النص المفهرس

صفحات 221-240

أبو جعفر الرازي : عن حُصين، قال ابنُ عُمر : إني لأُخْرُجُ ومالي
حاجةٌ إلّ أَنْ أَسلِّم على الناس، ويُسلِّمون عليَّ (١).
وروى مَعْمَر ، عن أبي عمرو النَّدَبي ، قال: خرجتُ مع ابن عُمر ، فما
لقِيَ صغيراً ولا كبيراً إِلّ سلَّم عليه (٢).
قال عُثمان بن إبراهيم الحاطبي (٣) : رأيتُ ابنَ عُمر يُحفي شاربه ،
حتى ظَنْتُ أنه يَنْتِفُه . وما رأيتُه إلا محلّل الأزرار(٤) وإِزارُه إلى نصفٍ ساقه .
وقيل : كان يتَّزِرُ على القميص في السفر ، ويختم الشيء بخاتمه ، ولا يكاد
يلبسه ، ويأتي السوق ، فيقولُ: كيفَ يُباع ذا؟ ويُصفِّر لحيته .
وروى ابنُ أبي ليلى، وعبد الله بن عمر، عن نافع ، أن ابنَ عُمر كان
يقبِضُ على لحيته ، ويأخُذُ ما جاوز القبضة (٥) .
قال مالك : كانَ إمامَ الناس عندنا بعد زيد بن ثابت ، عبدُ الله بنُ عمر،
مكث ستين سنة يُفتي الناس(٦) .
= الحافظ في ((الإصابة)) ٢ / ٣٤٨، ونسبه ليعقوب بن سفيان الفسوي، وقد تحرف فيه أبو الوازع إلى
أبي الدارع، واسم أبي الوازع: جابر بن عمرو الراسبي، قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق
يهم .
(١) وأخرجه ابن سعد ٤ / ١٥٥ من طريق الفضل بن دكين ، عن أبي معشر ، عن سعيد
المقبري، و٤ / ١٥٦ من طريق مسلم بن إبراهيم ، عن هشام الدستوائي ، عن القاسم بن أبي
بزة ، عن عبد الله بن عطاء ... و٤ / ١٧٠ من طريق عبد الوهاب بن عطاء ، عن أسامة بن زيد،
عن نافع ..
(٢) هو في ((المصنف)) (١٩٤٤٢) واسم أبي عمرو النَّدَبي: بشر بن حرب فيه لين.
(٣) هو عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب الجمحي ، قال أبو حاتم : شيخ يكتب
حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وانظر ابن سعد ٤ / ١٧٥ و١٧٦ و١٧٧ .
(٤) تحرف في المطبوع إلى ((الإِزار)).
(٥) أخرجه ابن سعد ٤ / ١٧٨، وأخرجه البخاري ١٠ / ٢٩٥، ٢٩٦ من طريق محمد بن
منهال ، عن يزيد بن زريع ، عن نافع بلفظ: ((وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر ، قبض على لحيته ،
فما فضل أخذه » .
(٦) أخرجه الفسوي في ((تاريخه)) ١ / ٤٩١، ومن طريقه الخطيب ١ / ١٧٢ : حدثني محمد =
٢٢١

مالك : عن نافع : كان ابنُ عُمر وابنُ عبَّاس يجلسان للناس عند مقدم
الحاج ، فَكُنْتُ أجلِسُ إلى هذا يوماً ، وإِلى هذا يوماً ، فكان ابنُ عبَّاس
يُجيب ويُفتي في كل ما سُئِلَ عنه، وكان ابنُ عُمر يَرُدُّ أكثرَ مما يُفتي .
قال اللَّيْثُ بنُ سعد وغيرُه : كتبَ رجلٌ إلى ابنِ عُمر أَن اكتُبْ إليَّ
بالعلم كله . فكتب إليه : إِنَّ العلم كثير ، ولكن إن استطعتَ أَنْ تَلْقَى الله
خفيفَ الظّهرِ من دماء الناسِ ، خَمِيصَ البطنِ من أموالهم ، كافَّ اللسان عن
أعراضهم ، لازماً لُأُمْرِ جَمَاعتهم ، فافعل .
