبرني وُهَيب -
وكان مِن أبصر الناس بالحديث والرجال - أنه قدم المدينة ، قال : فلم أرَ
أحداً إلا تَعْرِفُ وتُنْكِرُ إلا مالكاً، ويحيى بنَ سعيد الأنصاري(٢).
قال عبد الرحمن: لا أقدِّم على مالك في صحة الحديث أحداً .
وقال ابن لَهِيعَة : قلتُ لأبي الأسود : مَنْ للرأي بعد ربيعة بالمدينة ؟
قال : الغلامُ الأصبحي(٣).
(١) ابن اللبون: ما أوفى على ثلاث سنين ، لز: ربط. القرن: الحبل الذي يشد به البعيران
ونحوهما فيقرنان معاً ، والبزل : جمع بازل : البعير الذي دخل في السنة التاسعة ، والقناعيس :
جمع قِنْعاس : الجمل العظيم الجسم، الشديد القوة ، قال البغدادي : ضربه مثلاً لمن يعارضه
ويهاجيه ، يقول : من رام إدراكي كان بمنزلة ابن اللبون إذا قرن في قرن مع البازل القنعاس ، إن
صال عليه لم يقدر على دفع صولته ومقاومته ، وإن رام النهوض معه قصر عن عدوته .
(٢) مقدمة (( الجرح والتعديل)) ١٣/١، و١٤.
(٣) ((ترتيب المدارك)) ١٢٩/١.
٧٤
٠٠٠

الحارث بن مسكين : سمعت ابنَ وَهْب يقول : لولا أني أدركتُ
مالكاً ، والليث ، لضَللتُ .
هارون بن سعيد : سمعت ابنَ وَهْب ذكر اختلافَ الحديثِ
والرواياتِ ، فقال : لولا أني لقيتُ مالكاً لضَللتُ (١).
وقال يحيى القطّانُ: ما في القوم أصحُّ حديثاً من مالك ، كان إماماً في
الحديث . قال : وسُفيان الثوري فوقه في كل شيء .
قال الشافعيُّ: قال محمد بنُ الحَسن(٢): أقمتُ عند مالك ثلاثَ
سنين وكسراً ، وسمعت من لفظه أكثرَ من سبع مئة حديث ، فكان محمدٌ إذا
حدَّث عن مالك امتلأ منزلُه، وإذا حدَّث عن غيره من الكوفيين ، لم يجئه إلا
اليسير .
قال ابن أبي عمر العَدَني : سمعت الشافعيَّ يقول : مالكٌ مُعَلِّمي ،
وعنه أخذتُ العلم .
وعن الشافعيّ قال : كان مالك إذا شكَّ في حديث ، طَرحهُ كُلَّه .
أبو عمر بنُ عبد البَر : حدثنا قاسم بنُ محمد ، حدثنا خالد بنُ سَعْد ،
(١) الخبر في ((ترتيب المدارك)) ١٤١/١، بلفظ: ((لولا أن الله استنقذنا بمالك والليث
لضللنا)) .
(٢) هو الإِمام المجتهد ، صاحب التصانيف السائرة في الفقه والحديث ، صاحب أبي
حنيفة وتلميذه، وراوي ((الموطأ)) عن الإِمام مالك ، وقد سمعه منه كله ، وضمنه زيادات كثيرة ،
ليست في غيره من الموطآت التي رواها غيره من الأئمة عن مالك ، ولمحمد فيه اجتهادات كثيرة،
خالف فيها مالكاً وأبا حنيفة وأصحابه ، يعبر عنها بقوله : وبه نأخذ ، وعليه الفتوى ، وبه يفتى ،
وعليه الاعتماد ، وعليه عمل الأمة ، وهذا الصحيح ، وهو الأشهر ، ونحو ذلك ، وهو يعد بحق
مصدراً من المصادر الأصلية الوثيقة لفقه أهل المدينة والعراق، انظر ((مقدمة اللكنوي)) لشرح
((الموطأ)) وسترد ترجمة محمد بن الحسن في الجزء التاسع من هذا الكتاب .
