النص المفهرس
صفحات 121-140
حين خرج من المدينة، التفت إليها، فبكى، ثم قال: يا مَّزاحِمْ أتخشى(١)
أن نكونَ ممِّن نفته المدينة(٢).
ابن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي حكيم : سمعتُ عمر بن عبد العزيز
يقول: خرجتُ مِنَ المدينةِ ومَا مِنْ رجُلٍ أعلمَ مِنِّي، فلمَّا قدِمت الشامَ نَسِيتُ.
مَعْمَر، عن الزُّهْرِيِّ قال: سَمَرْتُ مع عمربن عبد العزيز ليلةً، فحدثتُه،
فقال: كلُّ ما حدَّثته الليلةَ فقد سمعتُه، ولكِنَّك حِفِظتَ ونسِينَا.
عُقيل، عن ابن شهاب أنَّ عمرَبنَ عبد العزيز أخبره أنَّ الوليدَ أرسل إليه
بالظّهيرة، فوجدَه قاطباً بينَ عينيه، قال: فجلستُ وليسَ عنده إلاّ ابنُ الرِّيَّان،
قائم بسيفه، فقال: ما تقولُ فيمن يسُبُّ الخلفاء؟ أترى أن يُقْتَلَ؟ فسكتُّ،
فانتهرني، وقال: مالك؟ فَسَكتُّ، فعادْ لمثلها، فقلت: أقْتَل يا أميرَ
المؤمنين؟ قال: لا، ولكِنَّه سبَّ الخلفاء، قلت: فإني أرى أن يُنْكِّلَ، فرفع
رأسَه إلى ابن الرِّيَّان، فقال: إنَّه فيهم لنَابِهُ.
عن عبد العزيز بن يزيد الأيلي قال: حجَّ سليمان، ومعه عمرُبنُ عبد
العزيز، فأصابهم برقٌّ ورَعْدٌ حتى كَادَتْ تَنْخِعُ قلوبُهُم، فقال سليمان: يا أبا
حفص! هل رأيتَ مثلَ هذه الليلة قطُّ، أو سمعتَ بها؟ قال: يا أميرَ المؤمنين!
هذا صوتُ رحمةِ الله، فكيف لو سمعتَ صوتَ عذاب الله!؟
وروى ابنُ عُيَيْنة عن رجل : قال عمربن عبد العزيز: ما كذبتُ منذُ علِمْتُ
أنَّ الكذِبَ يَضُرُّ أهلَه.
عبد العزیزین الماجشُون: حدثنا عبد اللهبن دينار، عن ابن عمر قال:
قال عمر: إِنَّا كُنَّا نتحدَّث، وفي لفظ: يزعُم الناس أن الدنيا لا تنقضي حتى
(١) في البداية ١٩٥٨٩ : نخشى.
(٢) الموطأ ٢/ ٨٨٩ في الجامع: باب ما جاء في سكن المدينة والخروج منها.
.
١٢١
يلي رجل من آل عمر، یعمل بمثل عمل عمر، قال: فکان بلال ولد عبد اللهبن
عمر بوجهه شامة، وكانوا يرونَ أنه هو حتَّى جاء اللهُ بعمربن عبد العزيز، أُمُّه
هي ابنة عاصم بن عمر. رواه جماعةُ عنه.
جُوَيرية، عن نافع: بلغنا أن عمر قال: إن من ولدي رجلاً بوجهه شيْنٌ،
يلي فيملأ الأرض عدلاً، قال نافع: فلا أحسبه إلَّ عمربن عبد العزيز.
وروى عُبيدُ الله بن عمر، عن نافع قال: كان ابن عمر يقول: ليتَ
شعري! مَنْ هذا الذي مِن ولد عمر، في وجهه علامة، يملأ الأرض عدلاً.
تفرد به مبارك بن فضالة عنه، وهو صدوق.
ضمرةبن ربيعة، عن السّريِّبن یحیی، عن رِیاح بن عَبِیدة قال: خرج
عُمَرُبنُ عبد العزيز إلى الصلاةِ، وشيخ متوكىء على يده، فقلتُ في نفسي:
هذا شيخ جافٍ، فلمَّا صلَّى ودخل، لحقتُه فقلت: أصلحَ اللهُ الأمير، مَنِ
الشيخ الذي كان يتكئ على يدك؟ فقال: يا رياح! رأيته؟ قلتُ: نعم، قال: ما
أحسِبُك إلَّ رجلاً صالحاً، ذاك أخي الخَضِر، أتاني فأعلمني أني سألي أمرَ
الأمّة، وأني سأعدِلُ فيها(١).
(١) وأخرجه يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) ٥٧٧/١ من طريق عبد العزيز الرملي، عن ضمرة
ابن ربيعة، عن السري بن يحيى، عن رياح بن عبيدة وأخرجه أبو عروبة الحراني في ((تاريخه)) وأبو نعيم
في ((الحلية)) ٢٥٤/٥ عن أيوب بن محمد الوزان، عن ضمرة بن ربيعة به. وهذا الخبر ضعيف السند
تفرد به ضمرة وهو معدود في جملة منكراته، فإنه وإن كان ثقة - أنكر عليه الإمام أحمد حديث ((من ملك
ذا رحم محرم فهو عتيق)) ورده رداً شديداً وقال: لو قال رجل: إن هذا كذب لما كان مخطئاً، وأخرجه
الترمذي، وقال: لا يتابع ضمرة عليه، وهو خطأ عند أهل الحديث. ثم إن في الخبر ما يدل على
بطلانه وهو حياة الخضر عليه السلام- فقد صرح بموته جمهور أهل العلم فيما نقله أبو حيان في ((البحر
المحيط))، وذكر الحافظ في ((الإصابة)) منهم إبراهيم الحربي، وعبد الله بن المبارك ،والبخاري، وأبا طاهر
ابن العبادي، وأبا الفضل بن ناصر، وأبا بكر بن العربي، وابن الجوزي وغيرهم. ونقل عن أبي
الحسين بن المنادي قوله: بحثت عن تعمير الخضر وهل هو باق أم لا؟ فإذا أكثر المغفلين مغترون بأنه
باق من أجل ما روي في ذلك، قال: والأحاديث المرفوعة في ذلك واهية، والسند إلى أهل الكتاب =
١٢٢
المدائِني، عن جرير بن حازم، عن هِزَّان بن سعيد، حدّثني رجاءُ بن
حَيْوة قال: لمَّا تَقُلَ سليمانُ بنُ عبد الملك رآني عمر بن عبد العزيز في الدار،
أخرج، وأدخُل، وأتردّدُ، فقال: يا رجاءُ! أُذكِّرُكَ اللهَ والإِسلام أن تذكرني لأمير
المؤمنين، أو تُشِيرَبي، فواللهِ ما أقوى على هذا الأمر، فانتهرتُه، وقلتُ: إنك
الحريصٌ على الخِلافة، فاستحيى، ودخلتُ، فقال لي سليمان: مَنْ ترى لهذا
الأمر؟ فقلتُ: "أَتَّقِ اللهَ، فإِنك قادِمٌ على الله تعالى، وسائلُكْ عن هذا الأمر،
وما صنعتَ فيه، قال: فمن ترى؟ قلتُ: عمربن عبد العزيز، قال: كيف أصنعُ
بعهد عبد الملك إلى الوليد وإِليَّ في ابني عاتكة أيهما بقي، قلتُ: تجعلُه مِنْ
بعده، قال: أصبت، جئني بصحيفة، فأتيتُه بصحيفة، فكتب عهد عمر ويزيد
أبن عبد الملك من بعد، ثم دعوتُ رجالاً، فدخلوا، فقال: عهدي في هذه
الصحيفة مع رجاء، اشهدُوا واختِمُوا الصحيفةَ، قال: فلم يَلْبَثْ أن مات،
فَكَفَفْتُ النِّساءِ عن الصِّياحِ، وخرجتُ إلى الناس، فقالُوا: كيف أميرٌ
المؤمنين؟ قلتُ: لم يكن منذ اشتكى أسكنَ منه الساعة، قالُوا: لله الحمد.
