النص المفهرس
صفحات 61-80
مُسْلم من طريق إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بنِ عبد الرحمن وهو أبو طُوالة، ولم يخرِّج البخاري لأبي يونس شيئاً فيما علمت ، والله أعلم . قال أبو عبدِ الله الحاكم - وذكر سَادةً من أئمة التابعين بالمدينة ، كابن المسيِّب ، ومَنْ بعده - قال : فما ضُربت أكبادُ الإِبل من النواحي إلى أحد منهم دونَ غيره ، حتى انقرضُوا وخلا عَصْرُهم ، ثم حدَّث مثلُ ابنِ شِهاب ، وربيعةً ، ويحيى بنِ سعيد ، وعبدِ الله بن يزيد بن هُرْمز، وأبي الزِّناد ، وصفوانَ بن سُلَيم ، وكلُّهم يُفتي بالمدينة ، ولم ينفرد واحد منهم بأن ضُرِبت إليه أكبادُ الإِبل حتى خلا هذا العصر فلم يقع بهم التأويلُ في عالم أهل المدينة . ثم حدَّث بعدهم مالكٌ ، فكان مُفتيها ، فضُربت إليه أكبادُ الإِبلِ من الآفاق ، واعترفوا له ، وروتِ الأئمةُ عنه ممِّن كان أقدمَ منه سناً ، كاللَّيث عالمِ أهلِ مصر والمغرب ، وكالأوزاعي عالمِ أهل الشام ومفتيهم ، والثوريِّ، وهو المقدَّم بالكوفة ، وشعبةً عالمِ أهل البصرة . إلى أن قال : وحمل عنه قَبلهم يحيى بنُ سعيد الأنصاري حين ولاه أبو جعفر قضاءَ القُضاة ، فسأل مالكاً أن يكتب له مئةَ حديثٍ حين خرج إلى العراق ، ومن قبلُ كان ابنُ جُرَيج حملَ عنه . أبو مُصعَب : سمعتُ مالكاً يقول : دخلتُ على أبي جعفر أميرٍ المؤمنين ، وقد نزّلَ على مثالٍ له - يعني فرشه - وإذا على بساطه دابتان ما تَروثانٍ ولا تَبولانِ ، وجاء صبيٌّ يخرج ثم يرجعُ ، فقال لي : أتدري من هذا ؟ قلتُ : لا . قال : هذا ابني ، وإنما يَفْزِعُ من هيبتك ، ثم ساءلني عن أشياءً منها حلالٌ ، ومنها حرامٌ ، ثم قال لي : أنت - والله - أعقلُ الناسِ ، وأعلمُ الناس . قلت : لا والله يا أميرَ المؤمنين . قال : بلى . ولكنك تكتُمُ . ثم قال : والله لئن بقيتُ لأكتبنَّ قولك كما تُكْتبُ المصاحفُ، ولأبعثنَّ به إلى ٦١ الآفاق ، فلأحملَّهم عليه(١). الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي : حدثنا عبدُ الله بنُ يوسف ، عن خَلف ابنِ عمر ، سمع مالكاً يقول : ما أجبتُ في الفتوى حتى سألتُ من هو أعلم مني : هل تراني مَوْضِعَاً لذلك ؟ سألت ربيعة ، وسألت يحيى بنّ سعيد ، فأمراني بذلك . فقلت : فلو نَهوْك ؟ قال : كنت أنتهي ، لا ينبغي للرجل أن يَبذُلَ نفسه حتى يسأل من هو أعلم منه(٢) . قال خَلَف : ودخلت عليه ، فقال : ما ترى(٣) ؟ فإذا رؤ يا بَعثَها بعضُ إخوانه ، يقول: رأيتُ النبي ◌َّ في المنام ، في مسجد قد اجتمع الناسُ عليه ، فقال لهم : إني قد خبأتُ تحت منبري طِيباً أو علماً ، وأمرتُ مالكاً أن يُفَرِّقه على الناس ، فانصرف الناس وهم يقولون : إذاً ينفِّذُ مالكٌ ما أمره به رسول اللّه ◌َ﴾. ثم بكى، فقمتُ عنه(٤). أحمد بن صالح : سمعتُ ابنَ وَهْبٍ يقول : قال مالك: لقد سمعتُ من ابن شِهاب أحاديثَ كثيرةً ، ما حدثتُ بها قط ، ولا أُحدِّثُ بها . نَصْر بن علي الجَهْضَمِي(٥) ، حدثني حُسَين بنُ عروة قال : قدم المهديُّ ، فبعث إلى مالك بألفي دينار ، أو قال : بثلاثة آلاف دينار ، ثم أتاه الربيعُ بعد ذلك ، فقال : إن أمير المؤمنين يُحِبُّ أن تُعادِله(٦) إلى مدينة (١) أورده المؤلف في ((تذكرة الحفاظ)) ٢٠٩/١. (٢) ذكره في الحلية ٣١٧/٦. (٣) نص الحلية : فقال لي : انظر ما ترى تحت مصلاي أو حصيري ، فنظرت ، فإذا أنا بكتاب ، فقال : اقرأه ... (٤) ((الحلية)) ٣١٧/٦. (٥) نسبة إلى الجهاضمة ، محلة بالبصرة . (٦) أي تكون له عديلاً في ((المحمل)) وتصاحبه في سفره إلى بغداد . ٦.٢ السَّلامِ، فقال: قال النبي ◌ِّهَ: ((المَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)). والمال عندي على حاله(١). محمودُ بن غَيْلان ، حدثنا إسماعيل بن داود المِخْراقي : سمعت مالكاً يقول : أخذ ربيعةُ الرأى بيدي ، فقال : وربِّ هذا المقام ، ما رأيتُ عراقياً تامًّ العقل ، وسمعت مالكاً يقول : كان عطاءُ بنُ أبي رباح ضعيفَ العقل . ياسينُ بن عبد الأحد ، حدثني عمر بن المحبِّر الرُّعَيْني ، قال : قدم المهديّ المدينة ، فبعث إلى مالك ، فأتاهُ ، فقال لهارونَ وموسى : اسمعا منه ، فبعث إليه ، فلم يُجبهما، فأعلما المهديَّ ، فكلمه، فقال: يا أمير المؤمنين ، العلمُ يؤتى أهلُه . فقال : صدَق مالك ، صِيرا إليه ، فلما صارا إليه، قال له مؤدبُهما : اقرأ علينا ، فقال : إنَّ أهل المدينةِ يقرؤون على العالم، كما يقرأ الصبيانُ على المعلِّم، فإذا أخطؤوا، أفتاهم. فرجعوا إلى المهديِّ ، فبعثَ إلى مالك ، فكلمه ، فقال : سمعتُ ابن شهاب يقول : جمعنا هذا العلم في الروضة من رجال ، وهم يا أمير المؤمنين: سعيد بن المسيِّب، وأبو سَلَمَة، وعروة ، والقاسم ، وسالم، وخارجة بنُ زيد، وسليمانُ بنُ يَسار، ونافع ، وعبد الرحمن بنُ هُرْمز، ومِن بعدهم: أبو الزِّناد، وربيعةُ ، ويحيى بنُ سعيد، وابنُ شهاب ، كلَّ هؤلاء يُقرأ عليهم (١) الخبر في ((تذكرة الحفاظ)) ٢١٠/١، و((الانتقاء)) ص ٤٢، و((ترتيب المدارك)) ٢١٠/١، ومقدمة الجرح والتعديل ٣٢/١، وحديث: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٨٨٧/٢، ٨٨٨، والبخاري ٧٨/٤، ٨٠، ومسلم (١٣٨٨) من حديث سفيان بن أبي زهير قال : سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((تفتح اليمن ، فيأتي قوم يُبسُّون ، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح الشام ، فيأتي قوم يُبسُّون ، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم.، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح العراق ، فيأتي قوم يُبسُّون ، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون )). ٦٣ ٠ ولا يقرؤون ، فقال: في هؤلاء قدوةٌ ، صيروا إليه، فاقرؤوا عليه ، ففعلوا . قُتِيبةُ، حدثنا مَعْن، عن مالك ، قال: قَدِمَ هارونُ يريد الحجِّ، ومعه يعقوبُ أبو يوسف ، فأتى مالكٌ أمير المؤمنين ، فقرَّبه ؛ وأكرمه ، فلما جلس ، أقبل إليه أبو يوسف ، فسأله عن مسألة فلم يُجبه ، ثم عاد فسأله فلم يُجبه ، ثم عاد فسأله . فقال هارون : يا أبا عبد الله ، هذا قاضينا يعقوبُ ، يَسألك، قال : فأقبل عليه مالك ، فقال : يا هذا ، إذا رأيتني جلستُ لأهلِ الباطِلِ ، فتعال أُجبْك معهم (١) . السَّراجُ: حدَّثنا قتيبة : كنا إذا دخلنا على مالك، خرج إلينا مُزَيّناً مكحَّلاً مطيّباً، قد لبس من أحسنٍ ثيابه ، وتصدَّر الحلقةَ ، ودعا بالمراوح ، فأعطى لكلِّ منا مروحة . محمد بن سعد : حدثني محمد بن عمر ، قال : كان مالك يأتي المسجد ، فيشهد الصلواتِ والجمعةَ ، والجنائزَ ، ويعود المرضى ، ويجلسُ في المسجد ، فيجتمعُ إليه أصحابُه ، ثم ترك الجلوسَ ، فكان يُصَلِّي وينصرِفُ ، وترك شهودَ الجنائز، ثم ترك ذلك كُلُّه ، والجمعةَ، واحتمل الناسُ ذلك كلَّه ، وكانوا أرغَب ما كانوا فيه ، وربما كُلِّم في ذلك ، فيقول : ليس كلُّ أحد يَقْدرُ أن يتكلم بعُذْره (٢). (١) أورد الخبر في ((تذكرة الحفاظ)) ٢١٠/١ من طريق الحاكم، عن علي بن عيسى الحيري ، عن محمد بن إبراهيم العبدي، عن قتيبة ، عن معن بن عيسى، . قال شعيب: إن صح هذا القول عن إمام دار الهجرة - ولا إخاله يصح - فإن ذلك يعد هفوة منه رحمه الله في حق كبير القضاة الذي انعقدت الخناصر من الموافق والمخالف على إمامته في الفقه، وبراعته في الحفظ، وثقة مروياته ، وسعة اطلاعه ، واستقامه سيرته، وللمؤلف جزء في ترجمة هذا الإمام مطبوع، سرد فيه جملة صالحة من مناقبه ، وثناء الأئمة عليه، فراجعه . (٢) الخبر في ((طبقات ابن سعد)) وابن خلكان في ((الوفيات)) ١٣٦/٤، وعلق عليه كما = ٦٤ وكان يجلس في منزله على ضِجَاعٍ له، ونَمارق(١) [ مطروحة في منزله يمنة ويسرة ] لمن يأتيه من قريش ، والأنصار ، والناس . وكان مجلسه مجلس وقارٍ وحِلم(٢) . قال : وكان رجلاً مَهيباً نبيلاً ، ليس في مجلسه شيءٌ من المِراء ، واللغط ، ولا رفع صَوْتٍ ، وكان(٣) الغرباء يسألونه عن الحديث ، فلا يُجيب إلا في الحديثِ بعدَ الحديث ، وربما أَذِنَ لبعضهم يقرأ عليه ، وكان له كاتب قد نسخ كتبَه ، يقال له : حَبيب (٤). يقرأ للجماعة ، ولا ينظر أحد في كتابه ولا يَستفهم، هيبةً لمالك ، وإجلالاً له ، وكان حبيب إذا قرأ ، فأخطأ ، فتح عليه مالك ، وكان ذلك قليلاً(٥). ابنُ وَهْب : سمعتُ مالكاً يقول: ما أكثرَ أحدٌ قطُّ فأفلح . حَرْمَلةُ : حدَّثنا ابن وَهْب ، قال لي مالك : العلم يَنْقُصُ ولا يَزِيد ، ولم يزل العلمُ ينقُصُ بعد الأنبياء والكتب . = وجد بخطه بقوله: وإنما كان تخلفه عن المسجد ، لأنه سَلِس بولُه ، فقال