منصور بن زاذان : عن ابنٍ سيرين ، أن رجلاً قال لابن عُمر : أعملُ
لك جوارش ؟ قال : وما هو؟ قال : شيءٌ إذا كظَّك الطعامُ ، فأصبتَ منه ،
سهَّل. فقال: ما شبعتُ منذُ أربعة أشهر، وما ذاك أَنْ لا أكون له واجداً ،
ولكني عهدتُ قوماً يشبعون مرةً، ويجوعون مرةً(١) .
وروى الحارثُ بنُ أبي أسامة ، عن رجل : بعثتْ أُمُّ ولدٍ لعبدِ الملك
ابنِ مروان إلى وكيلها تستهديه غلاماً ، وقالت : يكون عالماً بالسنة ، قارئاً
لكتاب الله ، فصيحاً ، عفيفاً ، كثيرَ الحياء ، قليلَ المِراء . فكتبَ إليها : قد
طلبتُ هذا الغلام ، فلم أَجِدْ غلاماً بهذه الصفة إلا عبد الله بنَ عُمر ، وقد
ساومتُ به أهله ، فأَبَوا أنْ يَبِيعوه .
روى بَقِيَّة ، عن ابن حِذْيم ، عن وهب بن أبانَ القُرشي ؛ أَنَّ ابنَ عُمر
خرج، فبينما هو يسير، إذا أسَدٌ على الطريق قد حَبَسَ النَّاسَ ، فاستَخَفَّ
ابنُ عمر راحِلته ، ونَزَلَ إلى الأسد ، فَعَرَكَ أذنه، وأَخَّرَهُ عن الطريق ؟ وقال :
سمعتُ رسول اللّه وَّ وقال: ((لولم يخف ابنُ آدم إلا الله لم يسلط عليه غيره)).
= ابن أبي زكير، عن ابن وهب ، عن مالك .
(١) أخرجه أبو نعيم ١ / ٣٠٠ من طريق الإِمام أحمد ، حدثنا هُشيم ، أخبرنا منصور ، عن
ابن سيرين .. ورجاله ثقات. وقوله ((إذا كظّك الطعام)) أي: إذا امتلأتَ منه وأثقلك .
٢٢٢

لم يصح هذا (١) .
أسامة بن زيد : عن عبد الله بن واقد ، قال : رأيتُ ابنَ عُمر يُصلِّي ،
فلو رأيتَه ، رأيتَه مُقْلَوْليَاً(٢) ، ورأيتُه يَفْتُّ المسكَ في الدُّهْنِ يَدَّهِنُ به .
عبد الملك بن أبي جميلة ، عن عبد الله بن موهب : أن عُثمان قال
لابن عُمر : اذهبْ ، فاقضٍ بين الناس ، قال : أو تعفيني من ذلك ! قال :
فما تكرهُ من ذلك وقد كانَ أبوك يَقْضي؟ قال: إني سمعتُ رسولَ اللهِه
يقول: ((مَنْ كان قاضِياً، فقضى بالعدل ، فبالحريِّ أَنْ يَنْفَلِتَ كفافاً)) فما
أرجو بعد ذلك(٣) ؟ ! .
السَّرِي بن يحيى : عن زيد بن أسلم ، عن مجاهدٍ ، قال : قال ابنُ
عُمر : لقد أعطيتُ من الجماعِ شيئاً ما أَعْلَمُ أَحداً أُعطِيَهُ إلّ أَنْ يكونَ رسول
تفرَّد به يحيى بن عبّاد عنه .
أبو أسامة : حدّثنا عُمر بنُ حمزة : أخبرني سالم ، عن ابن عمر ،
قال : إني لأظنُّ قُسِمَ لي منه ما لم يُقْسم لأحدٍ إلا للنبيِّ وَّ ، وقيل : كان ابنُ
عُمر يُفْطِرُ أولَ شيءٍ على الوَطْءِ .
