النص المفهرس
صفحات 141-160
كان فارساً شجاعاً، جميلاً وسيماً، حارب المختار وقتله، وكان سفاكاً. للدماء. سار لحربه عبدُ الملك بن مروان. وأمه هي الرباب بنتُ أَنْيْف الکلمیة. وکان یسمِّی من سخائه آنية النحل(١). وفیه یقول ◌ُبيد الله بن قيس الرقيات : إنّما مُصْعَبٌ شِهَابٌ مِنَّ اللّهِ تَجَلَّتْ عن وَجْهِهِ الظُّلْمَاءُ مُلْكَهُ مُلْكُ عِزَّةٍ لَيْسِ فِيها جَبَروتٌ مِنْهُ وَلَ كِبْرِيءُ يَتَّقي الله في الأمُور وقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ هَمَّهُ الأَتقاءُ (٢) قال إسماعيل بن أبي خالد: ما رأيت أميراً قطُّ أحسنَ مِن مُصعب. وروى عمر بن أبي زائدة، أن الشعبيٍّ قال: ما رأيتُ أميراً قطُّ على مِنْبرِ أحسَنَ مِنْ مُصْعَب. قال المدائني: كان يُحْسَدُ على الجَمَال. وروى ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: اجتمعَ في الحِجْر عبدُ الله، ومُصْعَب، وعُروة بنو الزبير- وابنُ عمر، فقال: تَمَنَّوْا، فقال ابنُ الزبير(٣): أتمنّى الخلافة، وقال عُروة: أتمنّى أن يُؤْخَذَ عني العِلْم، وقال مُصْعَب: أتمنّى إِمْرةَ العراق، والجمعَ بين عائشةَ بنتِ طلحة، وسُكَيْنة بنتِ الحسين. فقال ابن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. فنالوا ما تَمنَّوْا، ولعلَّ ابنَ عمر قد غُفِرَ له (٤). . (١) انظر ((ثمار القلوب)) ص ٥٠٨. (٢) الأبيات في ((الشعر والشعراء)) ص ٤٥٠ وروايته: ((ملك رحمة .. جبروت يخشى ... )) و ((الكامل)) ٢٦٩/٢ وروايته: (( ... ملك قُوة .. )) و ((الأغاني)) ط الدار ٧٩٥ وروايته: «ليس فيه ... )) ثم انظر الديوان ص ٩١ وروايته: ((ليس فيه .. جبروت ولا به كبرياء ... )). (٣) أي: عبد الله. (٤) رواه أبو نعيم في الحلية ١٧١/٢، وقد أورده ابن قتيبة في ((عيون الأخبار» ٢٥٨٣ بغیر إسناد وسياق مختلف. ١٤١ وكان عبد الملك وَدُوداً لِمُصْعب وصديقاً. قال عليُّ [بن زَيْد] بن جُدْعان: بلَغ مُصْعباً شيءٌ عن عريف الأنصار، فهمَّ بهِ، فأتاه أنس فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ يقول: ((استَوْصُوا بالأنْصَارِ خَيْراً، اقْبَلوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وتَجَاوزُوا عَنْ مُسِيئِهِم)) فألقى مُصْعَبُ نفسَهُ عَن السّرير وألزَقَ خَدَّهُ بالبساط وقال: أمْرُ رسولِ الله وَّز على العينِ والرأس؛ وتركه. أخرجه أحمد(١). قال مُصعب الزبيري: أُهدِيَتْ لِمُصْعَبِ نخلةً مِنْ ذهب، عثاكِلُهَا مِنْ صُنُوفِ الجَوْهِرِ قُوَّمَتْ بِأَلْفَيْ ألفِ دينار، كانت للفُرس، فدفعها إلى عبد الله ابن أبي فروة(٢). قال أبو عاصم النبيل: كان ابن الزبير إذا كتب لأحدٍ بجائزةٍ ألفَ [درهم](٣). جعلها مُصعب مائة ألف. وقد سُئل سالم: أيُّ ابني الزبير أُشجع؟ قال: كلاهما جاءً الموت وهو ینظُرُ إليه. وقيل: تذاكروا الشجعان، فقال عبد الملك: أشجع العرب من وَليَ العراقين خمس سنين فأصاب ثلاثة آلاف ألف، وتزوَّجَ بنتَ الحسين وبنتَ طلحة وبنتَ عبد الله بن عامر، وأُمُّهُ ربابُ بنتُ أَنَّيْف(٤). [الكلبي سيِّد (١) في مسنده ٢٤٠/٣ و٢٤١ من حديث حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، وعليّ هذا ضعيف، لكن أخرج البخاريّ في صحيحه ٩١٨، ٩٢ من حديث أنس أنه# قال: ((أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي؛ وقد قضوا الذي عليهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسیئهم» . (٢) الخبر في ((ابن عساكر)) ٢٦٧/١٦ آ، وابن أبي فروة هو كاتب مصعب كما في ((الموفقيَّات)) ص ٥٣١ و((الأغاني)) ١٢٥/١٩ ط الدار. (٣) من تاريخ الإسلام ١٠٩/٣. (٤) في الأصل (وبنت رباب بن أنيف) وهو تصحيف ظاهر لأنَّ الرباب أمّه؛ وما أثبتناه من= ١٤٢ ضاحية العرب] وأعطي الأمان فأبى ومشى بسيفه حتى قتل. قال عبد الملك بن عُمير: رأيت بقصر الكوفة رأسَ الحسين الشهيد، ثم رأسَ ابن زياد، ثم رأسَ المختار ثم رأس مصعب بين يدي عبد الملك. قُتِلَ مصْعب يومَ نصف جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين، وله أربعون سنة. وكان مُصعبٌ قد سار ليأخذَ الشام. فقصده عبدُ الملك، فوقع بينهما ملحمةٌ كبرى بدَيْرِ الجاثَليق بقُرْب أَوانا (١)، وكان قد كاتبَ عبدُ الملك جماعةٌ مِنَ الوجوه يُمَنِّيهم ويعِدُهُم إمْرَةَ العراق، وإِمْرةَ العجم، فأجابوه إلاّا إبراهيم بنَ الأشتر فأَتى مُصْعباً بكتابه وفيه : إِنْ بايَعْتَنِي وَلَّيْتُكَّ العراق. وقال: قد كَتَّبَ إلى أصحابِك، فأطعني واضربْ أعناقهم. قال: إذاً تغضَب