النص المفهرس
صفحات 301-320
قال : فركب العسكر ، وحسين جالس ، فرآهم مُقبلين ، فقال لأخيه عبَّاس : القَهُم فسلهم : ما لهم ؟ فسألهم ، قالوا : أتانا كتابُ الأمير يأمرُنا أن نعرِضَ عليك النزولَ على حكمه ، أو نُناجزك . قال : انصرفوا عنا العشيَّةً حتى ننظُر الليلة ، فانصرفوا . وجمع حسينٌ أصحابه ليلة عاشوراء ، فحَمِدَ الله ، وقال : إني لا أحسبُ القومَ إلا مقاتليكم غداً ، وقد أذنتُ لكم جميعاً ، فأنْتُم في حلِّ مني ، وهذا الليلُ قد غَشيكم ، فمن كانت له قوة ، فليضُمَّ إليه رجلاً من أهل بيتي، وتفرَّقوا في سوادكم ، فإنَّهم إنما يطلبونني ، فإذا رأوني ، لَهَوْا عن طلبكم . فقال أهلُ بيته : لا أبقانا الله بعدَك، والله لا نُفارِقُك . وقال أصحابُه كذلك(١) . - الثوري : عن أبي الجخَّاف ، عن أبيه : أن رجلاً قال للحُسين : إِنَّ عليَّ ديناً . قال : لا يُقاتلُ معي من عليه دين(٢) - رجع الحديث إلى الأول : فلما أصبحوا ، قال الحسينُ : اللهم أنتَ ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كُلِّ شدة ، وأنتَ فيما نزل بي ثقةٌ ، وأنت وليُّ كلِّ نعمة ، وصاحبُ كلِّ حسنة . وقال العُمر وجندِه : لا تعجلوا ، والله ما أتيتُكم حتى أتتني كتبُ أماثلكم بأنَّ السُّنَّةَ قد أُميتت ، والنفاق قد نجم ، والحدود قد عُطِّلت؛ فاقدَمْ لعلَّ اللّه يُصلح بك الأمة . فأتيتُ ؛ فإِذْ كرهتُم ذلك ، فأنا راجع ، فارجعوا إلى أنفسكم ؛ هل يصلحُ لكم قتلي ، أو يحلُّ دمي ؟ ألستُ ابنَ بنتِ نبيكم وابنَ ابنِ عمه ؟ أوَليس حمزةُ والعباسُ وجعفرٌ عمومتي ؟ ألم يبلغكم قولُ (١) ((الكامل)) لابن الأثير ٥٧/٤ . (٢) أخرجه الطبراني (٢٨٧٢) وفي سنده موسى بن عمير، قال المؤلف في ((الميزان)): لا يعرف . ٣٠١ رسولِ الله ◌َ فيَّ وفي أخي: ((هذان سيِّدا شباب أهل الجنة)) ؟ فقال شِمْر : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول ، فقال عُمر : لو كان أمرُكَ إليَّ، لأجبتُ. وقال الحسينُ: يا عمر! ليكوننَّ لما ترى يومٌ(١) يسوؤك . اللهمَّ إنَّ أهلَ العراق غرُّوني ، وخدعوني ، وصنعوا بأخي ما صنعوا . اللهم شَتَّتْ عليهم أمرهم ، وأُحصِهم عدداً . فكان أول من قاتل مولى لعُبيد(٢) الله بن زياد ، فبرز له عبدُ الله بنُ تميم الكلبي ، فقتله ، والحسينُ جالسٌ عليه جُبَّةُ خَزِّ دكناء ، والنبلُ يقع حوله ، فوقعت نبلةٌ في ولدٍ له ابن ثلاث سنين ، فلبس لَأَمَتَهُ ، وقاتلَ حوله أصحابُه ، حتى قُتلوا جميعاً، وحمل ولدُه عليٍّ يرتجز : أَنَا عليُّ بْنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلَيّ نَحْنُ وَبَيْتِ اللهِ أَوْلَى بِالنَّبِيّ فجاءته طعنة ، وعطش حسينٌ فجاء رجلٌ بماء ، فتناوله ، فرماه حصين ابن تميم بسهم ، فوقع في فيه، فجعل يتلقَّى الدم بيده ويحمدُ الله . وتوجَّه نحو المُسَنَّاة يريد الفرات، فحالوا بينه وبين الماء ، ورماه رجلٌ بسهمٍ ، فأثبته في حنكه ، وبقي عامَّةً يومه لا يقْدمُ عليه أحد ، حتى أحاطت به الرَّجَّالةُ ، وهو رابطُ الجأش ، يُقاتل قتال الفارسِ الشجاع، إن كان ليشُدُّ عليهم ، فینکشفون عنه انکشافَ المعزی شَدَّ فیھا الأسدُ ، حتی صاح بهم شِمر : ثكلتكم أمهاتُكم ! ماذا تنتظرون به ؟ فانتهى إليه زرعةُ التميمي ، فضربَ كتفه ، وضربه الحسينُ على عاتقه ، فصرعه ، وبرز سنان النخعي ، فطعنه في ترقوته وفي صدره ، فخَرَّ ، ثم نزلَ ليحتزَّ رأسه ، ونزل خولي الأصبحي ، فاحتزَّ رأسه ، وأتى به عُبيدَ الله بن زياد ، فلم يُعطه شيئاً . قال : ووُجد بالحسين ثلاثٌ وثلاثون جراحة ، وقُتل من جيش عمر بن (١) في الأصل ((يوماً)). (٢) تحرف في المطبوع إلى ((لعبد)). ٣٠٢ سعد ثمانيةٌ وثمانون نفساً . قال : ولم يُفلت من أهل بيت الحسين سوى ولدِه عليّ الأصغر ، فالحُسينيَّةُ مِن ذُرِّيته ، كان مريضاً . وحسنٍ بن حسن بن عليّ وله ذُرِّية ، وأخوه عمرو ، ولا عقب له ، والقاسم بن عبد الله بن جعفر ، ومحمد بن عَقيل ، فقدم بهم وبزينب وفاطمة بنتي علي ، وفاطمة وسكينة بنتي الحسين ، وزوجته الرَّبَاب الكلبية والدة سكينة ، وأم محمد بنت الحسن بن عليّ ، وعبيد وإماء لهم . قال : وأُخذ ثَقَل الحُسين ، وأخذ رجلٌ حليّ فاطمة بنتِ الحسين ، وبكى ، فقالت: لم تبكي؟ فقال: أَسلبُ بنتَ رسول الله وَله، ولا أبكي؟ قالت : فدعه ، قال : أخافُ أن يأخُذَه غيري . وأقبل عُمر بنُ سعد ، فقال : ما رجع رجلٌ إلى أهله بشرِّ مما رجعتُ به ، أطعتُ ابنَ زياد ، وعصيتُ الله ، وقطعتُ الرحم . وورد البشيرُ على یزید ؛ فلما أخبره ، دمعت عيناه ، وقال : كنتُ أرضی من طاعتكم بدون قتل الحسين . وقالت سُكينةُ : يا يزيد ؛ أبناتُ رسول الله سبايا ؟ قال : يا بنتَ أخي هو والله عليَّ أشدُّ منه عليك، أقسمت ولو أن بينَ ابن زياد وبين حُسين قرابة ما أقدم(١) عليه، ولكن فرَّقتْ بينه وبينه سُميَّة، فرحم الله حُسيناً ، عجّل عليه ابنُ زياد ، أما والله لو كنتُ صاحبه ، ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا بنقص بعض عمري ، لأحببتُ أَنْ أدفعَه عنه ، ولوددتُ أن أُتيتُ به سلماً . ثم أقبل على عليٍّ بنِ الحُسين ، فقال : أبوك قطع رحمي ، ونازعني سلطاني . فقام رجلٌ ، فقال : إِنَّ سباءَهم لنا حلال . قال عليَّ : كذبتَ إلا أن تخرُج مِن ملَّتنا . فأطرق يزيدُ ، وأمر بالنساء ، فأدخلن على نسائه ، وأمر (١) تحرفت في المطبوع إلى ((ما قدم)). ٣٠٣ نساءَ آل أبي سفيان، فأقمن المأتم على الحسين ثلاثةَ أيام، إلى أن قال : وبكت أُمُّ كلثوم بنتُ عبد الله بن عامر ، فقال يزيد وهو زوجُها : حقَّ لها أن تُعْوِلَ على کبیر قریش وسيدها . جرير بن حازم ، عن الزّبير بن الخِرِّيت ، سمع الفرزدقَ يقولُ: لقيتُ الحسينَ بذات عِرق، فقال : ما ترى أهلَ الكوفة صانعين معي ؟ فإنَّ معي حملاً مِن كتبهم ؛ قلتُ : يخذُلونك ، فلا تذهبْ . وکتب یزیدُ إلى ابن عباس يذكر له خروج الحسين ، ويقول : نحسبُ أنه جاءه رجالٌ من المشرق ، فمنَّوه الخلافة ، وعندك منهم خبره ، فإنْ فعل ، فقد قطع القرابة والرحم ، وأنتَ كبيرُ أهلِ بيتك والمنظورُ إليه ، فاكففْه عن السعي في الفرقة . فكتب إليه ابنُ عبَّاس : إني لأرجو أن لا يكون خروجُه لأمرٍ تكره ، ولستُ أَدَعُ النصيحة له . وبعث حسينٌ إلى المدينة ، فلحقَ به من خَفَّ من بني عبد المطلب ؛ وهم تسعة عشر رجلاً ، ونساء ، وصبيان ، وتبعهم أخوه محمد ، فأدركه بمكة ، وأعلمه أنَّ الخروجَ يومه هذا ليس برأي ، فأبى ، فمنع محمدٌ ولدَه ، فوجد عليه الحسين ، وقال : ترغبُ بولدك عن موضع أصابُ فيه . وبعث أهلُ العراق رسلاً وكتباً إليه ، فسار في آله ، وفي ستين شيخاً من أهل الكوفة في عشر ذي الحجة . فكتب مروان إلى عُبيد الله بن زياد بن أبيه : أما بعد : فإِنَّ الحُسَينَ قد توجَّه إليك ، وتالله ما أحدٌ يسلمه الله أحب إلينا من الحسين ، فإِنَّك أن تهيجَ على نفسك ما لا يسده شيء . ٣٠٤ وكتب إليه عمرو بن سعيد الأشدق: أما بعد؛ فقد توجّه إليك الحسينُ، وفى مثلها تُعتقُ أو تُسترقُّ . الزبير : حدثنا محمد بن الضخَّاك ، عن أبيه قال : خرج الحسينُ ، فكتب يزيدُ إلى ابن زياد نائِهِ(١): إِنَّ حُسيناً صائرٌ إلى الكوفة ، وقد ابتُلي به زمانك من بين الأزمان ، وبلدُك من بين البلدان ، وأنت من بين العمال ، وعندها تُعتق ، أو تعودُ عبداً . فقتله ابنُ زياد ، وبعثَ برأسه إليه . ابن عُيَيْنة : حدثني أعرابيٍّ يقال له : بُجير من أهل الثَّعلبيَّة(٢) له مئةٌ وستَّ عشرة سنة . قال : مرَّ الحسين وأنا غلام ، وكان في قلَّةٍ من الناس ، فقال له أخي : يا ابنَ بنتِ رسول الله ! أراك في قِلَّة من الناس ، فقال بالسوط - وأشارَ إلى حقيبة الرَّحْل -: هذه خلفي مملوءة كتباً . ابن عُيّينة : حدثنا شِهابُ بنُ خِراش ، عن رجل من قومه قال : كنتُ في الجيش الذين جهّزهم عُبيدُ الله بنُ زياد إلى الحُسين ، وكانوا أربعةَ آلاف يُريدون الديلم، فصرفَهم عُبيدُ الله إلى الحُسين ، فلقيتُه ، فقلتُ : السلامُ عليك يا أبا عبد الله ، قال : وعليك السلام . وكانت فيه غُنَّة . قال شِهاب : فحدثتُ به زيدَ بن عليٍّ، فأعجبه ؛ وكانت فيه غُنّة (٣). جعفر بن سليمان : عن يزيد الرِّشْك، قال: حدّثني مَنْ شَافَةَ الحُسين قال : رأيتُ أبنيةً مضروبةً للحُسين ، فأتيتُ ، فإذا شيخٌ يقرأ القرآن ، والدموعُ تسيلُ على خَدَّيْهِ ، فقلتُ : بأبي وأمي يا ابنَ رسولِ الله ! ما أنزلكَ (١) تحرفت في المطبوع إلى ((بن أبيه)). (٢) قال ياقوت : الثعلبية : من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشُّقوق وقبل الخزيمية ، وهي ثلثا الطريق . (٣) ((المعرفة والتاريخ)) ٣٢٥/٣. ٣٠٥ سير ٢٠/٣ هذه البلادَ والفلاة ؟ قال: هذه كتبُ أهلِ الكوفة إليَّ، ولا أراهم إلَّ قاتليَّ، فإِذا فَعلوا ذلك، لم يَدَعُوا لله حُرمةٌ إلا انتهكوها، فيسلطُ اللّهُ عليهم من يُذِلُّهم حتى يكونوا أَذَلَّ مِن فَرَم (١) الأمة يعني مقنعَتها . المدائني : عن الحسن بن دينار ، عن معاوية بن قُرَّة ، قال : قال الحُسين: والله ليُعْتَدَيَنَّعليَّ كما اعتدتْ بنو إسرائيل في السبت(٢). أحمد بن جَنّاب المِصِّيصي : حدّثنا خالدُ بنُ يزيد القسري ، حدَّثنا عمَّارُ الدُّهني: قلتُ لأبي جعفر الباقر : حدِّثني بقتل الحسين . فقال : مات معاوية ، فأرسل الوليدُ بنُ عتبة والي المدينة إلى الحسين لِيبايع ، فقال : أَخِّرني ، ورفق به ، فَأَخّره ، فخرج إلى مكة ، فأتاه رسلُ أهل الكوفة ، وعليها النعمان بن بشير، فبعث الحسينُ ابنَ عمّه مسلمَ بنَ عَقيل : أَنْ سِرْ ، فانظر ماكتبوا به ، فأخذ مسلمٌ دليلين وسار، فعطشوا في البرية ، فمات أحدُهما . وكتب مسلمٌ إلى الحسين يَستعفيه ، فكتب إليه : امضِ إلى الكوفة ، ولم يُعفه ، فقدمها، فنزل على عوسجة ، فدبَّ إليه أهلُ الكوفة ، فبايعه اثنا عشر ألفاً. فقام عُبِيدُ الله بن مسلم ؛ فقال للنُّعمان : إنك الضعيف ! قال : لَأَنْ أكونَ ضعيفاً أحبُّ إليَّ من أَنْ أكونَ قويّاً في معصية الله ، وما كنتُ لأهتكَ ستراً ستره الله . وكتب بقوله إلى يزيد ، وكان يزيدُ ساخطاً على عُبيد الله بن زياد، فكتب إليه برضاه عنه، وأنه ولَّه الكوفة مُضَافاً إلى البصرة . وكتب إليه أن يقتُل مُسلماً . فأسرع عُبيدُ الله في وجوه أهل البصرة إلى الكوفة مُتَلِثِّماً ، فلا يمرُّ بمجلس، فيسلمُ عليهم إلّ قالوا : وعليك (١) تصحفت في المطبوع إلى ((قرم)) قال ابن الأثير في ((النهاية)) بعد أن أورد خبر الحُسين هذا : هو بالتحريك : ما تعالج به المرأة فرجها ليضيق ، وقيل : هو خرقة الحيض . والخبر في ((الطبري)) ٣٩٤/٥، و((تهذيب ابن عساكر)) ٣٣٦/٤. (٢) ((تاريخ الطبري)) ٣٨٥/٥. ٣٠٦ السّلام يا ابنَ رسول الله ، يظنّونه الحسين . فنزل القصرَ ؛ ثم دعا مولیً له ، فأعطاه ثلاثةَ آلاف درهم ، وقال : اذهبْ حتى تسألَ عن الذي يُبايع أهل الكوفة ، فقل : أنا غريبٌ ، جئتُ بهذا المال يتقوى به ، فخرج ، وتلطّف حتى دخل على شيخٍ يلي البيعة ، فأدخله على مُسلم ، وأعطاه الدراهم ، وبايعه ، ورجع ، فأخبر عُبِيدَ الله . وتحوَّل مسلمٌ إلى دار هانىء بنِ عُروة المرادي ، فقال عُبيد الله : ما بالُ هانىء لم يأتِنا؟ فخرجَ إليه محمدُ بنُ الأشعث وغيره ، فقالوا : إنَّ الأمير قد ذكرك فركِبَ معهم، وأتاه وعنده شُريح القاضي، فقال عُبيد الله: ((أَتْكَ بِحَائِنٍ رِجْلَاه))(١) فلما سلّم ، قال : يا هانىُ أين مُسلم ؟ قال : ما أدري ؛ فخرج إليه صاحبُ الدراهم ، فلما رآه ، قطع به ، وقال : أيُّها الأمير ! والله ما دعوتُه إلى منزلي ، ولكنَّه جاء ، فرمى نفسه عليَّ. قال : ائتني به . قال : والله لو كان تحت قدميَّ ، ما رفعتُهما عنه ، فضربه بعصاً ، فشجَّه ، فأهوى هانىءُ إلى سيف شرطي يَستلُّه ، فمنعه. وقال : قد حلَّ دمُك ، وسجنه . فطار الخبرُ إلى مَذْحِج، فإِذا على باب القصر جلََّة، وبلَغَ مُسلماً الخبرُ ، فنادى بشعاره ، فاجتمع إليه أربعون ألفاً ، فعبَّاهم ، وقصدَ القصر ، فبعثَ عُبِيدُ الله إلى وجوه أهل الكوفة ، فجمعهم عنده ، وأمرهم ، فأشرفوا من القصر على عَشائرهم ، فجعلوا يُكلُّمونهم ، فجعلوا يَتسلُّلون حتى بقي مُسلم في خمس مئة ، وقد كان كتبَ إلى الحُسين لُيُسرِعَ ، فلما دخل الليلُ ، ذهب أولئك ، حتى بقي مسلمٌ وحده يترَدِّدُ في الطرق ، فأتىْ بيتاً ! فخرجتْ إليه امرأةٌ ، فقال : اسقني ، فسقته . ثم دخلتْ ، ومكثتْ ما شاء الله ، ثم خَرَجتْ ، فإِذا به على الباب ، فقالتْ : يا هذا ، إنَّ مجلسك مجلسُ رِيبة ، (١) مثل : يضرب للرجل يسعى إلى المكروه حتى يقع فيه ، والحين : الهلاك، وقد حان . الرجل : هلك، وأحانه الله ، وكل شيءٍ لم يوفق للرشاد ، فقد حان . ٣٠٧ ٤ فقُم ؛ فقال : أنا مُسلمُ بنُ عَقيل ، فهل عندك مأوىَّ ؟ قالت : نعم . فَأَدخلتْه، وكان ابنُها مولىٌّ لمُحمد بنِ الأشعث ، فانطلق إلى مولاه ، فأعلمه ، فبعث عُبِيدُ الله الشُّرَطَ إلى مُسلم ؛ فخرج ، وسلَّ سيفَه ، وقاتل ، فأعطاهُ ابنُ الأشعث أماناً ، فسلَّم نفسه ، فجاء به إلى عُبيد الله ، فضرب عُنْقَه وألقاهُ إلى الناس ، وقتلَ هانئاً ؛ فقال الشاعر(١): فإِنْ كُنتِ لا تَدْرِينَ مَا المَوْتُ فَانْظُرِي إلىْ هَانِىءٍ فِي السُّوقِ وابْنِ عَقِيلِ أصابَهُمَا أَمْرُ الأمِيرِ فَأَصبحًا أحاديثَ مَنْ يَسعىْ بَكُلِّ سَبِيلِ وقَدْ طَلَبَتَهُ مَذْحِجٌ بِقَتِيلِ أَيَرْكَبُ أَسْمَاءُ الهَمَالِيجَ آَمِنَاً يعني : أسماء بن خارجة . قال : وأقبل حسينٌ على كتاب مُسلم ، حتى إذا كان على ساعةٍ من القادسيَّة ، لقيه رجل ؛ فقال للحُسين : ارجعْ ، لم أدْخ لك ورائي خيراً، فَهَمَّ أن يرجع . فقال إِخوةُ مُسلم : والله لا نرجعُ حتى نأخُذَ بالثأر، أو نُقتل ؛ فقال : لا خيرَ في الحياة بعدكم . وسار . فلقيتهُ خيلُ عُبيد الله ، فعدلَ إلى كربلاء ، وأسند ظهره إلى قصميا حتى لا يقاتل إلّ من وجهٍ واحد، وكان معه خمسةٌ وأربعون فارساً ونحوٌ من مئة راجل . وجاء عُمر بنُ سعد بن أبي وقاص - وقد ولَّهُ عُبِيدُ الله بن زياد على العسكر - وطلبَ من عُبيد الله أن يُعفيه من ذلك، فأبى ، فقال الحسينُ : اختاروا واحدةً من ثلاث ؛ إما أن تَدَعُوني ، فألحقَ بالثغور ؛ وإِما أنْ أذهبَ إلى يزيد ، أو أُردّ إلى المدينة. فقبل عُمر ذلك، وكتب به إلى عُبيد الله ، فكتبَ إليه : لا ولا كرامةَ حتى يضَعَ يده في يدي . فقال الحُسين : لا والله ! وقاتل ، فقُتل أصحابُه ، منهم بضعةً عشر شاباً من أهل بيته . (١) في ((الكامل)) ٣٦/٤: فقال عبد الله بن الزُّبير في قتل هانىء ومسلم ، وقيل: قاله الفرزدق. والخبر بطوله مع الشعر في (تهذيب ابن عساكر)) ٣٣٩/٤، ٣٤٠. ٣٠٨ قال : ويجيءُ سهمٌ ، فيقعُ بابنٍ له صغير ، فجعلَ يمسحُ الدَّمَ عنه، ويقول : اللهُمَّ احكُمْ بيننا وبين قومنا ، دَعَوْنا لينصرونا ، ثم يقتلوننا . ثم قاتل حتى قُتل . قتله رجل مذحجيّ ، وحزَّ رأسه ، ومضى به إلى عبيد الله ، فقال : أُوْقِرْ رِكَابي ذَهَبَا فَقَدْ قَتَلْتُ المَلِكَ الْمُحَجَّبَا قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ أُمّاً وأباً (١) فوفده إلى يزيدَ ومعه الرأسُ ، فوضِعَ بين يديه ، وعنده أبو بَرْزة الأسلمي ؛ فجعل يزيدُ ينكُتُ بالقضيب على فيه ، ويقول(٢) نُقُلِّقُ هَاماً مِن أُنَاسٍ أعِزَّةَ عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَما كذا قال أبو برزة . وإِنما المحفوظُ أنَّ ذلك كان عند عُبيد الله(٣). قال: فقال أبو برزة: ارفع قضيبكَ؛ لقد رأيتُ رسولَ الله وَ لآي فاه على فيه . قال : وسرَّح عمرُ بنُ سعد بحريمه وعياله إلى عُبيد الله . ولم يكُنْ بقيّ منهم إلّ غلام كان مريضاً مع النساء ، فأمر به عُبيدُ الله ليُقتل ، فطرحَتْ عمتُه زينبُ نفسَها عليه، وقالت : لا يُقتل حتى تقتلوني ، فرقَّ لها ، وجهَّزَهم إلى الشام ، فلما قدموا على يزيد ، جمع من كان بحضرته ، وهنؤوه ؛ فقام رجلٌ (١) انظر ((الطبراني)) (٢٨٥٢). (٢) هو للحصين بن الحمام بن ربيعة المري الذبياني ، شاعر فارس جاهلي كان سيد بني سهم بن مرة، ويلقب ((مانع الضيم)) وهو ممن نبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية . والبيت من قصيدة مطلعها : بدارةً موضوعٍ عقوقاً ومأثما جزى الله أفناءَ العشيرةِ كُلُّها وهي في ((المفضليات)). ص ٦٤ - ٦٩ فانظر تخريجها ثمة. (٣) انظر ((الطبراني)) (٢٨٤٦) و ((المجمع)) ١٩٣/٩. ٣٠٩ أحمرُ أزرق ، ونظر إلى صبِيَّةٍ منهم ، فقال : هَبْها لي يا أميرَ المؤمنين ، فقالت زينبُ : لا ولا كرامةَ لك إلاّ أن تخرُج من دين الله . فقال له يزيد : كُفَّ. ثم أدخلهم إلى عياله، فجهزهم، وحملهم إلى المدينة(١). إلى هنا عن أحمد بن جناب . الزُّبير: حدّثنا محمدُ بنُ حسن : لما نزلِ عُمر بنُ سعد بالحُسين ، خطب أصحابَه ، وقال : قد نزل بنا ما ترون ، وإِنَّ الدنيا قد تغيّرت وتنكَّرت، وأدبر معروفُها، واسْتُمرئت(٢) حتى لم يبقَ منها إلَّ كصُبابة الإِناء، وإِلّ خسيسُ (٣) [عيش] كالمرعى الوبيل ، ألا ترونَ الحقَّ لا يُعمل به، والباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغبِ المؤمنُ في لقاء الله . إني لا أرى الموتَ إلَّا سعادةً ، والحياةَ مع الظالمين إلَّ ندماً(٤). خالد بن عبد الله ، عن الجريري ، عن رجل : أنَّ الحسين لمَّا أرهقه السلاحُ، قال: ألا تقبلون مِنِّي ما كان رسولُ اللهِ وَّه يقبلُ من المشركين؟ كانَ إذا جنح أحدُهم ، قَبِلَ منه . قالوا : لا . قال : فدعُوني أرجع . قالوا : لا . قال : فدعُوني آتي أميرَ المؤمنين ، فأخذ له رجلٌ السلاح ، فقال له: أبشر بالنار ؛ فقال: بل إن شاء الله برحمة ربي ، وشفاعةِ نبي . فقُتل ، وجيء برأسه ، فوُضع في طست بين يدي ابن زياد ، فنكته بقضيبه ، وقال : لقد كان غلاماً صبيحاً . ثم قال : أيكم قاتلُه ؟ فقام الرجل . فقال : (١) ((البداية)) ١٩٤/٨. (٢) تحرفت في المطبوع إلى ((استمرت)). (٣) تصحفت في المطبوع إلى ((حشيش)). (٤) الخبر في ((الطبراني)) برقم (٢٨٤٢)، و((الحلية)) ٣٩/٢، و((الطبري)) ٤٠٣/٥، ٤٠٤، والزبير هو ابن بكار ، ومحمد بن حسن هو ابن زبالة ، وهو متروك متفق على ضعفه، ولم يدرك القصة. كما قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٣/٩، وقوله ((إلا ندماً)) في الطبري والطبراني ((إلا بَرَماً)). ٣١٠ وما قال لك؟ فأعاد الحديث .. قال : فاسودَّ وجهه(١) . أبو معشر : عن رجاله قال : قال الحسينُ حين نزلوا كربلاء : ما اسمُ هذه الأرض ؟ قالوا : كربلاء . قال : كربٌ وبلاء . وبعث عُبِيدُ الله لحربه عُمَرَ بنَ سعد ، فقال : يا عُمر! اختَرْ مِنِّي إحدى ثلاث ؛ إما أنْ تتركني أرجع ، أو فسيِّرني إلى يزيد ، فأضعُ يدي في يده، فإِنْ أبيتَ ، فسيِّرني إلى الترك، فأجاهد حتى أموت . فبعثَ بذلك إلى عُبيد الله، فهمَّ أنْ يُسيِّره إلى يزيد ، فقال له شِمْرُ بن ذي الجوشن : لا إلَّ أن يَنْزِلَ على حُكمك، فأرسلَ إليه بذلك . فقال الحسينُ : والله لا أفعل ، وأبطأَ عُمرُ عن قتاله . فبعثَ إليه عُبِيدُ الله شِمْرَ بنَ ذي الجوشن ، فقال : إنْ قاتل ، وإلا فاقتُله ، وكُنْ مكانه(٢) . وكان من جند عُمر ثلاثون من أهل الكوفة ، فقالوا : يعرِضُ عليكم ابنُ بنت رسول الله وَل﴿ ثلاثَ خصالٍ فلا تقبلون واحدة! وتحوَّلوا إلى الحسين ، فقاتلوا(٣) عبَّاد بن العوَّام ، عن حُصين ، قال: أدركتُ مقتل الحسين . فحدثني سعدُ بن عبيدةً، قال : رأيتُ الحسينَ وعليه جُبّة برود ، رماه رجلٌ يُقال له عمرو بن خالد الطهوي بسهم ، فنظرتُ إلى السهم في جنبه(٤) . هشام بن الكلبي ، عن أبيه قال : رمىْ زُرعةُ الحسين بسهمٍ ، فأصاب حنكه ، فجعلَ يتلقَّى الدم ، ثم يقول هكذا إلى السماء . ودعا بماءٍ ليشرب ، فلما رماه ، حال بينه وبين الماء ، فقال: اللهم ظَمِّهِ. قال: فحدَّثني من شهده وهو يموتُ ، وهو يصيحُ من الحر في بطنه والبرد في ظهره ، وبين (١) ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٣٧/٤ . (٣) ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٣٨/٤ . (٤) ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٣٨/٤. (٢) ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٣٨/٤ . ٣١١ يديه المراوح والثلج وهو يقول : اسقوني أهلكني العطش . فانقد بطنه(١). الكلبي رافضي متهم . قال الحسنُ البصريُّ : أقبل مع الحُسين ستةً عشر رجلاً من أهل بيته . وعن ابن سيرين : لم تبك السماء على أحدٍ بعد يحيى عليه السلام إلّ على الحُسين(٢). عُثمان بن أبي شيبة : حدّثنا أبي ، عن جدي ، عن عيسى بن الحارث الكِندي ، قال : لما قُتل الحسين ، مكثنا أياماً سبعةً ، إذا صلينا العصر ، فنظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان كأنها الملاحفُ المعصفرة، ونظرنا إلى الكواكب يضربُ بعضُها بعضاً (٣). المدائني : عن عليٍّ بن مُدْرك ، عن جده الأسودِ بن قيس ، قال : احمرَّتْ آفاقُ السماء بعد قتل الحسين ستةَ أشهر تُرى كالدم . هشام بن حسَّان ، عن محمد ، قال : تعلمُ هذه الحمرة في الأفق مِمَّ ؟ هو من يوم قتل الحسين . الفَسَوِيّ : حدّثنا مسلمُ بن إبراهيم قال : حدّثتنا أُمُّ سوق العبدية ؛ قالت : حدّثتني نضرةُ الأزدية ، قالتْ: لمَّا أن قُتل الحُسين ، مطرتِ السماءُ ماءً ، فأصبحت وكل شيء لنا ملآن دماً . جعفر بن سليمان الضَّبَعي : حدّثتني خالتي قالت: لما قُتل الحُسين ، مُطرنا مطراً كالدَّم . (١) ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٤١/٤. (٢) ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٤٢/٤. (٣) ((الطبراني)) (٢٨٣٩) و(تهذيب ابن عساكر)) ٣٤٢/٤. ٣١٢ يحيى بن معين : حدّثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد ، قال : قُتل الحسينُ ولي أربع عشرة سنة ، وصار الورسُ الذي كان في عسكرهم رماداً، واحمرَّتْ آفاقُ السماء ، ونحروا ناقةً في عسكرهم ، فكانوا يرون في لحمها النيران(١) . ابن عُيينة : حدّثتني جدتي قالت : لقد رأيتُ الورس عادَ رماداً، ولقد رأيتُ اللحم كأنَّ فيه النَّارَ حين قُتِلَ الحُسين(٢). حَمَّاد بن زيد : حدّثني جميلُ بن مُرَّة ، قال : أصابوا إِلاً في عسكر الحسين يوم قُتل ، فطبخوا منها ، فصارت كالعَلْقَم . قُرَّةُ بنُ خالد : سمعتُ أبا رجاء العُطّاردي قال : كان لنا جارٌ من بَلْهُجيم، فقدم الكوفةً ، فقال : ما ترونَ هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله - يعني الحُسين رضي الله عنه - فرماهُ الله بكوكبين من السماء ، فطمس بصره(٣) . قال عطاءُ بنُ مسلم الحلبي : قال الشُّدِّيّ : أتيتُ كربلاء