ليتُ بن أبي سُلَيم : عن نافعٍ ، قال : لمَّا قُتِلَ عثمان ، جاء عليٍّ إلى
(١) وقال المؤلف في ((ميزانه)) في ترجمة وهب بن أبان : لا يدرى من هو ، فأتى بخبر
موضوع، وفي ((اللسان)) ذكره الأزدي ، فقال : متروك الحديث غير مرضي، ثم أورد له هذا
الحديث . وقد أورد الحديثَ المتقي في (( كنز العمال)) ١٣ / ٤٧٨، ٤٧٩، ونسبه لابن عساكر .
(٢) قال ابن الأثير: هو المتجافي المستوفز، وفلان يتقلّى على فراشه، أي: يتململ ولا
يستقر .
(٣) أخرجه الترمذي (١٣٢٢) في أول الأحكام ، وسنده ضعيف لجهالة عبد الملك بن أبي
جميلة .
٢٢٣

ابن عُمر ، فقال : إنك محبوبٌ إلى الناس ، فَسِرْ إلى الشام ، فقال : بقرابتي
وصحبتي والرحم التي بيننا . قال: فلم يعاوِدُ(١).
ابن ◌ُيَيْنة : عن عمر بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : بعث
إليَّ عليّ، فقال: يا أبا عبد الرحمن ! إنكَ رجلٌ مُطاع في أهل الشام ، فَسِرْ
فقد أمَّرتُك عليهم. فقلتُ: أُذَكَّرك الله، وقرابتي من رسولِ الله وَلـ
وصحبتي إياه ، إلَّ ما أَعْفَيْتَنِي، فأبىْ عليّ . فاستعنتُ عليه بحفصة ،
فأبى . فخرجتُ ليلاً إلى مكة ، فقيل له : إنه قد خَرَجَ إلى الشام . فبعث في
أثري ، فجعل الرجلُ يأتي المربد ، فيخطم بعيره بعمامته ليدركني . قال :
فأرسلت حفصةُ: إِنَّه لمْ يَخْرُجْ إلى الشام، إنَّما خرج إلى مكة. فسكن(٢).
الأسود بن شيبان : عن خالد بن سُمَير ، قال : هربَ موسى بنُ طلحة
من المختار ، فقال : رحم الله ابنَ عُمر! إني لأحسبُه على العهد الأول لم
يتغيّر ، والله ما استفزَّتْهُ قُريش . فقلتُ في نفسي : هذا ◌ُزري على أبيه في
مقتله . وكان عليٍّ غدا على ابنٍ عُمر ، فقال: هذه كُبُنا، فاركبْ بها إلى
الشام ، قال: أنشدك الله والإِسلام. قال: والله لتركبنَّ. قال: أُذَكِّرك الله
واليومَ الآخر . قال : لتركبنَّ والله طائعاً أو كارهاً . قال : فهربَ إلى مكة .
العَوَّام بن حَوْشب : عن حبيبٍ بن أبي ثابت ، عن ابنٍ عُمر: قال يوم
دُومة جندل : جاء معاويةُ على بُختي عظيمٍ طويل ، فقال : ومن الذي يطمع
في هذا الأمر ويمد إليه عُنُقَه؟ فما حدَّثتُ نفسي بالدنيا إِلَّ يومئذ. هَمَمْتُ أن
أقول : يطمعُ فيه من ضربك وأباك عليه ، ثم ذكرتُ الجنةَ ونعيمها ،
فأعرضْتُ عنه(٣).
(١) ليث بن أبي سليم: سِّئء الحفظ. والخبر في ((تاريخ الإِسلام)) ٣ / ١٨٢ للمؤلف.
(٢) رجاله ثقات .
(٣) رجاله ثقات. وهو في ((طبقات ابن سعد)) ٤ / ١٨٢ من طريق يزيد بن هارون بهذا
الإسناد، ونسبه الحافظ في ((الفتح)) ٧ / ٣١٠ للطبراني.