قال ابن عُيَيْنة: حدّثني مَنْ شَهِدَ دابق، وكان مُجْتمع غزوِ الناس، فمات
سليمانُ بدابق، ورجاءُ بن حَيْوَة صاحبُ أمره ومشورته، خرج إلى الناس،.
فأعلمهم بموته، وصعِدَ المنبر فقال: إنَّ أميرَ المؤمنين كتب كتاباً، وعَهِدَ
عهداً، وأعلمهم بموته، أفسامِعُونَ أنتم مطيعون؟ قالُوا: نعم، وقال هشام:
نَسْمَعُ ونُطيع إن كان فيه استخلافُ رجلٍ من بني عبد الملك، قال: ويجْذِبُه
الناسُ حتى سقط إلى الأرض، وقالُوا: سمعنا وأطعنا، فقال رجاء: قُمْ يا عمر-
وهو على المنبر- فقال عمر: والله إنَّ هذا الأمر ما سألته اللهَ قطُّ .
=ساقط لعدم ثقتهم، وخبر مسلمة بن مصقلة كالخرافة، وخبر رياح كالريح، قال: وما عدا ذلك كله
من الأخبار كلها واهية الصدور والأعجاز لا يخلو حالها من أحد أمرين، إما أن تكون أدخلت على
الثقات استغفالاً أو يكون بعضهم تعمد ذلك، وقد قال تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن
مت فهم الخالدون﴾. [الأنبياء: ٣٤].
١٢٣
الوليدبن مسلم، عن عبد الرحمن بن حسَّان الكِنَاني قال: لمَّا مَرَضَ
سليمانُ بدابق قال: يا رجاءُ! أستخلفُ ابني؟ قال: ابنُك غائب، قال:
فالآخر؟ قال: هو صغير، قال: فمن ترى؟ قال: عمربن عبد العزيز، قال:
أتخوَّف بني عبدِ الملك أن لا يَرضوْا، قال: فَولُّه، ومِنْ بعده يزيدبن عبد
الملك، وتكتُب كتاباً وتختمه، وتدعوهم إلى بيعةٍ مختوم عليها، قال: فكتب
العهدَ وختمه، فخرج رجاء، وقال: إنَّ أميرَ المؤمنين يأمرُكم أن تُبايعوا لِمن
في هذا الكتاب، قالوا: ومَنْ فيه؟ قال: مختومٌ، ولا تُخْبِرُونَ بمَنْ فيه حتى
يموتَ، فامتنعوا، فقال سليمانُ: انطلق إلى أصحاب الشَّرَط، ونادِ الصلاةَ
جامعةً، ومُرْهم بالبيعة، فَمَنْ أبى، فاضربْ عُنقه، ففعل، فبايعوا، قال رجاء :
فلمَّا خرجُوا، أتاني هشام في موكبه، فقال: قد علمتُ موقِفك منا، وأنا
أتخوَّفُ أن يكونَ أميرُ المؤمنين أزالها عني، فأعلِمني ما دام في الأمر نَفَسٌ،
قلتُ: سبحانَ الله! يستكتِمُني أميرُ المؤمنين، وأُطلِعُك، لا يكونُ ذاك أبداً،
فأدارني وأَلاصَني(١)، فأبيتُ عليه، فانصرفَ، فبينا أنا أسيرُ إذ سمعت جَلَبةً
خلفي، فإِذا عُمر بن عبد العزيز، فقال: يا رجاء! قد وقع في نفسي أمرٌ كبير
من هذا الرجل، أتخوَّف أن يكون جعلها إليَّ ولستُ أقوم بهذا الشأنِ،
فأعلِمني ما دامَ في الأمر نفسٌ لعلِّي أتخلّص، قلت: سبحان الله! يستكتِمُني
امراً أُطِلعُك عليه !!
روى نحوها الواقدي .
حدّثنا داودُ بن خالد، عن سُهيل بن أبي سُهيل، سمع رجاء بن حَيْوَة
يقول ... وزاد: فصلَّى على سليمان عُمَرُ بنُ عبد العزيز، فلمَّا فرغ مِن دفنه،
(١) يقال: ألاصه على كذا: إذا أداره على الشيء الذي يريده، وقال عمر لعثمان في معنى
كلمة الإخلاص: هي الكلمة التي ألاص عليها النبي لة عمه- يعني أبا طالب- عند الموت: شهادة أن لا
إله إلا الله، أي: أداره عليها، وراوده فيها.
١٢٤
أتِيَ بمراكب الخِلافة، فقال، دابتي أرفَقُ لي، فركب بغلته، ثم قيل: تنزل
منزل الخلافة؟ قال: فيه عِيالُ أبي أيوب، وفي فُسطاطي كفاية، فلمَّا كانَ مساء
تلك الليلة، قال: يا رجاء! ادعُ لي كاتباً، فدعوتُه، فأملى عليه كتاباً أحسنَ
إملاءٍ وأوجزه، وأمر به فُنُسِخ إلى كل بلد.
وقد كان سليمان بن عبد الملك من أمثل الخلفاء، نشر عَلَم الجهاد،
وجهِّز مئة ألف برّاً وبحراً، فنازلوا القُسْطَنْطِينيّة، واشتد القتالُ والحِصارُ عليها
أكثرَ من سنة.
قال سعيدبن عبد العزيز: وَلِيَ سليمانُ، فقال لِعمربن عبد العزيز: يا أبا
حفص! إِنَّا وَلِينا ما قد ترى، ولم يكن لنا بتدبيره عِلْمٌ، فما رأيتَ مِن مصلحة
العامة، فَمُرْ به، فكان مِن ذلك عزلُ عُمَّالِ الحجّاج، وأقيمتِ الصلواتُ في
أوقاتها بعد ما كانت أميتت عن وقتها، مع أمورٍ جليلة کان یَسْمَعُ مِن عمر فیھا،
فقيل: إنَّ سليمان حجّ، فرأى الخلائق بالموقف، فقال لِعمر: أما ترى هذا
الخلقَ الذي لا يُحْصِي عَدَدهم إلاّ اللهُ؟ قال: هؤلاءِ اليومَ رعيَّتُك، وهم غداً
خُصماؤك، فبكى بكاءً شديداً.
قلتُ: كان عمرُ له وزيرَ صِدْق، ومَرض بدابق أسبوعاً، وتوفي، وكان
ابنُه داود غائباً في غزو القُسْطنطينيّة .
