النص المفهرس
صفحات 41-60
الذي جُك به يا أبا عبد الرحمن، قال: هل قبضتُ منك شيئاً؟ قال: لا، ثم نظر حيث وضعه، فمدَّ يدَه فإِذا بالصُّرَّة قد بنى العنكبوتُ عليها، فذهب بها إليهم . وبه قال أبو نُعَيم، حدّثنا أحمدُ بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبو مَعْمَر، عن ابن عُيَينة قال: قال عمربن عبد العزيز لطاووس: ارفع حاجتَك إلى أمير المؤمنين- يعني سليمانَ بن عبد الملك- قال: مالي إليه حاجة، فكأن عمر عَجبَ مِن ذلك. قال سفيان: وحلف لنا إبراهيم بن مَيْسَرة وهو مستقبل الكعبة: وربِّ هذه البَنَّةِ(١) ما رأيتُ أحداً، الشريفُ والوضيعُ عنده بمنزلة، إلاّ طاووساً. وبه حدّثنا أحمدبن جعفر، حدّثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاووس قال: كنتُ لا أزالُ أقول لأبي: إنَّه ينبغي أن يُخْرَجَ على هذا السلطان، وأن يُفعل به، قال: فخرجنا حُجَّاجاً، فنزلنا في بعض القُرى، وفيها عامل- يعني لأمير اليمن- يُقال له: ابنُ نَجیح، وكان من أخبث عمالهم، فشهدنا صلاة الصبح في المسجد، فجاء ابنُ نَجیح، فقعد بین یدي طاووس، فسلّم علیه، فلم يُجبه، ثم كلَّمه فأعرض عنه، ثم عدل إلى الشِّقِّ الآخر، فأعرض عنه، فلمَّا رأيتُ ما به قُمْتُ إليه، فمددتُ بيده وجعلت أُسائله، وقلتُ له: إن أبا عبد الرحمن لم يعرفك، فقال العامِلُ: بلى معرفتُه بِي فَعَلَتْ ما رأيتَ، قال: فمضى وهو ساكت لا يقولُ لي شيئاً، فلمَّا دخلت المنزل قال: أي لُكَعُ، بينما أنتَ زعمتَ تُريدُ أن تخرُجَ عليهم بسيفك، لم تستطِعْ أن تحبِسَ عنه لِسِانَك. (١) البنية: الكعبة لشرفها، إذ هي أشرف مبنى، يقال: لا وربّ هذه البنية ما كان كذا وكذا، وقد كثر قسمهم برب هذه البنية. محمدبن المثنَّى العنزي، حدّثنا مُطَهِّربن الهيثم الطائي، عن أبيه، قال: حجَّ سليمانُ بن عبد الملك، فخرج حاجبُه فقال: إن أميرَ المؤمنين قال: ابغُوا إليَّ فقيهاً أسألُه عن بعض المناسك، قال: فمرَّ طاووس، فقالوا: هذا طاووس اليماني، فأخذه الحاجبُ، فقال: أجبْ أميرَ المؤمنين، قال: أعفني، فأبى، ثم أدخله عليه، قال طاووس: فلمَّا وقفتُ بين يديه قلت: إن هذا لمجلسٌ يسألُني الله عنه، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين! إن صخرةً كانت على شفير جُبٍّ في جهنم، هوت فيها سبعين خريفاً، حتى استقرَّت قرارها، أتدري لمن أعدَّها الله؟ قال: لا، ويلكَ لِمن أعدَّها؟ قال: لمن أشركه اللهُ في حُكمه فجار، قال: فكبا لها. قال أبو عاصم النبيل: زعم لي سفيانُ قال: جاء ابنٌ لسليمان بن عبد الملك، فجلس إلى جنب طاووس، فلم يلتفت إليه، فقيل له: جَلَس إليك ابنُ أمير المؤمنين فلم تلتفِتْ إليه! قال: أردتُ أن يعلم أن لله عباداً يزهدون فیما في يديه. روى أبو أميّة عن داودبن شابور قال: قال رجلٌ لطاووس: ادع الله لنا، قال: ما أجدُ يُقلبي خشية، فأدعو لك. ويُروى أن طاووساً جاء في السَّحَر يطلُب رجلاً، فقالوا: هو نائم، قال: ما كنت أرى أن أحداً ينام في السُّحَر. ابن عُيَيْنة، عن ابن أبي نَجِيح، عن أبيه أن طاووساً قال له: يا أبا نَجِيح! من قال واتَّقى اللهَ خَيْرُ ممَّن صمت واتقى الله. ابنُ عُبَيْنة، عن هشام بن حُجَيْر، عن طاووس قال: لا يتم نُسُكُ الشاب حتی یتزوج. وروی سفيان الثوري ،عن سعيدبن محمد قال: كان مِن دعاء طاووس: اللّهمّ احرمني كثرةَ المال والولد، وارزقني الإِيمانَ والعملَ. ٤٢ : قال ابنُ شهاب: لو رأيتَ طاووساً، علمتَ أنه لا يكذِبُ. الأعمش، عن عبد الملك بن مَيْسَرة، عن طاووس قال: أدركتُ خمسينَ من أصحاب رسول الله اَله . وعن حبيب بن أبي ثابت قال: اجتمع عندي خمسةٌ لا يجتمعُ مثلُهم عند أحد: عطاءٌ وطاووس ومجاهد وسعيدبن جُبير وعكرمة . مَعْمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: لقي عيسى عليه السلامُ إبليس، فقال: أما علمتَ أنه لا يُصيبك إلَّ ما قُدِّرَلك، قال: نعم، قال: فَارْقَ ذِروَةَ هذا الجبل ، فتردًّ منه، فانظر أتعيشُ أم لا، قال عيسى: إنَّ الله يقول: لا يُجرِّبني عبدي، فإِني أفعلُ ما شئتُ. ورواه مَعْمَر عن الزُّهْرِيّ وفيه: فقال: إنَّ العبدَ لا يَبْتِي ربَّه، ولكنَّ الله يبتلي عبده، قال: فخصمه. حفص بن غياث، عن ليث قال: كان طاووس إذا شَدَّد الناسُ في شيء، رخّص هو فيه، وإذا ترخَّصَ الناسُ في شيءٍ، شدَّدَ فيه، قال ليث: وذلك بْعِلْمِ . عَنْبسة بن عبد الواحد، عن حَنْظَلة بن أبي سفيان قال: ما رأيتُ عالماً قطّ يقول: لا أدري أكثرَ مِن طاووس. وقال سفيان الثوريُّ: كان طاووس يتشيّع(١). وقال مَعْمَر: احتبس طاووس علی رفیق له حتى فاته الحجُّ. قلت: قد حجّ مرات كثيرة. (١) قال الحافظ ابن حجر في ((التهذيب)) ٩٤/١: التشيع في عرف المتقدمين: هو اعتقاد تفضيل. علي على عثمان، وأن علياً كان مصيباً في حروبه، وأن مخالفه مخطى ء مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن علياً أفضل الخلق بعد رسول الله وَله، وإذا كان معتقد ذلك ورعاً ديناً صادقاً مجتهداً، فلا ترد روايته لا سيما إن كان غير داعية. ٣، وقال جريربن حازم: رأيت طاووساً يخْضِبُ بحِنَّاءِ شَديدِ الحُمرة. وقال فِظُرُبن خليفة: كان طاووس يتقنَّعُ ويَصْبِغ بالحِنَّاء. قال عبد الرحمن بن أبي بكر المُلَيكي: رأيت طاووساً وبينَ عينيه أثّرُ السجود . سفيان الثوري، عن رجل قال: كان من دُعاء طاووس اللهم احرمني [كثرة] المال والولد(١) قال مَعْمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: عجبت لإِخوتنا من أهلِ العراق يُسمُّون الحَجَّاج مؤمناً. قلت: يُشير إلى المرجئة منهم، الذين يقولون: هو مؤمنٌ كامِلُ الإِيمان مع عَسْفِه وسَفْكِه الدَّماء وسبِّه الصحابة(٢). ابن جُرَيج: حدّثنا إبراهيم بن مَيْسَرة أن محمدبن يوسف الثقفي استعمل طاووساً على بعض الصَّدَقة، فسألتُ طاووساً كيف صنعتَ؟ قال: كُنَّا نقولُ للرجل: تُزَكِّي رَحِمَكَ اللهُ مِما أعطاك اللهُ؟ فإِن أعطانا أخذنا، وإن تولَّى، لم نقُل: تَعَالَ. وبلغنا أن ابنَ عباس كان يُجلُّ طاووساً، ويأذن له مع الخواص، ولما قَدِمَ عكرمةُ اليمن، أنزله طاووس عنده، وأعطاه نجيباً(٣). روى إبراهيم بن مَيْسرة، عن طاووس قال: لو أن مولى ابن عباس اتَّقى الله، وكفَّ من حديثه، لشُدَّت إليه المطايا. تُوفِّي طاووس بمكة أيامَ الموسم، ومن زعم أن قبر طاووس ببعلبكَ، (١) أورده أبو نعيم في ((الحلية)) ٩/٣، والزيادة منه وتمامه: وارزقني الإِيمان والعمل. (٢) في ((التهذيب)): قال عمربن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج، لغلبناهم. (٣) النجيب من الإبل: القوي منها، الخفيف السريع. ٤٤ فهو لا يدري ما يقولُ، بل ذاكَ شخص اسمُه طاووس إن صحَّ، كما أن قبر أُبِيِّ بشرقي دمشق، وليس بأُبِيِّ بنِ كعب البتة. وطاووس هو الذي ينقل عنه ولده أنه كان لا يرى الحَلِفَ بالطلاق شيئاً، وما ذاكَ إلاّ أن الحجاجَ وذويه كانوا يُحلِّفون الناسَ على البيعةِ للإِمام بالله. وبالعِتاقِ والطلاقِ والحجّ وغير ذلك. فالذي يظهرُ لي أن أخا الحجاج- وهو محمدبن یوسف أمیر الیمن- حلّف الناس بذلك، فاستُفتي طاووس في ذلك، فلم يَعُدَّه شيئاً، وما ذاك إلَّ لكونهم أكرمُوا على الحلف. فالله أعلم. ضَمْرةبنُ ربيعة ، عن ابن شَوْذَب قال: شهدت جنازة طاووس بمكة سنةً خمس ومئة، فجعلوا يقُولونَ: رَحِمَ اللهُ أبا عبدِ الرحمن، حجَّ أربعين حجّة. وروى عبدُ الرزاق، عن أبيه قال: مات طاووس بمكة فلم يُصلُّوا عليه حتى بعث ابنُ هشام بن عبد الملك بالحرس، قال: فلقد رأيتُ عبد اللهبن الحسن بن الحسن واضعاً السريرَ على كاهله، فسقطت قلنسوةٌ كانت عليه، ومُزُّقَ رِداؤه من خلفه، فما زايَله إلى القبر، تُوفي بمزدلفة أو بمِنى. قلت: إن كان فيه تشيُّع، فهو يسير لا يضرُّ إن شاء الله. وقال محمدبن عمر الواقدي، ويحيى القطّان، والهيثم وغيرُهم: ماتِ طاووس سنة ست ومئة، ويقال: كانت وفاته يومَ التِّرْويَةِ(١) من ذِي الحِجَّة، وصلَّى عليه الخليفةُ هشامُ بن عبد الملك، اتفق له ذلك، ثم بعد أيامٍ اتفق له الصلاة بالمدينة على سالم بن عبد الله. قال شيخنا في ((تهذيب الكمال)): حدَّث عنه إبراهيم بن أبي بكر الأخنسي، وإبراهيم بن مَيْسَرة، وإبراهيم بن يزيد الخُوزي، وأسامةبن زيد (١) هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي به، لأن الحجاج فیما مضی کانوا یتروون فيه من الماء، وينهضون إلى مِنى ولا ماء بها، فيتزودون ريهم من الماء. ٤٥ الليثي، وحبيبُ بن أبي ثابت، والحسنُ بن مسلم بن يَنَّاق، والحكم، وحنظلةبن أبي سفيان، وسعيدُبن حسان، وسعيدبن سِنان أبو سِنان الشيباني، وسليمان التيمي، وسليمان الأحْول، وسليمان بن موسى الدمشقي، وأبو شعيب الطيالسي، وصدقةُ بن يسار، والضحَّاك بن مُزَاحم، وعامرین مُصْعب، وابنه عبد اللهبن طاووس، وعبد اللهبن أبي نَجِيح، وعبد