عشائِرُهُم. قال: فاسْجُنْهم، قال: فإني لفي شغلٍ عن ذلك. يرحم الله الأحنف، إنْ كان ليحذّرُ غدرَ العراقيين. وقيل: قال لهم قيس بن الهيثم: ويحكم لا تُدخِلوا أهلَ الشام عليكم منازِلَكُمْ. وأشار ابنُ الأشتر بقتلِ زياد بن عمرو، ومالكِ بَن مِسْمَع. فلمّا التقى الجمعان، لحِقُوا بعبد الملك وهربَ عتَّاب بن وَرْقاء، وخَذَلوا مُصْعباً(٢). فقال ابن قيس الرُّقيات(٣): = ((تاريخ بغداد)» ١٠٦/١٣ وما بين حاصرتين منه، للإيضاح. والخبرا في (الأغاني)) ط الدار ١٣٧/١٩ وفيه (عاصم) بدل (عامر) والصحيح هو عبد الله بن عامر بن كريز. (١) دير الجائليق: دير قديم رحب الفناء من ناحية مَسْكِن قربَ بغداد في غربي دّجلة، وهو رأس الحد بين السواد وأرض تكريت. وأوانا: بليدة كثيرة البساتين والشجر، نزهة من نواحي دجيل، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ من جهة تكريت، وكثيراً ما يذكرها الخلعاء في أشعارهم .. اهـ. معجم البلدان. (٢) انظر التفاصيل في ((الموفقیات)) ص ٥٥٧ وما بعدها، و«الأغاني)) ط الدار ١٢٣/١٩ وما بعدها. (٣) الأبيات في ((الموفقيات)) ص ٥٣٣ و((الكامل)) ٢٧٧/١ و٢٧٢ وروايته: ((بالطفّ يوم الطف شيعة)) و((الأغاني)) ط الدار ١٢٨٩ وروايته: ((تالله لو كانت له)) و ((لوجدتموه حین یدلج)» و (معجم البلدان)) مادة (مسكن) وروايته: ((حين يعدو لا يعرِّس بالمضيعة))= ١٤٣ والفجيعه إِنَّ الرَّزِيَّةَ يَوْمَ مَسْكِنَ والْمُصيبَةَ الوَقِيعَهْ بِابْنِ الحَوارِيِّ الَّذِي لَمْ يَعْدُهُ يومُ غَدَرَّتْ بِهِ مُضَرُ العِراق وأمكَنَتْ مِنْهُ ربيعه فَأَصَبْتِ وَتْرَكِ يه ربيعُ وكُنْتِ سامِعَةً مُطِيعَهْ بِالَهْفَ لَّوْ كانَتْ لَهُ بِالدَّيْرِ يَوْمَ الدَّيْرِ شِيعَةْ أهلُ العِراقِ بَنُو اللَّكِيعَةْ أوْ لَمْ يَخُونوا عَهْدَهُ لَوَجَدْتَموهُ حِينَ يَحْسِدِرُ لا يُعَرِّسُ بالمضِيعَةْ وجعل مُصعب كلما قال لَمُقدِّمٍ من جيشه: تقدَّمْ لا يُطيعه. فقيل: أُخبر عبدُ الله بن خازِم السُّلَمي أميرُ خراسان بمسير مُصْعَب إلى عبد الملك، فقال: أمَعَهُ عُمَر بنُ عُبيد الله التيمي؟ قيل: لا، ذاك استعمله على فارس. قال أفمعَهُ المهلَّبُ بنُ أبي صُفْرة؟ قيل: لا، ولَهُ المَوْصِل. قال: أمعه عباد بن حُصين؟ قيل: استعمله على البصرة. فقال: وأنا هنا ثم تمثل : حَذِيني وجُرِّيني ضِباعُ وأبشري بِلحْم امرىءٍ لَمْ يَشْهَدِ اليومَ ناصِرُه(١) قال الطبري (٢): فقال مُصعب لابنه عيسى: اركبْ بَمَنْ مَعَكَ إلى عَمِّك = و((الديوان)) ص ١٨٤ وروايته: ((لم تعده أهل الوقيعة)) و((بالطف يوم الطف)) و ((حين يغضب لا يعرِّج بالمضيعة». ومسكن: موضع المعركة التي قتل فيها مصعب؛ والطف: الموضع الذي قتل فيه الحسين. انظر ((معجم البلدان)). (١) نسب البيت في ((الكتاب)) ٣٨/٢ للنابغة الجعدي وروايته: ((فقلت لها عيثي جعار وجرِّري)) وكذا في اللسان (جعر) وفي (جرر) (عيشي) بدل (عيني) و((أمالي الشجري)) ١١٣/٢ . والخبر في ((الطبري) ١٥٨/٦ وروايته: ((خذيني فجرّيني جعار وأبشري)). وأما في ((الكامل)) ٥/٣ فقد ذكر المبرّد أن المُخْبَر والمتمثل بالبيت هو عبد الله بن الزبير. :· (٢) في تاريخه ١٥٨/٦ وما يأتي بين الحاصرتين منه؛ وهو مفصّل فيه وفي ((الأغاني)) ط الدار ١٢٥/١٩ وما بعدها. ١٤٤ أمير المؤمنين فأخْبِرْهُ بما صنعَ أهلُ العراق، ودَعْني فإني مقْتُول. قال: لا أخبر قريشاً عنك أبداً ولكن سِرْ إلى البصرة، فهم على الطاعة، [أو الحَقْ بأمير المؤمنين] قال: لا تتحدَّث قريشٌ أنني فررتُ لخذلان ربيعة، وما السيف بعار [وما الفِرارُ لي بعادةٍ ولا خُلُق، ولكن إن أردتَ أن ترجع فارجع فقاتل. فرجع فقاتل حتى قُتِل]. وبعث إليه عبد الملك مع أخيه محمد: إني- يا ابن العم- أمَّنْتُك. قال: مِثْلي لا ينصرف عن هذا المقام إلا غالباً أو مغلوباً. فقيل: أثخنوه بالسهام ثم طعنه زائدةُ الثَّقَفيّ- وكان من جُنْدِهِ وقال: يا لثارات المختار، وقاتل قتلة ابن الأشتر حتى قُتِل، واستَوْلى عبدُ الملك على المشْرق. ٤٩- بِشْرُ بنُ مَرْوَان * ابنِ الحكم الأمويُّ أحَدُ الأجواد. ولِيَ العراقين لأخيه عند مَقْتَلِ مُصْعَب. ودارُه بدمشق عِنْدَ عقبة الكتان(١). روى ابنُ جُدْعان، عن الحسن، قال: قَدِمَ علينا بشر البصرةَ، وهو أبيضُ بضٍّ، أخو خليفة وابنُ خليفة. فأتيتُه فقال الحاجب: من أنت؟ قال: حسن البصري، قال: ادخل، وإياك أن تُطيل ولا تُمِلَّه. فأدخلُ، فإذا هو على سرير، عليه فُرُش قد كاد أن يغوصَ فيها، ورجل بالسيف واقف على رأسه. فقال: من أنت؟ قلتُ: الحسن [البصريّ الفقيه] فأجلسني ثم قال: ما تقول في زكاة أموالنا؟ ندفعها إلى السلطان أم إلى الفقراء؟ قلتُ: أيُّهما * المعارف ٣٥٥، تاريخ ابن عساكر المجلدة العاشرة بتحقيق الأستاذ محمد أحمد دهمان ص ١١١ و١٧٦/٣ ب، تاريخ الإسلام ١٤١/٣، العبر ٨٦/١، البداية والنهاية ٧/٩، النجوم الزاهرة ١٩١/١، شذرات الذهب ٨٣/١، خزانة الأدب ١١٧/٤، تهذيب ابن عساكر ٢٥١/٣. (١) موضع بدمشق ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٢٢١/١٤ والنعيمي في الدارس ٢٣٧/٢. وقد تصحف في ((البداية)) إلى ((الكتاب)). ١٤٥ سير ١٠/٤ فعلتَ أجزأ عنك. فتَبَسَّم وقال: لِشَيءٍ ما يَسُودُ مَنْ يُسُود. ثم عدتُ إليهِ من العَشِيّ وإذا هو انِحَدَرَ مِنْ سريره يتمَلْمَلُ وحَوْلَه الأطباء. ثم عدتُ من الغد والناعِيَّةُ تَنْعَاهُ ودوابُّه قد جُزَّتْ نواصيها. ووقف الفرزدَقُ على قبره ورثاه بأبيات، فما بقي أحد إلا بكى(١). قال خليفة (٢): مات بالبصرة سنة خمس وسبعين وله نيِّف وأربعون سنة . وقيل : إنَّهُ كتب إلى أخيه: إنَّكَ شغلتِ إحدى يديَّ بالعراق، وبقيتٍ الأَخْرى فارغة. فكتب إليه بولايةِ الحَرَميْن واليمن. فما جاءُهُ الكتابُ إلاّ وقد وقعتِ القُرْحَةُ في يمينه. فقيل: اقطعْها من المَفْصِل(٣) فَجَزِع. فبلغتِ المرفق ثُمَّ أصبح وقد بلغتِ الكَتِف ومات. فجزع عليه عبد الملك وأمر الشعراء فَرَثَوْهُ(٤). ٥٠۔ شبيبُ بنُ يزيد * ابن أبي نُعيم الشَّيْباني، رأسُ الخوارج بالجزيرة، وفارسُ زمانه. بعثَ لحَرْبه الحجاجُ خمسة قُوَّاد فقتلهم واحداً بعد واحد، ثم سار إلى الكوفة، (١) الخبر مفصّل في ((ابن عساكر)» المجلدة العاشرة تحقيق دهمان ص ١٢٤، وما بين الحاصرتين منه ، وفيه قطعة من مرتّية الفرزدق، وهي في الديوان ٢٦٨/٢ منها: فما بعد بشر من عزاء ولا صبر تسعداني ألمكما أعينيَّ إلاَّ وأن نجوم الليل بعدك لا تسري . ألم تر أن الأرض دُگّت جبالها عليه الثّريا في كواكبها الزهر فإن لا تكن هند بكته فقد بكت (٢) في تاريخه ص ٢٧٣ . (٣) لفظ ((ابن عساكر)): (من مَفْصِل الكفّ). (٤) انظر ((ابن عساكر)) المجلدة العاشرة ص ١٢٧ . * المعارف ٤١٠، تاريخ الطبري ٦/ حوادث سنة ٧٦ و ٧٧،، مروج الذهب ٣٤٦/٣ وما بعدها، جمهرة ابن حزم ص ٣٢٧، تاريخ ابن الأثير ٤/ حوادث سنة ٧٦ و ٧٧، وفيات الأعيان ٤٥٤/٢، تاريخ الإسلام ١٦٠/٣، البداية والنهاية ١٩٩، خطط المقريزي ٣٥٥/٢، النجوم الزاهرة ١٩٧/١. ١٤٦ وحاصر الحجاج، وكانتْ زوجتُهُ غزالةُ عديمةَ النظير في الشجاعة. فَعَيَّر الحجاجَ شاعرٌ فقال(١): أَسَدّ عليّ وفي الحُرُوبِ نَعَامةٌ فَتَخَاءُ تَنْفِرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ هَلَّ بَرِزْتَ إلى غَزَالَة في الوَغَىْ بَلْ كَانَ قَلْبُكَ فِي جَنَاخَيْ طَائِرِ وكانَتْ أُمُّ شبيب جهيزةُ(٢) تشهد الحروب. قال رجل: رأيتُ شبيباً دخل المسجد. فبقي المسجد يرتجُّ له، وعليه جبّة طيالسة. وهو طويل، أشمطُ، جعدٌ، آدم(٣). غرق شبيب في القتال بدُجيل (٤) سنة سبع وسبعين وله إحدى وخمسون سنة. قيل: حضر عِْبان الحَرُوريُّ عند عبد الملك بن مروان فقال: أنت القائل : فَإِنْ يَكُ مِنْكُمْ كَانَ مَرْوانُ وابْتُهُ وَعَمْرو ومِنْكُمْ هَاشِمٌ وحَبِيبُ فِمِنَّا حُصَيْنٌ والبَطِينُ وقَعْنَبُ ومِنَّا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ فقال: إنما قلتُ: ((ومِنَّا أمِيرَ المؤمنينَ شَبِيبُ)) على النِّداء فأعجبه وأطلقه(٥) .. . (١) هو عمران بن حِطّان كما في ((الأغاني)) ط الدار ١١٦/١٨ و((شعر الخوارج)) ٢٥. (٢) هي من سبي سلمان بن ربيعة حين غزا أرض الروم في أيام عثمان؛ انظر ((الطبري)) ٢٨٢/٦، وبها يضرب المثل: ((أحمق من جهيزة)) انظر ((مجمع الأمثال)) للميداني ٢١٨/١، وجمهرة الأمثال للعسكري ٣٩٣/١، واللسان (جهز) وتاريخ الإسلام ١٦٠/٣. (٣) وفيات الأعيان ٤٥٥/٢ . (٤) هو نهرٌ بالأهواز، حفره أردشير بابك أحد ملوك الفرس؛ وقال حمزة: كان اسمه في أيام الفرس (ديلدا كودك) ومعناه: دجلة الصغيرة فعُرِّب على (دُجيل) ومخرجه من أرض أصْبهان، ومصبه في بحر فارس قرب عبادان: ١ هـ. معجم البلدان. (٥) الخبر في (وفيات الأعيان)) ٤٥٦/٢، والبيتان في ((معجم المرزباني)) ١٠٩ وفيه: (سويد) بدل (حصين) ولعله هو الصواب لأنَّ سُوَيْد بن سُلَيم، والبَطِين بن قَعْنَب، وقعنب بن سويد كانوا من قادة جند شبيب. انظر ((عيون الأخبار» ١٥٥/٢ . ١٤٧ ولما غرق، قيل لأمه فقالت: لما ولدتُهُ رأيتُ كأنه خرج مني شهابُ نارٍ، فعلمتُ أنه لا يُطْفِئُهُ إِلَّ الماءِ(١). وكان