وعن رجاء بن حَيْوَة قال: ثقُل سليمان، ولمّا مات أجلستُه وسنَّدته
وهيَّتُهُ، ثم خرجتُ إلى الناس، فقالُوا: كيف أصبح أميرُ المؤمنين؟ قلت:
أصبح ساكناً، فادخلوا سَلِّموا عليه، وبايعوا بين يديه على ما في العهد،
فدخلُوا، وقُمتُ عنده، وقلتُ: إنه يأمرُكم بالوقوف، ثم أخذتُ الكِتاب من
جَيْبه، وقلتُ: إنَّ أميرَ المؤمنين يأمُرُكم أن تُبايعوا على ما في هذا الكتاب،
فبايعُوا، وبسطوا أيديهم، فلمَّا فرغوا، قلتُ: آجركم اللهُ في أمير المؤمنين،
١٢٥
قالوا: فَمَنْ؟ ففتحتُ الكتابَ، فإِذا فيه: عُمَرُبنُ عبد العزيز، فتغيّرت وجوهُ
بني عبد الملك، فلمَّا سمِعوا: ((وبعده يزيد)) تراجعوا، وطُلِبَ عمر فإِذا هو في
المسجد، فأتوْهُ، وسلَّموا عليه بالخلافة فَعَقِرَ(١)، فلم يستطعِ النهوضَ حتَّى
أخذوا بضَبعَيْهِ، فأصعدُوه المنبرَ، فجلسَ طويلًا لا يتكلّمُ، فقال رجاء: ألا
تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعونه، فنهضوا إليه، ومدَّ يدَه إليهم، فلمَّا مدَّ
هشام بن عبد الملك يدُه إليه، قال: إنَّاللهِ وإنا إليه راجعون، فقال عمر: نَعَمْ
إنّاللهِ، حين صارَ يلي هذه الأُمَّة أنا وأنتَ، ثم قام، فَحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه،
وقال: أيُّها النَّاسُ! إني لستُ بفارض، ولكني مُنقِّذٌ، ولست بمُبتدِعٍ،
ولكني مُتَّبِعٌ، وإِنَّ مَنْ حولكم مِن الأمصار إن أطاعوا كما أطعتُم، فأنا واليكم،
وإِن هم أبَوْا فلستُ لكم بوالٍ، ثم نزل، فأتاه صاحبُ المراكب، فقال: لا
ائتوني بدابتي، ثم كتب إلى عمَّال الأمصار. قال رجاء: كنتُ أظن أنه
سيضعفُ، فلمَّا رأيتُ صُنعه في الكتاب علمتُ أنه سيقوى.
قال عمرو بن مُهَاجر: صلَّى عُمَرُ المغربَ، ثم صلَّى على سليمان.
قال ابنُّ إسحاق: مات سليمانُ يومَ الجمعة عاشرَ صفر سنةً تسع وتسعين .
قال خالدبنُ مرداس، حدّثنا الحكم بن عمر، شهدتُ عُمَرَ بن عبدِ العزيز
حين جاءَهُ أصحابُ مراكب الخلافة يسألُونه العَلُوفَةَ ورِزْقَ خدمِها، قال: ابْعَثْ
بها إلى أمصارِ الشام يبيعونها، واجعَلْ أثمانها في مال الله، تكفيني بغلتي هذه
الشَّهباء.
وعن الضَّحَّاكِ بن عثمان قال: لمَّا انصرفَ عمرُ بنُ عبد العزيز عن قبر.
سليمان، قدَّموا له مراكبَ سليمان، فقال:
(١) العقر بفتحتين: أن يفجأه الروح، فلا يقدر أن يتقدم أو يتأخر دهشاً، وبابه طرب ومنه
قول عمر رضي الله عنه لما توفي رسول الله و له وقام أبو بكر فتلا ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾: فعقرتُ
حتى خررت إلى الأرض.
١٢٦
فَلَولا النُّقَى ثُمَّ النُّهِى خَشْيَةَ الرَّدَى لَعَاصَيْتُ فِي حُبِّ الصِّبِى كُلِّ زاجِر
قَضَى ما قَضَى فيما مَضَى ثُمَّ لا تُرِى لَهُ صَبْوَةٌ أُخْرَى اللَّيالي الغوابر
لا قوة إلاّ بالله.
سُفيان بن وكيع: حدّثنا ابن عُيَيْنة، عن عمربن ذَرِّ أن مولىٌّ لِعمر بن عبد
العزيز قال له بعد جنازة سليمان: مالي أراك مُغتمّاً؟ قال: لِمثل ما أنا فيه
فَلْيُغْتَم، ليس أحدٌ مِن الأُمَّة إلّ وأنا أُريدُ أن أُوصِلَ إليه حقَّه غيرَ كاتب إليَّ فیه،
ولا طالبه مني.
قال عُبَيْدُ الله بن عمر: خطبهم عُمَرُ، فقال: لستُ بخير أحدٍ منكم،
ولكني أتْقَلُكُمْ حِمْلاً.
أيوب بن سُويد: حدّثنا يونس، عن الزُّهري قال: كتب عمرُبنُ عبد
العزيز إلى سالم لِيكتُبَ إليه بسيرة عمر في الصدقات، فكتب إليه بذلك،
وكتب إليه: إنَّك إن عمِلتَ بمثل عملٍ عُمَر في زمانه ورجالِه في مثل زمانِك
ورجالك، كنتَ عند الله خيراً مِن عمر.
قلتُ: هذا كلامٌ عجيب، أنَّى يكون خيراً مِن عُمَر؟ حاشى وكلًا، ولكن
هذا القول محمولٌ على المبالغة، وأين عِزُّ الدين بإِسلام عمر؟ وأين شهودُه
بدراً؟ وأين فَرَقُ الشَّيطان مِن عمر؟ وأينَ فتوحاتُ عمر شرقاً وغرباً؟ وقد جعل
اللّه لِكل شيء قدراً.
حمّادبن زيد، عن أبي هاشم أن رجلاً جاء إلى عُمَرَبنِ عبد العزيز
فقال: رأيتُ النبيَّ وَّهَ في النوم، وأبو بكر عن يمينه، وعُمَرُ عن شماله، فإِذا
رجلانِ يختصمان وأنتَ بين يديه، فقال لك: يا عُمَرُ! إذا عمِلتَ فاعْمَلْ بعملِ
هذين، فاستَحْلِفَهُ باللهِ لرأيتَ؟ فحلف له، فبكى.
قال ميمون بن مِهْرانَ: إنَّ الله كان يتعاهَدُ النَّاسَ بنبيِّ بعد نبيِّ، وإنَّ الله
تعاهَدَ النّاسَ بعمربن عبد العزيز.
١٢٧
٠
قال حمّادُبنُ أبي سليمان: لمَّا وَلِيَ عُمَرُبنُ عبد العزيز بكى، فقال له
رجل: كيف حبُّك للدنيا والدِّرهم؟ قال: لا أُحِبُّه، قال: لا تخفْ، فإِنَّ الله
سیعینكَ.