٢٢٤

حَمَّاد بن زيد : عن أيوب ، عن نافع ؛ أَنَّ مُعاويةَ بَعَثَ إلى ابنٍ عُمر
بمئة ألف ، فلما أراد أنْ يبايع ليزيد ، قال : أرى ذاك أراد، إِنَّ ديني عندي إذاً.
لرخيص(١) .
وقال مُحمد بن المنكدر : بُويع يزيد ، فقال ابنُ عمر لما بلغه : إنْ كان
خيراً رضِينا ، وإِن كان بلاءً صبرنا(٢) .
ابن عُلَيَّة : عن ابن عَون ، عن نافع ، قال : حلفَ معاويةُ على منبر
رسول اللّهِوَ﴿ ليقتلَنَّ ابنَ عمر، يعني وكان ابنُ عُمر بمكة . فجاء إليه عبدُ الله
ابنُ صفوان ، فدخلا بيتاً ، وكنتُ على الباب ، فجعل ابنُ صفوان يقولُ :
أفتتركهُ حتى يقتُلَك؟! والله لو لم يَكُنْ إلا أنا وأهلُ بيتي ، لقاتلتُه دونك .
فقالَ : ألا أصيرُ في حرم الله ؟ وسمعتُ نحيبَه مرَّتين ، فلما دنا معاويةُ تلقَّاه
ابنُ صفوان ، فقال: إيهاً(٣) جئتَ لتقتل ابن عمر. قال: والله لا أقتله (٤).
مِسعر : عن أبي حُصين : قال معاويةُ : من أحقُّ بهذا الأمر منّا ؟ وابنُ
عمر شاهدٌ ، قال : فأردتُ أن أقول : أحقُّ به منك من ضَرَبك عليه وأباك ،
فخِفْتُ الفساد(٥).
مَعْمَر : عن الزُّهري ، عن سالم ، عن أبيه وابن طاووس ، عن عكرمة
ابن خالد ، عن ابن عُمر، قال : دخلتُ على حفصةَ ونَوْساتُها تَنْطُفُ ،
(١) إسناده صحيح، وهوفي ((طبقات ابن سعد)) ٤ / ١٨٢، و ((تاريخ الفسوي)) ١ /
٤٩٢.
(٢) أخرجه ابن سعد ٤ / ١٨٢ من طريقين، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر ..
(٣) إبهاً: اسم فعل أمر بمعنى اسكت وكف. وقد تحرفت في المطبوع إلى ((إنما)).
(٤) إسناده صحيح. وهو في ((الطبقات)) ٤ / ١٨٣، وأخرجه أيضاً من طريق ابن عُلية ،
عن أيوب ، عن نافع ..
(٥) أخرجه ابن سعد ٤ / ١٨٢ من طريق محمد بن عبد الله الأسدي بهذا الإسناد.
٢٢٥
سير ١٥/٣

فقلتُ : قد كانَ من الناس ما تَرَين ، ولم يجعل لي من الأمر شيء . قالت :
فالحقْ بهم ، فإِنهم ينتظرونك ، وإني أخشى أن يكون في احتباسك عنهم
فُرِقة ، فلم يَرعه حتى ذهب . قال : فلما تفرَّق الحكمان ، خطب معاويةُ ،
فقال : من كان يُريد أن يتكلّم في هذا الأمر ، فليُطلعْ إليَّ قرنه ، فنحنُ أحقُّ
بذلك منه ومن أبيه ؛ يُعرِّض بابنِ عُمر .
قال حبيبُ بنُ مسلمة : فهَلَّا أجبتَه فِداك أبي وأمي ؟ فقال ابنُ عُمر:
حللتُ حَبْوَتي ، فهممتُ أن أقول : أحقُّ بذلك منك من قاتلَكَ وأباكَ على
الإِسلام . فخشيتُ أن أقولَ كلمةٌ تُفرِّق الجمع ، ويُسفَكُ فيها الدَّمُ ، فذكرتُ
ما أعدَّ الله في الجنان(١) .