الكريم الجزري، وعبد الكريم أبو أُميَّةِ البصري، وابنُ جرَيج مسألةً، وعبد الملك بن مَيْسَرة، وعُبيد الله بن الوليد الوصَّافي، وعطاءُ بنُ السائب، وعِكرمُبن عمَّار، وعمروبن دینار، وعمروبن شُعيب، وعمروبن قتادة،وعمرو بن مسلم الجندي، وقيسبن سعد، وليثُ بن أبي سُليم، ومجاهد، وأبو الزُّبير، والزُّهْريّ، والمغيرة بن حكيم الصَّنعاني، ومكحول، والنعمان بن أبي شيبة، وهانىء بن أيوب، وهشام بن حُجَيْر، ووهب بن مُنَّبِّه، وأبو عبد الله الشَّامي. رَوی جعفربن بُرْقَان، عن عمرو بن دينار، قال: حدّثنا طاووس- ولا تحسبنَّ فينا أحداً أصدقَ لهجةٌ مِن طاووس -... وروى حبيبُ بن الشهيد، عن عمرو بن دينار قال: ما رأيتُ قطُ مثلَ طاووس. وقال ابن عُيَيْنة: قلتُ لعُبيد الله بن أبي يزيد: مع مَنْ كنت تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء وأصحابه، قلت: وطاووس؟ قال: أَيْهَانُ " ذاكَ كان يدخُلُ مع الخواص. ليث بن أبي سُليم قال: كان طاووس يعُدُّ الحديثَ حرفاً حرفاً وقال: تَعلَّم لِنفسك، فإِنَّ الناس قد ذهبت منهم الأمانةُ . قال حبيب بن أبي ثابت: قال لي طاووس: إذا دثتُك الحديثَ، فأثبتّه (١) هي كهيهات بمعنى: بعد. ٤٦ لك، فلا تسألنَّ عنه أحداً. قال ابن معين وأبو زُرْعة: طاووس ثقة. قال ابن حِبَّان: كان مِن عُبَّاد أهل اليمن، ومن سادات التابعين، مستجابَ الدعوة، حجّ أربعين حجّة. وکیع، عن أبي عبد الله الشامي، وقيل: وکیع، عن أبيه، عن أبي عبد الله الشامي، قال: استأذنتُ على طاووس لأسأله عن مسألة، فخرج عليٍّ شيخٌ كبير فظنتُه هو، فقال: لا، أنا ابنُه، قلتُ: إِن كُنْتَ ابنَه، فقد خَرِفَ أبوك، قال: تقول ذاك! إنَّ العالِم لا يَخْرَفُ، قال: فدخلتُ، فقال لي طاووس: سَلْ وأَوْجِزْ، وإِن شئتَ علمتُك في مجلسك هذا القرآن والتوراة والإنجيلَ، قلتُ: إن علَّمْتَنيهم لا أسألُك عن شيء، قال: خفِ الله مخافةً لا يكونُ شيء عندك. أخوفَ منه، وارجُه رجاءً هو أشدُّ مِن خوفك إِيَّهِ، وأحِبَّ للناسِ ما تُحِبُّ لنفسك. وروی عبد الرزاق، عن أبيه قال: كان طاووس يُصلي في غداة باردة مُغيِّمة، فمرَّ به محمدبن یوسف أخو الحجّاج، أو أيوببن يحيى في موكبه، وهو ساجد، فأمر بساجٍ أو طیلسانٍ مرتفع فطُرِحَ عليه، فلم يرفع رأسه حتى فرغ مِن حاجته، فلمَّا سلّم، نظر فإِذا الساجُ عليهِ، فانتفض ولم ينظر إليه، ومضى إلى منزله(١). ليث، عن طاووس قال: ما من شيء يتكلّم به ابن آدم إلَّ أُحصي عليه، حتى أنينه في مرضه. هشام بن حُجَير، عن طاووس قال: لا يتِمُّ نُسُك الشَّابِّ حتى ينزوج. (١) حلية الأولياء ٤/٣. ٤٧ إبراهيم بن مَيْسَرة قال: قال لي طاووس: تزوَّجْ أو لأقولَنَّ لك ما قالٍ عمربن الخطاب لأبي الزَّوائد: ما يمنعك من النِّكاحِ إلاّ عجزٌ أو فجورٌ. ابن طاووس، عن أبيه قال: البخلُ: أن يبخل الرجلُ بما في يديه، والشحُّ: أن يُحبَّ أن يكونَ له ما في أيدي الناس. مَعْمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: كان رجلٌ مِن بني إسرائيل ربما يُداوي المجانين، وكانت امرأةٌ جميلة، فَجُنَّتْ، فجيءَ بها إليه، فتُرَكَتْ عنده، فأعجبته، فوقع عليها، فحملَت [منه]، فجاءه الشيطانُ فقال: إن عُلِمَ بها، افتَضَحْتَ، فاقتُلْها، وادْفِنْها في بيتك، فقتلها ودفنها، فجاء أهلُها بعد ذلك بزمان يسألُونه عنها، فقال: ماتت، فلم يَتَّهِمُوه لِصلاحه، فجاءهم الشيطانُ، فقال: إنها لم تَمُتْ، ولكن وقع عليها، فحَمَلَتْ، فقتلها ودفنها في بيته، فجاء أهلها فقالُوا: ما نتَّهِمُك، ولكن أين دفنتها؟ أخبرنا، ومَنْ كان معك؟ فنبشوا بيتَه فوجدوها، فَأُخِذَ فَسُجنَ، فجاءه الشيطانُ فقال: إن كنتَ تُريد أن أُخرجك ممَّا أنت فيه فاكْفُرْ بالله، فأطاعه، فَكَفَر، فقُتِلَ، فتبرَّأ منه الشيطانُ حينئذٍ. قال طاووس: فلا أعلمُ إلاّ أن هذه الآية نزلت فيه ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسانِ اكْفُر﴾ الآية [الحشر: ١٦] أو بمثله(١). عن ابن أبي روَّاد، قال: رأيتُ طاووساً وأصحابه إذا صلَّوا العصر، استقبلوا القبلةُ، ولم يُكلِّمُوا أحداً، وابتهلُوا بالدُّعاء. (١) قال ابن جرير في تفسير الآية ٤٩/٢٨: يقول تعالى ذكره: مثل هؤلاء المنافقين الذين وعدوا اليهود من النضير النّصرة إن قوتلوا، أو الخروج معهم إن أخرجوا، ومثل النضير في غرورهم إياهم بإخلافهم الوعد، وإسلامهم إياهم عند شدة حاجتهم إليهم، وإلى نصرتهم إياهم، كمثل الشيطان. الذي غر إنساناً، ووعده على اتباعه وكفره بالله النصرة عند الحاجة، فکفر بالله، واتبعه وأطاعه، فلما احتاج إلى نصرته، أسلمه وتبرأ منه، وقال له: إني أخاف الله رب العالمين، في نصرتك. والقصة التي أوردها المؤلف هي- كما قال ابن كثير- كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها. ٤٨ لا ريب في وفاة طاووس في عام ستة ومئة، فأمَّا قَولُ الهيثم: مات سنة بضع عشرة ومئة فشاذًّ. والله أعلم. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، ويحيى بن أبي منصور وطائفة إذناً ،سمعوا عمربن محمد، أخبرنا هبة الله بن محمد، أخبرنا محمدبن محمد، أخبرنا أبو بكر محمدبن عبد الله، حدّثنا محمدبن سليمان، حدّثنا أبو عاصم، عن ابن جُرَيج، عن عمرو بن دينار أخبره أن طاووساً حدَّثه أن حُجْر بن قيس المّدَري حدَّثه أن زيدبن ثابت حدَّثه، أو أخبره زيد أن رسولَ الله وَِّ قال: ((العُمْرى مِيرَاثٌ))(١). ١٤ - عَبْدُ الرَّحْمن * (س، ق) ابن يزيدبن معاوية بن أبي سفيان الأموي، أخو خالد. كان من الأتقياء العُبَّاد. حدَّث عن ثوبان. وعنه أبو ◌ُوَالة عبد الله، وأبو حازم الأعرج، ومحمدبن قيس، وعبد الرحمن بن يزيدبن جابر(٢). (١) رجاله ثقات، وأخرجه الطبراني كما في ((الجامع الصغير)) بلفظ «العُمرى والرُّقبى سبيلهما سبيل الميراث)) وهو في صحيح ابن حبان (١١٤٩) بلفظ ((من أعمِرَ أرضاً، فهي لوارثه)) وأخرجه مسلم في «صحيحه)) (١٦٢٥) (٣١) في الهبات: باب العمرى من حديث جابر بن عبد الله بلفظ ((العمرى ميراث لأهلها)» وفي رواية ((العمرى لمن وهِبت له)) العمرى من قولهم: أعمرته الدار عمري، أي: جعلتها له يسكنها مدة عمره، فإذا مات، عادت إلى المُعْمِر، كَذا كانوا يفعلون في الجاهلية، فأبطل ذلك النبي ##، وأعلمهم أن من أعمِر شيئاً في حیاته، فهو لورثته من بعده. * التاريخ الكبير ٣٦٤/٥، تاريخ الفسوي ٥٧٦/١، الجرح والتعديل ٢٩٩٥، تهذيب الكمال: ٨٢٨، تذهيب التهذيب ١/٢٣٤/٢، تاريخ الإسلام ١٤٥/٤، تهذيب التهذيب ٣٠٠٨٦، خلاصة تذهيب الكمال: ٢٣٧ . (٢) له حديث واحد عند النسائي وابن ماجه (١٨٣٧) رواه عن ثوبان، قال: قال رسول الله = سير ٤/٥ ٤٩ قال الوليدبن هشام: كان عمربن عبد العزيز يَرَقُّ له، لِمَا هو عليه من النُّسك، فرفع ديناً عليه أربعة آلاف دينار، فوعده أن يُوفِيَه، وقال: وَكُلْ أخاك الوليد، فوكَّله، فقال له عمر: إني أكره أن أقضيَ عن واحد هذا المالَ، وإن كان أنفقها في حقٍّ. قال: يا أميرَ المؤمنين! إن مِن أخلاق المؤمن أن يُنجزّ ما وَعَدَ، قال: ويحك! وضعتني هذا الموضع، فلم يقض عنه. قال المُفَضَّل الغَلابي: عِبَاد الرحمن من قريش كُلَّهم عابد، عبد الرحمن بن زياد بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن أبان بن عثمان، وعبد الرحمن بن يزيد بن معاوية. وقيل: اجتهد عبد الرحمن بن يزيد في العبادة حتى صار كالشِّنِّ البالي . رحمه الله . ١ ١٥ - عَبْدُ اللهِ بنُ بُرَيدة * (ع) ابن الحُصَيب الحافظُ الإِمامُ، شيخُ مَرْو وقاضيها، أبو سهل الأسلمي المروزي، أخو سليمان بن بُريدة، وكانا توأمين، وُلِدا سنة خمس عشرة. حدَّث عن أبيه فأكثر، وعمران بن الحُصَين، وعبد الله بن مُغَفَّل المُزَني، وأبي موسى، وعائشة، وأم سلمة، وذلك في السنن. وفي الترمذي أيضاً عن أُمِّه،عن أُمَّ سلمة، وعن عبد الله بن عمرو السَّهمي، وابن عمر، وسَمُرَةبن =*: ((ومن يتقبل لي بواحدة، أتقبل له بالجنة)) قلت: أنا، فقال: ((لا تسأل الناس شيئاً) قال: فكان ثوبان یقع سوطه وهو راكب، فلا یقول لأحد: ناولنیه حتى ينزل، فيأخذه. وأخرجه أحمد ٢٧٧/٥ و٢٨١ وسنده قوي. * طبقات خليفة: ٢١١، التاريخ الكبير ٥١/٥، التاريخ الصغير ١٣٩/٢، ١٤٠، الجرح والتعديل ١٣/٥، تهذيب الكمال: ٦٦٧، تذهيب التهذيب ٢/١٣١/٢، تاريخ الإسلام ٢٦٣/٤، تذكرة الحفاظ ١٠٢/١، العبر ١٤٣/١، تهذيب التهذيب ١٥٧/٥، طبقات الحفاظ: ٤٠، خلاصة تذهيب الكمال: ١٩٢، شذرات الذهب ١٥١/١، تهذيب ابن عساكر ٣٠٩٧. جُنْدُب، وأبي هريرة، وابن عباس، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية، وعبد الله بن مسعود مرسلاً، وعِدَّة، وعن أبي الأسود الدِّيلي، وبشيربن كعب، وحُمَيْدبن عبد الرحمن الحِمْيَري، ويحيى بن يَعْمَر، وحنظلة بن علي، وطائفة. وكان من أوعية العلم. حدَّث عنه ابناه صخر وسهل، ومطر الورَّاق، ومحاربُ بن