يعقوب الفسوي : حدّثنا إبراهیمُ بنُ هشامبن یحیی، حدثني أبي، عن
جدِّي قال: كنتُ أنا وابنُ أبي زكريا بباب عُمَرَبن عبد العزيز، فسمعنا بُكاءً،
فقيل: خيَّرَ أميرُ المؤمنين امرأته بين أن تُقيم في منزلها وعلى حالها، وأعلمها
أنه قد شُغِلَ بما في عُنُقه عن النساء، وبين أن تلحقّ بمنزلٍ أبيها، فبكت،
فبکت جوارِیھا .
جرير، عن مُغيرة، قال: كان لعمربن عبد العزيز سُمَّارٌ يستشيرُهم،
فكان علامةُ ما بينهم إذا أحبَّ أن يقوموا قال: إذا شئُم.
وعنه أنه خطب وقال: واللهِ إنَّ عَبْدَاً لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ أبٌ إِلَّ قَدْ مَاتَ
المُعْرَقْ لَهُ فِي الْمَوْت(١).
جرير، عن مُغيرة قال: جمع عمربن عبد العزيز بني مروان حين
استُخلف، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ وَهِ كانت لهِفَدَك(٢) يُنفِقُ منها، ويعودُ منها على
صغير بني هاشم، ويُزَوِّج منها أَيُّمَهُم، وإِنَّ فاطمة سألته أن يجعَلها لها،
فأبى، فكانت كذلك حياةً أبي بكر وعمر، عَمِلا فيها عمَله، ثم أقطعها
مروان، ثم صارت لي، فرأيتُ أمراً- منعه رسولُ اللهِ وَليه - بنته ليس لي يحق،
(١) أي: إن له فيه عرقاً، وإِنه أصيل في الموت، وعرق كل شيءٍ أصله.
(٢) هي قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان أفاءها الله على رسوله {# في سنة سبع صلحاً،
وذلك أن النبي وَه لما نزل خيبر، وفتح حصونها، ولم يبق إلا ثلاث، واشتد بهم الحصار، راسلوا
رسول الله﴿ يسألونه أن ينزلهم على الجلاء وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك، فأرسلوا إلى النبي # أن
يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك، فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا
ركاب، فكانت خالصة لرسول الله ﴾.
١٢٨
وإني أشهدُكم أني قد رددتُّها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ◌ِ ﴾(١).
قال الليث: بدأ عمرُبن عبد العزيز بأهل بيته، فأخذ ما بأيديهم،
وسمِّى أموالهم مظالِمَ، ففزعَتْ بنو أميّة إلى عمَّته فاطمة بنتِ مروان، فأرسلت
إليه: إني قد عناني أمْر، فأتته ليلاً، فأنزلها عن دابتها، فلمَّا أخذت مجلِسَها
قال: يا عمَّة! أنتِ أولى بالكلام، قالت: تكلّم يا أميرَ المؤمنين، قال: إِنَّ الله
بعث محمداً ◌َ﴾ رحمةً، ولم يبعثه عذاباً، واختار له ما عنده، فَترك لهم نهراً،
شُرْبُهُمْ سواءً، ثم قام أبو بكر فترك النهرَ على حاله، ثم عمر، فعمِلَ عَمَلَ
صاحبه، ثم لم يزل النهرُ يشتقُّ منه يزيدُ ومروانُ وعبدُ الملك، والوليدُ
وسليمانٍ، حتى أفضى الأمر إليّ، وقد ييس النهر الأعظم، ولن يروي أهله
حتى يعودَ إلى ما كان عليه، فقالت: حسبُك، فلستُ بذاكرةٍ لكَ شيئاً،
ورجعت فأبلغتهم كلامه.
وعن ميمون بن مهران، سمعتُ عمرَ بنَ عبد العزيز يقول: لو أقمتُ فيكم
خمسين عاماً ما استكملتُ فيكم العَدْلَ، إني لُأُريدُ الأمرَ من أمْر العامَّة،
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٧٢) في الخراج والإمارة: باب في صفايا رسول الله له من الأموال،
ورجاله ثقات. وقال ياقوت في ((معجم البلدان)»: فكانت في أيدي ولد فاطمة أيام عمر بن عبد
العزيز، فلما ولي يزيدبن عبد الملك، قبضها فلم تزل في أيدي بني أمية حتى ولي أبو العباس السفاح
الخلافة، فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فكان هو القيم عليها يفرقها في بني علي
ابن أبي طالب، فلما ولي المنصور، وخرج عليه بنو الحسن، قبضها عنهم، فلما ولي المهدي بن منصور
الخلافة، أعادها علیهم، ثم قبضها موسی الهادي ومن بعده إلى أيام المأمون، فجاءه رسول بني علي بن
أبي طالب، فطالب بها، فأمر أن يسجل لهم بها، فكتب السجل، وقرىء على المأمون، فقام دعبل
الشاعر وأنشد:
أصبح وجه الزمان قدضحكا برد مأمون هاشمٍ فلدكا
وانظر البخاري ٣٧٧/٧ في المغازي: باب غزوة خيبر، وفي الجهاد: باب فرض الخمس، وفي فضائل
أصحاب النبي : باب مناقب قرابة رسول الله #، وفي الفرائض: باب قول النبي ): ((لا
نورث ما تركنا صدقة)) ومسلم (١٧٥٩) في الجهاد والسير: باب قول النبي ◌َله: ((لا نورث ما تركنا
صدقة».
سير ٩/٥
١٢٩
فأخافُ ألاّ تحمِله قُلُوبهم، فأخرج معه طمعاً مِن طمع الدنيا(١).
ابن عُيّيْنة، عن إبراهيم بن مَيْسَرة قلتُ لطاووس: هو المهدي يعني-
عمر بن عبد العزيز- قال: هو المهدي، وليس به إنه لم يستكمِلِ العَدْل كُلُّه.
قال ابنُ عون: كان ابنُ سيرين إذا سُئِلَ عن الطَّلَاءِ(٢) قال: نهى عنه إمامُ
هدی، یعني عمربن عبد العزيز.
قال حَرْمَلةُ: سمعتُ الشافعي يقول: الخلفاءُ خمسة: أبو بكر، وعُمَرُ،
(١) وتمامه في تاريخ المصنف ١٧٠/٤: فإن أنكرت قلوبكم هذا، سكنت إلى هذا، وفي
((البداية)) ٢٠٠٩: وإني لأريد الأمر، فما أنفذه إلا مع طمع من الدنيا حتى تسكن قلوبهم.
(٢) الطلاء بالكسر والمد: الشراب المطبوخ من عصير العنب وهو الرُّبُّ. وقد رأى جواز شربه
عمر بن الخطاب وأبو عبيدة ومعاذ إذا طبخ، فصار على الثلث، ونقص منه الثلثان، فقد أخرج مالك
٨٤٧/٢ من طريق محمود بن لبيد الأنصاري أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام، شكا إليه أهل
الشام وباء الأرض وثقلها، وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب، فقال عمر: اشربوا هذا العسل،
فقالوا: لا يصلحنا العسل، فقال رجل من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئاً
لا يسكر؟ قال: نعم، فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان، وبقي الثلث، فأتوا به عمر، فأدخل فيه عمر
أصبعه، ثم رفع يده، فتبعها يتمطط، فقال: هذا الطَّلاء هو مثل طلاء الإِبل، فأمرهم عمر أن
يشربوه، فقال له عبادة بن الصامت: أحللتها والله، فقال عمر: كلا والله، اللهم إني لا أحل لهم شيئاً
حرمته عليهم، ولا أحرم عليهم شيئاً أحللته لهم، وأخرج سعيد بن منصور من طريق أبي مجلز عن
عامر بن عبد الله، قال: كتب عمر إلى عمار: أما بعد، فإِنه جاءني عير تحمل شراباً أسود كأنه طلاء
الإبل، فذكروا أنهم يطبخونه حتى يذهب ثلثاه الأخبثان: ثلث بريحه، وثلث ببغيه، فمر من قبلك أن
يشربوه. ومن طريق سعيد بن المسيب أن عمر أجلَّ من الشراب ما طبخ، فذهب ثلثاه وبقي ثلثه،
وأخرج النسائي ٣٢٩/٨ من طريق عبد الله بن يزيد الخطمي، قال: كتب عمر: اطبخوا شرابكم حتى
يذهب نصيب الشيطان منه، فإن للشيطان اثنين، ولكم واحد. قال الحافظ في ((الفتح)) ٥٥/١٠ :
وهذه أسانيد صحيحة، وقد أفصح بعضها بأن المحذور منه السكر، فمتى أسكر لم يحل، وقد وافق
عمر ومن ذكر معه على الحكم المذكور أبو موسى وأبوالدرداء. أخرجه النسائي عنهما، وعلي وأبو أمامة
وخالد بن الوليد وغيرهم أخرجها ابن أبي شيبة وغيره، ومن التابعين ابن المسيب والحسن وعكرمة،
ومن الفقهاء الثوري والليث ومالك وأحمد والجمهور وشرط تناوله عندهم ما لم يسكر، وكرهه طائفة
تورعاً.
١٣٠
وعُثمان، وعلي، وعمربن عبد العزيز. وفي رواية: الخلفاء الراشدون، وورد
عن أبي بكربن عيَّاش نحوه، وروى عبَّاد [بن] السماك عن الثوري مثله.
أبو المليح، عن خُصَيف قال: رأيتُ في المنام رجلاً، وعن يمينه
وشماله رجلانٍ، إذْ أقبل عُمَرُبن عبد العزيز، فأراد أن يجلِس بين الذي عن
يمينه وبينه، فلصِقَ صاحبُه، فجذبه الأوسطُ فأقعده في حَجْرِهِ، فقلت: مَنْ
هذا؟ قالوا: هذا رسولُ اللهِ وَّةٍ، وهذا أبو بكر، وهذا عمر.
عبد الرحمن بن زيد، عن عمربن أسيد، قال: واللهِ، ما مات عُمَرُبنُ
عبد العزيز حتى جعل الرجلُ يأتينا بالمالِ العظيم، فيقولُ: اجعلوا هذا حيثُ
ترون، فما يبرحُ حتى يَرْجِعَ بمالِه كُلُّه. قد أغنى عُمَرُ النَّاسَ.
قال جُوَيرية بن أسماء: دخلنا على فاطمة(١) بنت الإِمام علي، فأثنت
على عمربن عبد العزيز، وقالت: فلو كان بقي لنا ما احتجنا بَعْدُ إلى أحد.
وعن ضَمْرة، قال: كتب عُمَرُبنُ عبد العزيز إلى بعض عمَّاله: أمَّا بعدُ:
فإِذا دَعَنْكَ قُدْرَتُكَ عَلَى النَّاسِ إِلى ظُلْمِهِمْ، فَاذْكُرْ قُدْرةَ الله تَعَالى عَلَيْكَ،
ونَفَادَ ما تَأْتِي إِلَيْهِمْ، وبَقَاء مَا يَأْتُونَ إِلَيْك.
عمر بن ذَرِّ، حدّثني عطاء بن أبي رباح، قال: حدثتني فاطمة امرأة
عمربن عبد العزيز أنها دخلت عليه، فإذا هو في مُصَلّه يدُهُ على خدِّه، سائلة
دموعه، فقلتُ: يا أمير المؤمنين! ألشيءٍ حدث؟ قال: يا فاطمةُ! إني تقلَّدت
أمْر أمَّة محمد وَهِ، فتفكّرتُ في الفقير الجائعِ، والمريضِ الضائعِ،
والعاري المجهودِ، والمظلومِ المقهُور، والغريب المأسور، والكبير، وذي
(١) هي فاطمة الصغرى روت عن أبيها ولم تسمع منه، وعن أخيها محمد بن الحنفية، وأسماء
بنت عميس وروى عنها الحارث بن كعب الكوفي، والحكم بن عبد الرحمن، وموسى الجهني، ونافع
ابن أبي نعيم القارئ وغيرهم. قال ابن جرير: توفيت سنة سبع عشرة ومئة . أخرج حديثها النسائي.
١٣١
العِيَال في أقطار الأرض، فعلمتُ أن ربِّي سيسألني عنهم، وأن خَصْمَهُمْ
دونَهم محمَّدٌ وَّةَ، فخشيتُ ألَّ تثبتَ لي حُجَّة عند خصومته، فَرَحِمْتُ نفسي
فَبَكْتُ.
وروى حمّادُبن النضر، عن محمدبن المُنْكَدِر، عن عطاء عنها نحوه،
وقال: حدثتني بعد وفاة عمر.
قال الفِرْيابي: حدّثنا الأوزاعي أن عُمَرَ بن عبد العزيز جلس في بيته،
وعنده أشرافُ بني أُمَيَّة، فقال: أَتْحِبُّون أن أُوَلِّيَ كُلَّ رجلٍ منكم جُنْداً من هذه
الأجنادِ، فقال له رجل منهم: لِمَ تعْرِضُ علينا ما لا تفعلُه؟ قال: ترون بساطي
هذا؟ إني لأعلمُ أنه يصير إلى بلى، وإني أكره أن تُدنِّسوه عليَّ بأرجلكم،
فكيف أُولِّيكم دِيني؟ وأُولِّيكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمونَ فيهم؟
هيهات هيهاتَ، قالوا: لِمَ، أمَالنا قَرابة؟ أمَا لنا حقُّ؟ قال: ما أنْتُمْ وأقصى.
رجلٍ من المسلمين عندي في هذا الأمر إلَّ سواء، إلَّ رجل حبسه عني ◌ُولُ
شُقَّة (١).
يحيى بن أبي غنيّة، عن حفص بنِ عُمَرَبنِ أبي الزُّبير، قال: كتب عُمَرُبنُ
عبدِ العزيز إلى أبي بكر بن حزم: أن أدِقَّ قَلَمك، وقارِبْ بَيْنَ أَسْطُرِكَ، فإِنِّي
أَكْرَهُ أنْ أُخْرِجَ مِنْ أمْوالِ المُسلِمِين ما لا ينتِفِعُونَ بِهِ.
قال ميمون بن مِهْران: أقمتُ عند عُمَرَبن عبد العزيز ستةَ أشهر، ما رأيته
غيّر رداءه، كان يغسِلُ مِن الجمعة إلى الجمعة، ويبين بشيء مِن زعفرانَ.
الثوري، عن عمربن سعیدبن أبي حسین قال: کانمؤذن لعمربن عبد
(١) الشقة: السفر الطويل البعيد، وفي حديث وفد عبد قيس: إنا نأتيك من شقة بعيدة، أي:
امسافة بعيدة.