قد خرج صالحُ بن مُسرِّح العابد التميمي بدارا(٢)، وله أصحاب يُفقِّههم ويقصُّ عليهم، ويذمُّ عثمانَ وعلياً كَدَأَب الخوارج، ويقول: تأهُّوا لجهاد الظُّلَمة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فالقَتْلُ أسهلُ من الموت، والموتُ لا بُدَّ منه. فأتاه كِتابُ شبيب يقول: إنك شيخُ المسلمين، ولن نعْدِلَ بك أحداً، وقد استجبتُ لك، والآجال غاديةٌ ورائحة، ولا آمنُ أن تخترمَني المَنِيَّةُ ولم أُجاهِد الظالمين، فيا له غَبْناً، ويا لَهُ فضْلًا متروكاً، جَعَلنا اللهُ ممن يُريد اللهَ بعمله، ثم أقبل هو وأخوه مُصَاد(٣) والمحلِّل(٣) بن وائل، وإبراهيم ابن حَجَر، والفضل بن عامر الذُّهْليّ، إلى صالح، فصاروا مئة وعشرة أنفس، ثم شدُّوا على خَيْلٍ لمحمد بن مروان، فأخذوها وقويَتْ شوكَتُهم، فسار لحربهم عديُّ بن عديٍّ بن عميرة الكندي، فالتقوا فانهزم عديٌّ، وبعد مُديدة تُوفي صالحٌ من جراحات، سنة ستٍ وتسعين. وعُهِد إلى شبيب فهزمَ العساكر، وعَظُمَ الخَطْب، وهجم [على] الكوفة وقَتل جماعة أعيان. فندبَ الحجاجُ لحربه زائدةً بن قُدامة الثقفي، فالتقَوْا فَقُتِلَ زائدة، ودخلَتْ غزالةُ جامع الكوفة، وصلَّت وِرْدها وصَعِدت المِنْيَرِ، ووفَتْ نَذْرَهَا، وهزم شبيب جيوشَ الحجاج مرَّات، وقتل عِدَّةً من الأشراف، وتزلزل له عبدُ (١) تاريخ الطبري ٢٨٢/٦ . (٢) دارا: بلدة في لحف جبل بين نصيبين وماردين، وهي من بلاد الجزيرة؛ ذات بساتين ومياه جارية، وعندها كان معسكر دارا بن دارا الملك ابن قباذ الملك لما لقي الاسكندر المقدوني فقتله الاسكندر وتزوج ابنته وبنى في موضع معسكره هذه المدينة وسماها باسمه. ا هـ. معجم البلدان . . (٣) في الأصل بالمعجمة، وما أثبتناه من الطبري وابن الأثير. ١٤٨ الملك، وتحيَّر الحجاجُ في أمره، وقال: أعياني هذا، وجمع له جيشاً كثيفاً نحو خمسين ألفاً (١). وعرضَ شبيبٌ جُنْدَهُ فكانوا ألفاً، وقال: يا قوم، إن اللهَ نصرَكُمْ وأنتم مئة، فأنْتُم اليوم مِئُون. ثم ثبتَ مَعَه ست مئة، فحمَل في مثتين على المَيْسَرة هزمها، ثم قَتَل مقدَّمَ العساكر عتابَ بن ورقاء التميمي، فلما رآه شبیب صریعاً توجّع له، فقال خارجيّ له: يا أمير المؤمنين تتوجَّعُ لِكافر؟ ، ! ثم نادى شبيب برفع السيف، ودعا إلى طاعته، فبايعوه ثم هربوا في الليل(٢). ثم جاء المدد من الشام، فالتقاه الحجاج بنفسه، فجرى مَصافُّ لم يُعْهِد مِثْلُه، وثبتَ الفريقان، وقُتِلَ مصادٌ أخو شبيب، وزوجتُه غزالة، ودخل الليل وتقهقر شبيب وهو يخْفُقُ رأسُه، والطلب في أثره، ثم فتر الطلب عنهم، وساروا إلى الأهواز، فبرز متوليها محمد بن موسى بن طلحة، فبارز شبيباً فقتّلَهُ شبيب، ومضى إلى كَرْمَان(٣) فأقام شهرين ورجع، فالتقاه سفيانُ بن أبرد الكلبي وحبيب الحكميّ على جسر دُجَيل. فاقتتلوا حتى دخل الليل، فعبر شبيبٌ على الجسر، فَقُطِع به ، فغرق وقيل: بل نفر به فرسُه، فألقاه في الماء سنة سبعٍ وسبعين وعليه الحديد فقال: ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] وألقاه دُجَيْل إلى الساحِل ميتاً، وحُمل إلى الحجاج، فشقّ جوفه وأخرج قلبه، فإذا داخله قلب آخر(٤). (١) انظر التفاصيل في ((تاريخ الطبري)) ٢١٨/٦ وما بعدها. (٢) انظر الطبري ٢٦٢/٦ وما بعدها. (٣) هي ولاية مشهورة، وناحية كبيرة معمورة، ذات بلاد وقرى ومدن واسعة (تقع في القسم الشرقي من إيران اليوم) ... شرقيها مكران والبحر وغربيها أرض فارس وشماليها مفازة خراسان وجنوبيها بحر فارس. قال ابن الكلبي : سميت بكرمان بن فلوج بن لنطي بن يافث بن ثوح عليه السلام، فتحها عثمان بن أبي العاص في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. (٤) انظر الطبري ٢٧١/٦ وما بعدها و٢٧٩ وما بعدها. وفيه: ((فأخرج قلبه فكان مجتمعاً صُلباً كأنه صخرة)». ١٤٩ ٥١- شَبَثُ بنُ رِبْعِيَ * التميميُّ الْيَرْبُوعِيّ، أحدُ الأشراف والفرسان، كان مِمِّنْ خرج على عليٍّ، وأنكر عليه التحكيم، ثم تابَ وأناب. وحدَّث عن عليٍّ، وحُذَيفة. وعنه محمدُ بنُ كعب القُرَظيّ، وسُليمان التَيْمي، له حديثٌ واحد في سُنَّنِ أبي داود. قال الأعمش: شهدتُ جنازَة شَبَث، فأقاموا العبيد على حِدَة والجواري على حِدَة، والجمَال على حِدَة، وذَكَر الأصناف. قال: ورأيتُهم ينوحون عليه ويلتدمون(١). قلت: كان سيِّد تميم هو والأحنف. ٥٢- عبد الله بن صفوان * * (م، س، ق) ابن أُميّة بن خلف، أبو صفوان الجُمَحيّ المَكِّيّ، مِنْ أشراف قريش، لا صحبةً له. يقال: ولد أيام النبوة. وروى عن