وقال سَلَّامُ بنُ مسكين : سمعتُ الحَسَنَ يقولُ : لما كانَ من أمرِ الناس
ما كانَ زمنَ الفتنة ، أَتَوا ابنَ عُمر ، فقالوا : أنت سيِّدُ الناس وابنُ سيِّدهم ،
والناس بك راضون ، اخرجْ نُبَايِعْكَ. فقال : لا والله لا يهراق فيَّ مِحجمٌ من
دم ولا في سبي(٢) ما كان فيَّ روح(٣).
جرير بن حازم : عن یعلی ، عن نافعٍ ، قال : قال أبو موسی یوم
التحكيم : لا أرى لهذا الأمر غيرَ عبدِ الله بن عمر . فقال عمرو بن العاص
لابن عُمر : إنا نُريد أن نُبَايِعك، فهل لك أن تُعْطِى مالاً عظيماً على أنْ تَدَعَ
(١) أخرجه البخاري ٧ / ٣٠٩، ٣١١ في المغازي: باب غزوة الخندق ، وعبد الرزاق في
((المصنف)) ٥ / ٤٦٥ وقوله: ((ونَوْساتها تنطف)) أي: ذوائبها تقطر كأنها قد اغتسلت ، فسمَّى
الذوائب نوسات لأنها تتحرك كثيراً. وقوله: ((فلما تفرق الحكمان )) هي رواية عبد الرزاق ، وفي
البخاري ((فلما تفرق الناس))، قال الحافظ : أي بعد أن اختلف الحكمان ، وهما أبو موسى
الأشعري وكان من قبل علي ، وعمرو بن العاص وكان من قبل معاوية ، وجملة ( یُعرض بابن عمر »
هي في ((المصنف))، ولم ترد عند البخاري .
٠٠
(٢) تحرف في المطبوع إلى ((سبي)).
(٣) أخرجه أبو نعيم ١ / ٢٩٣ من طريق ابن إسحاق ، عن عمر بن محمد بن الحسن الأسدي
عن أبيه ، عن سلام بن مسكين ...
٢٢٦

هذا الأمر لمن هو أحرصُ عليه منك ؟ فغضِبَ ، وقام . فأخذ ابنُ الزُّبير
بطرفٍ ثوبه ، فقال: يا أبا عبد الرحمن إنما قال: تُعطِي مالاً على أن أبايعك .
فقال : والله لا أُعطي عليها ولا أُعطى ولا أقبلها إِلَّ عن رضىٍّ من
المسلمين(١) .
قلتُ : كاد أن تنعقدَ البيعةُ له يومئذ ، مع وجود مثل الإِمام عليٍّ وسعدٍ
ابنِ أبي وقَّاص ، ولوبُويع ، لما اختلف عليه اثنان ، ولكن الله حَمَاه وخار له .
مِسْعر : عن عليٍّ بن الأقمر، قال : قال مروانُ لابن عُمر : ألا تخرجُ
إلى الشام فُيُبَايِعُوك ؟ قال : فكيف أصنعُ بأهلِ العراق ؟ قال : تقاتلهم بأهلِ
الشام. قال : والله ما يَسُرُّني أن يُبايعني الناسُ كُلُّهم إلاّ أهلَ فَدَك، وأن
أُقاتِلَهم ، فيُقْتَلَ منهم رجلٌ . فقال مروان :
إني أَرَىْ فِتْنَةً تَغْلِي مَرَاجِلُها والمُلْكُ بعد أبي ليلىْ لمن غَلَبًا
وروى عاصم بنُ أبي النَّجُود نحواً منها (٢) .
وهذا قاله وقت هلاك يزيد بن معاوية (٣) فلما اطمأنَّ مروانُ من جهة ابن
عمر، بادرَ إلى الشام ، وحارب ، وتملَّك الشامَ ، ثم مصر .
أبو عوانة : عن مُغيرة ، عن فِطرٍ قال : أتى رجلٌ ابنَ عمر ، فقال : ما
أحد شرِّ للَّمة منك ، قال : لمَ ؟ قال : لو شئتَ ما اختلفَ فيك اثنان . قال :
ما أحِبُّ أنها - يعني الخلافة - أتتني ورجلٌ يقول لا ، وآخر يقولُ بلى .