١٣٢
العزيز إذا أذَّن، رَّد، فبعث إليه: أذِّن أذاناً سمْحَاً ولا تَغُنَّهُ وإِلَّ فاجْلِسْ فِي
بيتك.
وروى عمربن ميمون، عن أبيه ما زلتُ الْطُفُ في أمر الأُمَّة أنا وعُمربن
عبد العزيز حتى قلتُ له: ما شأنُ هذه الطَّوامِير (١) الَّتي تكتبُ فيها بالقَلَّمِ
الجلیل ، وهي مِن بیت المال، فکتب إلى الآفاق بتركه، فکانت کتبه نحو
شبر.
قال حُميد الطويل: أمَلَّ عليَّ الحسن رسالة إلى عُمَرَبن عبد العزيز،
فأبلغ، ثم شكى الحاجةَ والعِيال، فقلت: يا أبا سعيد! لا تُهَجِّن الكتاب
بالمسألة [اکتب هذا في غیر ذا] قال: دعنا منك، فأمر بعطائه، قال :قلتُ: يا أبا
سعيد اكتُبْ إليه في المشورة، فإِن أبا قِلابة قال: كان جبريلُ ينزِلُ بالوحي،
فما منعه عليه السلامُ ذلك أنْ أمرَهُ اللهُ بالمشورةِ، فقال: نعم، فكتب
بالمشورة فأبلغ. رواه حمّادبن سلمة عَنْهُ(٢).
خلفبن تميم: حدّثنا عبد اللهبن محمد، عن الأوزاعي قال: کتب إلينا
عُمربن عبد العزيز رسالة، لم يحفظها غيري وغيرُ مكحول: أمَّا بعدُ، فإِنَّه مَنْ
أكثر ذِكْرَ الموتِ، رضيَ مِن الدنيا باليسير، ومَنْ عدَّ كلامَه مِنْ عمَلِهِ، قلَّ
كلامُه إلَّ فيما ينفعُه والسلام.
وقال الأوزاعي: كان عُمَرُبنُ عبد العزيز إذا أراد أن يُعاقِبَ رجُلًا حبسه
ثلاثاً، ثم عاقبه كراهية أن يعجلّ في أوَّلِ غضبه.
معاوية بن صالح: حدّثنا سعيدبن سُويد أن عُمَرَبن عبد العزيز صلَّى بهم
(١) في ((اللسان)) عن ابن سيده: الطامور والطومار: الصحيفة، قيل: هودخيل، قال: وأراه
عربياً محضاً، لأن سيبويه قد اعتد به في الأبنية.
(٢) الخبر في تاريخ المؤلف ١٧١/٤، والزيادة منه.
١٣٣
الجمعة ثم جلس وعلیہ قميصٌ مرفوع الجیب مِن بین یدیه ومِن خلفه، فقال له
رجل: يا أميرَ المؤمنين! إنَّ اللّه قد أعطاك، فلو لَبِسْتَ! فقال: أفْضَلُ
القصد عند الجدة، وأفْضَلُ العفو عند المقدرة(١).
قال جُوَيرية بن أسماء: قال عمرُ بن عبد العزيز: إنَّ نفسي توَّاقة، وإِنها
لم تُعْط مِن الدنيا شيئاً إلاّ تاقت إلى ما هو أفضلُ منه، فلمَّا أُعطِيت ما لا
أفضلَ منه في الدنيا، تاقت إلى ما هُوَ أفضلُ منه، يعني الجنة.
قال حمَّدبن واقد: سمعتُ مالكَ بنَ دينار يقول: النَّاسُ يقولونَ عني :
زاهد، إنما الزاهدُ عمربن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها.
الفسَوي: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى، حدثني أبي عن عبد
العزيز [بن] عمر بن عبد العزيز قال: دعاني المنصورُ فقال: كم كانت غلَّةُ عُمَر
ابن عبد العزيز حين استُخْلِفَ؟ قلت: خمسون ألف دينار، قال: کم کانت
يومَ موته؟ قلتُ: مئتا دينار.
وعن مَسْلَمة بن عبد الملك قال: دخلتُ على عمر وقميصُه وسِخْ،
فقلتُ لامرأته، وهي أخت مَسْلمة : - اغسِلُوه، قالت: نفعلُ، ثم عُدتُ
فإذا القميصُ على حاله، فقلتُ لها، فقالت: واللهِ ماله قميصٌ غيره.
وروی إسماعيلبن عیّاش، عن عمروبن مهاجر: کانت نفقةً عمربن عبد
العزیز کُلُّ یوم درهمین.
وروى سعيدبن عامر الضُّبَعي، عن عَوْن بن المُعْتَمِر أن عمربن عبد
العزيز قال لإمرأته: عندكِ درهمٌ أشتري به عِنباً؟ قالت: لا، قال: فَعِندكِ
فلوس؟ قالت: لا، أنتَ أميرُ المؤمنين ولا تقدِرُ على درهم، قال: هذا أهونُ .
(١) الخبر في طبقات ابن سعد ٤٠٢/٥، وقد تصحفت فيه ((الجدة)) إلى ((الحدة)).
١٣٤
مِن معالجة الأغلال في جهنم.
مروان بن معاوية، عن رجل قال: كان سِراجُ بيت عمربن عبد العزيز
على ثلاث قصبات [فوقهن طين].
عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن أزهر صاحب له: قال: رأيت عمربنَ
عبد العزيز يخطُب بخُناصِرَة(١)، وقميصُه مرفوع.
قال مروان بن محمد: حدّثنا محمدبن مُهاجر، حدّثني أخي عمرو أنَّ
عمربن عبد العزيز كان يَلْبَسَ بُرْدِ رسولِ اللهِ وََّ، ويأخذ قَضيبَه في يده يومَ
العيد.
وقال مُعَرِّف بن واصل: رأيتُ عمر بن عبد العزيز قدم مكَّة، وعليه
ثوبان أخضرانِ.
وقال الوليدُ بن أبي السائب: كان لِعمربن عبد العزيز جُبَّة خزٍّ غبراء،
وجُبَّة خَزِّ صفراء، وكِسَاء خَزِّ، ثم ترك ذلك.
قال الواقدي: حدّثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عمرو بن مهاجر:
رأيتُ عمر بن عبد العزيز يخطُب الأولى جالساً، وبيده عصا قد عرضها على
فخذه، يزعمون أنها عصا رسولِ الله وَالغير، فإِذا فرغ مِن خطبته سكت، ثم قام
فخطب الثانية مُتوكئاً عليها، فإِذا مَلَّ لم يتوكّا، [وحملها حملاً] فإِذا دخل في
الصلاة، وضعها إلى جنبه.
وفي ((الزهد)) لابن المبارك، أخبرنا إبراهيم بن نَشِيط، حدّثنا سليمان بن
حُميد، عن أبي عُبيدة بن عقبة بن نافع أنه دخل على فاطمةَ بنتِ عبد الملك
(١) خناصرة: بليدة من أعمال حلب تحاذي قنَّسرين نحو البادية؛ وقد ذكرها عدي بن الرقاع
فسقی خناصرة الأحص وجادها.
فقال :.
