النص المفهرس
صفحات 61-80
فوالله إن في رأسه لغَدْرة، فقال: يا أخي قد عرفت بلاءَه، وما كان منه، وأبو جعفر يُراجعه. ثم حج أبو جعفر، وأبو مسلم. فلما قفلا تلقاهما موتُ السفاح بالجُدري، فولي الخلافة أبو جعفر. وخرج عليه عمِّه عبد الله بن علي بالشام، ودعا إلى نفسه، وأقام شهوداً بأنه وليُّ عهد السفاح، وأنه على ذلك سار لحرب مروان وهزمه، واستأصله. فخلا المنصورُ بأبي مسلم وقال: إنما هو أنا وأنت، فَسِرْ إلى عبد الله عمي، فسار بجيوشه من الأنبار، وسار لحربه عبد الله، وقد خشي أن يُخامر عليه الخراسانية، فقتل منهم بضعة عشر ألفاً صبراً. ثم نزل نصيبين، وأقبل أبو مسلم، فكاتب عبد الله: إني لم أومر بقتالك، وإِن أمير المؤمنين ولَّني الشام وأنا أريدُها. وذلك من مكر أبي مسلم ليفسد نيات الشاميين. فقال جند الشاميين لعبد الله: كيف نُقيم معك، وهذا يأتي بلادنا فيقتل ویسبي؟ ولکن نمنعه عن بلادنا. فقال لهم: إنه ما يُريد الشام، ولئن أقمتم، ليقصِدنَّكم، قال: فكان بين الطائفتين القتالُ مُدة خمسة أشهر، وكان أهلُ الشام أكثرَ فرساناً، وأكملَ عدة، فكان على ميمنة عبد الله الأمير بكار بن مسلم العُقيلي، وعلى الميسرة الأمير حبيب بن سُويد الأسدي . وكان على ميمنة أبي مسلم الحسن بن قَخْطبة، وعلى ميسرته حازم بن خُزيمة، وطال الحرب، ويستظهر الشاميون غيرَ مرة. وكاد جيش أبي مسلم أن ینهزمَ، وأبو مسلم یشتهم ويرتجز: مَنْ كَانَ يَنْوِي أهْلَهُ فَلَا رَجَعْ فَرَّ مِنَ المَوْتِ وفِي المَوْتِ وَقَعْ ثم إنه أردف ميمنته، وحملوا على ميسرة عبد الله فمزقوها، فقال عبد الله ٦١ لابن سُراقة الأزدي: ما ترى؟ قال: أرى أن تصبر وتُقاتل فإِن الفرار قبيح بمثلك. وقد عِبْتَهُ على مروان، قال: إني أذهب إلى العراق قال: فأنا معكم فانهزموا، وتركوا الذخائر والخزائنَ والمعسكر، فاحتوى أبو مسلم على الكل، وكتب بالنصر إلى المنصور. واختفى عبد الله، وأرسل المنصور مولاه ليحصي ما حواه أبو مسلم، فغضب من ذلك أبو مسلم، وهمَّ بقتل ذلك المولى. وقال: إنما للخليفة مِن هذا الخُمس. ومضى عبد الله وأخوه عبد الصمد بن علي إلى الكوفة، فدخلا علی عیسی ابن موسى وليِّ العهد، فاستأمن لعبد الصمد، فأمنه المنصور. وأما عبد الله، فقصد أخاه سليمان بن علي بالبصرة، وأقام عنده مختفياً. ولما علم المنصور أن أبا مسلم قد تغيَّر كتب إليه يُلاطفه: وإني قد وليتك مصر والشام، فانزل بالشام واستنب عنك بمصر، فلما جاءه الكتاب، أظهر الغضب وقال: يُوليني هذا وخراسان كلها لي؟! وشرع في المضي إلى خراسان. ويقال: إنه شتم المنصور، وأجمع على الخلاف، وسار. وخرج المنصور إلى المدائن، وكاتب أبا مسلم ليقدّمَ عليه، فكتب إليه أبو مسلم، وهو قاصد طريق حلوان: إنه لم يبق لك عدو إلا أمكنك اللّهُ منه. وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان: إِنَّ أخوف ما يكونُ الوزراء، إذا سكنت الدهماء. فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، فإِن أرضاك ذلك، فأنا كأحسن عبيدك، وإِن أبيت، نقضتُ ما أبرمت من عهدك، ضناً بنفسي والسلام. فرد عليه الجواب يُطمئنه ويُمنيه مع جرير بن يزيد بن جرير البجلي، وكان داهیةً وقته، فخدعه ورده. ٦٢ وأما علي بن محمد المدائني، فنقل عن جماعة قالوا: كتب أبو مسلم: أما بعد، فإني اتخذت رجلاً إماماً، ودليلاً على ما افترضه الله، وكان في محلة العلم نازلاً، فاستجهلني بالقرآن، فحرَّفه عن مواضعه طمعاً في قليل قدنعاه(١) الله إلى خلقه، وكان كالذي دُلِّيَ بغرور، وأمرني أن أجرد السيف، وأرفع الرحمة، ففعلت توطئة لسلطانكم، ثم استنقذني الله بالتوبة. فإن يعف عني فقدماً عُرف به، ونُسب إليه، وإن يعاقبني فبما قدمت يداي ثم سار نحو خراسان مراغماً. فأمر المنصور من حضره من بني هاشم يكتُبُون إلى أبي مسلم، يُعظمون شأنه، وأن يتِمَّ على الطاعة، ويُحسِّنُون له القدوم على المنصور. ثم قال المنصور للرسول أبي حميد المَرْورُّوذي: كلّم أبا مسلم بأَلْينَ ما تقدر عليه، ومنِّه، وعرِّفْه أني مضمر له كُلَّ خير، فإِن أيستَ منه، فقل له: قال: واللهِ لو خضتَ البحر، لخضتُه وراءك، ولو اقتحمتَ النار، لاقتحمتُها حتى أقتلك. فقدم على أبي مسلم بحُلوان، قال: فاستشار أبو مسلم خواصَّه. فقالوا: احذره. فلما طلب الرسول الجواب قال: ارجع إلى صاحبك، فلستُ آتيه، وقد عزمتُ على خلافه. فقال: لا تفعل. فلما آيسَهُ من المجيء، كلَّمه بما أمره به المنصور، فَوَجَم لها طويلاً، ثم قال: قُم. وكسره ذلك القولُ وأرعبه . وكان المنصورُ قد كتب إلى أبي داود خليفة أبي مسلم على خُراسان، فاستماله وقال: إمرة خراسان لك. فكتب أبو داود إلى أبي مسلم يلومُه، (١) في الطبري ٤٨٤٨٧، والبداية ٦٤/١٠: تعافاه. ٦٣ ويقول: إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله، وأهل بيت النبوة، فلا تخالفن إمامك . فوافاه كتابُه وهو على تلك الحال، فزاده هماً ورُعباً. ثم إنه أرسل من يثق به من أمرائه إلى المنصور، فلما قَدِمَ، تلقَّاه بنو هاشم بكل ما يُحب، وقال له المنصور: اصرفه عن وجهه، ولك إمرة بلاده، فرجع وقال: لم أر مكروهاً، ورأيتُهم معظمين لحقك، فارجع، واعتذر. فأجمع رأيه على الرجوع، فقال رسوله أبو إسحاق: مَا لِلرِّجالِ مَعَ القَضَاء مَحَالةٌ ذَهَبَ القَضَاءُ بِحِيلَةِ الأَقْوَامِ خار الله لك، احفظ عني واحدة: إذا دخلت على المنصور فاقتله، ثم بايع من شئت فإن الناس لا يخالفونك. ثم إن المنصور سيَّر أمراء لِتلقي أبي مسلم، ولا يُظهرون أنه بعثهم ليطمئنه، ويذكرون حسنَ نية المنصور له، فلما سَمِعَ ذلك، انخدع المغرورُ وفرح. فلما وصل إلى المدائن، أمر المنصور أكابر دولته فتلقّوْه، فلما دخل عليه، سلَّم عليه قائماً، فقال: انصرف يا أبا مسلم فاسترح، وادخل الحمام ثم اغدُ. فانصرف،وكان من نية المنصور أن يقتُلَه تلك الليلة، فمنعه وزيره أبو أيوب ◌ُوريَاني (١) قال أبو أيوب: فدخلتُ بعد خروجه، فقال لي المنصور: أقدر على هذا، في مثل هذه الحال، قائماً على رجليه، ولا أدري ما يحدث في ليلتي، ثم كلمني في الفتك به. فلما غدوتُ عليه، قال لي: يا ابن اللخناء لا مرحباً بك. أنتَ منعتني منه أمس ؟ والله ما نمتُ البارحة، ادع لي عثمان بن نَهيك، (١) بضم الميم وسكون الواو وكسر الراء: نسبة إلى موريان، قرية من قرى خوزستان. ٦٤ فدعوتُه، فقال: يا عثمان كيف بلاءُ أمير المؤمنين عندك؟ قال: إنما أنا عبدُك، ولو أمرتني أن أتكىء على سيفي حتى يخرجَ من ظهري، لفعلتُ. قال: كيف أنتَ إن أمرتُك بقتل أبي مسلم. قال: فوجم لها ساعة لا يتكلم. فقلتُ: مالك ساكتاً؟ فقال قولة ضعيفة: أقتُلُه. فقال: انطلق، فجىء بأربعة من وجوه الحرس، شجعان، فأحضر أربعةً، منهم شبيب بن واج، فكلّمهم فقالوا: نقتله، فقال: كونوا خلف الرواق، فإِذا صفقتُ، فاخرجوا، فاقتلوه. ثم طلب أبا مسلم فأتاه. قال أبو أيوب: وخرجت لأنظر ما يقولُ الناس، فتلقاني أبو مسلم داخلاً، فتبسم، وسلمت عليه فدخل، فرجعت فإِذا هو مقتول. ثم دخل أبو الجهم، فقال: يا أميرَ المؤمنين: ألا أردُّ الناس؟ قال: بلى. فأمر بمتاع يُحول إلى رواق آخر، وفرش. وقال أبو الجهم للناس: انصرفوا، فإِن الأمير أبا مسلم يُريد أن يُقيل عند أمير المؤمنين، ورأوا الفرش والمتاع يُنقل، فظنوه صادقاً، فانصرفوا. وأمر المنصور للأمراء بجوائزهم. قال أبو أيوب: فقال لي المنصور: دخل علي أبو مسلم فعاتبتُه، ثم شتمتُه، وضربه عثمان بن نَهيك فلم يصنع شيئاً، وخرج شبيب بن واج، فضربوه، فسقط، فقال وهم يضربونه: العفو، قلتُ: يا ابن اللخناء، العفو؟ والسيوف تعتورك؟ وقلتُ :اذبحوه. فذبحوه. وقيل: ألقى جسده في دجلة. ويقال: لما دخل وهم خلوة، قال له المنصور: أخبرني عن سيفين أصبتهما في متاع عبد الله بن علي، فقال: هذا أحدُهما، قال: أرنيه. فانتضاه، فناوله، ٦٥ سير ٥/٦ فهزه أبو جعفر، ثم وضعه تحت مفرشه وأقبل عليه يُعاتبه . وقال: أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس أخي، تنهاه عن الموات. أردتَ أن تعلّمنا الدين؟ قال: ظننتُ أخذه لا يَحِلُّ. قال: فأخبرني عن تقدمك علي في طريق الحج. قال: كرهتُ اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس. قال: فجارية عبد الله، أردت أن تتخِذَها؟ قال: لا. ولكن خفتُ عليها أن تضيعَ فحملتُها في قبة ووكلت بها. قال: فمراغمتُك وخروجُك إلى خراسان؟ قال: خفتُ أن يكون قد دخلك مني شيء، فقلتُ أذهب إليها، وإِليك أبعثُ بعذري. والآن فقد ذهب ما في نفسك علي. قال: تاللّهِ ما رأيتُ كاليوم قط. وضرب بيده، فخرجوا عليه. وقيل: إنه قال له: ألست الكاتب إليَّ تبدأ بنفسك؟ والكاتب إلي تخطب ٤ أمينة بنت علي عمتي؟ وتزعم أنك ابنُ سليط بن عبد الله بن عباس؟ وأيضاً فما دعاك إلى قتل سُليمان بن كثير، مع أثره في دعوتنا، وهو أحد ـقبائنا؟ قال: عصاني، وأراد الخلاف عليَّ، فقتلتُه. قال: وأنت قد خالفتَ علي، قتلني الله إن لم أقتلك. وضربه بعمود، ثم وثبوا عليه، وذلك لخمس بقين من شعبان . ويقال: إن المنصور لما سبَّه، انكبَّ على يده يُقبلها ويعتذِرُ. وقيل: أول ما ضربه ابن نهيك لم يصنع أكثر مِن قطع حمائل سيفه، فصاح: يا أمير المؤمنين استبقني لعدوك، قال: لا أبقاني الله إذاً، وأيُّ عدو أعدى لي منك. ثم همَّ المنصورُ بقتل الأمير أبي إسحاق صاحب حَرسِ أبي مسلم، وبقتل نصر بن مالك الخزاعي، فكلمه فيهما أبو الجهم، وقال: يا أمير المؤمنين، ٦٦ إنما جندُه جندك، أمرتهم بطاعته، فأطاعوه . ثم إنه أعطاهما مالاً جزيلاً. وفرق عساكر أبي مسلم. وكتب بعهد للأمير أبي داود خالد بن إبراهيم على خراسان. وقد كان بعضُ الزنادقة، والطغام من التناسخية، اعتقدوا أن الباري سبحانه وتعالى، حَلَّ في أبي مسلم الخراساني المقتول، عندما رأوا من تجبُّره، واستيلائه على الممالك، وسفكه للدماء. فأخبارُ هذا الطاغية يطولُ شرحها . قال خليفة بن خياط(١): قدم أبو مسلم على أبي جعفر بالمدائن ، فسمعتُ يحيى بن المسيب يقول: قتله وهو في سُرادقاتِه- يعني الدهليز- ثم بعث إلى عيسى بن موسى ولي العهد، فأعلمه، وأعطاه الرأس والمال فخرج به، فألقاه إليهم، ونثر الذهب، فتشاغلوا بأخذه. وقال خليفة في مكان آخر: فلما حل أبو مسلم بحلوان، ترددتِ الرسلُ بينه وبينَ أبي جعفر، فمن ذلك كتب إليه أبو جعفر: أما بعد، فإِنه يَرِينُ على القلوب ويطبع عليها المعاصي، فقع أيُّها الطائِرُ، وأفِقِ أيها السكران، وانْتبهْ أيها الحالِمُ، فإِنك مغرورٌ بأضغاثٍ أحلامٍ كاذبةٍ، وفي برزخ دنيا قد غرَّت قبلك سوالفَ القرون، فهل تُحِسُّ منهم من أحدٍ، أو تسمَعُ لهم رِكزاً؟ وإِنَّ اللّه لا يُعجِزِهُ مَنْ هَرَبَ، ولا يَقُوتُه مَنْ طلب، فلا تغترَّ بمن مَعَكَ مِنْ شيعتي وأهلِ دعوتي. فكأنَّهم قد صاولُوك إن أنت خلعتَ الطَّاعةَ، وفارقتَ الجماعةَ، فبدا لكَ ما لم تكن تحتسِبُ. فمهلاً مَهلًا، احْذَرِ البَغْيَ أَبَا مُسْلِم، فإِنَّ مَنْ بَغِىْ واعتدى تخلَّى اللّه عنه، ونصر عليه من يصرعُه لليدين وللفم. فأجابه أبو مسلم بكتاب فيه غلظُ يقول فيه: يا عبد الله بن محمد: إني كنت (١) في تاريخه ص: ٤١٦. ٦٧ فيكم متأولاً فأخطأت. فأجابه: أيُّها المجرمُ! تَنْقِمُ على أخي وإنه لإِمامُ هدى، أوضحَ لك السبيلَ، فلو به اقتديت ما كنتَ عن الحقِّ حَائداً، ولكنه لم يَسْنحْ لك أمرانٍ إلا كنتَ لأرشدهما تاركاً، ولأغواهُما موافقاً، تقتلُ قتلَ الفراعنة، وتبطئُ بطشَ الجبارين، ثم إن منْ خِيْرَتي أيُّها الفَاسِقُ! أني قد وليت خراسان موسى بن كعب. فأمرتُه بالمقام بنيسابور، فهو من دُونك بمن معه من قوَّادي وشيعتي، وأنا موجِّه للقائك أقرانك، فاجْمَعْ كيدَك وأمرك غيرَ موفق ولا مسئَّد، وحسبُ أمير المؤمنين اللهُ ونعم الوكيلُ. فشاور البائسُ أبا إسحاق المروزي، فقال له: ما الرأيُ، هذا موسى بن كعب لنا دونَ خراسان، وهذه سيوف أبي جعفر مِن خلفنا وقد أنكرت من كنتُ أثق به من أمرائي؟ فقال: أيها الأميرُ هذا رجل يضطغِن عليك أموراً متقدمة، فلو كنتَ إذ ذاك هذا رأيك، وواليتَ رجلاً من آل علي، كان أقربَ. ولو أنك قبلت توليته إياك خراسان والشام والصائفة(١)، مُدت بك الأيامُ، وكنت في فُسحة من أمرك، فوجهت إلى المدينة، فاختلست عَلَوياً، فنصبته إماماً، فاستملتَ أهلَ خراسان، وأهل العراق، ورميتَ أبا جعفر بنظيره، لكنت على طريق تدبير. أتطمع أن تُحارب أبا جعفر وأنت بحلوان، وعساكره بالمدائن، وهو خليفة مجمع عليه؟ ليس ما ظننت. لكن بقي لك أن تكتب إلى قوادك، وتفعل كذا وكذا . فقال: هذا رأي، إن وافقنا عليه قوادُنا. قال: فما دعاك إلى خلع أبي جعفر وأنتَ على غير ثقة مِن قوادك؟ أنا أستودعك الله مِن قتيل! أرى أن تُوَجِّهَ بي (١) الصائفة: الغزوة في الصيف وبها سميت غزوة الروم لأنهم كانوا يغزون صيفاً اتقاء البرد والثلج. ٦٨ إليه حتى أسأله لك الأمان، فإِما صفح، وإِما قتل على عِزٌّ، قبل أن ترى المذلَّة والصَّغار من عسكرك، إما قتلوك، وإما أسلموك. قال: فسفرتْ بينَه وبين المنصور السفراء، وطلبوا له أماناً، فأتى المدائن. فأمر أبو جعفر، فتلقوه وأذن له، فدخل على فرسه، ورحّب به، وعانقه، وقال: انصرف إلى منزلك، وضَعْ ثيابك، وادخل الحمام، وجعل ينتظِرُ به الفرص، فأقام أياماً يأتي أبا جعفر، فيرى كل يوم من الإكرام ما لم يره قبل. ثم أقبل على التجني عليه، فأتى أبو مسلم الأمير عيسى بن موسى، فقال: اركب معي إلى أمير المؤمنين، فإِني قد أردت عتابه، قال: تقدم وأنا أجيء قال: إني أخافه، قال: أنت في ذمتي، قال: فأقبل، فلما صار في الرواق الداخل، قيل له: أميرُ المؤمنين يتوضأ، فلو جلست، وأبطأ عليه عيسى، وقد هيأ له أبو جعفر عثمانَ بن نهيك في عدة، وقال: إذا عاينته وعلا صوتي، فدونكموه . قال نفطويه: حدثنا أبو العباس المنصوري قال: لما قتل أبو جعفر أبا مسلم قال: رحمك الله أبا مسلم، بایعتنا وبایعناك،وعاهدتناوعاهدناك، ووفیت لنا ووفينا لك. وإِنا بايعنا على ألَّ يخرجَ علينا أحد إلا قتلناه، فخرجتَ علينا فقتلناك. وقيل: قال لأولئك: إذا سمعتُم تصفيقي فاضربُوه، فضربه شبيب بن واج، ثم ضربه القواد، فدخل عيسى وكان قد كلَّم المنصور فيه. فلما رآه قتيلاً، استرجع . وقيل: لما قتله ودخل جعفر بن حنظلة، فقال: ما تقول في أمر أبي مسلم؟ قال: إن كنت أخذت من شعره فاقتله، فقال: وفقك الله. ها هو في البساط قتيلاً، فقال: يا أمير المؤمنين: عُذَّ هذا اليوم أولَ خلافتك، وأنشد المنصور: ٦٩ فَأَلْقَتْ عَصَاهَا واسْتَقَرَّتْ بِهَا النَّوَىُ كَمَاقَرَّ عَيْناً بالإِيَابِ الْمُسَافِرُ(١) وقرأتُ في كتاب: أن المنصور لم يزل يخدع أبا مسلم ويتحيَّل عليه حتى وقع في براثنه بعهود وأيمان. وكان أبو مسلم ينظر في الملاحم. ويجد أنه مميت دولة، ومحيي دولة، ثم يُقتل ببلد الروم. وكان المنصور يومئذ برومية المدائن، وهي معدودة من مدائن كسرى بينها وبينَ بغداد سبعة فراسخ، قيل: بناها الإِسكندر لما أقام بالمدائن. فلم يخطر ببال أبي مسلم أن بها مصرعَه، وذهب وهمُه إلى الروم . وقيل : إن المنصور كان يقول: فعلت وفعلت، فقال أبو مسلم: ما يُقال لي هذا بعد بيعتي واجتهادي، قال: يا ابن الخبيثة! إنما فعلت ذلك بجدنا وحظنا، ولو كان مكانك أمةٌ سوداء، لعَمِلَتْ عملكَ، وتفعل كذا، وتخطب عمتي، وتدعي أنك عباسي، لقد ارتقيت مرتقى صعباً. فأخذ يُفَرِّكُ يده ويُقبلها، ويخضع، وأبو جعفر يتنمَّرُ. وعن مسرور الخادم قال: لما رد أبو مسلم، أمره أبو جعفر أن يركب في خواصِّ أصحابه، فركب في أربعة آلاف غلام، جردٍ، مردٍ، عليهم أقبية الديباج والسيوف بمناطق الذهب، فأمر المنصور عمومته أن يستقبلوه، وكان (١) البيت في (المؤتلف والمختلف))ص ١٢٨ لمُعَقِّر بن حمار البارقي وقبله: وکم قد رأينا من ردٍ لا يُسافر تهيبك الأسفار من خشية الردى ((ونقل في اللسان، عن ابن بَري أنه لعبد ربه السلمي ويقال: لسليم بن ثمامة الحنفي، وكان هذا الشاعر سيَّر امرأته من اليمامة إلى الكوفة. وأول الشعر: تذكرتُ من أمِّ الحويرث بعدما مضت حجج عشر، وذو الشوق ذاكر وقوله : فألقت عصاها واستقر بها النوى. يُضرب هذا مثلاً لكل مَنْ وافقه شيء فأقام عليه.)) ٧٠ قد بقي من عمومته: صالح، وسليمان، وداود، فلما أن أصحر، سايره صالح بجنبه، فنظر إلى كتائب الغلمان، ورأى شيئاً لم يعهد مثله، فأنشأ صالح يقول : سَيَأْتِيكَ مَا أفْنِى القُرُونَ الَّتِي مَضَتْ وَمَاحَلَّ فى أكْنَافِ عَادٍ وَجُرْهُم وَمَنْ كَانَ أَقْوَى مِنْكَ عِزَأَ وَمَفْخراً وأَقْيدَ لِلجَيْشِ اللُّهَامِ العَرَمْرَمِ فبكى أبو مسلم ولم يحِرْ جواباً. قال أبو حسان الزيادي، ويعقوب الفسوي، وغيرُهما: قُتِلَ في شعبان سنة سبع وثلاثين ومئة. قلتُ: وعمره سبعة وثلاثون عاماً . ولما قتل، خرج بخراسان سُنباذ للطلب بثأر أبي مسلم، وكان سنباذ مجوسياً، فغلب على نيسابور والري، وظفر بخزائن أبي مسلم، واستفحل أمرُه، فجهز المنصور لحربه جمهور بن مَرَّار العجلي في عشرة آلاف فارس، وكان المصاف بين الري وهمذان، فانهزم سُنباذ، وقتل من عسكره نحوٌ من ستين ألفاً، وعامتهم كانوا مِن أهل الجبال، فسُبيت ذراريهم، ثم قتل سُنباذ بأرض طبرستان. أنبأتنا فاطمة بنت علي، أنبأنا فرقد بن عبد الله الكناني سنة ثمان وست مئة أنبأنا أبو طاهر السِّلَفيّ، أنبأنا أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد ابن سُليم المعلم، أنبأنا أبو علي الحسين بن عبد الله بن محمد بن المرزبان بن منجويه، أنبأنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقرىء . حدثني أبو نصر غلام ابن الأنباري، سمعت ابن الأنباري، سمعت محمد بن يحيى النحوي، سمعت مسروراً الخادم يقول: لما استردَّ المنصورُ أبا مسلم من حُلوان، أمره أن ينصرف في خواصِّ غلمانه، فانصرف في أربعة آلاف غلام، جردٍ، مردٍ، ٧١ عليهم أقبيةُ الديباج والسيوف، ومناطق الذهب، فأمر المنصورُ عمومته أن يستقبلوه. وکان قد بقي من عمومته يومئذ: صالح، وسليمان وداود، فلما أن أصحروا، سايره صالح بجنبه، فنظر إلى كتائب الغلمان فرأى شيئاً لم يعهد مثله فأنشأ يقول : سَيَأْتِيكَ مَا أفْنِى القرونَ التي مَضَت وَمَا حلَّ في أكْنَافِ عَادٍ وَجُرْهُم وَمَنْ كَانَ أَقْوَى مِنْكَ عِزَاً وَمَفْخراً وأقْيَدَ لِلَيْشِ اللُّهَامِ العَرَمْرَم فبكى أبو مسلم ولم يحر جواباً، ولم ينطِقْ حتى دخل على المنصور. فأجلسه بين يديه، وجعل يُعاتبه ويقول: تذكر يوم كذا وكذا فعلت كذا وكذا وكتبت إليَّ بكذا وكذاثم أنشأ يقول: زَعَمْتَ أنَّ الدَّينَ لَا يُقْتَضَى فَاقْتَضِ بِالذَّيْنِ أَبَا مُجْرِمٍ وَاشْرَبْ بِكَأْسٍ كنتَ تَسْقِي بِها أمَرَّ فِي الحَلْقِ مِنَ العِلْقَمْ (١) ثم أمر أهل خراسان فقطعوه إرباً إرباً. وبه إلى منجويه: حدثنا أبو أحمد بن عبد الله بن عبد الوهّاب الأنماطي، حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا حسین بن فهم، حدثنا محمد ابن سَلَّام، حدثنا محمد بن عمارة، سمعت أبا مسلم صاحب الدولة يقرأ: ﴿فلا تسرف في القتل﴾ [الإسراء: ٣٣] بالتاء(٢) قال ابن منجويه: حكى لي الثقة عن أبي أحمد، أنبأنا الإِمام أن عبد الله بن (١) البيتان في الطبري ٤٩١٨٧، والكامل ٤٧٦٥، ووفيات الأعيان ١٥٤/٣، وروايتهما عند ابن خلكان فاستوف بالكيل أبا مُجرم زعمت أن الدين لا يُقتضى أمر في الحلق من العلقم اشرب بكأس كنت تسقي بها (٢) هي قراءة: ابن عامر، وحمزة، والكسائي. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: (فلا يُسرف في القتل) زاد المسير. ٧٢ مندة كتب عنه هذا، وحسين بن فهم هو ابن بنت أبي مسلم. وبه: حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الواحد الطبري إملاءً من أصله، حدثنا أبو الحسين محمد بن موسی الحافظ،حدثنا أحمد بن یحیی بن زکیر، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن نجيح، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن منيب الخراساني، حدثنا أبي عن أبي مسلم صاحب الدولة، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله وَ له: ((مَنْ أَرَادَ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ))(١) وبه أخبرناه أحمد بن موسى الحافظ، حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثني محمد بن جعفر الرَّقي بحران، حدثني جعفر بن موسى بدمشق، حدثني عبد الرحمن بن خالد بهذا. لم يقل ابن منيب عن أبيه وهو أشبه. آخر سيرة أبي مسلم والله سبحانه أعلم. ١٦ - يزيد بن الطَّتْريَّة* الشاعر، المحسن، أبو المَكْشوح، يزيد بن سلمة بن سمرة. وله شعر (١) في سنده