(١) أخرجه أبو نعيم ١ / ٢٩٣، ٢٩٤ من طريق أبي العباس الثقفي ، عن عبد الله بن جرير
ابن جبلة ، عن سليمان بن حرب بهذا الإسناد .
(٢) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٤ / ١٦٩، وقد تقدم في الصفحة (٢١٦) ت (١).
(٣) قال المؤلف في (( میزانه )) : مقدوح في عدالته ، لیس بأهلٍ أن يُروى عنه ، وقال أحمد بن
حنبل : لا ينبغي أن يروى عنه، وعدَّهُ شيخ الإسلام في ((منهاج السنة)) ٢ / ٢٥١ من الفساق .
٢٢٧

أبو المليح(١) الرَّقِّي: عن مَيْمُون بن مهران، قال: دَسَّ مُعاوية عَمْراً
وهو يُريد أن يعلم ما في نفس ابنٍ عُمر ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ! ما يمنعُكَ
أن تخرُجَ تُبايعك الناسُ، أنتَ صاحبُ رسول الله وَ﴿ُ وابنُ أمير المؤمنين ،
وأنتَ أحقُّ الناس بهذا الأمر . فقال : قد اجتمعَ الناسُ كلَّهم على ما تقول ؟
قال : نعم ، إلا نفر يسير . قال: لو لم يبقَ إلا ثلاثةُ أعلاجٍ بهَجَر لم يكن لي
فيها حاجة . قال : فعلم أنَّه لا يريدُ القتال . فقال : هل لك أن تُبايعَ من قد
كادَ النّاسُ أن يجتمعوا عليه ويكتب لك من الأرضين والأموال ؟ فقال: أُنَّ
لك ! اخرجْ من عندي ، إنَّ ديني ليس بديناركم ولا درهمكم(٢) .
يونسُ بن عُيَيد: عن نافع، قال : كان ابنُ عمر يُسلِّم على
الخشَبيَّة(٣) والخوارج وهم يقتتلون وقال: من قال ((حيَّ على الصلاة))
أجبتُه ، ومن قال ((حيَّ على قتل أخيك المسلم وأخذٍ ماله)) فلا (٤).
قال نافع : أتى رجلٌ ابنَ عُمر ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ! ما يحمِلُك
على أَنْ تَحُجِّ عاماً وتعتمرَ عاماً وتتركَ الجهاد ؟ فقال : بُني الإِسلامُ على
خمس : إيمان بالله ورسوله ، وصلاة الخمس ، وصيام رمضان ، وأداء
الزكاة ، وحج البيت . فقال: يا أبا عبد الرحمن ، ألا تسمع قوله: ﴿وَإِنْ
طائِفَتَان مِن المُؤْمِنين اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بينهما﴾ [الحجرات: ٨] فقال: لُأَنْ
أُعتَبِرَ بهذه الآية ، فلا أُقاتلُ ، أحبُّ إليَّ من أنْ أَعتَبِرَ بالآية التي يقول فيها :
(١) تحرف في المطبوع إلى ((أبي المديح)).
(٢) وتمامه : وإني أرجو أن أخرج من الدنيا ويدي بيضاء نقية. أخرجه ابن سعد ٤ / ١٦٤
من طريق عبد الله بن جعفر الرقي ، عن أبي المليح ، عن ميمون وهذا سند صحيح .
(٣) هم أصحاب المختار بن أبي عبيد .
(٤) أخرجه ابن سعد ٤ / ١٦٩، ١٧٠، وأبو نعيم ١ / ٣٠٩ من طريق أحمد بن عبد الله بن
يونس ، حدثنا أبو شهاب عبد ربه الحناط ، عن يونس بن عبيد العبدي ، عن نافع .. وهذا سند
حسن .
