النص المفهرس
صفحات 241-260
على سعيد بن المسيِّب من عِدَّة قُمُص الهَرَويّ (١). وكانَ يَلْبَسُ هذه الْبُرودَ الغالية البيض. أبان بن يزيد: حدّثنا قتادة، سألت سعيداً عن الصلاة على الطِّنْفِسة ، فقال: مُحْدَث(٢). موسى بن إسماعيل: حدّثنا عمران بن محمد بن سعيد بن المسيِّب، حدثتني غُنَيْمة جاريةُ سعيد، أنَّهُ كان لا يأذَنُ لبنتِهِ فِي لُعَب العاج، ويُرخِّصُ لها في الكَبَرِ تعني الطَبْل(٢). إسماعيل بن أبي أويس: حدّثنا محمد بن هلال، عن سعيد بن المسيِّب أنه قال: ما تجارةُ أعْجَبَ إليَّ من البِزِّ، مَا لَمْ يقَعْ فيهِ أَيْمان(٢). مُطَرِّف بن عبد الله: حدّثنا مالك، قال: قال بُرْدٌ مَوْلى ابن المسيِّب لسعيد بن المسيِّب، ما رأيتُ أحسنَ ما يصنعُ هؤلاء! قال سعيد: وما يصنعون؟ قال: يُصلِّي أحدُهم الظهر، ثم لا يزالُ صافاً رِجليه حتى يُصَلِّيَ العصر. فقال: ويحك يا بُرد أَمَا واللّه [ما] هي بالعبادة، إنَّما العبادة التفكّر في أمر الله، والكفُّ عن محارم الله (٣). سلَام بن مسكين: حدّثنا عِمْران بن عبد الله الخُزاعي، قال: قال سعيد ابن المسيِّب: ما خِفْتُ على نفسي شيئاً مخافةً النِّساء، قالوا: يا أبا محمد، إِنَّ مِثْلَك لا يُريدُ النساء، ولا تُريدُهُ النساء، فقال: هو ما أقولُ لكم. وكان شيخاً كبيراً أعمش (٤). (١) هرَّى ثوبه: اتخذه هروياً (نسبة إِلى هراة) أو صَبّغْهُ وصَفَّره ... قال ابن الأعرابي: ثوب مهرَّى إذا صُبغ بالصبيب وهو ماء ورق السمسم. والخبر في طبقات ابن سعد ١٣٤/٥ . (٢) المصدر السابق. (٣) ابن سعد ١٣٥/٥ وما بين الحاصرتين منه. (٤) ابن سعد ١٣٦٥ . ٢٤١ سير ١٦/٤ الواقديُّ: أنبأنا طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه، قال سعيد بن المسيِّب: قلةُ العِيال أحد الْيُسْرين(١). حمّاد بن زيد: حدّثنا عليُّ بن زيد، قال: قال لي سعيد بن المسيِّب: قُلْ لقائدك يقومُ ، فينظر إلى وجه هذا الرجل [وإِلى جسَده] فقام، وجاء فقال: رأيتُ وَجْهَ زنجيٍّ وجسده أبيض. فقال سعيد: إِنَّ هذا سبَّ هؤلاء: طلحة والزبير وعليّاً رضي الله عنهم، فنهيتُه [فأبى]، فدعوتُ اللّه عليه، قلتُ: إِنْ كنتَ كاذباً فسوَّدَ اللهَ وَجْهَك، فخرجَتْ بوجهِهِ قَرْحة، فاسودٍّ وجهُه(٢). مالك: عن يحيى بن سعيد، قال: سُئل سعيد بنُ المسيِّب عن آية، فقال سعيد: لا أقولُ في القرآن شيئاً(٣). قلت: ولهذا قَلَّ ما نُقِل عنه في التفسير. ذكرُ لباسه: قال ابنُ سَعْد في الطبقات(٤): أخبرنا قبيصة، عن عُبَيد بن نِسْطاس، قال: رأيتُ سعيد بن المسيِّب يَعْتُمُّ بِعِمامة سوداء، ثم يرسِلُها خلفَه، ورأيتُ عليه إزاراً وطيلساناً وخُفَّين. أخبرنا مَعْن، حدّثنا محمد بن هلال، أنه رأى سعيد بن المسيِّب یعتمُ وعليه قُلْسُوَةٌ لطيفة بِعمامة بيضاء، لها عَلَمُ أحمر يُرْخِيها وراءَهُ شِبْراً(٤). أخبرنا القَعْنَبِيُّ، حدّثنا عُثَيْم: رأيتُ ابنَ المسيِّب يَلْبَسُ في الفِطْر (١) المصدر السابق ولفظه (اليسارين). ١ (٢) ابن سعد ١٣٦/٥ وما بين الحاصرتين منه. (٣) ابن سعد ١٣٧/٥ . (٤) ١٣٨/٥. ٢٤٢ والأضحى عِمامة سوداء، ويلبسُ عليها بُرْنُساً أحمر أُرْجُواناً(١). أخبرنا عارِم، حدثنا حمّاد، عن شُعَيب بن الحَبْحاب: رأيتُ على سعيد ابن المسيِّب بُرْتُسَ أَرْجُوان (٢). أخبرنا أبو نُعيم، حدَّثنا خالد بن إلياس: رأيتُ على سعيد قميصاً إلى نصفٍ ساقه، وكماه إلى أطراف أصابعه، ورداءً فَوْقَ القميص، خمسةُ أُذْرُعٍ وشبر(٢). أخبرنا رَوْح، أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن إسماعيل بن عِمْران ، قال: كان سعيدُ بن المسيِّب يَلْبَسُ طَيْلساناً أزرارُه ديباج(٢). أخبرنا معن، حدثنا محمد بن هلال، قال: لم أَرَ سعيداً لبسَ غير البياض(٢). وعن ابن المسيِّب أنه كان يَلْبَس سراويل(٢). أخبرنا محمد بن عمر، حذثنا أبو معشر، قال: رأيتُ على سعيد بن المسيِّب الخزّ(٣). أخبرنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن عمرو(٤)، قال: كان ابن المسیِّب لا یخضِب. أخبرنا خالد بن مخلد، حدّثنا محمد بن هلال: رأيت سعيد بن المسيِّب يصفِّر لحيته(٥). أخبرنا