دِثَار، والشَّعبي، وقتادةُ، وسعدُبن عُبيدة، والمُغيرة بن سُبيع، والوليدبن ثعلبة الطائي، وأبو ربيعة الإِيادي، وأبو هاشم الرُّمَّاني، وأجلحُ بن عبد الله وبشيرين المُهاجر، وثوابُ بن ◌ُتبة، وحُسين المُعلِّم، وحُسين بن واقد، وداود بن أبي الفرات، وسعيد الجُريري، وصالح بن حيان القُرشي، وعبد المؤمن بن خالد الحنفي، وعثمان بن غياث، وعطاء الخراساني، وعطاءبن السائب، وعيسىبن عُبید الکندي، وفائد أبو العوّام، وگھْمسبن الحسن، ومالك بن مِغْوَل، ومقاتل بن حيَّان، ومقاتل بن سليمان المُفَسِّر، وأبو هلال محمدبن سُلَيْم، ومعاوية بن عبد الكريم الثقفي، وخلق سواهم. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ابنا بُريدة؟ قال: أمَّا سليمان، فليس في نفسي منه شيء، وأمَّا عبد الله! ثُمَّ سكت. ثم قال: كان وكيع يقول: كانوا لِسليمانَ بنِ بُريدة أحمدَ مِنهم لعبدِ الله، أو ما هذا معناه. وروی عبد الله بن أحمد، عن أبيه قال: عبد الله بن بريدة الذي روى عنه حسين بن واقدة ما أنكرها! وأبو المنيب أيضاً، قال: يقول: كأنها من قبل هؤلاء. . وروى إسحاق الكَوْسَج، عن يحيى بن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم والعجلي. أبو تُميلة، عن رُمَيح بن هلال الطائي، عن عبد الله بن بريدة قال: ولدت لثلاث خلَوْنَ مِن خلافة عمر رضي الله عنه، فجاء عبدٌ لنا، فبشّر أبي وهو عند عمر، فقال: أنت حُرِّ، وُلِدَ أخي سليمان بعدي، وكانا توأماً، فجاء غلامٌ آخر ٥ ١ لنا إلى أبي وهو عند عمر، فقال: وُلِدَ لكَ غلام، قال: سبقك فلان، قال: إنه آخر، قال: فقال عمر: وهذا أيضاً، أي: أعْتِقْهُ. قال ابنُ حِبَّان: وُلِدَ ابنا بريدة في السّنة الثالثة من خلافة عمر سنة خمس عشرة، ومات سليمان بن بريدة بمرو، وهو على القضاء بها سنة خمس ومئة، وولي أخوه بعده القضاء بها، فكان على القضاء إلى أن مات سنة خمس عشرة ومئة، فيكون عُمْرُ عبد الله مئة عام، وأخطأ من زعم أنهما ماتا في يوم واحد. قال أبو تُميلة: حدّثنا عبد المؤمن بن خالد، عن ابن بريدة قال: ينبغي للرجل أن يتعاهَدَ مِن نفسه ثلاثةً أشياء لا يدعُها: المشي، فإِن احتاجه، وجده، وأن لا يدع الأكل فإِن أمعاءِه تضيق، وأن لا يدع الجماع، فإِنَّ البئرَ إذا لَمْ تُنْزَعْ ذَهب ماؤُها. قلت: يفعل هذه الأشياء باقتصاد، ولا سيما الجماع، إذا شاخ، فتركه أولى. أحمد في («مسنده»: حدَّثنا زيدبن الحُباب، حدّثني حسين، حدثني ابن بريدة قال: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفِراش، ثم أكلنا، ثم شَرب معاوية فناول أبي، ثم قال: ما شربتُه منذ حرَّمَهُ رسول الله ◌َّـ، ثم قال معاوية: كنتُ أجملَ شباب قُريش، وأجوَده ثغراً، وماشيءٌ كنتُ أَجْدُ له لذَّقٌ وأنا شاب- أجِدُه غير اللَّين، أو إنسانٍ حسنِ الحديث يُحدِّثُني(١). ١٦ - أخوه سليمان بن بُريدة* قد كان ابن عُيَيْنة يُفضِّله على عبد الله بن بُريدة. روى عن أبيه، وعائشة، وعمران بن حُصّين. (١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٤٧، وسنده حسن. * طبقات خليفة: ٣٢٢، التاريخ الكبير ٤/٤، الجرح والتعديل ١٠٢/٤، تهذيب الكمال: ٥٣٥، تذهيب التهذيب ١/٤٦/٢، تاريخ الإسلام ٨٧/٤، العبر ١٢٩/١، تهذيب التهذيب ٤/ ١٧٤، خلاصة تذهيب الكمال: ١٥٠، شذرات الذهب ١/ ١٣١. ٥٢ وعنه عَلْقَمةبن مَرْثَد، ومحارب بن دِثَار، ومحمدبن جُحاده، وجماعة. ثقة، مات سنة خمس ومئة، وله تسعون عاماً. ١٧ - عَدِيُّ بِنُ أَرْطَاة * الفزاري الدمشقي أمير البصرة لعمربن عبد العزيز. حدَّث عن عمرو بن عَبَسَة، وأبي أمامة . وعنه أبو سلَّام ممطور، وبكر المزني، ويزيدبن أبي مريم، وطائفة. قال عبَّادبن منصور: خطبنا عديّ على منبر المدائن حتّى بكى وأبكانا. قال مَعْمَرُ: كتب عمرُ إلى عدي بن أرطاة: إنك غررتني بِعمامتِك السوداء، ومجالستك القُرَّاء، وقد أظهرنا اللهُ على كثير ممَّا تكتمون أما تمشون بينَ القُبُور؟! قال شَبَابٌ: قَدِمَ عدي على البصرة، فقَّد يزيد بن المهلَّب، ونفذه إلى عمربن عبد العزيز، فلمَّا مات عمر، انفلت، ودعا إلى نفسه، وتسمَّى بالقحطاني، ونصبَ راياتٍ سوداً، وقال: أدْعُو إلى سيرة عمربن الخطاب، فحاربه مَسْلَمة بن عبد الملك، وقتله، ثم وثب ولدُه معاوية فقتل عدياً وجماعةً صبراً، سنة اثنتين ومئة. ١٨ - القاسِمُ بنُ مُحَمَّد ** (ع ابن خليفة رسول الله وسلم أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قُحافة، الإمام * طبقات خليفة: ٣١٢، تاريخ خليفة: ٣٢٢ و٣٢٥، التاريخ الكبير ٤٤٨، الطبري ٥٥٤/٦ و٥٥٦ و٥٥٨ و٥٧٨ - ٥٨٤ و٦٠٠، الجرح والتعديل ٣٨٧، ابن الأثير ٤٣/٥، ٤٤، ٤٩، ٧١، ٧٣، ٨٥، ٩٩، تهذيب الكمال: ٩٢٥، تذهيب التهذيب ١/٣٦/٣، تاريخ الإسلام ١٥٠/٤، ميزان الاعتدال ٦١/٣، العبر ١٢٤/١، تهذيب التهذيب ١٦٤٨، خلاصة تذهيب الكمال: ٢٦٣، شذرات الذهب ١٢٤/١، رغبة الآمل ٧٧/٢ و١٥٩٨. * * طبقات ابن سعد ١٨٧/٥، طبقات خليفة: ٢٤٤، تاريخ خليفة: ٣٣٨، التاريخ الصغير = ٥٣ القُدوة الحافظ الحُجَّة، عالم وقته بالمدينة مع سالم وعكرمة، أبو محمد وأبو عبد الرحمن القرشي التَّيمي البكري المدني. وُلِدّ في خلافة الإِمام علي، فروايته عن أبيه عن جدِّه انقطاع على انقطاع، فكل منهما لم يُحِقَّ أباه، ورُبِّي القاسم في حِجْر عمته أمِّ المؤمنين عائشة، وتفقه منها، وأكثر عنها. وروى عن ابن مسعود مرسلاً، وعن زينب بنت جحش مرسلاً، وعن فاطمة بنت قيس، وابن عباس، وابن عُمَر، وأسماء بنت عُمَيْس جدَّته، وأبي هُريرة، ورافع بن خَديج، وعبدِ الله بن خبَّاب، وعبدِ اللهبن عمرو، ومعاوية، وطائفةٍ، وعن صالح بن خوَّات، وعبد الرحمن ومُجمِّعٍ ابني يزيد بن جارية. حدَّث عنه ابنُه عبدُ الرحمن، والشعبيُّ، ونافع العمري، وسالمُ بن عبد الله، وأبو بكربن حزم، والزّهريُّ، وابنُ أبي مُلَيْكة، وسعدُبن إبراهيم، وحُمَيد الطويل، وأيوب، وربيعة الرأي، وعُبيد الله بن عمر، وابنُ عون، وربيعةبن عطاء، وثابت بن عُبيد، وجعفرُبن محمد، ويحيى بن سعيد الأنصاري وأخوه سعدبن سعيد، وشَيْئَةُ بنُ نِصاح، وطلحة بن عبد الملك، وعاصم بن عُبيد الله، وأبو الزِّناد، وعُبيد الله بن أبي الزِّناد القدَّاح، وعمربن عبد الله بن عروة، وعيسى بن ميمون الواسطي، وموسى بن سَرْجِس، وأفلحُ بن حميد، وحنظلة ابن أبي سفيان، وأسامةُ بن زيد الليثي، وعبد الله بن العلاءبن زَبْرٍ، وصالح بن کیسان، وأيمن بن نابلٍ ، وعبَّادبن منصور، وخلق كثير. قال ابن المديني: له مئتا حدیث. = ٢٤٧/١ و٢٥٣، الجرح والتعديل ١١٨٨، حلية الأولياء ١٨٣/٢، طبقات الفقهاء للشيرازي: ٥٩، تهذيب الأسماء واللغات ٥٥/٢، وفيات الأعيان ٥٩/٤، تهذيب الكمال ١١١٦، تذهيب التهذيب: ٢/١٥٠/٣ تاريخ الإسلام ١٨٢/٤، تذكرة الحفاظ ٩٦/١، العبر ١٣٢/١، تهذيب التهذيب ٣٢٣/٨، نكت الهميان: ٢٣٠، طبقات الحفاظ: ٣٨، خلاصة تذهيب الكمال: ٣١٣، شذرات الذهب ١٣٥/١. ٥٤ وقال ابن سعد: أُمُّه أم ولد يقال لها: سودة، وكان ثقة، عالماً، رفيعاً، فقيهاً، إماماً، وَرِعاً، كثيرَ الحديث. موسى بن عقبة، عن محمدبن خالدبن الزُّبير قال: كنتُ عند عبدِ اللهبن الزّبير، فاستأذن القاسم بن محمد، فقال ابن الزُّبَير: ائذن له، فلما دخل عليه قال له: مَهْيم(١)؟ قال: مات فلان، فذكر قصته، قال: فولَّى، فنظر إليه ابن الزُّبير وقال: ما رأيتُ أبا بكر وَلَد ولداً أشبهَ بهِ من هذا الفتى. وعن القاسم قال: كانت عائشةُ قدِ استقلَّت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر، وإلى أن ماتت، وكنت ملازماً لها مع تُرَّهاتي(٢) وكنت أُجالِسُ البحر ابن عباس، وقد جلستُ مع أبي هُريرة، وابن عمر فأكثرتُ. فكان هناك- يعني ابن عمر- وَرَعْ وعِلْمٌ جمٌّ، ووقوفُ عمَّا لا عِلْمَ له به. ابن شَوْذَب،عن يحيى بن سعيد قال: ما أدركنا بالمدينة أحداً نفضِّلُه علی القاسم. وُهَيْب، عن أيوب، وذكر القاسم فقال: ما رأيتُ رجلًا أفضل منه، ولقد ترك مئة ألف وهي له حلال. البخاري، حدّثنا علي، حدّثنا سفيان، حدّثنا عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل أهل زمانه، أنه سمع أباه، وكان أفضل أهل زمانه يقول: سمعت عائشة تقول: طَيِّيْتُ رسول الله وَّةِ ... الحديث(٣). (١) قال الجوهري: مهيم: كلمة يُستفهم بها، معناها: ما حالك وما شأنك؟ (٢) التُّرُهات: جمع ترهة: الأباطيل، والقول الخالي عن النفع. (٣) أخرجه البخاري ٤٦٦/٣ في الحج: باب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة، ولفظه بتمامه: طيبت رسول الله وَل بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف، وبسطت یدیها . ٥٥ وروى عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه قال: ما رأيتُ أحداً أعلمَ · بالسنة من القاسم بن محمد، وما كان الرجل يُعَدُّ رجلًا حتى يعْرفَ السُّنة، وما رأيت أحدَّ ذِهناً من القاسم، إن كان ليضحك من أصحاب الشُّبَه كما يضحكُ الفتى. وروى خالدبن نزار، عن ابن عُيَيْنة قال: أعلمُ الناس بحديث عائشة ثلاثة : القاسمُ وعروةُ وعَمْرَةُ . وقال جعفربن أبي عثمان: سمعتُ يحيى بن معين يقول: عُبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة ترجمة مُشَبَّكة بالذهب. وقال ابن عون: كان القاسم وابنُ سيرين ورجاءُ بن حَيْوة يُحدِّثون بالحديث على حروفه، وكان الحسن وإبراهيم والشعبي يُحدِّثون بالمعاني(١) يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق قال: رأيتُ القاسم بن محمد يُصلي، فجاء أعرابيٌّ فقال: أيُّما أعلمُ أنت أمْ سَالِمٌ؟ فقال: سُبْحَانَ الله، كلٌّ سيخبرك بما عَلِمَ، فقال: أَيُّكُما أعلم؟ قال: سبحانَ الله، فأعاد، فقال: ذاك سالم، انطلق، فَسَلْهُ، فقام عنه. قال ابن إسحاق: كره أن يقول: أنا أعلم، فيكون تزكية، وكره أن يقول: سالم أعلمُ مني فيكذب. وكان القاسم أعلمهما. قال ابن وهب: ذكر مالكٌ القاسم بن محمد فقال: كان من فقهاء هذه (١) جمهور العلماء سلفاً وخلفاً على جواز رواية الحديث بالمعنى إذا كان الراوي عالمًبالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيراً بما يحيل معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينها، وعليه العمل كما هو مشاهد في الأحاديث الصحاح وغيرها، فإن الواقعة تكون واحدة، وتجيء الألفاظ متعددة من وجوه مختلفة متباينة. وأكثر مرويات الصحابة والتابعين بالمعنى إلا فيما يتعبد بلفظه كالتشهد والقنوت والصلاة وما هو من جوامع حكمه وَّطاهر، فإنهم كانوا يحرصون على روايته باللفظ النبوي. ثم إن هذا الخلاف لا يجري في الكتب المصنفة كالكتب الستة والمسانيد والمعاجم وغيرها، فليس لأحد أن يغير لفظ شيءً من كتاب، ويثبت بدله فيه لفظاً آخر بمعناه لأن الرواية بالمعنى إنما رخص فيها من رخص حين كان الحرج شديداً على الرواة في ضبط الألفاظ، وهذا غير موجود فيما اشتملت عليه الكتب. ٥٦ الأمَّة، ثم حدَّثني مالك أن ابن سيرين كان قد ثقُل وتخلّف عن الحجّ، فكان يأمر مَنْ يحجُّ أن ينظر إلى هَذْي القاسم ولَبُوسه وناحيته، فيبلغونه ذلك، فيقتدي بالقاسم. قال مُصْعَب الزُّبيري: القاسم من خيار التابعين. وقال العِجْلي: كان مِن خيار التابعين [وفقهائهم، وقال: مدني تابعي](١) ثقة، نزِهِ، رجل صالح. قال يحيى بن سعيد: سمعت القاسم بن محمد يقول: لأنْ يعيشَ الرجلُ جاهلاً بعد أن يَعْرفَ حقَّ اللهِ عليه خيرٌ له من أن يقولَ ما لا يعلم. وقال هشام بن عمَّار، عن مالك: قال: أتى القاسِمَ أميرٌ من أمراء المدينة، فسأله عن شيء، فقال: إن من إكرام المرء نفسه أن لا يقول إلاّ ما أحاط به علمه. وعن أبي الزِّناد قال: ما كان القاسم يُجيب إلاّ في الشيء الظاهر. ابن وهب، عن مالك أن عمربن عبد العزيز قال: لو كان إليَّ من هذا الأمر شيء ما عصَّبتُه إلَّ بالقاسم بن محمد. قال مالك: وكان يزيدُبن عبد الملك قد وَليَ العهدَ قبل ذلك، قال: وكان القاسمُ قليلَ الحديث، قليلَ الفُتيا، وكان يكونُ بينه وبين الرجل المداراة في الشيء، فيقول له القاسمُ: هذا الذي تُريد أن تُخاصمني فيه هو لك، فإِن كان حقاً، فهو لك، فخذه، ولا تَحْمَدني فيه، وإن كان لي، فأنت منه في حِلِّ، وهو لك. وروی محمدبن عبد الله البكري، عن أبيه: قال القاسم بن محمد: قد جعل الله في الصَّديقِ البارِّ المُقْبِل ◌ِوَضاً من ذي الرَّحِم العاقِّ المُدْبِر. (١) زيادة من التهذيب. ٥٧ روى حمَّادبن خالد الخياط، عن عبد الله بن عمر العُمَري قال: مات القاسمُ وسالم، أحدهما سنة خمس ومئة، والآخر سنة ستُّ. وقال خليفة بن خَيَّط: مات في آخر سنة ستٍّ أو أوَّل سنة سبع. وقال الهيثم بن عدي ویحییبن بُکیر: مات سنة سبع، زاد يحيى بقُدَيد(١). وقال يحيى بن معين وعلي بن المديني والواقدي وأبو عُبيد والفلَّس: سنة ثمان ومئة. زاد الواقدي: وهو ابن سبعين، أو اثنتين وسبعين سنة، وقد عمي وشذَّ ابنُ سعد، فقال: توفي سنة اثنتي عشرة ومئة، ولم يبق إلى هذا الوقت أصلاً. وكذا نقل أبو الحسن بن البراء عن علي، وقيل غير ذلك. أخبرنا إسحاق بن طارق، أخبرنا يوسف بن خليل، أخبرنا أحمدبن محمد، أخبرنا الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو نُعَيم، أخبرنا أبو بكربن خلَّد، حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا يزيد حدّثنا حمّادبن سلمة، عن ابن سَخْبَرة، عن