تاجراً ، فعمل لنا شيخٌ من طيّ طعاماً، فتعشَّينا عنده ، فذكرنا قتلَ الحسين ، فقلتُ : ما شاركَ أحدٌ في قتله إلا مات مِيتةً سوء . فقال : ما أكذبكم ، أنا ممن شَرَكَ في ذلك . فلم نَبرح حتى دنا من السراج وهو يَتَّقِدُ بنَقْطٍ ، فذهبَ يُخرِجُ الفتيلةَ بأصبعه ، فَأَخَذَتِ النارُ فيها ، فذهبَ يُطفِئُها بريقه ، فعلقت النارُ في لحيته ، فعدا ، فألقى نفسَه في الماء ، فرأيتُه كأنه حُمَمة (٤) . (٢) ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٤٢/٤. (٢) ((الطبراني)) (٢٨٥٨). (٣) ((الطبراني)) (٢٨٣٠) قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح . (٤) ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٤٣/٤ ٣١٣ ابن عُيَيْنَة ، حدّثتني جدتي أُمُّ أبي قالت : أدركتُ رجلين ممن شهد قَتْلَ الحُسين؛ فأمّا أحدُهما؛ فطال ذَكَرُه حتى كان يَلُفُّه . وأما الآخرُ ؛ فكان يستقبلُ الراويةَ ، فيشربُها كُلَّها(١) . حمّاد بن زيد ، عن مَعْمَر ، قال : أول ما عرف الزُّهري أنه تكلّم في مجلس الوليد ؛ فقال الوليدُ : أَيُّكم يعلمُ ما فعلت أحجارُ بيت المقدس يومَ قَتْلِ الحُسين ؟ فقال الزُّهريُّ: بلغني أنه لم يُقلب حجرٌ إلا وُجد تحته دمٌ عَبِيط(٢) . حمّاد بن سلمة : عن عليٍّ بن زيد، عن أنسٍ ، قال: لما قُتل الحُسين ، جيء برأسه إلى ابن زياد ، فجعل ينكُتُ بقضيبٍ على ثناياه ، وقال : إِنْ كانَ لحسنَ الثَّغْر ؛ فقلتُ: أما والله لأسوءنك، فقلتُ : لقد رأيتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ يقبّل موضعَ قضيبِك مِن فيه(٣). الحاكم (٤) في ((الكنى )) : حدّثنا أبو بكر بنُ أبي داود ، حدثنا أحمدُ ابنُ محمد بن عمر الحنفي ، حدثنا عُمر بنُ يونس ، حدثنا سليمانُ بن أبي سليمان الزُّهري ، حدّثنا يحيى بنُ أبي كثير، حدّثنا عبدُ الرحمن بن عمرو ، حدّثني شدَّادُ بنُ عبد الله ؛ سمعتُ واثلةَ بنَ الأسقع وقد جيء برأس الحسين ، فلعنه رجلٌ من أهل الشام، فغضب واثلةُ، وقام، وقال: والله لاأزالُ أُحِبُّ عليّاً وولديه بعد أنْ سمعتُ رسولَ اللهِ ◌ّهَ في (١) ((الطبراني)) (٢٨٥٧) و((مجمع الزوائد) ١٩٧/٩. (٢) انظر ((معجم الطبراني)) (٢٨٣٤) و (٢٨٥٦) و((المجمع)) ١٩٦/٩. (٣) علي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، وهو في ((معجم الطبراني)) ( ٢٨٧٨) وانظر الصفحة ٢٨١ ت (١) من هذا الجزء . (٤) هو شيخ الحاكم صاحب ((المستدرك)) واسمه محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري محدث خراسان. مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ٩٧٦/٣ للمؤلف . ٣١٤ منزل أُمِّ سَلَمة، وألقى على فاطمةً وابنيها وزوجِها كساءً خيبريّاً ثم قال: ﴿إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣]. سليمان ضَعَّفوه ، والحنفي مُتَّهم . ويُروى عن أبي داود السبيعي ، عن زيدٍ بنٍ أرقم ، قال : كنتُ عند عُبيد الله ، فأُتي برأس الحسين ، فَأَخَذَ قضيباً ، فجعل يفتّرُّ به عن شفتيه ، فلم أر ثغراً كان أحسنَ منه كأنه الدُّرُّ ، فلم أملك أنْ رفعتُ صوتي بالبكاء . فقال: ما يُبكيكَ أيُّها الشيخُ؟ قلتُ: يُبكيني ما رأيتُ من رسول الله ◌َِاتِ ، رأيتُه يمصُّ موضعَ هذا القضيب، ويلثمه، ويقول: (( اللهُمَّ إنِّي أُحبُّه فَأَحِبَّه » . حمّاد بن سلمة ، عن عمَّارِ بنِ أبي عمَّار، عن ابنِ عباس : رأيتُ رسولَ اللهِوَ ﴿ في النوم نصفَ النهار ، أشعثَ أغبر ، وبيده قارورةٌ فيها دم . قلتُ : يا رسولَ الله ، ما هذا؟ قال : هذا دُ الحسين وأصحابِهِ ، لم أزل منذُ اليوم ألتقطُه . فأُحصي ذلك اليوم ، فوجدوه قُتِلَ يومئذ(١). ابن سعد : عن الواقدي ، والمدائني ، عن رجالهما ؛ أن مُحفز بن ثعلبة العائذي قَدِمَ برأس الحُسين على يزيد ، فقال: أتيتُك يا أميرَ المؤمنين برأسٍ أحمقِ الناسِ والأمهم . فقال يزيدُ: ما ولدتْ أُمُّ مُحفز أحمق وألأم ؛ لكنَّ الرجلَ لم يتدبر كلامَ الله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْك مَنْ تَشَاءِ﴾ [آل عمران: ٢٦] ثم بعثَ يزيدُ برأس الحسين إلى مُتولِّي المدينة ، (١) أخرجه أحمد ٢٨٣/١، والطبراني (٢٨٢٢) وسنده قوي كما قال الحافظ ابن كثير في ((البداية» ٢٠٠/٨. وهو في (تهذيب ابن عساكر)) ٣٤٣/٤. ٣١٥ فَدُفِنَ بالبقيع عند أُمِّه(١). وقال عبدُ الصمد بن سعيد القاضي : حدّثنا سليمان بن عبد الحميد البهْرائي : سمعت أبا ◌ُميّة الکلاعيّ قال : سمعتُ أبا گرِب قال : كنتُ فيمن تَوَثَّبَ على الوليد بن يزيد بدمشق ، فأخذتُ سَفَطاً ، وقلتُ : فيه غنائي ؛ فركبتُ فرسي ، وخرجتُ به من باب توما ، قال : ففتحتُه ، فإِذا فيه رأسٌ مكتوبٌ عليه. هذا رأسُ الحسين بن عليٍّ، فحفرتُ له بسيفي، فدفتُه(٢). أبو خالد الأحمر : حدّثنا رَزِين ، حدّثتني سلمى قالت : دخلتُ على أُمِّ سَلَمة وهي تبكي؛ قلتُ: ما يُبكيكِ؟ قالتْ: رأيتُ رسولَ اللهِوَله في المنام، وعلى رأسِهِ ولحيتِهِ التُّرابُ ، فقلتُ : مالكَ يا رسولَ الله ؟ قال : ((شهدتُ قتلَ الحُسين آنفاً))(٣). رَزين هو ابنُ حبيب . وثَّقه ابنُ مَعين . حمّاد بن سلمة : عن عَمَّار بن أبي عمار ؛ سمعتُ أُمَّ سلمة تقولُ : سمعتُ الجِنَّ يبكينَ على حُسين ، وتنوحُ عليه. (٤) سُويد بن سعيد : حدثنا عمرو بن ثابت ، حدثنا حبيبُ بنُ أبي ثابت ؛ أَنَّ أُمَّ سلمة سمعتْ نوحَ الجِنِّ على الحُسين(٥). عُبيد بن جنَّاد : حدثنا عطاءُ بنُ مسلم ، عن أبي جَناب الكلبي قال: أتيتُ كربلاء ، فقلتُ لرجلٍ من أشراف العرب : بلغني أنكم تسمعون نَّوْحَ الجِنِّ . قال: ما تلقى حُرّاً ولا عبداً إلَّ أخبرك أنَّه سمع ذلك. قلتُ: فما سمعتَ أنت ؟ قال: سمعتُهم يقولون : (١) انظر ((الطبري)) ٤٦٣/٥. (٢) لا يصح، فيه من لا يعرف . (٣) أخرجه الترمذي (٣٧٧١) في المناقب ، وسلمى لا تعرف وباقى رجاله ثقات . (٤) ((معجم الطبراني)) (٢٨٦٧) ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي ١٩٩/٩. (٥) ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٤٤/٤ . ٣١٦ فله بريق في الخُدود مسح الرسول جبينه ش وَجَدُّه خَيْرُ الْجُدُود(١) أبواهُ من عليا قريـ محمد بن جرير : حُدِّثثُ عن أبي عبيدة ، حدثنا يونس بنُ حبيب قال: لما قَتَل عُبِيدُ اللّه الحُسينَ وأهله . بعثَ برؤوسهم إلى يزيدَ ، فَسُرَّ بقتلهم أولاً ؛ ثم لم يلبثْ حتى ندم على قتلهم ، فكانَ يقول : وما عليَّ لو احتملتُ الأذى ، وأنزلتُ الحسينَ معي ، وحكمتُه فيما يريد ، وإِنْ كان عليّ في ذلك وهنّ ، حفظاً لرسول اللّه وَّه ورعايةً لحقُّه . لعن اللّهُ ابنَ مرجانة - يعني عُبيد الله - فإِنَّه أحرجه ، واضطره ، وقد كانَ سأل أن يُخلِّي سبيله أنْ يرجع من حيثُ أقبل ، أو يأتيني ، فيضع يده في يدي ، أو يلحق بثغرٍ من الثغور ، فأبى ذلك عليه وقتله ، فأبغضني بقتله المسلمون ، وزرع لي في قلوبهم العداوة . جرير : عن الأعمش ، قال : تغوَّط رجلٌ من بني أسد على قبر الحُسين ، فأصابَ أهلَ ذلك البيت خَبَل ، وجُنون ، وبرص ، وفقر ، وجذام(٢) . قال هشامُ بنُ الكلبي : لما أُجري الماءُ على قبر الحسين ، انمحى أثرُ القبر، فجاء أعرابيٌّ ، فتبَّعَهُ ، حتى وقعَ على أثر القبر، فبكى، وقال : أرادُوا لُيُخفوا قَبْرَهُ عَنْ عَدُوِّهِ فَطِيبُ تُرَابِ القَبْرِ دَلَّ عَلَى القَبْرِ سُفيان بن عُيَيْنَة : حدثنا جعفرُ بنُ محمد عن أبيه ، قال: قُتِلَ عليٍّ وهو (١) ((معجم الطبراني)) (٢٨٦٥) و (٢٨٦٦) قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٩/٩ : وفيه من لم أعرفه، وأبو جناب مدلس، وهو في ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٤٤/٤، و((البداية)) ٢٠٠/٨. (٢) ((معجم الطبراني)) (٢٨٦٠) ورجاله ثقات، و((ابن عساكر)) ٣٤٥/٤، و (((البداية)) ٢٠٣/٨. ٣١٧ ابنُ ثمانٍ وخمسين. وماتَ لهاحَسن ،وقُتل لها حُسين(١). قلتُ : قولهُ : ماتَ لها حسن : خطأً ، بل عاشَ سبعاً وأربعين سنة . قال الجماعةُ : مات يوم عاشوراء سنة إحدى وستين ، زاد بعضُهم يوم السبت وقيل : يوم الجمعة ، وقيل: يوم الاثنين. ومولده في شعبان سنة أربع من الهجرة . عبد الحميد بن بَهْرام ، وآخر ثقة ، عن شهْرِ بن حَوْشَب ، قال: كنتُ عند أُمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ ◌َ﴿ حين أتاها قتلُ الحسين ، فقالت : قد فعلوها ؟! ملَّ اللّهُ بيوتَهم وقبورَهم ناراً، ووقعتْ مَغْشِيَّةً عليها ، فقمنا . ونقل الزبير لسُليمان بن قتَّة (٢) يَرئي الحُسين : وإِنَّ قَتِيلَ الطَّفِّ مِنْ آلِ هاشِمٍ أَذَلَّ رِقاباً مِنْ قُرَيْشٍ فَذَلَّتِ كَعَادٍ تَعَمَّتْ عَنْ هُدَاها فَضَلَّتِ فَإِنْ يُتِبِعُوهُ عَائِذَ البَيْتِ يُصْبِحُوا فَأَلْفَيْتُها أَمْثَالَهَا حِينَ حَلَّتِ (٣) مَرَرْتُ على أبياتِ آلِ مُحمَّدٍ (١) ((الطبراني)) (٢٧٨٤ ). (٢) بفتح القاف ومثناة من فوق مشددة كما ضبطه ابن ناصر الدين في ((توضيح المشتبه)» ورقة ٢١٥، وابن حجر في ((تبصير المنتبه)) ١١٢٢/٣، وابن الجزري في ((طبقات القراء)» ٣١٤/١، وقد