وإِذا الربيع تتابعت أنواؤه
١٣٥
فقال: ألا تُخْبريني عن عمر؟ قالت: ما أعلمُ أنه اغتسل مِن جنابة ولا احتلام
منذ استُخْلِفَ.
قال يحيى بن حمزة: حدّثنا عمرو بن مهاجر أنَّ عُمَرَ بن عبد العزيز كان
تُسْرَجُ عليه الشمعةُ ما كان في حوائج المسلمين، فإِذا فرغ، أطفأها وأسرج
عليه سِرَاجه.
وقال مالك: أتِيَ عمرُ بنُ عبد العزيز بعنبرة، فأمسك على أنفه مخافة أن
يجِدَ ريحها، وعنه: أنه سدَّ أنفه، وقد أُحضر مِسْكٌ مِن الخزائن.
خالد بن مرداس حدّثنا الحکم بن عمر قال: کان لِعمر ثلاث مئة حرسِي
وثلاث مئة شُرَطِيٍّ ، فشهدتُه يقولُ لحرسه: إنَّ لي عنكم بالقَدرِ حاجزاً وبالأجل
حارساً، مَنْ أقام منكم، فله عشرةُ دنانير، ومَنْ شاء، فَلْيَلْحَقْ بأهله.
عمرو بنعثمان الحمصي : حدّثناخالد بن یزید، عن جَعْوَنَة قال: دخل
رجل على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين! إن مَنْ قبلك كانت
الخلافةُ لهم زيناً، وأنتَ زَيْنُ الخِلافة، فأعرض عنه.
٠
وعن عبد العزيز بن عمر: قال لي رجاء بن حَيْوَة: ما أكملَ مروءةً أبيك!
سَمَرْتُ عِنده، فَعَشِيَ السِّراجُ، وإلى جانبه وصِيفٌ نامَ، قلت: ألا أُنَّهُهُ؟
قال: لا، دَعْهُ، قلتُ: أنا أقومُ: قال: لا، ليس مِن مروءة الرجل استخدامُه
ضيفَه، فقام إلى بَطَّةِ(١) الزيت، وأصلحَ السِّراجَ، ثم رجع، وقال: قُمتُ وأنا
عمر بن عبد العزيز، ورجعتُ وأنا عُمر بنُ عبد العزيز.
وكان رحمه الله فصيحاً مُفَوَّهاً، فروى حمَّاد بن سلمة، عن رجاء
(١) البطة: الدبة بلغة أهل مكة، لأنها تُعمل على شكل البطة من الحيوان، وهي إناء
کالقارورة.
١٣٦
الرَّملي، عن نُعيم بن عبد الله كاتب عمر بن عبد العزيز أن عُمَرَ قال: إنه
لَيَمْنَعُني مِن كثير مِن الكلام مخافة المباهاة.
جريربن حازم، عن مُغيرة بن حكيم: قالت فاطمة امرأةُ عمر بن عبد
العزيز: حدثنا مُغيرة أنه يكون في الناس مَنْ هُوَ أكثرُ صلاةً وصِياماً مِن عمربن
عبد العزيز، وما رأيتُ أحداً أشدَّ فَرَقاً من ربِّه منه، كان إذا صلَّى العشاء، قعد
في مسجده، ثم يرفعُ يديه، فلم يزل يبكي حتى تغلِيَه عينُه، ثم ينتبهُ، فلا يزالُ
يدعو رافعاً يديه يبكي حتى تغلِيَه عينُه، يفعلُ ذلك ليلَه أجمعَ.
ابن المبارك، عن هشام بن الغاز، عن مكحول: لو حلفتُ لصدقتُ، ما
رأيتُ أزهدَ ولا أخوفَ للهِ مِنْ عُمَرَبنِ عبد العزيز.
قال النُّفَيلي(١): حدّثنا النضر بن عربي قال: دخلتُ على عمر بن عبد
العزيز، فكان ينتفض أبداً، كأن عليه حُزْنَ الخَلْقِ.
الفسوي : حدثنا إبراهيم بن هشامالغسّاني(٢) ،حدّثنا أبي عن جدي ،عن
ميمون بن مِهْران قال لي عمر بن عبد العزيز: حَدِّثْني، فحدَّثته، فبكى بُكاءً
شديداً، فقلت: لو علمتُ لحدثتُك ألينَ منه، فقال: إنا نأكُلُ العَدَسَ، وهي ما
علمت مُرِقَّةٌ للقلب، مُغْزِرَةٌ للدَّمعة، مُذِلَّة للجسد.
حَكّام بن سَلْم، عن أبي حاتم قال: لمَّا مرض عُمَرُ بنُ عبد
العزيز جيء بطبيب فقال: بِه داءً ليس له دواء، غَلب الخوفُ على قلبه.
(١) هو أبو جعفر عبد الله بن محمدبن علي بن نفيل الحراني ثقة حافظ، أخرج حديثه البخاري
وأصحاب السنن، وقد تحرف في المطبوع من تاريخ المؤلف ١٧٤/٤ إلى ((الرملي)).
(٢) هو إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني كذبه أبو حاتم وأبو زرعة، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) وتعقبه المؤلف في ((ميزانه)) في ترجمة يحيى بن سعيد القرشي، فقال: والصواب: إبراهيم بن
هشام أحد المتروكين الذين مشاهم ابن حبان، فلم يصب. قلت: وهو صاحب حديث أبي ذر الطويل
الذي أخرجه ابن حبان في «صحيحه)) رقم (٩٤) انفرد به عن أبيه عن جده.
١٣٧
وعن عطاء قال: كان عمرُ بنُ عبد العزيز يجمَعُ كُلَّ ليلةٍ الفقهاء
فيتذاكرون الموتَ والقيامةً والآخرة ويبكون.
وقيل: كتب عُمَرُ بنُ عبد العزيز إلى رجل: إنك إن استشعرتَ ذكرٌ
الموت في ليلك ونهارك بغَّضَ إليك كلَّ فانٍ، وحبَّب إليك كلَّ باقٍ والسلام.
ومن شعره:
أو الغُبَارُ يَخَافُ الشَّينَ والشَّعثا
مَنْ كَانَ حِينَ تُصيبُ الشَّمْسُ جَبْهَتَهُ
فَسَوفَ يَسْكُنُ يَوْماً راغِماً جَدَثا
وَيَأْلَفُ الظِلَّ كِ تَبْقَى بَشَاشتُهُ
يُطِيلُ فِي قَعْرِ هَاتَحْتَ الثَّرِى اللَّبَا
فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ غَبْراء مُوحِشَةٍ
يانَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا
تَجْهَّزي بِجهازٍ تَبْلُغِینَ بِهِ
قال سعيدُبن أبي عَروبة: كان عمرُ بنُ عبد العزيز إذا ذكر الموت
اضطربت أوصالُه.