إسماعيل بن [عبد الله بن] أبي أويس، حدثنا أبو الغُصْن أنَّهُ (١) ابن سعد ١٣٨/٥، ١٣٩. (٢) ابن سعد ١٣٩٥ . (٣) ابن سعد ١٤٠/٥ . (٤) في الأصل (عمر) وما أثبتناه من ابن سعد ١٤٠/٥ وتهذيب التهذيب. (٥) ابن سعد ١٤٠/٥ . ٢٤٣ رأى سعيد بن المسيِّب أبيضَ الرأس واللحية(١). وعن يحيى بن سعيد، أن ابن المسيِّب كان إذا مرَّ بالمكتب، قال للصبيان: هؤلاء الناس بعدنا(٢). ذکر مرضه ووفاته : قال ابن سَعْد(٣): حدثنا خالد بن مَخْلد، حدَّثني سُليمان بن بلال، حدثني عبد الرحمن بن حَرْمَلَة، قال: دخلتُ على سعيد بن المسيِّب وهو شديدُ المَرَض، وهو يُصلِّي الظُّهْر، وهو مستلقٍ يوميُ إيماءً، فسمعْتُه يقرأ بالشمس وضحاها. الثوريّ: عن ابن حَرْمَلة، قال: كنتُ مع ابن المسيِّب في جنازة، فقال رجل: استغفروا لها. فقال: ما يقول راجزهم! قد حرَّجتُ على أهلي أن يرجُزَ معي راجز، وأن يقولوا: مات سعيد بن المسيِّب، حَسْبِي مَنْ يَقْلِبُني (٤) إِلى ربي، وأنْ يمشوا معي بِمِجْمَر، فإِنْ أَكنْ طَيِّاً، فما عند اللّه أطيبُ مِنْ طِهم. معاوية بن صالح: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب قال: أوصيتُ أهلي بثلاث: أنْ لا يتبعني راجزٌ ولا نار، وأن يعجلوا بي، فإن يكن لي عند الله خَيْرِ، فهو خيرٌ مما عندكم(٥). أخبرنا إسماعيل بن [عبد الله بن] أبي أويس، حدَّثني أبي، عن عبد الرحمن بن الحارث المَخْزوميّ، قال: اشتدَّ وجعُ سعيد بن المسيِّب، فدخل عليه نافعُ بن جبير يعُوده، فأغمي عليه فقال نافع: وَجِّهوهُ. ففعلوا، فأفاق (١) المصدر السابق وما بين الحاصرتين منه. (٢) ابن سعد ١٤٧٥ . (٣) في الطبقات ١٤٧/٥ . (٤) في الطبقات ١٤١/٥: (يقبلني) وفي رواية له: (يبلغني). (٥) ابن سعد ١٤٢٥ . ٢٤٤ فقال: من أمْرَكُمْ أن تحوّلوا فراشي إلى القِبْلة، أنافع؟ قال: نعم. قال له سعيد: لئن لَمْ أَكْنْ على القِبْلة والمِلَّة واللّه لا ينفعني توجيهُكُم فراشي(١). ابن أبي ذِئْب: عن أخيه المغيرة، أنَّه دخل مع أبيه على سعيد وقد أُغْمِيَ عليه، فُوُجِّه إلى القبلة، فلما أفاق، قال: من صنَعَ بي هذا، ألستُ امرءاً مسلماً؟ وجهي إلى الله حيثُ ما كنت(٢). أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن قيس الزيَّات، عن زُرْعة بن عبد الرحمن، قال سعيد بن المسيِّب: يا زُرْعة، إني أشهدُك على ابني محمد لا يُؤْذِنَنَّ بي أحداً، حسبي أربعةٌ يحملوني إلى ربي(٣). وعن يحيى بن سعيد، قال : لما احتُضِر سعيد بن المسيِّب، ترك دنانير، فقال: اللهمَّ إِنَّكَ تعلمُ أني لم أترُكْها إِلَّ لأَصُونَ بها حَسَبي وديني (٤). أخبرنا محمد بن عُمر، حدثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فَرْوة، شهدتُ سعيد بن المسيِّب يومَ مات سنة أربعٍ وتسعين، فرأيت قبرهُ قد رُشَّ عليه الماء، وكان يُقال لهذه السَّنة سنة الفقهاء لكثرةٍ مَنْ ماتَ منهم فيها(٥). وقال الهيثمُ بن عديّ: مات في سنةٍ أربعٍ وتسعين عِدَّةُ فُقهاء، منهم سعيدُ بن المسيِّب. وفيها أرَّخ وفاةَ ابن المسيِّب سعيد بن عُفَيْر، وابنُ نمير، والواقديّ. وما ذكر ابن سَعْد سواه. (١) ابن سعد ١٤٢/٥ وما بين الحاصرتين منه. (٢) ابن سعد ١٤٢/٥، ١٤٣. (٣) ابن سعد ١٤٣/٥ وزاد: ((ولا تتبعني صائحة تقول فيّ ما ليس فيّ)). (٤) المصدر السابق. (٥) ابن سعد ١٤٣/٥. ٢٤٥ وقال أبو نُعَيم، وعليُّ بن المدِيني: تُوفِّيَ سنة ثلاثٍ وتسعين. وقال أحمدُ بن حنبل: حدثنا حمَّد بن خالد الخيَّاط أن سعيد بن المسيِّب تُوفِّيَ سنة خمسٍ وتسعين. والأوَّلُ أُصحُ. وأمَّا ما قال المدائني وغَيْرُه من أنَّهُ تُوفّي سنة خمسٍ ومئة فَغلط. وتبعهُ عليه بعضُهم، وهي رواية عن ابن معين. ومال إليه أبو عبد الله الحاكم، واللهُ أعلم. آخر الترجمة والحمد لله. ٨٩ - عبد الملك بن مروان * ابن الحكم بن أبي العاص بن أميَّة، الخليفةُ الفقيه، أبو الوليد الأمويّ. ولد سنة ستٍ وعشرين. سمع عثمان، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وأُمَّ سلمة، ومعاوية، وابن عُمر، وبَرِيرَة، وَغَيْرَهم. ذكرتُهُ لغزارة عِلْمِه. حدَّث عنه عُرْوة، وخالد بنُ معدان، ورجاء بنُ حَيْوة، وإسماعيل بن عبيد الله، والزُّهْريّ، وربيعةُ بن يزيد، ويونس بن مَيْسَرة، وآخرون. * طبقات ابن سعد ٢٢٣/٥، طبقات خليفة ت.