٧٥

حدثنا عثمان بنُ عبدالرحمن، حدثنا إبراهيم بن نَصْر ، سمعت محمد بن عبد
الله بنِ عبد الحكم ، سمعتُ الشافعيَّ يقول : قال لي محمد بن الحسن :
صاحبُنا أعلمُ من صاحبكم - يريد أبا حنيفة ومالكاً - وما كانَ لِصاحبكم أن
يتكلّم ، وما كان لِصاحبنا أن يَسكتُ . فغضبتُ، وقلت : نَشدتُك الله :
مَنْ أعلمُ بالسِنّة ، مالكٌ ، أو صاحبُكُمْ ؟ فقال : مالك ، لكن صاحبنا
أقيسُ . فقلتُ : نعم ، ومالك أعلمُ بكتاب الله وناسخِه ومنسوخِه ، وبسنَّة
رسول الله﴿ من أبي حنيفة، ومن كانَ أعلمَ بالكتابِ والسُّنة كان أولى
بالكلام(١) .
قال يونس بنُ عبد الأعلى : قال لي الشافعيّ : ذاكرتُ يوماً محمد بنَ
الحسن ، ودار بيننا كلامٌ واختلافٌ ، حتى جعلت أنظر إلى أوداجه تَدِرُّ ،
وأزراره تتقطّعُ ، فقلت : نَشَدتُك بالله ، تعلم أن صاحِبَنا كان أعلم بكتاب
الله؟ قال : اللهمَّ نعم . قلتُ : وكان عالماً باختلاف الصحابة ؟ قال :
نعم .
قال ابنُ مَهْدي : أئمةُ الناس في زمانهم أربعةٌ : الثوريّ ، ومالكٌ ،
والأوزاعيُّ، وحمّاد بنُ زيد، وقال : ما رأيتُ أحداً أعقَلَ مِن مالك(٢).
يونس بنُ عبد الأعلى : حدثنا ابن وَهْب ، سمعتُ مالكاً - وقال له ابن
القاسم: ليس بعدَ أهل المدينة أحدٌ أعلمَ بالبيوعِ مِن أهل مصر - فقال مالك :
مِن أين علموا ذلك ؟ قال : مِنك يا أبا عبد الله . فقال: ما أعلمُها أنا، فكيف
يعلمونها بي ؟
(١) ((الانتقاء)) ص ٢٤، ٢٥ و((حلية الأولياء)) ٣٢٩/٦ و((مناقب الشافعي)) ص ٢٠١.
(٢) مقدمة (( الجرح والتعديل)) ٣١/١.
٧٦

وعن مالك قال : جُنَّة العالم : ((لا أدري)) فإذا أغفلها أُصيبَتْ
مقاتلُه(١) .
قال مُصعب بنُ عبد الله : كانت حلْقةُ مالك في زمن ربيعة مثلَ حلقة
ربيعة وأكبر ، وقد أفتى معه عند السلطان .
الزُّبير بنُ بكّار : حدثنا مُطَرِّف ، حدثنا مالك ، قال : لما أجمعتُ
التحويلَ عن مجلس ربيعة ، جلستُ أنا وسليمان بنُ بلال في ناحية
المسجد ، فلما قامَ ربيعةُ ، عَدل إلينا ، فقال: يا مالكُ ، تلعبُ بنفسك
زَفْتَ(٢)، وصَفَّق لك سُليمانُ، بلغت إلى أن تَتَّخِذَ مجلساً لنفسك ؟! ارجع
إلى مجلسك .
قال الهيثمُ بنُ جميل : سمعتُ مالكاً سئل عن ثمانٍ وأربعين مسألةً ،
فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ (( لا أدري)).
وعن خالد بن خداش ، قال: قدمت على مالك بأربعين مسألة ، فما
أجابني منها إلا في خمسٍ مسائل .
ابن وَهْب ، عن مالك، سَمِعَ عبد الله بنَ يزيد بنِ هُرْمُز يقول : ينبغي
للعالم أن يُورِّث جُلَساءه قول: (( لا أدري)). حتى يكونَ ذلك أصلاً يَفْزَعُونَ
إليه .
قال ابنُ عبد البر: صح عن أبي الدرداء أنَّ: ((لا أدري))، نِصفُ
العلم (٣) .
(١) ((الانتقاء)) ص ٣٧ .
(٢) زفنت : يقال زفَن ، يزفِن بكسر العين : رقص .