تصحف في ((تعجيل المنفعة)) إلى ((قنة))، وهو سليمان بن قتة التيمي مولاهم البصري ، روى عن ابن عباس ، وعمرو بن العاص وغيرهما ، روى عنه موسى بن أبي عائشة وغيره ، وكان فارساً شاعراً ، قال ابن الجزري : عرض القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات ، وعرض عليه عاصم الجحدري، مترجم في ((تاريخ البخاري)) ٣٢/٤، و((الجرح والتعديل)) ١٣٦/٤ . والأبيات منسوبة له في ((الاستيعاب)) ٣٧٩/١، و((البداية)) ٢١١/٨، و(( تهذيب ابن عساكر)) ٣٤٥/٤، ٣٤٦، والأول والثالث والرابع والخامس منها في ((حماسة أبي تمام)) ٩٦١/٢، ٩٦٢ بشرح المرزوقي. ونسبه ياقوت الحموي إلى أبي دهبل ، ولم يتابع على ذلك. (٣) رواية الشطر الثاني في ((الحماسة)): فلم أرها أمثالها يوم حُلُّتِ قال المرزوقي : يريد أنه قد ظهر عليها من آثار الفجع والمصيبة ما صارت له دهشاً ، = ٣١٨ وكَانُوا لَنَا غُنْمَأْ فَعَادُوا رَزِيَّةً لَقَدْ عَظُمَتْ تِلكَ الرِّزَايَا وَجَلَّتِ فَلاَ يُبْعِدِ اللّهُ الدِّيَارَ وَأَهْلَهَا وإنْ أَصْبَحَتْ مِنْهُم بِرَغْمِي تَخَلَّتِ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الأَرْضَ أَضْحَتْ مَرِيضَةٌ لفَقْدِ حُسَينٍ والبِلادُ اقْشَعَرَّتِ قوله : أذل رقاباً ؛ أي لا يَرِعُونَ عن قتل قرشيٍ بعده . أحمد بن محمد بن یحیی بن حمزة : حدثني أبي ، عن أبيه ، قال : أخبرني أبي حمزةُ بنُ يزيد الحضرمي قال : رأيتُ امرأةً من أجمل النساء وأعقلهن ، يقال لها : ريّا ؛ حاضنة يزيد ، يقال : بلغت مئة سنة . قالت : دخل رجلٌ على يزيد ، فقال : أبشر، فقد أمكنكَ الله من الحُسين ؛ وجيء برأسه ، قال : فُوُضِع في طسْت ، فأمر الغلام ، فكشفَ ، فحين رآه ، خمَّر وجهه كأنه شَمَّ منه . فقلتُ لها : أقرَعَ ثناياهُ بقضيب ؟ قالت: إي والله . ثم قال حمزةُ : وقد حدثني بعضُ أهلنا أنه رأى رأس الحُسين مصلوباً بدمشق ثلاثةَ أيام . وحدثتني ريًّا؛ أنَّ الرأسَ مكثَ في خزائن السلاح حتى ولي سليمانُ ، فبعثَ ، فجيء به ، وقد بقي عظماً أبيضَ ، فجعله في سَقَطٍ ،وطِيِّيه ، وكَّنه ، ودفنه في مقابر المسلمين . فلما دخلت المُسَوِّدَةُ سألوا عن موضع الرأس ، فنبشوه ، وأخذوه ، فالله أعلمُ ما صُنِعَ به . وذكر باقي الحكاية وهي قوية الإِسناد . يحيى بن بُكَير ، حدثني الليث قال: أبى الحُسين أن يستأسرَ حتى قُتل بالطّفِّ، وانطلقوا بينيه عليٍّ، وفاطمةً، وسُكينةً إلى يزيد ، فجعل سُكينةً خلفَ سريره لئلا ترى رأسَ أبيها ، وعليّ في غلُّ ، فضرب على ثنيتي = فحالها في ظهور الجزع عليها ليست كحالها في السرور أيام حلوها . ٣١٩ الحسين ، وتمثَّل بذاك البيت . فقال عليٍّ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبٍ في الأَرْض﴾ [الحديد: ٢٢] الآية فَتَقُل على يزيدَ أَنْ تمثَّل ببيت ، وتلا عليّ آية، فقال: بل ﴿بما كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾ [الشورى: ٣٠] فقال: أَمَا والله لورآنا رسولُ اللهِ وَّةِ، لأحبَّ أن يُخلِّينا. قال: صدقتَ ، فخلُّوهم . قال: ولووقفنا بين يديه ، لأحبَّ أن يُقَرِّبنا . قال: صدقتَ، قَرِّبُوهم . فجعلت سُكينةُ وفاطمةُ تتطاولان لتريا الرأس ، وبقي يزيدُ يتطاولُ في مجلسه ليستره عنهما . ثم أمر لهم بجهاز، وأصلح آلتهم ، وخرجوا إلى المدينة(١) . کثیر بن هشام : حدثنا جعفر بن بُرْقَان ، عن یزید بن أبي زياد، قال: لما أُتي يزيدُ برأس الحسين ، جعل ينكُتُ سِنَّهُ، ويقول : ما كنتُ أظنُّ أبا عبد الله بلغَ هذا السنَّ، وإذا لحيتُه ورأسُه قد نصَل مِن الخضاب . وممن قُتل مع الحسين إخوتُه الأربعة ؛ جعفرٌ ، وعَتيق ، ومحمدٌ ، والعبَّاسُ الأكبر . وابنُه الكبير عليٍّ، وابنُه عبدُ الله، وكان ابنُه عليَّ زينُ العابدين مريضاً ، فَسلِمَ. وکان یزید یُكرمه ويرعاه . وقُتِلَ مع الحُسين ، ابنُ أخيه القاسمُ بنُ الحسن ، وعبدُ الله وعبدُ الرحمن ابنا مُسلم بن عَقِيل بن أبي طالب ، ومحمدٌ وعونٌ ابنا عبدِ الله بنٍ جعفر بن أبي طالب . المدائني : عن إبراهيم بن محمد ، عن عمرو بن دینار ، حدثنا محمد ابنُ علي ، عن أبيه ، قال: قُتِلَ الحُسينُ ، وأُدخِلنا الكوفةَ ، فلقينا رجلٌ، فأدخَلَنا منزِلَه، فألحفنا ، فنمتُ فلم أستيقظ إلا بحسِّ الخيل في الأزِقّة ، فَحُمِلنا إلى يزيد، فدمعت عينُه حين رآنا ، وأعطانا ما شئنا ، وقال: إِنَّه سيكونُ في قومك أمورٌ ، فلا تدخُلْ معهم . فلما كان يومَ الحرّة ما كان ؛ كتب (١) الطبراني ( ٢٨٠٦). ٣٢٠