٢٠٦١، المحبّر ٣٧٧، تاريخ البخاري ٤٢٩٥، المعارف ٣٥٥، المعرفة والتاريخ ٥٦٣/١، تاريخ اليعقوبي ١٤/٣، مروج الذهب ٢٩٢/٣، تاريخ بغداد ٣٨٨/١٠، طبقات الفقهاء للشيرازي ٦٢، تاريخ ابن عساكر ٢٥٢/١٠ آ، تاريخ ابن الأثير ٥١٧/٤ وما بعدها، تهذيب الأسماء واللغات القسم الأول من الجزء الأول ٣٠٩، تهذيب الكمال ص ٨٦٦، تاريخ الإسلام ٢٧٦/٣، العبر ١٠٢/١، تذهيب التهذيب ٢٥٣/٢ ب، ميزان الاعتدال ٦٦٤/٢، فوات الوفيات ٤٠٢/٢، البداية والنهاية ٢٦٠/٨، و٦١/٩، العقد الثمين ٥١٢/٥، تهذيب التهذيب ٤٢٢/٦، النجوم الزاهرة ٢١٢/١، خلاصة تذهيب التهذيب ٢٤٦، شذرات الذهب ٩٧/١. ٢٤٦ تملَّكَ بعد أبيه الشام ومِصْر، ثم حارب ابنَ الزُّبَيْر الخليفة، وقتل أخاه مُصْعباً في وقعة مَسْكِن(١)، واستولى على العراق، وجهّز الحجّاج لحرب ابن الزُّبير، فقتل ابن الزبير سنة اثنتين وسبعين، واستوسقتِ الممالك لعبد الملك. قال ابن سَعْد: (٢) كان قبل الخلافة عابداً ناسكاً بالمدينة. شهد مقتل عثمان وهو ابنُ عشر، واستعمله معاوية على المدينة. كذا قال، وإنما استعمل أباه. وكان أبيض طويلاً، مقرونَ الحاجبين، أعْين، مُشْرفَ الأنف، رقيقً الوجْه، ليس بالبادن، أبيضَ الرأس واللحية(٣). عبد الله بن العلاء بن زّبْر، عن يونس بن مَيْسَرة، عن عبد الملك، أنه قال على المنبر: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَّلفيه: ((ما من مُسلم لا يغزو، أو يُجْهِّزُ غازياً، أو يَخْلُفُهُ بخَيْرِ إِلَّ أصَابَهُ اللهُ بقارعةٍ قَبْلَ المَوْت))(٤). قال عبادة بن نُسَيّ: قال ابن عُمر: إن لمروان ابناً فقيهاً فسلوه(٥). وقيل: إن أبا هريرة نظر إلى عبد الملك وهو غلام فقال: هذا يملك العرب. (١) انظر صفحة ١٤٤ من هذا الجزء. (٢) في الطبقات ٢٢٤/٥، و٢٣٤. (٣) تاريخ بغداد ٣٩١/١٠. (٤) رجاله ثقات خلا عبد الملك؛ وأخرجه أبو داود (٢٥٠٣) وابن ماجه (٢٧٦٢) والدارمي ٢٠٩/٢، من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا يحيى بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبى أمامة ... وسنده قوي. (٥) المعرفة والتاريخ ٥٦٣/١، تاريخ بغداد ٣٨٩/١٠. ٢٤٧ 1 جرير بن حازم، عن نافع، قال: لقد رأيتُ المدينة وما بها شابٌّ أشدُّ تشميراً ولا أفْقَهُ ولا أنسكُ ولا أقرأ لكتاب الله مِنْ عبد الملك(١). وقال أبو الزناد: فقهاءُ المدينة: سعيدُ بن المسيِّب، وعبد الملك، وعُرْوة، وقبيصةُ بن ذؤيب(٢). وعن ابن عُمر: وَلَدَ الناسُ أبناء، ووَلد مروانُ أباً. وعن يحيى بن سعيد الأنصاري: أول من صلَّى بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه كانوا يصلُّون إلى العصر. إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: ما جالستُ أحداً إلا وجدتُ لي عليه الفَضْل إلاّ عبد الملك، وقيل: إنه تأوّه من تنفيذ يزيد جيشه إلى حرب ابن الزبير، فلما وَلِي الأمر، جهّز إليه الحجاج الفاسق. قال ابن عائشة: أفْضى الأمرُ إلى عبد الملك والمُصْحَفُ بَيْنَ يديْه، فأطبقَهُ وقال: هذا آخِرُ العَهْد بك(٣). قلت: اللهمَّ لَا تَمْكُر بنا. قال الأصمعي: قيل لعبد الملك: عَجِل بك الشيْبُ. قال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جُمعة. قال مالك: أوَّل مَنْ ضرب الدنانير عبدُ الملك، وكتب عليها القرآن (٤). (١) ابن عساكر ٢٥٤/١٠ آ، وانظر ابن سعد ٢٣٤/٥. (٢) المعرفة والتاريخ ٥٦٣/١. (٣) تاريخ بغداد ٣٩٠/١٠. (٤) وقال المؤلف في تاريخه ٢٧٩/٣: ((وقال مصعب بن عبد الله: كتب عبد الملك على الدينار (قل هو الله أحد) وطوّقه بطوق فضة وكتب فيه ضرب بمدينة كذا)) وكتب في خارج الطوق (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق). ٢٤٨ وقال يوسف بن الماجشُون: كان عبدُ الملك إذا جلس للحُكْم قِيمَ على رأسه بالسُّیوف. وعن يحيى بن يحيى (١) الغسَّاني، قال: كان عبدُ الملك كثيراً ما يجلسُ إلى أُمِّ الدرداء في مؤخّرٍ مسجدٍ دمشق، فقالتْ: بلغني أنَّكَ شربْتَ الطَّلاء(٢) بعد النُّسْك والعبادة! فقال: إي واللّهِ، والدِّماء. وقيل: كان أبخر(٣). قال الشعبي: خطب عبد الملك، فقال: اللهمَّ إن ذنوبي عِظَام، وهي صغار في جنْب عفوك يا كريم، فاغفرها لي(٤). قلتُ: كان من رجال الدَّهْرِ ودُهاةِ الرجال، وكان الحجّاجُ من ذنوبه. تُوفِّي في شؤَّال سنة ستُّ وثمانين عن نيِّفٍ وستين سنة. ٩٠ -عبد العزيز بنُ مروان * (د) ابنِ الحكم، أمير مِصْر، أبو الأصْبَغ المدنيّ، وَلِيَ العَهْدَ بَعْدٌ عبد الملك، عقد لَهُ بذلك أبوه، واستقلَّ بمُلْك مِصْر عشرين سنة وزيادة. (١) في الأصل: (يحيى بن بحر) وهو تصحيف وما أثبتناه من الميزان للمؤلف، والخبر في ابن عساكر ٢٦٢/١٠ آ. (٢) الطّلاء: ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، وبعض العرب تسمي الخمر به. (٣) له نتن في فمه. (٤) ابن عساكر ٢٦٣/١٠ ]. * طبقات ابن سعد ٢٣٦/٥، طبقات خليفة ت ٢٠٦٢، تاريخ البخاري ٨/٦، المعارف ٣٥٥ و٣٦٢، ولاة مصر وقضاتها ٤٨، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الثاني ٣٩٣، تاريخ ابن عساكر ١٩٤/١٠ ب، تهذيب الأسماء واللغات القسم الأول من الجزء الأول ٢٠٦ ، تهذيب الكمال ص ٨٤٧، تاريخ الإسلام ٢٧٤/٣، العبر ٩٩/١، تذهيب التهذيب ٢٤٣/٢ ب، البداية والنهاية ٥٧/٩، خطط المقريزي ٢٠٩/١، تهذيب التهذيب ٣٥٦/٦، النجوم الزاهرة ١٧١/١ وما بعدها، حسن المحاضرة ٢٦٠/١ و٥٨٦، خلاصة تذهيب التهذيب ٢٤١، شذرات الذهب ٩٥/١، خزانة الأدب ٥٨٣/٣. ٢٤٩ يروي عن أبيه، وأبي هريرة، وعُقْبة بن عامر، وابن الزبير، وله بدمشق دارٌ إلى جانب الجامع، هي السُّمَيْساطِيَّة(١). روى عنه ابنه ◌ُمَر بن عبد العزيز، والزُّهْريّ، وكثير بن مُرَّة، وعُليُّ بن رَبَاح، وابن أبي مُلَيكة، وبَحِير بن ذَاخر(٢). وثّقَه ابنُ سعد، والنَّسائي. وله في سنن أبي داود حديث. قال سويد بن قيس: بعثني عبد العزيز بن مروان بألفٍ دینار إلى ابن عُمَر، فجئتُهُ بها ففرَّقَها(٣). قال ابن أبي مُلَيْكة: شهدتُ عبد العزيز عند الموت يقول: يا ليتني لمْ أَكنْ شيئاً، يا ليتني كهذا الماء الجاري. وقيل: قال: هاتوا كَفني، أُفٍّ لكِ ما أَقْصَرَ طويلَكِ وأقلَّ كثيرَكِ (٤). وعن حمّاد بن موسى، قال: لما احتُضِر عبدُ العزيز، أتاه البشير يُبِشِّرُهُ بماله الواصل في العام، فقال: مالك؟ قال: هذه ثلاث مئة مُدْىٍ من ذَهَب. قال مالي وله، لَوَدِدْتُ أَنَّه كان بَعْراً حائلاً بِنَجْد(٥). قلتُ: هذا قولُ كُلِّ مَلِكٍ كثير الأموال، فهلا يُبادر ببذله. (١) هي خانقاه السُّمَيْساطيّة نسبة للسُّمَيْساطي أبي القاسم. علي بن محمد بن يحيى السلمي الحبشي، من أكابر الرؤساء بدمشق المتوفّى ٤٢٣ هـ الذي اشتراها حين قدم دمشق. وسُميساط قلعة على الفرات بين قلعة الروم وملطية .. انظر الدارس ١٥١٢. (٢) هو بحير المعافري، ذكر البخاري أنه كان من حرس عبد العزيز بن مروان. (٣) ابن عساكر ١٩٧/١٠ آ. (٤) ابن عساكر ١٩٨/١٠ آ. (٥) الخبر في ابن عساكر ١٩٨/١٠ آ ولفظه: (( ... أتى بشير يُبَشِّرُهُ بماله الذي كان بمصر حين كان عاملًا عليها، فقال: مالك، هذه ثلاث مئة مدي من ذهب؛ قال: مالي وله والله لوددت أنه كان بحراً حائلاً ببحر)). ٢٥٠ قال ابن سَعْد، وسعيد بن عُفّيْرِ، والزياديُّ، وغَيْرُهم: ماتَ سنة خمسٍ ء وثمانين. وقال ابن يونس: قال اللَّيْث: مات في جُمادى الآخرة سنة ستْ وثمانين. قلتُ: الأوَّل أصحّ، وقد كان ماتَ قَبْلَهُ ابنُه أصْبَغ بستّة عشرَ يوماً فحزنَ عليه ومَرض وماتَ بِحُلْوان، مدينةٍ صغيرة أنشأها على بريد فوْقَ مِصْر. وعاش أخوه عبدُ الملك بعده، فلمّا جاءه نعْيُه عقد بولاية العهد لابنّيْه: الوليد ثم سُلَیمان. ٩١ - رَوْح بن زنباع* ابن رَوْح بن سلامة، الأميرُ الشريف، أبو زُرْعَة الجُذَامِيُّ الفِلَسْطينيّ، سيِّدُ قومه. وكان شِبْهَ الوزير للخليفة عبد الملك. روى عن أبيه- وله صحبة- وعن تميم الداريِّ، وعُبَادَة بن الصامت. وعنه: ابنه رَوْحِ بن رَوْح، وشُرَحْبِيل بن مسلم، وعُبَادةُ بن نُسَيّ، وآخرون. وله دارٌ بدمشق في البُزوریین(١)، وَلِيَ جند فلسطين ليزيد. وكان يوم مَرْجِ راهِط(٢) مَعَ مروان. وقد وَهِمَ مُسْلم، وقال: له صُحْبة. وإنما الصُّحْبةُ لأبيه . تاريخ البخاري ٣٠٧/٣، البيان والتبيين ٣٥٨/١، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الأول ٤٩٤، الاستيعاب ت ٧٨٦، تاريخ ابن عساكر ١٤٩/٦ ب، أسد الغابة ١٨٩/٢، تاريخ الإسلام ٢٤٨/٣، العبر ٩٨/١، البداية والنهاية ٥٢٨٩ و٥٤، الإصابة ت ٢٧١٣، تعجيل المنفعة ١٣١، النجوم الزاهرة ٢٠٥/١، شذرات الذهب ٩٥/١، تهذيب ابن عساكر ٣٤٠/٥. (١) البزوريين: من أسواق دمشق القديمة، يعرف بسوق القمح أيضاً، واليوم بـ (سوق البزوريَّة) موقعه في الجهة الجنوبية من (الخضراء) انظر تاريخ ابن عساكر المجلدة الثانية ص ١٤٢ والمخطط رقم (١). (٢) راهط: اسم رجل من قضاعة، ومرج راهط: موضع به كانت الوقعة المشهورة بين= ٢٥١ روى ضَمْرة، عن شيخ له، قال: كان رَوْح بن زنباع إذا خرج من الحمَّام، أعتق رقبةً . قال ابن زَبْر: تُوُفِّيَ سنة أربعٍ وثمانين. قلت: هو صَدُوق، وما وقع له شيء في الكُتب الستّة، وحديثه قليل. ٩٢ -ابن أمّ بُرْثَن * (م، د) الأمير عبدُ الرحمن بن آدم البَصْريّ، صاحبُ السقاية، هو عبد الرحمن ابن أُمِّ بُرْثُن. لعلَّهُ ابنُ مُلاعِنة. وآدم هنا. هو أبونا عليه السلام. وقيل: عبد الرحمن بن بُرْثُم، وابن بُرْثُن. وقيل: عبد الرحمن مَوْلى أم بُرْثُن. من جِلَّة التابعین. روى عن أبي هُرَيرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو. وعنه: أبو العالية الرِّياحيّ- وهو من طبقته - وقتادة، وسليمان التيمي، وعوف الأعرابي. قال المدائني: استعمل عُبيد الله بن زياد ابن أم بُرْثُن، ثم غَضِبَ عليه وغَرَّمَه مئةَ ألف، فخرج إلى يزيد، قال: فنزلتُ على مرحلة من دمشق، = مروان بن الحكم وأنصار عبد الله بن الزبير. وكان مروان قد همّ بالمسير إلى المدينة لمبايعة ابن الزبير، فقال له عبيد الله بن زياد: استحييتُ لك من هذا الفعل إذْ أصبحتَ شيخ قريش المشار إليه وتبايع عبد الله بن الزبير وأنت أولى بهذا الأمر منه! فقال له: لم يفت شيء فبايعه، وبايعه أهل الشام وخالف عليه الضحاك بن قيس الفهري، وصار أهل الشام حزبين: حزب اجتمع إلى الضحاك بمرج راهط بغوطة دمشق، وحزب مع مروان، وكانت الوقعة بينهما، قتل فيها الضحاك واستقام الأمر لمروان، انظر معجم البلدان وتاريخ الطبري ٥٣٥/٥ . * طبقات خليفة ت ١٦٥٢، تاريخ البخاري ٢٥٤/٥، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الثاني ٢٠٩، تاريخ ابن عساكر ٤٢٤/٩ آ، تهذيب الكمال ص ٧٧٤، تاريخ الإسلام ٢٧٠/٣، تذهيب التهذيب ٢٠٣/٢ آ، تهذيب التهذيب ١٣٤/٦، خلاصة تذهيب التهذيب ٢٢٣. وفيه (برثم). ٢٥٢ ----- وضُرب لي خباء وحجرة، فإذا کلب دخل في عنقه طوق من ذهب، فأخذته، وطلع فارس فهبته، وأنزلته، فلم ألبث أن توافت الخيل، فإذا هو يزيد بن معاوية. فقال لي بعدما صلَّى: من أنت؟ فأخبرتُه، فقال: إن شئت، كتبت لك هنا. وإن شئتَ دخلتَ؛ [قلتُ: بل تكتب لي من مكاني؛ قال: ] وأمَرَ بأن تُردَّ عليَّ المئةُ ألف، فرجعتُ؛ قال: وأعتَقَ هناك ثلاثين مملوكاً، وكان يتألَّه. وقال المدائني(١): رمى عبداً له بسَفُود فأخطأهُ، وأصاب وَلَده فنتَر دِماغَه، فخاف الغلام، فقال: اذهب فأنتَ حُرّ، فلو قتلتُك، لكنتُ هلكتُ، لأني كنتُ متعمداً وأصبتُ ابني خطأً. ثم عمي عبدُ الرحمن بعدُ، ومَرض. وقيل: كانت أمُّه تعمل الطيب وتخالط نساءً ابن زياد، فالتقطتْ هذا وربّتْه. مات في خلافة عبد الملك بن مروان، وهو ثقة. ٩٣ - أبو رجاء العُطّاردي * (ع) الإِمامُ الكبير، شيخُ الإِسلام، عِمْران بن مِلْحَان التميميّ البصريّ، من كبار المُخَضْرَمين، أدركَ الجاهليّة، وأسلمَ بعد فتحٍ مَكّة، ولم يرَ النّبِيِّ ◌َّدٍ. أورده أبو عُمَر بنُ عبد البرّ في كتاب ((الاستيعاب))(٢). وقيل: إنه رأى أبا بكر الصدیق . (١) في الأصل: (فقال) لعلّه تصحيف لأن ابن عساكر أورد الخبر متصلاً فلم يكرر ذكر المدائني. ابن عساكر ٤٢٤/٩ ب وما بين الحاصرتين منه. * طبقات ابن سعد ١٣٨٧، طبقات خليفة ت ١٥٦٤، تاريخ البخاري ٤١٠/٦، المعارف ٤٢٧، الجرح والتعديل القسم الأول من المجلد الثالث ٣٠٣، الحلية ٣٠٤/٢، الاستيعاب ت ١٩٧١، أسد الغابة ١٣٦/٤ و ١٩٧/٥، تاريخ الإسلام ٢١٧/٤، تذكرة الحفاظ ٦٢/١، العبر ٠١٢٩/١، تذهيب التهذيب ١١٥٣ ب، الإصابة كنى ت ٤٣٣، تهذيب التهذيب ١٤٠/٨، النجوم الزاهرة ٢٤٣/١، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٢٥، خلاصة تذهيب التهذيب ٢٩٦، شذرات الذهب ١٣٠/١. (٢) ١٢٠٩/٣ ت ١٩٧١ . ٢٥٣ حدَّث عن عُمَر، وعليّ، وعِمْران بن حُصَين، وعبد الله بن عباس، وسَمُرَة بن جُنْدب، وأبي مُوسى الأشعريّ- وتلقَّنَ عليه القرآن، ثم عَرَضه على ابن عباس، وهو أسنُ من ابن عباس. وكان خَيِّراً تلَّءُ لكتاب الله. قرأ عليه أبو الأشْهب العُطَارديّ وغَيْرُه. وحَدَّث عنه: أيُّوب، وابنُ عون، وعَوْف الأعرابي، وسعيد بن أبي عَروبة ، وسَلْم بن زَرِير، وصخر بن جُوَيرية، ومَهْدِيُّ بنُ ميْمون، وخلقٌ کثیر. قال جرير بن حازم: سمعتُه يقول: هَرَبنا من النبيِّ وَّهِ. فقلتُ له: ما طَعْمُ الدَّمِ ؟ قال: ؟ حلْوٌ(١). قال الأصمعي: حدّثنا أبو عمرو بن العلاء، قلت لأبي رجاء: ما تذْكُر؟ قال: أَذْكُر قَتْلَ بِسطَام، ثم أنشد: كأنَّ جَبِينَهُ سيْفٌ صَقِيلُ(٢) وخرَّ على الأَلاءةِ لمْ يُوسَّدْ ثم قال الأصمعي: قُتل بِسْطامُ قَبْل الإِسلام بقليل. أبو سلمة المِنْقريُّ: حدثنا أبو الحارث الكِرْمانيّ- [وكان] ثقةً- قال: سمعتُ أبا رجاء يقول: أدركتُ النبيِّي ◌َّهِ وأنا شابٍّ أَمْرَدِ، ولَمْ أَرَ ناساً كانوا أضلَّ مِنَ العَرَب، كانوا (٣) يجيئون بالشاة البيضاء فيعبُدونها، فيختلسُها الذئبُ، فيأخذون أخرى مكانها يعبدونها، وإذا رأوا صخرةً حسنةً، جاؤوا (١) انظر تفصيل الخبر على صفحة ٢٥٦. (٢) ابن سعد ١٣٨٧، والبيت من مرئيَّة لابن عنّمة الضبيّ في مقتل بسطام بن قيس أوردها أبو تمام في حماسته رقم (٣٥٥) صفحة ١٠٢١ بشرح المرزوقي، وهو في المعارف لابن قتيبة ٤٢٨ والجمهرة ١٨٩/١ واللسان والتاج مادة (ألأ) وقد تصحّف في الأصل لفظ الألاءة إلى (ألاآة). (٣) في الأصل (كان) والخبر في الاستيعاب ١٢١٠/٣، ١٢١١، وما بين الحاصرتين منه. ٢٥٤ بها، وصلّوا إليها، فإذا رأوْا أحْسن منها رَمَوْها. فُبعث رسولُ الله ◌َّ وأنا أرعى الإِبل على أهْلي، فلما سمعنا بخروجه، لَحِقْنَا بُمُسيلمة(١). وقيل: إن اسم أبي رجاء العطاردي عمران بن تيم، وبنو عطارد: بطنٌ / من تميم، وكان أبو رجاء فيما قيل- يخضِبُ رأسَهُ دون لحيته. قال ابن الأعرابي: كان أبورجاء عابداً، كثيرَ الصلاة وتلاوة القرآن كان يقول: ما آسى على شيءٍ مِنَ الدُّنْيا إلَّ أن أُعفِّر في التراب وجهي كُلَّ يومٍ خمْسَ مرَّات(٢). قال ابن عبد البر: (٣) كان رجلاً فيه غفلة، وله عبادة، عُمِّر عُمْراً طويلاً أزْيَدَ مِنْ مئةٍ وعشرين سنة. ذكر الهيثمُ بنُ عديّ، عن أبي بكر بن عيَّاش، قال: اجتمع في جنازةٍ أبي رجاء الحسنُ البصري والفرزدق، فقال الفرزدق: يا أبا سعيد، يقولُ الناس: اجتمع في هذه الجنازة خَيْرُ الناسِ وشرُّهم. فقال الحسن: لستُ بِخَيرْ الناس ولستَ بشرِّهم لكنْ ما أعددْتَ لهذا اليوم يا أبا فراس؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وعبدُه ورسوله، ثم انصرف وقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّاسَ ماتَ كَبِيرُهُمْ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثِ بَعْثِ مُحَمَّدٍ ولم يُغْنِ عِنْهُ عَيْشُ سَبْعين حِجَّةً وسِتِينَ لمَّا بَاتَ غَيْرِ مُوسَّدٍ إِلَى حُفْرَةٍ غَبْراءَ يُكْرَهُ ورْدُها سِوى أنَّها مَثْوىْ وَضِيعٍ وَسَبِّدِ (١) في الأصل: سمعنا بمسيلمة، والتصحيح من تاريخ المؤلف والاستيعاب، وقال الحافظ في الإصابة: ((وفي صحيح البخاري من طريق: لما بُعث النبي ( فررنا إلى النار إلى مسيلمة)). (٢) انظر الحلية ٣٠٦/٢. (٣) في الاستيعاب ١٢١١٣. ٢٥٥ وَلَوْ كَانَ طُولُ العُمْرِ يُخْلِدُ واحداً وَيَدْفَعُ عَنْهُ عَيْبَ عُمْرٍ عَمَرَّد لِكَانَ الذي راحُوا بِهِ يَحْمِلُونَهُ مُقِيماً ولكنْ ليْسَ حِيِّ بِمُخْلَدٍ نُرُوحُ وَتَغْدُو والحُنُوفُ أمَامَنا يضَعْنَ بِنَاحْفَ الرَّدَىْ كُلِّ مَرْصَدٍ(١) أخبرنا إسحاقُ بن طارق، أنبأنا ابن خليل، أنبأنا أحمد بن محمد، أنبأنا الحدَّاد، أنبأنا أبو نُعَيم، أنبأنا أحمد بن محمد بن عبد الوهّاب، حدثنا أبو العباس السرَّاج، حدثنا المفضَّلُ بنُ غسّان، حدثنا وَهْبُ بن جرير، عن أبيه، سمعتُ أبا رجاء يقول: بلغَنا أَمْرُ النبي ◌َّهِ ونَحْنُ على ماءٍ لنا يُقال له سَنَد(٢)، فانطلقْنا نحو الشجرة هاربين بعيالنا، فبينا أنا أسوقُ القوم، إذ وجدت كُراع ظبي، فأخذتُه فأتيتُ المرأة، فقلتُ: هل عِنْدَكِ شعير؟ فقالت: قَدْ كانَ في وِعَاءٍ لَنا عامَ أوَّل شيءٌ مِنْ شعير، فما أدري بقيَ مِنْهُ شيءٍ أم لا. فأخذْتُهُ فنفضْتُهُ فاستخرجتُ منه ملء كفٍّ مِنْ شعير، ورضخْتُه بين حَجَرِيْن، وألقَيْتُه والكُراعَ في بُرْمَةٍ لِنَا، ثم قمتُ إلى بعير، ففصدْتُه إناءً مِنْ دم، وأوقدتُ تحْتَهُ، ثُمَّ أخذْ [تُ] عُوداً فلبكْتُهُ به لَبْكاً شديداً حتى أنضجته، ثُمَّ أكلنا. فقال له رجل: وكيف طعْمُ الدَّم؟ قال: حُلْوٌ (٣). مُحْرِز بنُ عَون: حدَّثنا يوسف بن عَطِيَّة، عن أبيه: دخلتُ على أبي رجاء فقال: بُعث النبيُّونَ ﴿ وكان لنا صنّمٌ مُدَوَّر، فحملناهُ على قَتَب، وتحوَّلنا ففقَدْنا الحجر، انْسَلَّ فوقعَ في رمْل، فرجعنا في طلبه فإذا هو في رمْلٍ قدْ غابَ فيه، فاستخرجتُهُ، فكانَ ذلك أوَّل إسلامي، فقلتُ: إِنَّ إلهاً لم يَمْتَنعْ مِنْ تُرابِ يغيبُ فيه لإِلهُ سوْءٍ وإنَّ العنْزِ لتمنعُ حَيّاها بذنبِها. فكان (١) الأبيات والخبر في الاستيعاب ١٢١١/٣، وانظر ابن سعد ١٤٠٨٧ وطبقات ابن سلام ٣٣٥ والكامل للمبرد ١١٩/١ وصفحة ٥٨٤ من هذا الجزء. (٢) بلد معروف في البادية وقيل ماء معروف لبني سعد. معجم البلدان. (٣) الحلية ٣٠٥/٢ وما بين الحاصرتين منه. ٢٥٦ ذلك أوَّلَ إِسلامي. فرجعتُ إلى المدينة وقد تُوفِّيَ النبيُّ وَيٍ(١). قال عُمَارة المِعْوَليّ: سمعتُ أبا رجاء يقول: كُنَّا نَعْمَدُ إلى الرمل فنجمعه ونحْلُبُ عليه، فنعبده، وكنا نعمَدُ إلى الحجر الأبيض، فنعبده(٢). قال أبو الأشهب: كان أبو رجاء العطاردي يخْتِمُ بنا في قيام لِكل عشرة أيام . قال ابن عبد البرّ(٣) وغيره: مات أبو رجاء سنةً خمسٍ ومئة ، وله أزيد من مئةٍ وعشرين سنة. وقال غَيْرُ واحدٍ مِنَ المُؤْرِّخين: مات سنة سبعٍ ومئة. وقيل: سنة ثمان. ٩٤- الأسوَدُ بنُ هِلال * (خ، م، د، س) أبو سَلَّام المحاربي الكوفيّ، من كُبَراء التابعين، أدْرَك أيَّامَ الجاهليَّة. وقد حدَّثَ عن عُمَر، ومعاذ، وابن مسعود، وأبي هريرة، وما هو بالمُكثِر. حدَّث عنه: أشْعَثُ بن أبي الشعثاء، وأبو إسحاق السَّبيعي، وأبو حَصين عثمان بن عاصم، وجماعة. وثَّقْهُ يحيى بنُ مَعِين. تُوقِّي سنة أربعٍ وثمانين. (١) الحلية ٣٠٥/٢، ٣٠٦. (٢) الحلية ٣٠٦/٢. (٣) في الاستيعاب ١٢١١٣. * طبقات ابن سعد ١١٩/٦، طبقات خليفة ت ١٠٠٤، تاريخ البخاري ٤٤٩/١، الجرح والتعديل القسم الأول من المجلد الأول ٢٩٢، تهذيب الكمال ص ١٠٣، تاريخ الإسلام ٢٤٢٨٣، تذهيب التهذيب ٦٨/١ آ، الإصابة ت ٤٥٩، تهذيب التهذيب ٣٤٢/١، خلاصة تذهيب التهذيب ٣٧. ٢٥٧ سير ١٧/٤ ٩٥ - الرَّبيع بنُ خُثَيْم * (خ، م) ابن عائذ، الإِمامُ القدوةُ العابد، أبو يزيد الثَّوْرِيُّ الكوفيُّ، أحدُ الأعلام. أدرك زمانَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم، وأرسلَ عنه. وروى عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيُّوب الأنصاري، وعمرو بن ميْمون وهو قليلُ الرواية إلّ أَنَّهُ كبيرُ الشأن. حدَّث عنه: الشعبيُّ، وإبراهيمُ النَّخَعُيُّ، وهِلال بن يِساف، ومُنْذِر الثَّوْريّ، وهُبْرة بن خزيمة، وآخرون. وكان يُعَدُّ من عُقلاء الرجال. رُوِيَ عَنْ أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: كانَ الربيع بنُ خُثَيْم إذا دخل على ابن مسعود لم يكُنْ له إذْنٌ لأحد حتى يفرغ كُلُّ واحدٍ مِنْ صاحبه. فقال له ابن مسعود: يا أبا يزيد، لو رآك رسولُ اللهِ وَّ﴿ لأحَبَّك، وما رأيتُك إلا ذكرت المُخْبتين(١). فهذه مَنْقَبةٌ عظيمةٌ للربيع، أخْبرني بها إسحاق الأسدي، أنبأنا ابنُ خليل، أنبأنا أبو المكارم التَّيْمي، أنبأنا أبو عليِّ المقرئِّ، أنبأنا