(٣) انظر ((ترتيب المدارك)) ١٤٤/١، ١٥٢.
٧٧

قال محمد بنُ رُمْح: رأيتُ النبي ◌ََّ، فقلتُ: يا رسولَ الله ، إن
مالكاً والليث يختلفانٍ، فبأيّهما آخذُّ ؟ قال: مالكٌ، مالكٌ(١).
أشهبُ ، عن عبد العزيز الدَّراوَرْدي ، قال : دخلتُ مسجد النبي
وَِّ، فوافيتُه يخطبُ، إذْ أقبل مالك، فلما أبصره النَّبِيُّ ◌ََّ، قال: إليَّ إليَّ،
فأقبل حتى دنا منه ، فَسَلَّ وَّر خاتمه من خِنصره ، فوضعه في خِنصر مالك .
محمد بنُ جرير : حدثنا العبَّاسُ بنُ الوليد ، حدثنا إبراهيمُ بنُ حمّاد(٢)
الزهريُّ ، سمعت مالكاً يقول : قال لي المَهْدي : ضعْ يا أبا عبد الله كتاباً
أحمِلُ الأُمَّة عليه . فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، أما هذا الصُّقع - وأشرتُ الى
المغرب - فقد كُفيتَه ، وأما الشامُ ، ففيهم من قد علمتَ - يعني الأوزاعيَّ -،
وأما العراقُ ، فهم أهلُ العراق(٣).
ابنُ سَعْد: حدثنا محمدُ بن عمر ، سمعت مالكاً يقول : لما حجَّ
المنصورُ ، دعاني فدخلتُ عليه ، فحادثته ، وسألني فأجبتُه ، فقال : عزمتُ
أن آمر بكتبك هذه - يعني الموطأ - فتنسخ نُسَخَاً، ثم أبعثَ إلى كُلِّ مصرٍ من
أمصار المسلمين بنسخة، وآمُرَهُم أن يعملوا بما فيها ، ويَدَعوا ما سوى ذلك
من العلم المُحدَث ، فإني رأيتُ أصْلَ العلم روايةَ أهل المدينة وعلمَهم .
قلتُ : يا أميرَ المؤمنين ، لا تفعلْ ، فإن الناسَ قد سِيقتْ إليهم أقاويلُ ،
وسمعوا أحاديثَ ، وَرَوَوْا رواياتٍ، وأخذ كُلُّ قوم بما سِيق إليهم ، وعمِلوا
به، ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله وَ# وغيرهم، وإنّ رَدَّهم
عما اعتقدوه شديدٌ ، (عِ الناسَ وما هُم عليه، وما اختار أهلُ كل بلد
(١) الانتقاء : ٣٨ .
(٢) في الأصل ((جماز)) والتصويب من ((ميزان الاعتدال)) و((لسان الميزان)).
(٣) ذكره ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص ٤٠، والقاضي عياض في ((ترتيب المدارك))
١٩٣/١ .
٧٨

لأنفسهم . فقال : لعمري ، لو طاوعتني لأمرتُ بذلك(١).
قال الزُّبير بنُ بكّار : حدثنا ابنُ مسكين ، ومحمد بن مَسْلَمَة، قالا :
سمعنا مالكاً يذكر دخولَه على المنصور ، وقوله في انتساخ کتبه ، وحمل
الناس عليها ، فقلت : قد رسخَ في قلوب أهلِ كلِ بلد ما اعتقدوه وعمِلُوا
به ، وردُّ العامّةِ عن مثلِ هذا عسيرٌ .
قال الواقدي : كان مالكٌ يجلس في منزله على ضِجاع ونَمارقَ
مطروحة يمنةٌ ويسرةً في سائِر البيتِ لمن يأتي ، وكان مجلسه مجلس وقاٍ
وحلم ، وكان مهيباً ، نبيلاً ، ليس في مجلسه شيءٌ من المِراء واللَّغط ، وكان
الغرباءُ يسألونُه عن الحديث بعدَ الحديث، وربما أُذِنَ لبعضهم، فقرأ عليه،
وكان له كاتبٌ يُقال له : حَبيب . قد نَسَخَ كتبَه ، ويقرأ للجماعة ، فإذا أخطأ
فتحَ عليه مالك، وكان ذلك قليلًا(٢).