القاسم، عن عائشة، عن النبي ◌َِّ قال: ((أعْظَمُ النِّساءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مُؤِنَةً)(٢). أخرجه النسائي عن محمدبن إسماعيل بن عُلَيَّة، عن یزیدبن هارون. قال يحيى القطّان: فقهاء المدينة عشرةٌ، فذكر منهم القاسم. وقال مالك: ما حدَّث القاسم مئة حديث. (١) موضع في الطريق بين مكة والمدينة بينها وبين الجحفة - ميقات أهل الشام - سبعة وعشرون میلاً. (٢) ((حلية الأولياء)) ١٨٦/٢، وإسناده ضعيف لجهالة ابن سخبرة وبعضهم يسميه الطفيل بن سخبرة، ويقال: هو عيسى بن ميمون المدني فإن يكنه، فهو ضعيف، وأخرجه أحمد ٨٢/٦ و١٤٥، والحاكم ١٧٨/٢، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، فأخطاً، وأخرج أبو داود (٢١١٧) من حديث عقبة بن عامر مرفوعاً(( خير النكاح أيسره)) وسنده صحيح، وصححه ابن حبان (١٢٥٧). ٥٨ وروى محمدبن الضَّحَّاك الحِزَامي، عن أبيه قال: قال عمربن عبد العزيز: لو كان إليَّ أن أعْهَدَ ما عَدَوْتُ صَاحِبَ الأعْوصِ ، يعني إسماعيل بن أُمية، أو (١) أعيمش بني تيم، يعني القاسم، فروى الواقدي عن أفْلَح بن حُميد أنها بلغت القاسمَ، فقال: إني لأضْعُفُ عن أهلي، فكيف بأمر الأُمَّة. قال ابن عون: کان القاسم ممَّن یأتي بالحديث بحروفه. قال يحيى بن سعيد: كان القاسم لا يكادُ يَعِيبُ على أحد، فتكلُّم ربيعة يوماً فأكثر، فلمَّا قام القاسمُ، قال: وهو متكىء عليَّ: لا أبا لغيرك، أتراهم كانُوا غافلين عمَّا يقولُ صاحبُنا- يعني عمَّا يقول ربيعة برأيه. حُمَيد الطويل، عن سليمان بن قَتَّة (٢)، قال: أرسلني عمربن عبيد الله التيمي إلى القاسم بخمس مئة دينار، فأبى أن يَقْبِلَها. وقال عُبَيد الله بن عمر: كان القاسمُ لا يفسِّر القرآن. وقال عكرمة بن عمَّار: سمعتُ القاسم وسالماً يلعنان القَدريّة. قال زيدبن يحيى: حدّثنا عبد الله بن العلاء قال: سألتُ القاسم أن يُمْلِيّ عليَّ أحاديث فمنعني، وقال: إن الأحاديثَ كثُرت على عهد عمر، فناشد الناسَ أن يأتوه بها، فلمَّا أَتَوْهُ بها، أمَرَ بتحريقها، ثم قال: مَثْنَاةَ كَمَثْنَاةٍ (٣). أهلِ الكتاب. (١) في الأصل ((إذ)) وهو خطأ، والأعوص: موضع على أميال من المدينة، والذي منع عمربن عبد العزيز أن يعهد إلى واحد منهما أن سليمان بن عبد الملك عهد إلى عمر بالخلافة، ولیزید من بعده. (٢) هو سليمان بن حبيب المحاربي يعرف بابن قتَّة، وهو القائل في رثاء الحسين بن علي رضي الله عنهما: أذلَّ رقابَ المسلمين فذلت. وإِن قتيلَ الطفِّ من آل هاشم ((تبصير المنتبه)) ١١٢٢. قلت: لكن البيت ومعه أربعة أبيات أخر أوردها ياقوت في ((معجم البلدان)). طف، ونسبها إلى أبي دهبل الجمحي. (٣) المثناة: كتاب وضعه أحبار بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب. ٥٩ روى أفْلَح بن حُمَيد، عن القاسم قال: اختلافُ الصحابة رحمة. أبو نُعيم: حدّثنا خالدبن إلياس قال: رأيتُ على القاسم جُبَّةٍ خٍَّ، وكِساءَ خزٍّ، وعِمامة خزّ. وقال أفلح بن حُميد: كان القاسم يلبس جُبَّةٍ خَزٍّ. وقال عطَّاف بن خالد: رأيتُ القاسم وعليه جُبَّة خزّ صفراء، ورداء مثنيٍّ. وقال معاذُبن العلاء: رأيتُ القاسم وعلى رحله قطيفةٌ من خزّ غبراء، وعليه رداء مُمَصَّر. وقال ابن زبر: دخلتُ على القاسم وهو في قُبَّةٌ مُعَصْفَرة، وتحته فراش مُعَصْفَر. وقال خالدبن أبي بكر: رأيتُ على القاسم عِمَامة بيضاء، قد سدّل خلفَه منها أكثر من شبر. وقيل: كان يخضِب رأسه ولحيته بالحِنَّاء، وكان قد ضَعُفَ جدّاً. وقيل: كان يُصفِّر لحيته. وقيل: إنه مات بقُديد، فقال: كفِّنوني في ثيابي التي كنت أصَلي فيها، قميصي وردائي. هكذا كُفِّن أبو بكر. وأوصى أن لا يُبنى على قبره. ١٩- إبراهيم بنُ یزید » (ع) التَّيمي: تيم الرّباب، الإِمام القدوة الفقيه عابد الكوفة أبو أسماء. حدَّث عن أبيه يزيد بن شَريك التيمي، وكان أبوه يزيد من أئمة الكوفة أيضاً. يروي عن عمر، وأبي ذرِّ، والكِبار، أخذ عنه أيضاً الحكمُ، وإِبراهيم النُّخعي، وحديثُه في الدواوين الستة. نَعمْ وحدَّث إبراهيمُ عن * طبقات ابن سعد ٢٨٥/٦، طبقات خليفة: ١٥٥، التاريخ الكبير ٣٣٣/١، ٣٣٤، الجرح والتعديل ١٤٦/٢، اللباب ١٩٠/١، تهذيب الكمال: ١٨، تذهيب التهذيب ٤٥٨١ /١، تاريخ الإسلام ٣٣٧/٣، العبر ١٠٦/١، طبقات القراء ٢٩/١، تهذيب التهذيب ١٧٧/١، النجوم الزاهرة ٢٢٥/١، طبقات الحفاظ: ٢٩، خلاصة تذهيب الكمال: ٢٣. ٦٠