عند ذلك : لا يجوز أن أجلس في مسجد الرسول وص # ، وأنا على غير طهارة ، فيكون ذلك استخفافاً . (١) جمع نمرقة : الوسادة . (٢) في (( ترتيب المدارك)): وعلم . (٣) في الأصل: ((كانوا)) وسيأتي الخبر قريباً بلفظ ((كان)) كما أثبتنا. (٤) هو أبو محمد حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك بن أنس ، قال عنه الإِمام أحمد : ليس بثقة ، وقال ابن معين : كان حبيب يقرأ على مالك ، وكان يُخطرف (يسرع) بالناس يصفح ورقتين ثلاثاً . قال يحيى : وكان يحيى بن بكير سمع من مالك بعرض حبيب ، وهو شر العرض ، واتهمه أبو داود بالكذب ، وقال ابن حبان : كان يروي عن الثقات الموضوعات ، وقال النسائي: أحاديثه كلها موضوعة عن مالك وغيره. قال القاضي عياض في ((الإِلماع)) ص ٧٧ : ولهذه العلة لم يخرج البخاري من حديث يحيى بن بكير عن مالك إلا القليل ، وأكثر عنه ، عن الليث ، وقالوا : لأن سماعه كان بقراءة حبيب ، وقد أنكر هو ذلك . (٥) ((ترتيب المدارك)) ١٥٣/١، ١٥٤، و((الانتقاء)) ص ٤١. ٦٥ أحمدُ بن مسْعود المقدِسي : حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم الحُنَيْنِي ، قال : كان مالك يقول : واللهِ ما دخلتُ على مَلِكِ من هؤلاء الملوكِ حتى أُصِلَ إليه ، إلا نَزَعَ اللّهُ هيبته من صدري . حَرْمَلةُ : حدثنا ابنُ وَهْب : سمعتُ مالكاً يقول: اعلم أنَّهُ فسادٌ عظيم أن يتكلم الإِنسانُ بكلِّ ما يَسمع . هارون بن موسى الفَروي : سمعت مصعباً الزُّبَيري يقول : سأل هارون الرشيد مالكاً ، وهو في منزله ، ومعه بنوهُ ، أن يقرأ عليهم . قال : ما قرأت على أحد منذ زمان وإنما يُقرأ عليَّ، فقال: أَخرِجِ الناسَ حتى أقرأ أنا عليك، فقال : إذا مُنِعَ العامُ لبعض الخاصِّ ، لم ينتفعِ الخاصُّ . وأمر مَعْنَ ابن عيسى، فقرأ عليه . إسماعيل بن أبي أُويس ، قال : سألتُ خالي مالكاً عن مسألة ، فقال لي : قِرَّ. ثم توضأ ، ثم جلس على السرير - ثم قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . وكان لا يُفتي حتى يقولها . ابنُ وهْب : سمعت مالكاً يقول : ما تعلمتُ العلمَ إلا لِنفسي ، وما تعلمتُ ليحتاج الناسُ إليَّ، وكذلك كان الناسُ. إسماعيل القاضي : سمعتُ أبا مُصعب يقول : لم يَشْهَدْ مالكٌ الجماعةَ خمساً وعشرين سنة ، فقيل له : ما يمنعُك ؟ قال : مخافةً أن أرى منكراً، فأحتاج أن أُغيِّرهُ . إبراهيم الحِزَامي: حدثني مُطَرِّف بنُ عبد الله ، قال لي مالك : ما يقولُ الناسُ فيَّ ؟ قلت : أما الصديقُ فَيُثْني، وأما العدوُّ فَيَقع . فقال : ما ٦٦ زال الناسُ كذلك، ولكن نعوذ بالله من تَتَابُعِ الألسنةِ كُلِّها(١). أحمد بن سعيد الرِّباطي(٢): سمعت عبد الرزاق يقول: سأل سَنْدَلٌ (٣) مالكاً عن مسألة، فأجابه ، فقال : أنتَ مِنَ الناس ، أحياناً تُخطىء، وأحياناً لا تُصيب ، قال : صدقتَ . هكذا الناسُ . فقيل لمالك : لم تَدْرِ ما قال لك ؟ فَفَطِنَ لها ، وقال : عهدتُ العلماءَ ، ولا يتكلمون بمثل هذا ، وإنما أُجيبه على جوابٍ الناس . حَرْمَلَة : حدثنا ابنُ وهب : سمعتُ مالكاً يقول : ليس هذا الجدلُ مِن الدِّين بشيءٍ . ابن وهب ، عن مالك ، قال : دخلت على المنصور ، وکان يدخل عليه الهاشميُّون ، فيُقبلون يَدَه ورجلَه - عصمني الله من ذلك - . الحارثُ بن مسكينٍ : أخبرنا ابنُ القاسم قال: قيل لمالك : لِمَ لَمْ تأخذْ عن عمرو بنِ دینار ؟ قال: أتيتُه ، فوجدتُه يأخذون عنه قياماً ، فأجللتُ حديث رسول الله ﴿ أن آخذَه قائماً. إبراهيمُ بن المنذر : حدثنا مَعْن ، وغيرُه ، عن مالك ، قال : لا يؤخَذُ العلمُ عن أربعة : سَفيه يعلن السَّفَه ، وإن كان أروى الناس ، وصَاحبٍ بِدعة يدعُو إلى هواهُ ، ومن يكذبُ في حديث الناس ، وإن كنتُ لا أتّهمه في (١) أورده في ((الحلية)) ٣٢١/٦. (٢) نسبة إلى الرباط : اسم لموضع رباط الخيل وملازمة أصحابها الثغر لحفظه من عدو الإِسلام ، فيقال لفاعل ذلك : مرابط وإنما قيل له : الرباطي ، لأنه كان على الرباط وعمارته ، وتولي الأوقاف التي له . (٣) سندل: لقب عمر بن قيس المكي ، تركه أحمد والنسائي والدارقطني وقال يحيى بن معين : ليس بثقة ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال أحمد أيضاً : أحاديثه بواطيل ، والخبر أورده المؤلف في (( ميزانه )» بنحوه . ٦٧ الحديث ، وصالحٍ عابد فاضلٍ إذا كان لا يحفظُ ما يُحدِّث به . أصْبَغ : حدثنا ابن وهب ، عن مالك - وسُئل عن الصّلاة خلفَ أهلِ البدع- القدريَّة وغيرهم - فقال: لا أرى أن يُصلَّى خلفهم . قيل : فالجُمعة ؟ قال : إن الجمعة فريضة ، وقد يُذْكَرُ عن الرجل الشيءُ ، وليس هو عليه . فقيل له : أرأيت إن استيْقنتُ، أو بلَّغني مَنْ أثق به ، أليس لا أصلي الجُمعة خلفَه ؟ قال : إن استيقنتَ . كأنه يقول : إن لم يستيقنْ ذلك ، فهو في سَعة من الصلاة خلفه . أبو يوسف أحمد بنُ محمد الصَّيْدَلاني : سمعت محمد بنَ الحسنِ الشيباني يقول : كنتُ عند مالك فنظَر إلى أصحابه ، فقال : انظروا أهلَ المشرق ، فأنزلوهم بمنزلةِ أهلِ الكتابِ إذا حدَّثوكم ، فلا تصدِّقوهم ، ولا تكذِّبوهم ، ثم التفتَ ، فرآني ، فكأنه استحيى ، فقال : يا أبا عبدِ الله ، أكره أن تكون غيبة ، هكذا أدركتُ أصحابنا يقولون. قلت : هذا القولُ من الإِمام قاله لأنه لم يكن له اعتناءً بأحوال بعض القوم ، ولا خبر تراجمھم ، وهذا هو الورع. ألا تراه لما خبرَ حال أَيُّوب السَّخْتياني العِراقي كيف احتجَّ به . وكذلك حُمَيْد الطويل، وغيرُ واحد ممِّن روى عنهم (١) . وأهلُ العراق كغيرهم ، فيهم الثقةُ الحجّة ، والصَّدُوقُ ، والفقيه ، والمقرىءُ، والعابدُ ، وفيهم الضعيف ، والمتروكُ ، والمتَّهمُ. وفي (( الصحيحين)) شيء كثير جداً من رواية العراقيين رحمهم الله . وفيهم مِن التابعين كمثل علقَمَة ، ومَسروقٍ ، وعَبِيدة ، والحسَن ، (١) يقول مالك فيما رواه عنه حمزة، كما في ((إسعاف ((المبطأ)): إنما كانت العراق تجيش علينا بالدراهم والثياب ، ثم صارت تجيش علينا بالعلم . ٦٨ وابن سيرين، والشعبي ، وإبراهيم ، ثم الحكم ، وقتادة ، ومنصورٍ ، وأبي إسحاق ، وابنِ عونٍ، ثم مِسْعَر، وشعبَة، وسُفيان، والحمَّادَيْن ، وخلائق أضعافهم ، رحم اللّهُ الجميع. وهذه الحكاية رواها الحاكم عن النّجاد ، عن هِلال بن العَلاء ، عن الصَّيْدَلاني . صفة الإِمام مالك عن عيسى بن عُمر قال : ما رأيتُ قطُّ بياضاً ولا حُمرةً أحسنَ من وجهِ مالك ، ولا أشدَّ بياضِ ثَوْبٍ مِن مالك . ونقل غيرُ واحد(١) أنه كان طُوالاً، جسيماً ، عظيمَ الهامة ، أشقر ، أبيض الرأس واللحية، عظيمَ اللحية ، أصْلَع، وكان لا يُحفي شاربَه(٢)، ويراه مُثْلَةً . وقيل: كان أزرقَ العين . روى بَعضَ ذلك ابنُ سعد ، عن مُطَرِّف بن عبد الله . وقال محمد بن الضَّحَّاك الحِزَامي : كان مالكٌ نقيَّ الثوب ، رقيقه ، يكثر اختلافَ اللَّبوس . وقال الوليدُ بن مسلم : كان مالك يَلْبَسُ البياضَ ، ورأيتُه والأوزاعِيَّ يلبسان السِّيجان(٣). , قال أشهب : كان مالك إذا اعتمَّ ، جعل منها تحت ذقنه ، ويُسدِل طَرَفَها بين كتفيه . (١) وانظر الديباج المذهب: ص ١٨ . (٢) أي لا يبالغ في قصه، وانظر ((زاد المعاد)) ١٧٨/١ - ١٨٢. (٣) السيجان : الطيالسة السود أو الخضر، واحدها ساج . ٦٩ وقال خالد بنُ خِدَاشِ : رأيتُ على مالك طَيلَساناً ، وثياباً مَرْويةٌ جياداً . وقال أشهب : كان مالك إذا اكتحل للضرورة ، جلس في بيته . وقال مصعب : كان يلبَسُ الثيابَ العَدنِيَّةِ ويتطيِّبُ . وقال أبو عاصم : ما رأيتُ مُحدِّثاً أحسنَ وجهاً من مالك . وقيل : كان شَديدَ البياض إلى صُفرةٍ، أعينَ(١)، أشمَّ(٢)، كان يوفِّر سَبَته(٣) ، ويحتجُّ يفتلِ عمر شاربَه . وقال ابن وهب : رأيتُ مالكاً خَضَبٍ بِحِنَّاء مرة . وقال أبو مُصْعبٍ : كان مالكٌ من أحسن الناس وجهاً ، وأجلاهم عيناً ، وأنقاهم بياضاً ، وأتَمِّهم طُولاً، في جَودة بَدَن . وعن الواقدي : كان رَبْعةٌ ، لم يخضِبْ ، ولا دخل الحمام . وعن بِشْر بن الحارث قال : دخلتُ على مالك ، فرأيتُ عليه طَيْلساناً يُساوي خمس مئة، وقد وقع جناحاه على عينيه أشبه شيء بالملوك . وقال أشهبُ : كان مالك إذا اعتمَّ ، جعل منها تحت حَنَكه ، وأرسَلَ طرفها خلفه ، وكان يتطيِّب بالمسك وغيره . وقد ساق القاضي عياض (٤) من وُجوه، حُسْنَ بزة الإِمام ووفورَ تجَمُّلِهِ . (١) يقال : إنه أعين : إذا كان ضخم العين واسعها . (٢) الشمم : ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء في أعلاه ، وإشراف الأرنبة قليلاً ، فإن كان فيها احديداب ، فهو القنا . (٣) السبلة : ما على الشفة العليا من الشعر، يجمع الشاربين وما بينهما . (٤) في ((ترتيب المدارك)) ١١٣/١، ١١٦. ٧٠ في نسب مالك اختلاف(١) ، مع اتفاقهم على أنه عربيٌّ أَصْبُحيٌّ ، فقيل في جده الأعلى : عَوْف بنُ مالك بنِ زيد بنِ عامر بن ربيعة بنِ نَبْت بنٍ مالك بنِ زيد بنِ كَهْلان بنِ سَبَأْ بِ يَشْجُب بنِ يَعْرُب بنِ فَحطان ، وإلى فَحطان جماع اليمن . ولم يختلفوا أن الأصْبَحْيِّين من حِمْيَر ،وحمير فمِن قحطان . نَعَمْ ، وغَيْمان في نسبه المشهور بغين معجمة ، ثم بآخر الحروف على المشهور ، وقيل : عثمان على الجادة وهذا لم يصح . وخُثيل : بخاء معجمة ثم بمثلثة . قاله ابنُ سَعْد وغيره ، وقال إسماعيل بنُ أبي أُويس والدَّارقُطني : ◌ُثَيل : بجيم ثم بمثلثة ، وقيل: حَنْبَل، وقيل: حِسْل ، وكلاهما تصحيف . قال القاضي عياض : اخْتُلِفَ في نَسب ذي أَصْبح ، اختلافاً كثيراً . مَولِدُه : تقدم أنه سَنَةَ ثلاث وتسعين ، قاله يحيى بن بُكَير ، وغيرُه ، وقيل: سنة أربع ، قاله: مُحمد بن عبد الله بن عَبد الحكم ، وعُمَارة بن وَثِيمة ، وغيرُهُما . وقيل: سنةً سبع ، وهو شاذٌ . قال خليفةُ بنُ خياط ، وإسماعيل بنُ أبي أُويس : ذو أَصْبَح من حِمْير . ورُوي عن ابنِ إسحاق أنه زعم أن مالكاً وآله موالي بني تَيْمٍ ، فأخطأ وكان ذلك أقوى سببٍ في تكذيبِ الإِمام مالكٍ له ، وطعنه عليه . وقد كان مالكٌ إماماً في نقد الرجال ، حافظاً، مجوّداً، مُتْقِناً . قال بشر بنُ عُمر الزَّهْراني : سَألت مالكاً عن رجل ، فقال : هل رأيته (١) انظر ((جمهرة أنساب العرب)) ٤٣٥/١، ٤٣٦، و((الوفيات)) ١٣٨/٤، و((ترتيب المدارك)) ١٠٢/١، ١٠٧. ٧١ في كُتُبِي ؟ قلت : لا ، قال : لو كانَ ثقةً لَرَأَيْتَه فِي كُتُبِي. فهذا القولُ يُعطيك بأنه لا يَروي إلا عمَّن هو عنده ثقةٌ . ولا يلزم من ذلك أنه يروي عن كلِّ الثقات ، ثم لا يلزم مما قال أن كل من روَى عنه ، وهو عنده ثقةٌ ، أن يكون ثقةً عند باقي الحفّاظ ، فَقد يَخفى عليهِ من حال شَيخه ما يَظهرُ لِغيره ، إلا أنَّه بكلِّ حالٍ كثيرُ التحرِّي في نَقد الرجال ، رحمه الله . ابنُ البَرْقي : حَدثنا عثمان بنُ كِنَانة ، عن مالك ، قال : ربما جلس إلينا الشيخ ، فُيُحدِّث جُلَّ نهارهِ ، ما نأخذ عنه حديثاً واحداً ، وما بِنا أن نَتَّهِمَهُ ، ولكن لم يكن من أهل الحديث . إسماعيل القاضي : حدَّثنا عتيقُ بنُ يعقوب ، سَمعت مالكاً يقول : حدثنا ابنُ شِهاب ببضعة وأربعينَ حديثاً، ثم قال : أَعِدْها عليَّ، فأعدتُ عليه منها أربعين حديثاً . وقال نَصْر بنُ علي : حدثنا حسينُ بنُ عُرْوة ، عن مالك ، قال : قَدِم علينا الزهريُّ ، فأتيناه ومعنا ربيعة ، فحدثنا بنّف وأربعين حديثاً ، ثم أتيناهُ مِن الغد ، فقال : انظروا كتاباً حتى أُحدثكم منه، أرأيتُمْ ما حدثتُكم به أمس ، أيش في أيديكم منه؟ فقال ربيعةُ : ها هنا من يردُ عليكَ ما حدثت به أمس(١) . قال : ومَنْ هو؟ قال : ابنُ أبي عامر . قال : هاتٍ ، فَسَردَ له أربعين حديثاً منها ، فقال الزهريُّ : ما كنت أرى أنه بقيَ من يحفظُ هذا غيري . : (١) في الأصل: أنس وهو تصحيف، والتصويب من ((تهذيب الكمال)) و((تذهيب التهذيب )) للمؤلف. ٧٢ قال البخاريُّ عن علي بنِ عبد الله : لمالك نحوٌ مِن ألف حديث . قلت : أراد ما اشتُهِرَ له في ((الموطأ)» وغيرِه، وإلّ، فعنده شيءٌ كثيرٌ ، ما كان يَفْعَلُ أن يَرويِهِ(١) . وروى عليُّ بنُ المديني ، عن سُفيانَ ، قال : رحمَ الله مالكاً ، ما كان أشدَّ انتقادَه للرجال (٢) . ابنُ أبي خَيْئَمة : حدثنا ابنُ معين ، قال ابنُ عُيَيْنَةَ : ما نحن عند مالك ، إنما كنا نتَّبْع آثار مَالك ، وننظر الشيخَ ، إن كان كتب عنه مالك ، كتبنا عنه . ورَوى طاهرُ بنُ خالد الأَيْلي ، عن أبيه ، عن ابن عُيَينة ، قال : كان مالك لا يُبلِّغ من الحديث إلا صحيحاً، ولا يُحدِّث إلا عن ثقة ، ما أرى المدينةَ إلا سَتَخْرَبُ بعد موته - يعني مِن العلم - . الطحاويُّ : حدثنا يونس : سمعت سُفيانَ - وذكر حديثاً - فقالوا : يُخالفك فيه مالكٌ، فقال: أتقرنني بمالك ؟ ما أنا وهو إلا كما قال جرير(٣) : (١) جاء في مناقب الشافعي ص ١٩٩ لابن أبي حاتم : قال الشافعي : قيل لمالك بن أنس : إن عند ابن عيينة عن الزهري أشياء ليست عندك ؟ فقال مالك : وأنا كل ما سمعت من الحديث أحدث به؟ أنا إذن أريد أن أظلمهم. ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣٢٢/٦ بنحوه. (٢) مقدمة ((الجرح والتعديل)) ٢٣/١، وفي ((الحلية)) ٣٢٢/٦ عن علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال : كان مالك ينتقي الرجال ولا يحدث عن كل أحد ، قال علي : ومالك أمان فيمن حدث عنه من الرجال . (٣) ديوانه : ٢٣١ من قصيدة يهجو التيم ، ومطلعها : فالحنو أصبح قفراً غير مأنوس حي الهدملة من ذات المواعيس وهو من شواهد سيبويه ٢٦٥/١، و((المقتضب)) ٤٦/٤، ٣٢٠، و((الجمل)) للزجاجي ص ١٩٢، واللسان: ( لبن، لز، قعس )، والمغني ١ /٧٥ . ٧٣. وابنُ اللَُّونِ إِذَا ما لُزَّ فِي قَرَنٍ لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ(١) ثم قال يونس : سمعت الشافعيَّ يقول : مالك وابن عُيينة القَرِينانِ ، ولولا مالك وابن عُيينة ، لذهب علمُ الحجاز . وَهْبِ بنُ جرير وغيره ، عن شُعبة ، قال : قدمتُ المدينةَ بعد موت نافعٍ بسنة ، ولمالك بن أنس حلقة . وقال حمَّادُ بن زيد : حدثنا أيوبُ قال : لقد كان لمالك حلقة في حياة نافع . وقال أشهبُ : سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن مالك ، وابن الماجِشُون ، فرفع مالكاً ، وقال : ما اعتدلا في العلم قطُ . ابن المديني : سمعتُ عبد الرحمن بنَ مَهْدي يقول : أخبرني وُهَيب - وكان مِن أبصر الناس بالحديث والرجال - أنه قدم المدينة ، قال : فلم أرَ أحداً إلا تَعْرِفُ وتُنْكِرُ إلا مالكاً، ويحيى بنَ سعيد الأنصاري(٢). قال عبد الرحمن: لا أقدِّم على مالك في صحة الحديث أحداً . وقال ابن لَهِيعَة : قلتُ لأبي الأسود : مَنْ للرأي بعد ربيعة بالمدينة ؟ قال : الغلامُ الأصبحي(٣). (١) ابن اللبون: ما أوفى على ثلاث سنين ، لز: ربط. القرن: الحبل الذي يشد به البعيران ونحوهما فيقرنان معاً ، والبزل : جمع بازل : البعير الذي دخل في السنة التاسعة ، والقناعيس : جمع قِنْعاس : الجمل العظيم الجسم، الشديد القوة ، قال البغدادي : ضربه مثلاً لمن يعارضه ويهاجيه ، يقول : من رام إدراكي كان بمنزلة ابن اللبون إذا قرن في قرن مع البازل القنعاس ، إن صال عليه لم يقدر على دفع صولته ومقاومته ، وإن رام النهوض معه قصر عن عدوته . (٢) مقدمة (( الجرح والتعديل)) ١٣/١، و١٤. (٣) ((ترتيب المدارك)) ١٢٩/١. ٧٤ ٠٠٠ الحارث بن مسكين : سمعت ابنَ وَهْب يقول : لولا أني أدركتُ مالكاً ، والليث ، لضَللتُ . هارون بن سعيد : سمعت ابنَ وَهْب ذكر اختلافَ الحديثِ والرواياتِ ، فقال : لولا أني لقيتُ مالكاً لضَللتُ (١). وقال يحيى القطّانُ: ما في القوم أصحُّ حديثاً من مالك ، كان إماماً في الحديث . قال : وسُفيان الثوري فوقه في كل شيء . قال الشافعيُّ: قال محمد بنُ الحَسن(٢): أقمتُ عند مالك ثلاثَ سنين وكسراً ، وسمعت من لفظه أكثرَ من سبع مئة حديث ، فكان محمدٌ إذا حدَّث عن مالك امتلأ منزلُه، وإذا حدَّث عن غيره من الكوفيين ، لم يجئه إلا اليسير . قال ابن أبي عمر العَدَني : سمعت الشافعيَّ يقول : مالكٌ مُعَلِّمي ، وعنه أخذتُ العلم . وعن الشافعيّ قال : كان مالك إذا شكَّ في حديث ، طَرحهُ كُلَّه . أبو عمر بنُ عبد البَر : حدثنا قاسم بنُ محمد ، حدثنا خالد بنُ سَعْد ، (١) الخبر في ((ترتيب المدارك)) ١٤١/١، بلفظ: ((لولا أن الله استنقذنا بمالك والليث لضللنا)) . (٢) هو الإِمام المجتهد ، صاحب التصانيف السائرة في الفقه والحديث ، صاحب أبي حنيفة وتلميذه، وراوي ((الموطأ)) عن الإِمام مالك ، وقد سمعه منه كله ، وضمنه زيادات كثيرة ، ليست في غيره من الموطآت التي رواها غيره من الأئمة عن مالك ، ولمحمد فيه اجتهادات كثيرة، خالف فيها مالكاً وأبا حنيفة وأصحابه ، يعبر عنها بقوله : وبه نأخذ ، وعليه الفتوى ، وبه يفتى ، وعليه الاعتماد ، وعليه عمل الأمة ، وهذا الصحيح ، وهو الأشهر ، ونحو ذلك ، وهو يعد بحق مصدراً من المصادر الأصلية الوثيقة لفقه أهل المدينة والعراق، انظر ((مقدمة اللكنوي)) لشرح ((الموطأ)) وسترد ترجمة محمد بن الحسن في الجزء التاسع من هذا الكتاب . ٧٥ حدثنا عثمان بنُ عبدالرحمن، حدثنا إبراهيم بن نَصْر ، سمعت محمد بن عبد الله بنِ عبد الحكم ، سمعتُ الشافعيَّ يقول : قال لي محمد بن الحسن : صاحبُنا أعلمُ من صاحبكم - يريد أبا حنيفة ومالكاً - وما كانَ لِصاحبكم أن يتكلّم ، وما كان لِصاحبنا أن يَسكتُ . فغضبتُ، وقلت : نَشدتُك الله : مَنْ أعلمُ بالسِنّة ، مالكٌ ، أو صاحبُكُمْ ؟ فقال : مالك ، لكن صاحبنا أقيسُ . فقلتُ : نعم ، ومالك أعلمُ بكتاب الله وناسخِه ومنسوخِه ، وبسنَّة رسول الله﴿ من أبي حنيفة، ومن كانَ أعلمَ بالكتابِ والسُّنة كان أولى بالكلام(١) . قال يونس بنُ عبد الأعلى : قال لي الشافعيّ : ذاكرتُ يوماً محمد بنَ الحسن ، ودار بيننا كلامٌ واختلافٌ ، حتى جعلت أنظر إلى أوداجه تَدِرُّ ، وأزراره تتقطّعُ ، فقلت : نَشَدتُك بالله ، تعلم أن صاحِبَنا كان أعلم بكتاب الله؟ قال : اللهمَّ نعم . قلتُ : وكان عالماً باختلاف الصحابة ؟ قال : نعم . قال ابنُ مَهْدي : أئمةُ الناس في زمانهم أربعةٌ : الثوريّ ، ومالكٌ ، والأوزاعيُّ، وحمّاد بنُ زيد، وقال : ما رأيتُ أحداً أعقَلَ مِن مالك(٢). يونس بنُ عبد الأعلى : حدثنا ابن وَهْب ، سمعتُ مالكاً - وقال له ابن القاسم: ليس بعدَ أهل المدينة أحدٌ أعلمَ بالبيوعِ مِن أهل مصر - فقال مالك : مِن أين علموا ذلك ؟ قال : مِنك يا أبا عبد الله . فقال: ما أعلمُها أنا، فكيف يعلمونها بي ؟ (١) ((الانتقاء)) ص ٢٤، ٢٥ و((حلية الأولياء)) ٣٢٩/٦ و((مناقب الشافعي)) ص ٢٠١. (٢) مقدمة (( الجرح والتعديل)) ٣١/١. ٧٦ وعن مالك قال : جُنَّة العالم : ((لا أدري)) فإذا أغفلها أُصيبَتْ مقاتلُه(١) . قال مُصعب بنُ عبد الله : كانت حلْقةُ مالك في زمن ربيعة مثلَ حلقة ربيعة وأكبر ، وقد أفتى معه عند السلطان . الزُّبير بنُ بكّار : حدثنا مُطَرِّف ، حدثنا مالك ، قال : لما أجمعتُ التحويلَ عن مجلس ربيعة ، جلستُ أنا وسليمان بنُ بلال في ناحية المسجد ، فلما قامَ ربيعةُ ، عَدل إلينا ، فقال: يا مالكُ ، تلعبُ بنفسك زَفْتَ(٢)، وصَفَّق لك سُليمانُ، بلغت إلى أن تَتَّخِذَ مجلساً لنفسك ؟! ارجع إلى مجلسك . قال الهيثمُ بنُ جميل : سمعتُ مالكاً سئل عن ثمانٍ وأربعين مسألةً ، فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ (( لا أدري)). وعن خالد بن خداش ، قال: قدمت على مالك بأربعين مسألة ، فما أجابني منها إلا في خمسٍ مسائل . ابن وَهْب ، عن مالك، سَمِعَ عبد الله بنَ يزيد بنِ هُرْمُز يقول : ينبغي للعالم أن يُورِّث جُلَساءه قول: (( لا أدري)). حتى يكونَ ذلك أصلاً يَفْزَعُونَ إليه . قال ابنُ عبد البر: صح عن أبي الدرداء أنَّ: ((لا أدري))، نِصفُ العلم (٣) . (١) ((الانتقاء)) ص ٣٧ . (٢) زفنت : يقال زفَن ، يزفِن بكسر العين : رقص . (٣) انظر ((ترتيب المدارك)) ١٤٤/١، ١٥٢. ٧٧ قال محمد بنُ رُمْح: رأيتُ النبي ◌ََّ، فقلتُ: يا رسولَ الله ، إن مالكاً والليث يختلفانٍ، فبأيّهما آخذُّ ؟ قال: مالكٌ، مالكٌ(١). أشهبُ ، عن عبد العزيز الدَّراوَرْدي ، قال : دخلتُ مسجد النبي وَِّ، فوافيتُه يخطبُ، إذْ أقبل مالك، فلما أبصره النَّبِيُّ ◌ََّ، قال: إليَّ إليَّ، فأقبل حتى دنا منه ، فَسَلَّ وَّر خاتمه من خِنصره ، فوضعه في خِنصر مالك . محمد بنُ جرير : حدثنا العبَّاسُ بنُ الوليد ، حدثنا إبراهيمُ بنُ حمّاد(٢) الزهريُّ ، سمعت مالكاً يقول : قال لي المَهْدي : ضعْ يا أبا عبد الله كتاباً أحمِلُ الأُمَّة عليه . فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، أما هذا الصُّقع - وأشرتُ الى المغرب - فقد كُفيتَه ، وأما الشامُ ، ففيهم من قد علمتَ - يعني الأوزاعيَّ -، وأما العراقُ ، فهم أهلُ العراق(٣). ابنُ سَعْد: حدثنا محمدُ بن عمر ، سمعت مالكاً يقول : لما حجَّ المنصورُ ، دعاني فدخلتُ عليه ، فحادثته ، وسألني فأجبتُه ، فقال : عزمتُ أن آمر بكتبك هذه - يعني الموطأ - فتنسخ نُسَخَاً، ثم أبعثَ إلى كُلِّ مصرٍ من أمصار المسلمين بنسخة، وآمُرَهُم أن يعملوا بما فيها ، ويَدَعوا ما سوى ذلك من العلم المُحدَث ، فإني رأيتُ أصْلَ العلم روايةَ أهل المدينة وعلمَهم . قلتُ : يا أميرَ المؤمنين ، لا تفعلْ ، فإن الناسَ قد سِيقتْ إليهم أقاويلُ ، وسمعوا أحاديثَ ، وَرَوَوْا رواياتٍ، وأخذ كُلُّ قوم بما سِيق إليهم ، وعمِلوا به، ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله وَ# وغيرهم، وإنّ رَدَّهم عما اعتقدوه شديدٌ ، (عِ الناسَ وما هُم عليه، وما اختار أهلُ كل بلد (١) الانتقاء : ٣٨ . (٢) في الأصل ((جماز)) والتصويب من ((ميزان الاعتدال)) و((لسان الميزان)). (٣) ذكره ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص ٤٠، والقاضي عياض في ((ترتيب المدارك)) ١٩٣/١ . ٧٨ لأنفسهم . فقال : لعمري ، لو طاوعتني لأمرتُ بذلك(١). قال الزُّبير بنُ بكّار : حدثنا ابنُ مسكين ، ومحمد بن مَسْلَمَة، قالا : سمعنا مالكاً يذكر دخولَه على المنصور ، وقوله في انتساخ کتبه ، وحمل الناس عليها ، فقلت : قد رسخَ في قلوب أهلِ كلِ بلد ما اعتقدوه وعمِلُوا به ، وردُّ العامّةِ عن مثلِ هذا عسيرٌ . قال الواقدي : كان مالكٌ يجلس في منزله على ضِجاع ونَمارقَ مطروحة يمنةٌ ويسرةً في سائِر البيتِ لمن يأتي ، وكان مجلسه مجلس وقاٍ وحلم ، وكان مهيباً ، نبيلاً ، ليس في مجلسه شيءٌ من المِراء واللَّغط ، وكان الغرباءُ يسألونُه عن الحديث بعدَ الحديث، وربما أُذِنَ لبعضهم، فقرأ عليه، وكان له كاتبٌ يُقال له : حَبيب . قد نَسَخَ كتبَه ، ويقرأ للجماعة ، فإذا أخطأ فتحَ عليه مالك، وكان ذلك قليلًا(٢). أبو زُرْعَة : حدثنا أبو مُسْهِر ، قال لي مالك : قال لي أبو جعفر : يا أبا عبد الله ، ذهب الناسُ ، لم يَبْقَ غيري وغيرُك . ابنُ وَهْب ، عن مالك : دخلت على أبي جعفر ، فرأيتُ غير واحد من بني هاشم يُقِّلون يده ، وعُوفيتُ ، فلم أقبل له يداً (٣) . المحنة قال محمد بنُ جرير : كان مالكٌ قد ضُرِب بالسياط ، واختُلفَ في سبب ذلك ، فحدثني العباسُ بنُ الوليد ، حدثنا ابن ذَكْوان ، عن مروان (١) ((ترتيب المدارك)) ١٩٢/١، ١٩٣. (٢) ((ترتيب المدارك)) ١٥٣/١، و((الانتقاء)) ص ٤١، و((الديباج المذهب)) ١٠٨/١. (٣) ((ترتيب المدارك)) ٢٠٨/١. ٧٩ الطَّاطَري، أن أبا جعفر نهى مالكاً عن الحديث: ((لَيْسَ عَلَى مُسْتَكْرَه طَلَاقٌ))(١) ثم دسَّ إليه من يسأله ، فحدَّثه به على رؤوس الناسِ ، فضربه بالسّياط(٢). وحدثنا العباسُ، حدثنا إبراهيم بن حمّاد(٣)، أنه كان ينظر إلى مالك إذا أُقيمَ من مجلسِه ، حمَلَ يده بالأخرى . ابنُ سَعد : حدثنا الواقديُّ قال : لما دُعيَ مالكٌ ، وشُووِرَ ، وسُمِعَ منه، وقُبل قَولُه، حُسِد ، وبَغَوه بكل شيء، فلما وَلِي جعفرُ بن سليمان المدينة ، سَعَوا به إليه ، وكثروا عليه عِنده ، وقالُوا : لا يَرى أَيْمان بيعتكم هذه بشيء ، وهو يأخذ بحديثٍ رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المُكْرَه : أنه لا يجوز عنده ، قال : فَغَضب جعفرٌ ، فدعا بمالك ، فاحتجَّ عليه بما رُفِعَ إليه عنه ، فأمر بتجريده ، وضَرْبِهِ بالسّياط ، وجُبِذَتْ يَدُه حتى انخلعتْ مِن (١) لم يرد في المرفوع، وإنما هو موقوف على ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف )) ٤٨/٥ من طريق هشيم، عن عبد الله بن طلحة الخزاعي ، عن أبي يزيد المديني ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (( ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق)) ورجاله ثقات ، وعلقه البخاري ٣٤٣/٩ في الطلاق، ولفظه : وقال ابن عباس : طلاق السكران والمستكره ليس بجائز. وقال الحافظ : وصله ابن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور ، جميعاً عن هشيم ، عن عبد الله بن طلحة الخزاعي ، عن أبي يزيد المديني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ليس لسكران ولا لمضطهد طلاق . والمضطهد : المغلوب المقهور، وثمة آثار في عدم وقوع طلاق المكره عن عمر ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن ، وعطاء ، والضحاك ، ذكرها ابن أبي شيبة في مصنفه ٤٨/٥، ٤٩ . (٢) ((ترتيب المدارك)) ٢٢٨/١، و((وفيات الأعيان)) ١٣٧/٤، و((الانتقاء)) ٤٣. وجاء في ((تاريخ الطبري)) ٥٦٠/٧ : وحدثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبدالله بن الحكم بن سنان الحكمي أخو الأنصار، قال : أخبرني غير واحد أن مالك بن أنس استفتي في الخروج مع محمد ، وقيل له : إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر ، فقال : إنما بايعتم مكرهين ، وليس على مكره يمين ، فأسرع الناس إلى محمد ، ولزم مالك بيته . (٣) في الأصل: ((جماز)) والتصويب من ((ميزان الاعتدال)) و((لسان الميزان)). ٨٠