أبو زُرْعَة : حدثنا أبو مُسْهِر ، قال لي مالك : قال لي أبو جعفر : يا أبا
عبد الله ، ذهب الناسُ ، لم يَبْقَ غيري وغيرُك .
ابنُ وَهْب ، عن مالك : دخلت على أبي جعفر ، فرأيتُ غير واحد من
بني هاشم يُقِّلون يده ، وعُوفيتُ ، فلم أقبل له يداً (٣) .
المحنة
قال محمد بنُ جرير : كان مالكٌ قد ضُرِب بالسياط ، واختُلفَ في
سبب ذلك ، فحدثني العباسُ بنُ الوليد ، حدثنا ابن ذَكْوان ، عن مروان
(١) ((ترتيب المدارك)) ١٩٢/١، ١٩٣.
(٢) ((ترتيب المدارك)) ١٥٣/١، و((الانتقاء)) ص ٤١، و((الديباج المذهب)) ١٠٨/١.
(٣) ((ترتيب المدارك)) ٢٠٨/١.
٧٩

الطَّاطَري، أن أبا جعفر نهى مالكاً عن الحديث: ((لَيْسَ عَلَى مُسْتَكْرَه
طَلَاقٌ))(١) ثم دسَّ إليه من يسأله ، فحدَّثه به على رؤوس الناسِ ، فضربه
بالسّياط(٢).
وحدثنا العباسُ، حدثنا إبراهيم بن حمّاد(٣)، أنه كان ينظر إلى مالك
إذا أُقيمَ من مجلسِه ، حمَلَ يده بالأخرى .
ابنُ سَعد : حدثنا الواقديُّ قال : لما دُعيَ مالكٌ ، وشُووِرَ ، وسُمِعَ
منه، وقُبل قَولُه، حُسِد ، وبَغَوه بكل شيء، فلما وَلِي جعفرُ بن سليمان
المدينة ، سَعَوا به إليه ، وكثروا عليه عِنده ، وقالُوا : لا يَرى أَيْمان بيعتكم
هذه بشيء ، وهو يأخذ بحديثٍ رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المُكْرَه :
أنه لا يجوز عنده ، قال : فَغَضب جعفرٌ ، فدعا بمالك ، فاحتجَّ عليه بما رُفِعَ
إليه عنه ، فأمر بتجريده ، وضَرْبِهِ بالسّياط ، وجُبِذَتْ يَدُه حتى انخلعتْ مِن
(١) لم يرد في المرفوع، وإنما هو موقوف على ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة في
((المصنف )) ٤٨/٥ من طريق هشيم، عن عبد الله بن طلحة الخزاعي ، عن أبي يزيد المديني ،
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (( ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق)) ورجاله ثقات ، وعلقه
البخاري ٣٤٣/٩ في الطلاق، ولفظه : وقال ابن عباس : طلاق السكران والمستكره ليس بجائز.
وقال الحافظ : وصله ابن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور ، جميعاً عن هشيم ، عن عبد الله بن
طلحة الخزاعي ، عن أبي يزيد المديني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ليس لسكران ولا
لمضطهد طلاق .
والمضطهد : المغلوب المقهور، وثمة آثار في عدم وقوع طلاق المكره عن عمر ، وابن
عمر ، وابن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن ، وعطاء ، والضحاك ، ذكرها ابن أبي شيبة
في مصنفه ٤٨/٥، ٤٩ .
(٢) ((ترتيب المدارك)) ٢٢٨/١، و((وفيات الأعيان)) ١٣٧/٤، و((الانتقاء)) ٤٣. وجاء
في ((تاريخ الطبري)) ٥٦٠/٧ : وحدثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبدالله بن الحكم بن
سنان الحكمي أخو الأنصار، قال : أخبرني غير واحد أن مالك بن أنس استفتي في الخروج مع
محمد ، وقيل له : إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر ، فقال : إنما بايعتم مكرهين ، وليس على مكره
يمين ، فأسرع الناس إلى محمد ، ولزم مالك بيته .
(٣) في الأصل: ((جماز)) والتصويب من ((ميزان الاعتدال)) و((لسان الميزان)).
٨٠