وممًّا رُوي له:
مِنَ اللهِ في دارِ القَرارِ نَصِيبُ
وَلَا خَيْرَ فِي غَيْش ◌ِامْرِىءِلَمْيَكُرْلَهُ
مَتَاعٌ قَليلٌ، والزَّوْلُ قَرِيبُ
فَإِنْ تُعْجِبِ الدُّنيا أناساً فإنّها
وممّا رُوي له:
وَكَيْفَ يُطِيقُ النَّومَ خَيْرانُ هائِمُ
أَيَقْطَانُ أَنْتَ اليَوْمَ؟ أمْ أنْتَ نائِمٌ؟
فَلو كُنْتَ يَقْظَانَ الغِدَاةَ لِخَرَّقَتْ
تُسَرُّ بما يَبْلى وتَفْرَحُ بالمُنَى
نَهَارُكَ يَامَغْرُ ورُسَهْوٌ وَغَفْلَةٌ
وسَعْیُكَ فِیمَا سَوْفَ تَكْرَهُغِبَّهُ
مَدَامِعَ عَيْنَيَكَ الدُّمُوُ السَّواجِمُ
كَمَا اغْتَرَّ بِاللّذاتِ فِي الیَوْمِ حَالِمُ
وَلَيْلُكَ نَوْمٌ والرَّدَى لَكَ لَازِمُ
كَذَلِكَ فِي الدُّنيا تَعِيشُ البَھائِمُ
وعن وُهَيْب بن الوَرْد قال: كان عمر بن عبد العزيز يتمثَّل كثيراً بهذه:
١٣٨
يُرَى مُسْتَكِيناً وَهْوَ لِلَّهْوِ ماقِتْ
بِهِ عنْ حَدِيثِ القَوْمِ مَا هُوَ شاغِلُهُ
وَمَا عَالِمُ شَيْئاً كَمَنْ هُوَ جاهِلُهْ
وَأَزْعَجَهُ عِلْمْ عَنِ الجَهْلِ كُلُّهِ
فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُم خَدِينٌ يُهازِلُهْ
غَبُوسٌ عَنِ الجُهَّالِ حِينَ يَرَاهُمُ
فَأَشْغَلَهُ عَنْ عاجِلِ العَيْشِ آجلُهْ
تَذَكِّزَ مَا يَبْقَى مِنَ العَيْشِ آجِلاً
عبد الرحمن بن يزيدبن جابر، سمع عُمير بن هانئ يقول: دخلتُ على
عمر بن عبد العزيز فقال لي: كيف تقول في رجل رأى سلسلة دُلِّيت من
السَّماء، فجاء رسولُ الله ◌َّ﴾، فتعلَّق بها، فَصَعِدَ، ثم جاء أبو بكر فتعلَّق بها
فَصَعِدَ، ثم جاء عمر، فتعلَّق بها فَصَعِدَ، ثم جاءَ عُثمانُ فتعلَّق بها،
فانقطعت، فلم يزل حتى وصل ثم صَعِدَ، ثم جاء الذي رأى هذه الرؤيا فتعلَّق
بها فصَعِدَ، فكان خامِسَهم. قال عُمير: فقلتُ في نفسي هو هو، ولكنه كنى
عن نفسه، قلتُ: يحتملُ أن يكونَ الرجل عليّاً، وما أمكن الرأي يُفصح به
لظهور النُّصب(١) إذ ذاك.
قال معاوية بن يحيى: حدّثنا أرطاة قال: قيل لِعمر بن عبد العزيز: لو
جعلتَ على طعامِك أميناً لا تُغتالَ، وحرسياً إذا صلَّيتَ، وتنحَّ عن الطاعون.
قال: اللهمّ إن كُنتَ تعلم أني أخاف يوماً دونَ يومِ القيامة فلا تُؤْمِنْ خَوْفي.
قال علي بن أبي حَمَلَةَ، عن الوليد بن هشام قال: لقيني يهودي فقال:
إن عمر بن عبد العزيز سَيَلي، ثم لقيني آخر ولاية عمر فقال: إن صاحبك قد
سُقِيَ، فَمُرْهُ فليتدارَكْ نفسه، فأعلمت ◌ُمَرَ، فقال: قاتله اللهُ ما أعلمه، لقد
عَلِمْتُ الساعة التي سُقيتُ فيها، ولو كان شفائي أن أمسحَ شحمةً أذني ما
فعلتُ. وقد رواها أبو عُمير بن النَّحاس، عن ضَمْرة، عنه، فقال: عَن
(١) أي بغض أمير المؤمنين علي رضي الله عنه مع أنه قد ثبت عنه وَ ﴿ أنه قال له: ((إنه لا يُحُبك
إلا مؤمن، ولا یبغضك إلا منافق» أخرجه مسلم في («صحيحه» (٧٨) في الإيمان : باب الدليل على أن
حب الأنصار وعلياً رضي الله عنه من الإِيمان، والنسائي ١١٤/٨، وابن ماجه (١١٤).
١٣٩
عمرو بن مهاجر بَدَل الوليد(١).
مروانُ بن معاوية، عن معروف بن مُشْكَان، عن مجاهد: قال لي عمر بن
عبد العزيز: ما يقول فيَّ الناسُ؟ قلت: يقولون: مسحور، قال: ما أنا
بمسحور، ثم دعا غُلاماً له فقال: ويحَك! ما حملك على أن سقيتني السُّمَّ؟
قال: ألفُ دينار أُعطيتُها، وعلى أن أُعْتَقَ، قال هاتِها، فجاء بها، فألقاها في
بيت المال، وقال: اذهب حيث لا يراك أحد(٢).
إسماعيل بن عيَّاش، عن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عُمَرُ بنُ عبد
العزيز تُفاحاً، فأهدى له رجلٌ من أهل بيته تفاحاً، فقال: ما أطيبَ ريحَه
وأحسَنه! وقال: ارفَعْه يا غلام للذي أتى به، وأَقْر مولاك السلامَ، وقل له: إنَّ
هديتك وقعت عندنا بحيث تُحِبُّ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين! ابنُ عمك،
ورجلٌ من أهل بيتك، وقد بلغك أنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ كَانَ يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ ، قال:
ويُحَكَ! إنَّ الهدِيَّة كانَتْ لَهُ هَدِيَّة، وهِيَ اليومَ لنا رشْوَةٌ.
قال ابن عُبَيْنة: قلت لعبد العزيز بن عمر: ما آخِرُ ما تكلّم به أبوك؟
فقال: كانَ له مِن الولد أنا وعبدُ الله، وعاصمُ وإِبراهيمُ، وكُنَّا أُغْلمةً، فجئنا
كالمسلِّمينَ عليه والمُودِّعين له، فقيل له: تركت ولدَك لَيْسَ لهم مالٌ، ولم
تُؤْوِهِمْ إلى أحد، فقال: ما كنتُ لُاعطِيَهُم ما ليس لهم، وما كنتُ لآخُذَ منهم
حقّاً هو لهم، وإِنَّ وليي الله فيهم الذي يتولَّى الصالحين، إنما هم أحدُ
(١) وهذا سند رجاله ثقات، رواه يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) ٦٠٥/١ عن أبي عمير (وقد
تصحف في المطبوع إلى أبي عمر) واسمه عيسى بن محمد، عن ضمرة، عن عمر بن أبي حملة، عن
عمرو بن مهاجر.
(٢) رجال إسناد الخبر ثقات، وقد قال المؤلف في ((تاريخه)) ١٧٥/٤ بعد أن أورد الخبر: قلت:
کانت بنو أمية قد تبرمت بعمر، لکونه شدد علیھم، وانتزع کثیراً مما في أيديهم مما قد غصبوه، وكان قد
أهمل التحرز، فسقوه السمّ.
١٤٠