أبو نُعيم، حدثنا الطبراني، حدَّثنا عبدان بن أحمد، حدثنا أزهر بن مَرْوان، حدثنا عبدُ الواحد ابن زياد، حدثنا عبد الله بن الربيع بن خُثَيْم، حدثنا أبو عُبيدة. أبو الأحْوَص: عن سعيد بن مسروق، عن مُنْذِر الثوريّ، قال: كانَ طبقات ابن سعد ١٨٢/٦، طبقات خليفة ت: ٩٩٢، تاريخ البخاري ٢٦٩/٣، المعارف ٠ ٤٩٧، المعرفة والتاريخ ٥٦٣/٢، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الأول ٤٥٩، الحلية ١٠٥/٢، تهذيب الكمال ص ٤٠٤، تذكرة الحفاظ ٥٤/١، تاريخ الإسلام ١٥/٣ و ٢٤٧ و ٣٦٥، تذهيب التهذيب ٢١٧/١ آ، البداية والنهاية ٢١٧/٨، غاية النهاية ت ١٢٦٣، تهذيب التهذيب ٢٤٢/٣، خلاصة تذهيب التهذيب ١١٥. (١) الحلية ١٠٦/٢، وانظر ابن سعد ١٨٢/٦، ١٨٣، والمخبتون: هم المطمئنُّون وقيل: هم المتواضعون الخاشعون لربهم. ٢٥٨ الربيع إذا أتاه الرَّجُلُ يسأله قال: اتَّقِ اللّه فيما علمت، وما استُؤثِر به عليك، فكِلْهُ إلى عالمِهِ، لأَنَا عليكُمْ فِي العَمْد أخْوَفُ مِنِّي عليكم في الخطأ، وما خيِّرُكُم اليومَ بِخَيِّر، ولكنَّه خَيْرٌ من آخرَ شرِّ منه، وما تَّبِعونَ الخَيْرَ حقَّ اتِباعه، وما تفِرُّون من الشرِّ حَقَّ فِرارِهِ، ولا كلَّ ما أنزل الله على محمد وَّ﴿ أدركتُمْ، ولا كلّ ما تقرؤون تدرونَ ما هو، ثم يقول: السرائرَ السرائرَ اللاتي يَخْفَيْنَ مِنَ الناس وهنّ لله بَوادٍ (١)، التمسوا دواءهُنَّ، وما دواؤهنَّ إلَّ أنْ يتوبَ ثُمَّ لا يعود(٢). روى منصور عن إبراهيم، قال: قال فلان: ما أرى الربيعَ بنَ خُثِيْم تكلّم بكلامٍ مُنْذُ عشرين سنة إلّ بكلمة تصعَدُ. وعن بعضهم، قال: صَحِبْتُ الربيع عشرين عاماً ما سمعتُ منه كلمةً تُعاب(٣). وروى الثوريُّ عن رجل، عن أبيه، قال: جالستُ الربيعَ بن خُثَّيْم سنينَ، فما سألني عن شيءٍ ممَّا فيه الناس إلَّ أنه قال لي مرَّةً: أُمّك حَيَّة(٤)؟. وروى الثوريّ، عن أبيه قال: كان الربيع بن خُثِيْم إذا قيل له: كيف أصبحتم؟ قال: ضعفاء مُذْنِين، نأكلُ أرزاقنا، وننتظِرُ آجالنا(٥). وعنه قال: كلُّ ما لا يُرادُ بِهِ وَجْهُ اللهِ يضمحلُّ(٦). وروى الأعمش عن مُنْذر الثوريّ، أن الربيعَ أخذ يُطْعِمُ مصاباً (١) في الأصل (لواد) وهو تصحيف. (٢) الحلية ١٠٨/٢، وانظر ابن سعد ١٨٥/٦. (٣) ابن سعد ١٨٥/٦ . (٤) الحلية ١١٠/٢ وزاد: ((وقال مرَّة: كم لكم مسجداً؟)). (٥) ابن سعد ١٨٥/٦ . (٦) ابن سعد ١٨٦/٦. ٢٥٩ خبيصاً، فقيل له: ما يُدريه ما أَكلَ، قال: لكنَّ الله يدري(١). الثوري: عن سُرِّيَّةٍ للربيع، أنه كان يدخل عليه الداخل(٢) وفي حجره المُصْحف فيغطِيه. وعن ابنةٍ للربيع، قالت(٣): كنتُ أقول: يا أبتاه، ألا تنام؟! فيقول: کیف یَنامُ مَنْ یخاف البيات. الثوريّ: عن أبي حيَّان، عن أبيه، قال: كان الربيع بن خُثَيْم يُقاد إلى الصلاة وبهِ الفالج، فقيل له: قد رُخّص لك. قال: إني أسمَعُ ((حيَّ على الصلاة)) فإن استطعْتُم أن تأتُوها ولو حبواً. وقيل: إنَّه قال: ما يسرُّني أن هذا الذي بي بأعْتى الدَّيْلم على الله (٤). قال سفيان الثوري: وقيل له: لو تداويت، قال: ذكرتُ عاداً وثموداً وأصحاب الرسّ، وقروناً بين ذلكَ كثيراً، كانتْ فيهم أوْجاع، وكانَتْ لهم أطبّاء، فما بَقِي المداوي ولا المداوى إلّ وقد فِيَ(٥). قال الشعبيُّ: ما جلسَ ربيع في مجلسٍ منذُ اتَّزَرَ بإزار، يقول: أخافُ أنْ أرى أمراً، أخاف أن لا أردّ السلام، أخافُ أن لا أُغْمِضَ بَصَري(٦). (١) انظره مفصَّلاً في ابن سعد ١٨٨/٦، ١٨٩. (٢) في الأصل: الراجل وما أثبتناه من ((المعرفة والتاريخ)) والخبر فيه ٥٧٠/٢ وانظر الحلية ١٠٧/٢. (٣) في الأصل: (قال) وهو تصحيف، والخبر في ((المعرفة والتاريخ)) ٥٧٠/٢، وانظر الحلية ١١٤/٢، ١١٥. (٤) ابن سعد ١٨٩/٦، ١٩٠ والمعرفة والتاريخ ٥٧١/٢ وانظر الحلية ١١٣/٢، ١١٥. والديلم هنا: الأعداء وفي معجم البلدان: الديلم: ماء لبني عبس من أرض اليمامة. (٥) المعرفة والتاريخ ٥٧١/٢، وانظر ابن سعد ١٩٢/٦، والحلية ١٠٦/٢. .(٦) المعرفة والتاريخ ٥٧٢/٢ ولفظه: (حاملًا) بدل (أمراً) وقد أورد الفسوي الخبر مفصّلاً في الصفحة ٥٦٩، وانظر الحلية ١١٦/٢. ٢٦٠