أبو مسلم. قال المؤلف في ((الميزان)) ليس بأهل لأن يحمل عنه شيء. وباقي رجاله ثقات. لكن الحديث صحيح. فقد أخرجه أحمد ١٧١/١، ١٨٣ والترمذي (٣٩٠٢) والحاكم ٧٤/٤ من حديث الزهري عن محمد بن أبي سفيان، عن يوسف بن الحكم، عن محمد بن سعد عن أبيه قال: قال رسول اللّه ◌َ﴾ ((مَن يُرد هوان قريش أهانه الله)). وسنده صحيح. وصححه الذهبي في تلخيص المستدرك. وأخرجه عبد الرزاق (١٩٩٠٥) وعنه أحمد ١٧٦/١، عن معمر، عن الزهري، عن عمر بن سعد، أن سعد بن مالك قال: سمعت رسول الله وَلم يقول: ((من يُهن قريشاً يهنه الله)). وفي الباب عن عثمان عند الحاكم ٧٤/٤، وأحمد ٦٤/١ بسند قال الهيثمي فيه: رجاله ثقات. (*) نسبة إلى أمه من الطثر. وهم حي من اليمن، عدادهم في جرهم. وأبوه الصمة، وقيل: سلمة الخير. أخباره في ((طبقات فحول الشعراء)) ٧٧٧ - ٧٨٢، وفي ((الشعر والشعراء)) ٤٢٧- ٤٢٨، وفي ((الأغاني)) ١٠٤٨٧- ١١٧، وفي «معجم الأدباء ٤٧/٢٠-٤٩)) وفي ((أسماء المغتالين)) ٢٤٧ . ٧٣ فائق، كثير في الحماسة. وقيل: إن أبا الفرج، صاحب الأغاني جمع شعره ودونه. قتل باليمامة في سنة ست وعشرين ومئة. والطَّثْرُ: ضَرْبٌ من اللَّبن. ١٧ - مروان بن محمد؟ ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص، بن أمية، أبو عبد الملك، الخليفة الأموي، يُعرف بمروان الحمار. وبمروان الجعدي نسبة إلى مؤدِبه جعد بن درهم. ويقال: أصبرُ في الحرب من حمار. وكان مروان بطلًا شجاعاً داهية، رزيناً، جباراً، يصل السَّير بالسُّرى، ولا يَجفُّ له لِيْدٌ، دُوَّخ الخوارج بالجزيرة. ويقال: بلِ العربُ تُسمي كل مئة عام حماراً، فلما قارب ملكُ آل أمية مئة سنة، لقَّبوا مروان بالحمار. وذلك مأخوذ من موت حمار العُزّير عليه السلام، وهو مئة عام، ثم بعثهما الله تعالى. مولد مروان بالجزيرة، في سنة اثنتين وسبعين، إذ أبوه متوليها، وأمه أم ولد. وقد افتتح في سنة خمس ومئة قُونِيَة. وولي إمرة الجزيرة وأذَرْ بِيجان لهشام في سنة أربع عشرة ومئة . وقد غزا مرة حتى جاوز نهر الروم، فأغار وسبى في الصقالبة(١) وكان أبيضَ ضخمَ الهامة، شديدَ الشُّهلة، كثَّ اللحية أبيضها، رَبْعَةً، (*) تاريخ خليفة ٤٠٣ - ٤٠٩، الطبري حوادث سنة ١٠٥ و١١٤ و١٢٦ و١٢٧ و١٣٢، الكامل في التاريخ: في السنوات المتقدمة عند الطبري، كتاب المجروحين والضعفاء ١٤/٣، تاريخ الإسلام: ٢٢٢/٥، ٢٩٨، البداية ٢٢/١٠، ٤٢، ٤٦. (١) الصقالبة: جيل من الناس كانت مساكنهم إلى الشمال من بلاد البلغار. وانتشروا الآن في كثير من بلاد شرق أوروبا، وهم المُسَمَّوْن الآن ((بالسُّلاف)). ٧٤ مهيباً، شديدَ الوطأة، أديباً، بليغاً، له رسائل تُؤثر. ومع كمال أدواته لم يُرزق سعادة، بل اضطربت الأمورُ، وولّت دولتهم. بُويع بالإِمامة في نصف صفر، سنة سبع وعشرين ومئة، ولما سمع بمقتل الوليد في العام الماضي، دعا إلى بيعةٍ مَنْ رضيه المسلمون، فبايعوه. فلما بلغه موتُ يزيد الناقص، أنفق الأموالَ، وأقبل في ثلاثين ألف فارس، فلما وصل إلى حلب، بايعوه، ثم قدم حمص، فدعاهم إلى بيعة ولّي العهد: الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد، وكانا في حبس الخليفة إبراهيم، فأقبل معه جيش حمص، ثم التقى الجمعان بمرج عذراء(١)، وانتصر مروان، فبرز إبراهيم وعسكر بميدان الحصا(٢) فتفلل جمعه، فتوثَّب أعوانه فقتلوا وليَّي العهد، ويوسف بن عمر في السجن وثار شبابُ دمشق بعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقتلوه، لكونه أمر بقتل الثلاثة، ثم أخرجوا من الحبس أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية السُّفياني ووضعوه على المنبر في قيوده، ليبايعوه، وبين يديه رأس عبد العزيز، فخطب وحض على الجماعة، وأذعن بالبيعة لمروان، فسمع إبراهيم الخليفة فهرب، وآمن مروانُ الناس. فأول من سلَّم عليه بالخلافة أبو محمد السُّفياني، وأمر بنبش يزيد الناقص، وصلبه، وأما إبراهيم، فخلع نفسه، وكتب بالبيعة إلى مروان الحمار، فآمنه، فسكن بالرقة خاملاً. قال المدائني: كان مروانُ عظيم المروءة، محباً للهو، غير أنه شُغِلَ بالحرب، وكان يُحب الحركة والسفر. (١) مرج عذراء: يقع في شمال شرقي دمشق. يبعد عنها عشرين ميلاً تقريباً. وبها قبر الصحابي حُجر بن عدي الكندي، وأصحابه الذين قتلهم معاوية. وفيها الآن مصنع للسكر. (٢) وهو المكان الذي يسمى اليوم ((الميدان الفوقاني)) جنوب دمشق. ٧٥ قال الوزير أبو عُبيد الله: قال لي المنصور: ما كان أشياخُك الشاميون يقولون؟ قلتُ: أدركتهم يقولون: إن الخليفة إذا استخلف، غُفرَ له ما مضى من ذنوبه، فقال: إي واللهِ، وما تأخر(١). أتدري ما الخليفة؟ به تُقام الصلاة، والحج والجهاد [ويُجاهد العدو قال: فعدد من مناقب الخليفة ما لم أسمع أحداً ذكر مثله، وقال: والله](٢) لو عرفتُ مِن حق الخلافة في دَهْر بني أمية ما أعرفُ اليوم، لأتيتُ الرجل منهم فبايعتُه، فقال ابنُه: أفكان الوليدُ منهم؟ فقال: قَّح الله الوليد. ومَنْ أقعده خليفة! قال: أفكان مروان منهم؟ فقال: لله دُّه ما كان أحزمه وأسوسه، وأعقّه عن الفيء. قال: فَلِمَ قتلتموه؟ قال: للأمر الذي سبق في علم الله تعالى. قال خليفة (٣): سار مروان لحرب المُسَوِّدَة (٤) في مئة وخمسين ألفاً،حتى نزل بقرب الموصل، فالتقى هو وعبد الله بن علي عم المنصور، في جمادى الآخرة، سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فانكسر جمع مروان وفر، فاستولى عبد الله على الجزيرة. ثم طلب الشام، ففر مروان إلى فلسطين، فلما سمع بأخذ دمشق ، سار إلى مصر وطلب الصعيد، ثم أدركوه وبيتوه ببوصير. فقاتل حتى قتل . وعاش اثنتين وستين سنة. قتل في ذي الحجة سنة اثنتين. وانتهت خلافة بني أمية. وبُويع السفاح قبل مقتل مروان الحمار بتسعة أشهر. ومِن جبروتٍ مروان، أن يزيد بن خالد بن عبد اللّه القَسْري الأمير، كان قد (١) غفران ما سلف من الذنوب لا يكون بالاستخلاف، وإنما يكون بالتوبة والإنابة، والعمل الصالح، ومتابعة هدي الرسول ايه. وأما غفران ما تأخر منها فهو خاص بالنبي بحلية بمقتضى النص. (٢) تاريخ الإِسلام ٢٩٩/٥، والزيادة منه. (٣) تاريخ خليفة ٤٠٣ - ٤٠٤. (٤) هم العباسيون، وكان شعارهم السواد. ٧٦ قاتله، ثم ظَفِرَ به، فأدخل عليه يوماً، فاستدناه، ولفَّ على إصبعه منديلاً، ورصَّ عينه حتى سالت. ثم فعل كذلك بعينه الأخرى، وما نطق یزید، بل صبر، نسألُ الله العافية. وقيل: إن أم مروان الحمار كُردية، يقال لها : لُبابة جارية إبراهيم بن الأشتر. أخذها محمد من عسكر إبراهيم، فولدت له مروان، ومنصوراً وعبد الله. ولما قُتل مروان، هرب ابناه: عبد الله وعبيد اللّه إلى الحبشة، فقتلت الحبشة معُبيد الله، وهرب عبد الله، ثم بعد مدة، ظفر به المنصور، فاعتقله. ١٨ - السَّفَّاحِ* الخليفة أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن حبر الأمة، عبد الله بن عباس، بن عبد المطلب، بن هاشم بن عبد مناف، القرشي، الهاشمي، العباسي. أول الخلفاء من بني العباس. كان شاباً، مليحاً، مهيباً، أبيض، طويلاً، وقوراً. هرب السفاح وأهله من جيش مروان الحمار، وأتوا الكوفة، لما استفحل لهم الأمر بخراسان، ثم بويع في ثالث ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومئة. ثم جهّز عمه عبد الله[بن علي ]في جيش، فالتقى هو ومروان الحمار على كُشاف فكانت وقعة عظيمة، ثم تفلَّل جمعُ مروان، وانطوت سعادتُه. ولكن لم تطل أيامُ السفاح، ومات في ذي الحجة سنةَ ستٍ وثلاثين ومئة، وعاش ثمانياً وعشرين سنة في قول. (*) تاريخ خليفة ٤٠٩، ٤١٥، الطبري ٤٢١٨ وما بعدها، تاريخ بغداد ٥٣/١٠، ابن الأثير ٤٠٨/٥، فوات الوفيات ٢١٥/٢ - ٢١٦، البداية ٥٢/١٠ و٥٨، شذرات الذهب ١٨٣/١، ١٩٥. ٧٧ وقال الهيثم بن عدي وابنُ الكلبي: عاش ثلاثاً وثلاثين سنة، وقام بعده المنصور أخوه. وقيل: بل مولِدُه سنة خمس ومئة، وقيل: خرج آلُ العباس هاربين إلى الكوفة، فنزلوا على أبي سلمة الخلال، فآواهم في سرب(١) في داره. وكان أبو مسلم قد استولى على خُراسان، وعيّن لهم يوماً يخرجون فيه، فخرجوا في جمع كثيف من الخيّالة، والحمَّارة والرَّجَّالة، فنزل الخلالُ إلى السِّرداب، وصاح يا عبد اللّه، مُدَّ يدك، فتبارى إليه الأخوان. فقال: أيُّكما الذي معه العلامة؟ قال المنصور: فعلمتُ أني أخرت، لأني لم يكن معي علامة، فتلا أخي العلامة وهي: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً .. ) الآية [القصص: ٥] فبايعه أبو سلمة، وخرجوا جميعاً إلى جامع الكوفة، فُبُويع، وخطب الناس وهو يقول: فأمَلَى اللّهُ لبني أمية حيناً فلما آسفوهُ انتقم منهم بأيدينا، وردًّ علينا حقنا، فأنا السفاح المُبيح، والثائر المبير .. وکان موعوكاً، فجلس على المنبر، فنهض عمُّه داود من بین یدیه، فقال: إنا والله ماخرجنالنحفِرَ نهراً، ولا لنبني قصراً، ولا لنكثِر مالاً، وإنما خرجنا أنفةً من ابتزازهم حقنا، ولقد كانت أمورُكم تتصِل بنا، لكم ذِمَّةُ الله، وذِمَّةُ رسوله، وذِمَّةُ العباس، أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونسير فيكم بسنة رسول الله و# * فاعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج عنا، حتى نُسلمه إلى عيسى بن مريم(٢). فقام السيد الجميري وقال قصيدة. ثم نزل السَّفَّاح ودخل القصر، وأجلس أخاه يأخذ بيعة العامة. ومن كلامه: من شدَّد نفَّر، ومَنْ لانَ تألَّفَ، ويُقال: له هذان البيتان: (١) السَّرَب: حفير تحت الأرض لا منفذ له. (٢) اختصر المؤلف خطبة السفاح وعمه. انظرهما بتمامهما في الطبري ٤٢١٧، ٤٢٨، ابن الأثير ٤١١/٥، ٤١٥. ٧٨ وَمُبَدِلٌ أَمْنَكُمْ خَوْفاً وَتَشْرِيدا يا آلَ مَرْوان إنَّ الله مُهْلِكُكُمْ وبثَّكُمْ في بِلاَدِ اللهِ تَبْدِيدا لَ عَمَّر الله مِنْ أَنْسَالِكُمْ أَحَداً ثم تحول إلى الأنبار، وبها توفي. وكان إذا علم بين اثنين تعادياً (١) لم يقبل شهادة ذا على ذا ، ويقول: العداوةُ تُزيلُ العدالة. ثم إن أبا مسلم جهز من قتل أبا سلمة الخلال الوزير بعد العتمة غيلة، بعد أن قام من السَّمر عند السفاح، فقالت العامةُ: قتلته الخوارجُ، فقال سُليمان بن مهاجر البجلي : إِنَّ المَسَاءَةَ قَدْ تسُرُّ وَرُبَّمَا كَانَ السُّرُورُ بَمَا كَرِهْتَ جَدِيرا أَوْدَىْ فَمَنْ يَشْناكَ كَانَ وَزِيرا إِنَّ الوَزِيرَ وزِيرَ آلٍ مُحَمَّدٍ قُتِل بعد البيعة بأربعة أشهر. وقيل: وجه عبد الله بن علي عمُّ السفاح مشيخة شاميين إلى السفاح لُيُعَجِّبَهُ منهم، فحلفوا له: إنهم ما علموا لرسول الله وَله قرابة يَرُونَهُ سوى بني أمية، حتی وُلیتم. وعن السفاح قال: إذا عظمت القُدْرَةُ، قلَّتِ الشهوة. قَلَّ تبرُّعٌ إلا ومَعَهُ حقٌّ مُضاع الصبرُ حسن إلا على ما أوْتَغَ (٢) الدين وأوهنَ السُّلطَانَ. قال الصُّولي: أحضر السفاحُ جوهراً من جوهر بني أمية، فقسمه بينه وبين عبد الله بن حسن بن حسن، وكان يُضرب بجود السفاح المثل، وكان إذا تعادی اثنان من خاصته، لم يسمع من أحدهما في الآخر، ويقولُ: الضَّغائِنُ تُولِّدُ العَدَاوة. (١) في الأصل ((معاديا)). (٢) أوتغ: أفسد وأهلك. ٧٩ وكان يحضرُ الغناء من وراء سِتارة، كما كان يفعل أزدشير، ويُجزلُ العطاء . ولماجيءبرأس مروان الحمار، سجد لله وقال: أخذنا بثأر الحسين وآله، وقتلنا مئتين من بني أمية بهم. وقيل: إن السفاح أعطى عبد الله بن حسن بن حسن ألْفَيْ أَلْف درهم. ١٩ - عبد الکریم بن مالك* (ع) الإمام الحافظ، عالم الجزيرة، أبو سعيد الجَزري، الحرَّاني، مولى بني أمية، وأصله من بلد إصْطخْر. رأى أنس بن مالك، وعِدادُه في صغار التابعين. حدث عن سعيد بن المسيِّب، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعِكرمة، وعِدّة. حدَّث عنه: ابنُ جريج، وشعبة، ومَعْمَر، وفُرات القزَّاز، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسُفيان بن عُيَيْنة، وآخرون سواهم. روينا من طريق الشافعي، والقَعنبي، وأبي مُصعب، ويحيى بن بكير عن مالك عن عبد الكريم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة حديث: (*) طبقات خليفة: ٣١٩، تاريخ البخاري ٨٨/٦، التاريخ الصغير: ٦/٢، الجرح والتعديل ٥٨/٦ - ٥٩ المجروحين والضعفاء ١٤٥/٢، تهذيب الكمال (٨٥٢)، تذكرة الحفاظ ١٤٠/١، تهذيب التهذيب ٣٧٣/٦ - ٣٧٥، شذرات الذهب ١٧٣/١. خلاصة تذهيب الكمال ٢٤٢ . ٨٠