أبيه، وعُمَر، وأبي الدرداء، وحَفْصة. * طبقات ابن سعد ٢١٦/٦، طبقات خليفة ت ١١٠٠، تهذيب الكمال ص ٥٦٩، تاريخ الإسلام ١٥٩/٣ و٢٥٤، تذهيب التهذيب ٦٨/٢ ب، الإصابة ت ٣٩٥٥، تهذيب التهذيب ٣٠٣/٤، خلاصة تذهيب التهذيب ١٦٨، تاج العروس (شبث). (١) ابن سعد ٢١٦/٦، والتدام النساء: ضربهنّ صدورهنّ ووجوههنَّ في النياحة في المآتم. * * طبقات خليفة ت ٢٠١٤، تاريخ البخاري ١١٨/٥، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الثاني ٨٤، الاستيعاب ت ١٥٧٧، تاريخ ابن عساكر ٢١٨٩ آ، أسد الغابة ١٨٥/٣، تهذيب الكمال ص ٦٩٧، تاريخ الإسلام ١٧٦/٣ تذهيب التهذيب ١٥٤/٢ آ، البداية والنهاية ٣٤٥/٨، العقد الثمين ١٧٨/٥، الإصابة ت ٦١٧٧، تهذيب التهذيب ٢٦٥/٥، خلاصة تذهيب التهذيب ٢٠٢، شذرات الذهب ٨٠/١. ١٥٠ وعنه حفيدُهُ أُمَيَّةُ بن صفوان، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، والزهريُّ، وسالمُ بنُ أبي الجَعْد وله دار بدمشق. قيل: حج معاوية، فتلقَّه ابنُ صفوان على بعير، فساير معاوية، فقال الشاميون: من هذا الأعرابي؟ فقدَّم لمعاويةَ أَلْفَيْ شاة(١). وكان سيِّدَ أهلِ مَكَّةً في زمانه لحِلْمِه وسخائه وعَقْله. قُتِل مع ابن الزبير وهو متعلق بالأستار(٢). قال يحيى بن سعيد الأنصاري: جاؤوا إلى المدينة برأس ابن صفوان، ورأس ابن الزبير، ورأس عبد الله بن مطيع(٢). ٥٣- قَطَرِيُّ بِنُ الفُجَاءَة * الأمير أبو نَعامة التميمي المازنيُّ، البَطْلُ المشهور، رأسُ الخوارج. خرج زَمَنَ ابنِ الزبير، وهزم الجيوش، واستفحل بلاؤه. جهّز إليه الحجاج جيشاً بعد جیش فیکسرهم، وغلب على بلاد فارس، وله وقائعُ مشهودة، وشجاعةٌ لم يُسْمَعْ بمثلها، وشِعْرٌ فصيح سائر. فله: أقولُ لَها وَقَدْ طارَتْ شَعَاعاً مِن الأَبْطَالِ ويْحَكِ لنْ تُراعي فإِنَّكِ لَوْ سَألْتِ بَقَاءَ يَوْمٍ عَلَى الْأَجْلِ الَّذِي لكِ لَمْ تُطَاعِي فِصَبْراً فِي مَجَالِ الْمَوْتِ صَبْراً فَمَا نَيْلُ الخُلُودِ بِمُسْتَطَاعٍ (١) ابن عساكر ٢١٩٩ ب، والخبر مفصّل في تاريخ الإِسلام ١٧٦/٣. (٢) ابن عساكر ٢٢١٩ آ. * البيان والتبيين ٣٤١/١، المعارف ٤١١، الأخبار الطوال ص ١٨٠، الكامل للمبرد ٣٥٥/٣ وما بعدها وانظر الفهارس، المبهج ص ١٨، سمط اللآلي ٥٩٠، تاريخ ابن الأثير ٤٤١/٤، وفيات الأعيان ٩٣/٤، تاريخ الإسلام ٢٠٣/٣، شرح الشواهد بهامش الخزانة ٤٥٢/٢، النجوم الزاهرة ١٩٧/١، شذرات الذهب ٨٦/١، تاج العروس (قطر). ١٥١ ولا ثَوْبُ الحَيَاةِ بِثَوْب ◌ِزَّ فُيُطْوِىْ عِنْ أَخِ الخَنَعِ الِرَاعِ وداعِيهِ لأهْلِ الأرْضِ دَاعي سَبِيلُ المَوْتِ غَايةُ كُلِّ حيٍّ وتُسْلِمْهُ المَنُونُ إلى انْقِطاعِ ومَنْ لَمْ يُعْتَبَطْ يَهْرَمْ ويَسْأَمْ إذا مَا عُدَّ مِنْ سَقَطِ المَتَاعِ(١) وما للمَرْءِ خَيْرٌ فِي حَيَاةٍ واسم الفجاءةُ جَعْوَنَة بنُ مازن. بقي قطري يحارب نيف عشرة سنة، ويُسلَّم عليه بالخلافة، استوفى المبرِّد(٢) في ((كامله)) أخباره إِلى أن سار لحربه سفيان بن الأبرد الكلبي، فانتصر عليه وقتله. وقيل: عثر به الفرسُ، فانكسرت فخذه بطَبَرستان، فظفروا به، وحُمِلَ رأسه سنة تسع وسبعين إِلى الحجاج. وكان خطيباً بليغاً، كبير المحلِّ من أفراد زمانه. ٥٤- الحارث الأعور * (٤) هو العلَّمةُ الإِمام أبو زهير، الحارثُ بن عبد الله بن كعب بن أسد الهَمْدانيُّ الكوفيّ صاحبُ عليٍّ وابن مسعود، كان فقيهاً كثيرَ العِلْم على لِينِ ٠ في حديثه. حدَّث عنه الشَّعْبي، وعطاءُ بنُ أبي رباح، وعَمْرو بن مُرَّة، وأبو إسحاق السَّبيعي، وغيرهم. (١) الأبيات في ديوان الحماسة بشرح التبريزي ٩٦/١ وروايته: «ولا ثوب البقاء بثوب عز» و ((ومن لم يُغْتبط يسأم ويهرم)) وأمالي المرتضى ٣٣٦/١ وروايته: ((أقول لها إذا جشأت حياءً)) (وما طول الحياة بثوب مجد)) و ((سبيل الموت منهج كل حي)) و ((تفض به المنون إلى انقطاع)) ووفيات الأعيان ٩٤/٤ وروايته: (( ... لا تراعي)). (٢) انظر مصادر الترجمة . * طبقات ابن سعد ١٦٨/٦، طبقات خليفة ت ١٠٧٠ و ١٠٧٥، تاريخ البخاري ٢٧٣/٢، المعارف ٦٢٤، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الأول ٧٨، طبقات الشيرازي ٨٠، تهذيب الكمال ص ٢١٦، تاريخ الإسلام ٤/٣، العبر ٧٣/١، ميزان الاعتدال ٤٣٥/١ تذهيب التهذيب ١١٤/١ آ، غاية النهاية ت ٩٢٢، تهذيب التهذيب ١٤٥/٢، النجوم الزاهرة ١٨٥/١، خلاصة تذهيب التهذيب ١٨، شذرات الذهب ٧٣/١ . ١٥٢ وقد جاء أنَّ أبا إسحاق سمع من الحارث أربعة أحاديث، وباقي ذلك مُرسل. قال أبو بكر بن أبي داود: كان الحارثُ أفقَه الناس، وأَحْسَبَ الناس. تعلَّم الفرائض من عليٍّ رضي الله عَنْه. قال محمد بن سيرين: أدركتُ أهلَ الكوفة وهُمْ يُقدِّمون خمسة: من بدأ بالحارث الأعور، ثَنَّى بعَبِيدة السَّلْمانيّ، ومن بدأ بعَبِيدة، ثَنَّى بالحارث، ثم علقمة، ثم مسروق، ثم شريح(١). قلت: قد كان الحارثُ مِنْ أوْعِيَةِ العِلْم، ومن الشيعةِ الأوّل. كان يقول: تعلَّمْتُ القرآنَ في سنتين، والوَحْي في ثلاث سنين. فأمَّا قول الشَّعْبِيّ: الحارث كذَّاب، فمحمولٌ على أنَّهُ عَنَى بالكَذِب الخَطأ، لا التعمّد، وإلّ، فلماذا يَرْوِي عنه ويَعْتقِدهُ بتعمّد الكذب في الدین. وكذا قال عليُّ بن المديني وأبو خيْئَمة: هو كذَّاب. وأما يَحْيِى بنُ مَعِين فقال: هو ثقة. وقال مرَّةً: ليس به بأس. وكذا قال الإِمام النَّسائيّ: ليس به بأس. وقال أيضاً: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: لا يُحْتَجُّ به. ثم إن النَّسائيِّ وأربابَ السُّنَّنَ احتجُّوا بالحارث. وهو مِمِّنْ عِنْدي وقفة في الاحتجاج به. قال عِلباء بنُ أحمر: خَطَب عليّ الناسَ فقال: يا أهلَ الكوفة، غلبكم نصف رجل(٢). قال شعبة: لم يَسْمَعْ أبو إسحاق منَ الحارثِ إلَّ أربعةَ أحاديث. وروى منصورٌ عن إبراهيم قال: الحارثُ اتُّهم. (١) انظر الخبر ص ٤٣ و٥٦ و١٠٢ من هذا الجزء. (٢) طبقات ابن سعد ١٦٨/٦. ١٥٣ وقال أحمد بن عبد الله العِجْلي: ما سَمِعَ من الحارث- يعني أبا إسحاق - إلَّ أربعةَ أحاديث، وسائرُ ذلك كتابٌ أُخَذه. وروى أبو بكر بنُ عيَّاش، عن مُغِيرة، قال: لم يكن الحارثُ يُصدَّق عن عليٍّ في الحديث. وقال جرير بن عبد الحميد: كان زيفاً. وقال ابنُ مَعِين أيضاً في رواية ثالثة عنه: ضعيف. وكذا قال الدارقُطْنيّ. وقال أبو أحمد بن عديّ: عامَّةُ ما يرويهِ غير محفوظ. وروی یحیی بن سعید القطّان، عن سفيان، ترجیح حدیثٍ عاصم بنِ ضمرة، على حديث الحارث فقال: كُنَّا نعرفُ فَضْل حديثٍ عاصم، على حدیث الحارث. قال عثمان الدارمي: لا يُتَابَعُ يحيى بنُ معِين على قولِهِ في الحارث: إنَّه ثقة . قال حُصَيْن عن الشَّعبي: ما كُذِب على أحدٍ مِنْ هذه الأُمَّةِ، ما كُذِب على عليٍّ. وروى مُفضَّل بن مهلهل، عن مغيرة، سمع الشعبي يقول: حدثني الحارث الأعورُ وأشهد أنه أحدُ الكذابين. قال بُنْدار: أخذَ یحیی بنُ سعید وابنُ مهدي القلم من يدي، فضربا على نحوٍ مِنْ أربعين حديثاً مِنْ حديثِ الحارثِ عن عليّ. وقال أبو حاتم بنُ حِبَّان: كان الحارثُ غالياً في التشيّع، واهياً في الحديث، هو الراوي عن عليٍّ، قال لي النبي ◌َّرِ: ((لا تفتحَنَّ على الإِمامِ في الصَّلاة)) رواه الفريابيُّ عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عنه(١). وإنما ذا قولُ عليٍّ . (١) الضعفاء ٢٢٢/١، وحديث ((لا تفتحنّ)) أخرجه أبو داود (٩٠٨) في الصلاة باب النهي عن التلقين؛ والحارث ضعيف. وقال أبو داود: أبو إسحاق سمع من الحارث أربعة أحاديث ليس- ١٥٤ وخرَّج البخاري في كتاب ((الضعفاء)) لمحمد بن يعقوب بن عبّاد، عن محمد بن داود، عن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ، عن النبي ◌َّ: ((أنِينُ المريضِ تِسْبِيحُه، وصياحُهُ تهليلهُ، ونومه عبادة، ونَفَسُهُ صِدَقة، وتقلُّبُهُ قِتالٌ لِعَدُوِّه)) الحديث. فهذا حديثٌ مُنْكَرٌ جدّاً. وما أظنُّ أنَّ إِسرائيل حدَّثَ بذا. وقد استوفيتُ ترجمة الحارث في ((ميزان الاعتدال))(١) وأنا متحيِّرٌ فيه. وتُوفِّيَ سنةً خمسٍ وستين بالكوفة. ٠ أخبرنا محمد بن عبد السلام الشافعي، عن عبد المُعِزِّ بن محمد، أنبأنا تمیمُ بن أبي سعيد، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو عمرو بن حمدان، أنبأنا أحمد بن عليّ، حدثنا عُبيد الله بن عُمَر، حدّثنا حَمَّاد بن زَيْد، عن مُجَالد، عن الشِّعْبِيّ، عن الحارث، عن عليٍّ قال: ((لعن محمدٌ وَّ آكلَ الرِّبا ومُوكلَّهُ، وشاهِدَيْهِ، وكاتِبَهُ، والواشمَةَ والْمُسْتَوْشِمَةَ، والحالَّ والمحلَّلَ لَه، ومانعَ الصَّدقَّة، ونهىْ عَنِ النَّوْحِ))(٢). مجالد أيضاً ليِّن. = هذا منها. وقد رُوي عن عليّ رضي الله عنه قوله: إذا استطعمكم الإِمام فأطعمومـ يريد إذا تعايا في القراءة فلقنوم وفي الباب عن ابن عُمَر أن النبيُّ: ﴿ صلى صلاة فقرأ فيها فَلْبِّس عليه، فلما انصرف قال لأبيّ: ((أَصلَّيْتَ معنا»؟ قال: نَعَمْ، قال: ((فما منعك)). (١) ٤٣٥/١. (٢) إسناده ضعيف، لكن غالب ألفاظ الحديث جاءت من وجه آخر وكلها صحيحة، فلعْن ((آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه)) أخرجه مسلم (١٥٩٨) من حديث جابر؛ ولعن ((الواشمة والمستوشمة)) متفق عليه من حديث ابن مسعود؛ ولعن ((الحال والمحلل)) أخرجه أحمد والدرامي والنسائي والترمذي من حديث ابن مسعود، وإسناده صحيح؛ والنهي عن النوح ثابت في صحيح مسلم (٩٣٤) من حديث أبي مالك الأشعري. والحالّ المحلَّل له: هو أن يطلق الرجل امرأته ثلاثاً فيتزوجها رجل آخر بشرط أن يطلقها بعد مواقعته إياها لتحلّ للزوج الأول. ١٥٥ ۵۵۔ الحارث بن سويد * (ع) الَّيْمِيُّ الكوفيّ، إمامٌ ثِقة، رفيعُ المَحَلِّ. حدَّثَ عن عُمَر وابن مسعود، وعليٍّ. يُكْنَى أبا عائشة. روى عنه إبراهيمُ التيميُّ، وأَشْعَتُ بن أبي الشعثاء، وعُمارة بن عُمير، وجماعة. وهو قليلُ الحديث، قديمُ المَوْت، قد ذكره أحمدُ بنُ حنبل فعظّم شأنه، ورفَع مِنْ قدْرِهِ. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد(١): مات في آخر خلافة ابن الزبير. ٥٦- عُبيد بن عُمير ** (٤) ابن قَتادة اللَّيْئِيّ الجُنْدعيّ المكّي، الواعظُ المُفَسِّر، ولد في حياة رسول اللّه ◌َلْدٍ. وحدَّث عن أبيه، وعن عمر بن الخطاب، وعليّ، وأبي ذرّ، وعائشة، وأبي موسى الأشعريّ، وابن عباس، وطائفة * طبقات ابن سعد ١٦٧/٦، طبقات خليفة ت ٩٩٤، و١٠٢٠، تاريخ البخاري ٢٦٩/٢، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الأول ٧٥، الحلية ١٢٦/٤، تهذيب الكمال ٢١٥، تاريخ الإسلام ١٥٠/٣، تذهيب التهذيب ١١٣/١، العقد الثمين ١٦/٤، الإصابة ت ١٩٢٠، تهذيب التهذيب ١٤٣/٢، خلاصة تذهيب التهذيب ٦٧ . (١) في الطبقات ١٦٧/٦ . · * طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٣، طبقات خليفة ت ٢٥٢٤، تاريخ البخاري ٤٥٥/٥، المعارف ٤٣٤ وفيه: ((كان قاضي مكة)) مصحَّف (قاصّ) المعرفة والتاريخ ٢٤/٢، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الثاني ٤٠٩، الحلية ٢٦٦/٣، الاستيعاب ت ١٧٣٦، أسد الغابة ٣٥٣/٣، تهذيب الكمال ص ٨٩٩، تذكرة الحفاظ ٤٧/١، تاريخ الإسلام ١٩٠/٣، تذهيب التهذيب ٢٣/٣ ب، البداية والنهاية ٥٨٩ وفيه أيضاً عُحِّف لفظ (قاص) إلى (قاضي) العقد الثمين ٥٤٣/٥، غاية النهاية ت ٢٠٦٤، الإصابة ت ٦٢٤٢، تهذيب التهذيب ٧٧٨، النجوم الزاهرة ١٩٧/١، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ١٤ وفيه أيضاً تصحّف لفظ (قاصٌ) إلى (قاضي)، خلاصة تذهیب التهذیب ٢٥٥ . ١٥٦ حدَّث عنه ابنُهُ عبد الله بنُ عبيد، وعطاء بنُ أبي رباح، وابنُ أبي مليكة، وعمرو بنُ دينار، وعبدُ العزيز بن رُفّيْع، وأبو الزبير، وجماعة. وكان من ثقاتِ التابعين وأَئِمَّتهم بمكّة. وكان يذكِّر الناسَ، فيحضر ابنُ عمر رضي الله عنهما مَجْلِسَه. روى حماد بن سَلَمة، عن ثابت، قال: أول من قصَّ عُبيد بن عُمير على عهد عمر بن الخطاب(١). أبو بكر بن عياش: عن عبد الملك، عن عطاء، قال: دخلتُ أنا وعُبيد ابن عُمير على عائشة فقالت له: خفِّفْ فإِنَّ الذكْرَ ثقيل- تعني إذا وعَظْتَ(١). وقال عبد الواحد بن أيمن: رأيتُ عُبيد بن عُمير وله جُمَّةٌ إلى قفاه، ولحيته صفراء. قلت: هو من خضاب السُّنة. تُوفِّي قبل ابنِ عُمَر(٢) بأيام يسيرة. وقيل: تُوفِّي في سنة أربع وسبعين. وكان ابنه عبد الله من علماء المكّيِّين. وكان حفيدُه محمد بن عبد الله المعروف بالمُخْرم- ضعيفاً. حدَّث عن عطاء وجماعة. لحقه داود بن عمرو الضبِّي. ٥٧- فابنه * (م ٤) عبد الله بن عُبيد، يُكْنَى أبا هاشم. ما روى له البخاريُّ شيئاً. (١) انظر ابن سعد ٤٦٣/٥. (٢) في الأصل (عمير) مصحَّف، وما أثبتناه من تاريخ الإسلام وتاريخ البخاري. وقد ذكر ابن قتيبة في ((المعارف)) ٤٣٤ وفاته فقال ((وكان موته قريباً من موت ابن عباس سنة ثمان وستين)). * طبقات ابن سعد ٤٧٤/٥، طبقات خليفة ت ٢٥٤٩، تاريخ البخاري ١٤٣/٥، المعارف ٤٣٤، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الثاني ١٠١، الحلية ٣٥٤/٣، تهذيب الكمال= ١٥٧ يروي عن عائشة أيضاً، وابن عباس، وابن عمر. وعنه ابنُ جُرَيْج وجرير بن حازم، والأوزاعيّ. وثَقَهُ أبو حاتم. تُوقِّي سنةَ ثلاثَ عشرةَ ومئة بمكة. ٥٨- عمرو بن ميمون * (ع) الأَوْدِي المَذْحِجيُّ الكوفيُّ، الإِمامُ الحُجَّة، أبو عبد الله. أدركَ الجاهليَّة، وأسلم في الأيَّام النبويَّة وقدِمَ الشام مع مُعاذٍ بن جبل: ثم سكّن الكوفة. حدَّث عن عُمَر، وعليٍّ، وابن مسعود، ومعاذ، وأبي هريرة، وأبي أيُّوب الأنصاري، وطائفة. روى عنه الشعبيُّ، وأبو إسحاق، وحُصَيْنِ بنُ عبد الرحمن، وعبدة بن أبي لُبابة، ومحمد بن سُوقه، وسعيد بن جبير، وآخرون. أبو إسحاق: عن عمرو بن ميمون، عن معاذ قال: كنت رِدْف رسُول الله * على حمار يقال له عُفير (١). أحمد في ((المسند)): حدّثنا الوليد، حدّثنا الأوزاعيُّ، عن حسان بن = ص ٧٠٨، تاريخ الإسلام ٢٦٨/٤، تذهيب التهذيب ١٦٤/٢ آ، العقد الثمين ٢٠٥/٥، غاية النهاية ت ١٨٠٨، تهذيب التهذيب ٣٠٨/٥، خلاصة تذهيب التهذيب ٢٠٥. * طبقات ابن سعد ١١٧/٦، طبقات خليفة ت ١٠٥٠، تاريخ البخاري ٣٦٧/٦، المعارف ٤٢٦، الجرح والتعديل القسم الأول من المجلد الثالث ٢٥٨، الحلية ١٤٨/٤، الاستيعاب ت ١٩٥٩، تاريخ ابن عساكر ٣٢٢/١٣ آ، أسد الغابة ١٣٤/٤، تهذيب الأسماء واللغات القسم الأول من الجزء الأول ٣٤، تهذيب الكمال ص ١٠٥٦، تذكرة الحفاظ ٦١/١، تاريخ الإسلام ١٩٧/٣، العبر ٨٥/١، تذهيب التهذيب ١١١/٣ آ، العقد الثمين ٤١٧/٦، غاية النهاية ت ٢٤٦٣، الإصابة ت ٦٥١٥، تهذيب التهذيب، ١٠٩/٨، النجوم الزاهرة ١٩٥٨١، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٢٤، خلاصة تذهيب التهذيب ٢٩٤، شذرات الذهب ٨٢/١. (١) ابن عساكر ٣٢٢/١٣ ]. ١٥٨ عطيّة، حدثني عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون الأوْدي قال: قدم علينا معاذُ اليمن، رسولُ رسولِ اللهِ وَ﴿ من الشِّخْر، رافعاً صوتَهُ بالتكبير، أجشَّ الصوت، فأُلقيَتْ محبَّتي عليه، فما فارقته حتى حثوتُ عليه من التراب. ثم نظرتُ في أفقه الناس بعده، فأتيتُ ابن مسعود. رواه أبو خيثمة، عن الوليد ابن مسلم. وقال: فألقيتْ عليَّ محبته(١). (خ) نعيم بن حماد: حدّثنا هشيم عن أبي بلج، وحُصين، عن عمرو بن ميمون، قال: ((رأيت في الجاهلية قِرْدةً اجتمع عليها قِرَدَةٌ فرجموها، فرجمتُها معهم(٢)». شَبَابَةٍ: حدَّثنا عبدُ الملك بن مسلم، حدثنا عيسى بن حِطَّان، قال: حدّثنا عمرو بن ميمون، قال: كنتُ في حَرْثٍ، فرأيتُ قروداً كثيرةً قد اجتمعْنَ، فرأيتُ قِرْداً وقِرْدةً اضطَجعا ثم أدخلتِ القِرْدَةُ يدها تحتَ عُنُقِ القِرْد واعتنقها وناما، فجاء قِرْدٌ فغمزها، فنظرت إليه، وانسلَّت یدُها من تحتِ رأسِ القِرْد ثم انطلقتْ معَهُ غير بعيد، فَنَكحها وأنا أنظر، ثُمَّ رجعَتْ إلى مَضْجَعِها. فذهبتْ تُدْخِلُ يَدها تبحثَ عُنُقِ القِرْدِ، فَانْتَبَه، فقامَ إليها، فشمَّ دُبْرَها، قال: فاجتمعت القِرَدَةُ، فجعل يُشيرُ إليها فتفرَّقَتِ القِرَدَةُ، فَلَمْ أَلْبَتْ أن جيء (١) إسناده صحيح، وهو في المسند ٢٣١/٥، وأخرجه أبو داود (٤٣٢) في الصلاة باب إذا أخّر الإِمام الصلاة عن الوقت؛ وتمامه: ((فقال لي: كيف أنت إذا أتت عليكم أمراء يصلّون الصلاة لغير وقتها؟)) قال، فقلت: ما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((صلَّ الصلاة لوقتها واجعل ذلك معهم سبحة)). والأجشّ: الذي في صوته جشَّة وهي شدته مع غنّة؛ والسبحة: ما يصليه المرء نافلة من الصلوات، ومن ذلك سبحة الضحى. (٢) أخرجه البخاري ١٢١٨٧ في الأنبياء، باب أيام الجاهلية، ونعيم بن حماد كثير الخطأ، وهشیم مدلِّس وقد عنعن. ١٥٩ بذلك القِرْد بعينه ۔ أعرفُه- فانطلقوا بها وبه إلى موضعٍ كثير الرَّمْل، فحفروا لهما حُفَيرة فجعلوهما فيها، ثم رجموهما حتى قتلوهما(١). رواه عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن عبد الملك نحوه. عمرو، وثّقه يحيى بن معين وأحمد العِجْلي. قال أبو إسحاق : حجَّ عَمْروبنُ ميمون ستين مرةً مِنْ بين حِجَّةً وعُمرة وفي رواية، مئة مرة (٢). منصور: عن إبراهيم، قال: لما كَبِر عمرو بنُ ميمون، أُوتِدَ له في الحائط، فكان إذا سئم من القيام، أمْسَكَ به، أو يتعلَّق بحبل(٣). يونس بن أبي إسحاق: عن أبيه، کان عمرو بن میمون إذا رُئي، ذُكِر الله(٤) ٠٠ عبَّاد بن العوَّام: حدّثنا عاصم بن كليب، قال: رأيت عمرو بن ميمون، وسويد بن غَفَلة التقيا، فاعتنقا. أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: شهدت عمر غداةَ طُعن(٥)، فكنتُ في الصف الثاني . هُشَيْم: عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، أنَّهُ كان لا يتمنَّى المَوْت، (١) عيسى بن حطان لم يوثقهُ غير ابن حبان؛ قال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) في ترجمة عمرو بن ميمون: القصة بطولها تدور على عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان، وليسا ممَّنْ يُحتَجِّ بهما. وهذا عند جماعة أهل العلم منكرٌ إضافةُ الزنى إلى غير مكلّف وإقامة الحدود في البهائم. (٢) الحلية ١٤٨/٤. (٣) الحلية ١٥٠/٤ . (٤) ابن سعد ١١٨/٦. (٥) في الأصل: (عمرو طعن) وما أثبتناه من الحلية ١٥١/٤ وله تتمة. ١٦٠