٢٢٨

﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤه جَهَنَّمُ خالداً فيها﴾ [النساء: ٩٢] فقال:
ألا ترى أنَّ الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لا تكونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. قال:
قد فعلنا على عهد رسول الله وَّل﴿ إِذْ كان الإِسلامُ قليلاً، وكان الرجلُ يفتَنُ في
دينه ؛ إما أنْ يَقْتُلُوه، وإما أن يستَرِقُوه ، حتى كَثُر الإِسلامُ ، فلم تكن فتنة .
قال : فلما رأى أنَّه لا يُوافِقُه ، قال : فما قولُك في عثمان وعليٍّ ؟ قال : أما
عُثمانُ ، فكانَ الله عفا عنه ، وكرهتُم أنْ يعفُو الله عنه . وأماعليٌّ فابنُ عمِّ
رسولٍ، الله وَلِّ وخَتْنُه وأشار بيده، هذا بيتُه حيث ترون.
الزُّهري : عن حمزة بن عبد الله ، قال : أقبل ابنُ عمر علينا ، فقال :
ما وجدتُ في نفسي شيئاً من أمرٍ هذه الأمة ، ما وجدتُ في نفسي من أن أُقاتِلَ
هذه الفئةَ الباغيةَ كما أمرني الله .
قلنا : وَمَنْ ترى الفئة الباغية ؟ قال: ابنُ الزُّبير ، بغى على هؤلاء
القوم ، فأخرجهم من ديارهم ، ونكث عهدهم(١) .
أيوب : عن نافع ، قال : أصابت ابنَ عمر عارضةُ مَحْمِل بين أصبعيه
عند الجمرة ، فمرض فدخل عليه الحجّاج ، فلما رآه ابنُ عمر ، غمّض
عينيه ، فكلَّمه الحجاج ، فلم يُكَلِّمه ، فغضب ، وقال : إنَّ هذا يقول إني
على الضرب الأول (٢)؟
عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو : أخبرناجدي ، أن ابنَ عمر قدم
حاجّاً ، فدخل عليه الحجّاجُ ، وقد أصابه زُجُ رمحٍ . فقال : من أصابك ؟
(١) في رواية ابن سعد ٤ /١٨٥ التي سيذكرها المصنف في الصفحة ٢٣٢ أن الفئة الباغية
هي الحجاج. وسندها صحيح.
(٢) أخرجه ابن سعد ٤ / ١٨٦ من طريق سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد بهذا
الإسناد ، وهذا سند صحيح .
٢٢٩

قال : أصابني من أمرتُموه بحمل السلاح في مكان لا يحلُّ فيه حملُه(١).
أحمد بن يعقوب المسعودي : حدّثنا إسحاق بن سعيد بن عمرو
.
الأموي ، عن أبيه ، عن ابن عُمر، أنه قام إلى الحجّاج ، وهو يخطُبُ ،
فقال: يا عدوًّ الله! استُحِلَّ حَرَمُ الله، وخُرِّب بيتُ الله. فقال: يا شيخاً قد
خَرِف. فلما صدر الناسُ ، أمر الحجّاجُ بعضَ مُسوّدته ، فأخذ حربة
مسمومةً ، وضرب بها رجلَ ابن عُمر ، فمرض ، وماتَ منها . ودخل عليه
الحجّاجُ عائداً، فسلَّم فلم يردَّ عليه ، وكلَّمه ، فلم يُجبه(٢) .
هشام ، عن ابن سيرين ؛ أن الحجّاج خطب ، فقال : إن ابنَ الزُّبير
بدَّل كلامَ الله . فعلمَ ابنُ عمر ، فقال : كذَبَ ، لم يكن ابنُ الزُّبير يستطيع أن
يُبَدِّل كلامَ الله ولا أنت ، قال : إنك شيخٌ قد خرفت الغد . قال : أما إنّك لو
عُدْتَ ، عُدْتُ .
قال الأسود بن شيبان : حدّثنا خالد بن سُمَيْر قال : خطب الحجّاج ،
فقال : إن ابنَ الزُّبير حرَّفَ كتابَ الله . فقال ابنُ عمر : كذبتَ كذبتَ ، ما
يستطيعُ ذلك ولا أنت معه . قال : اسكتْ ، فقد خرفتَ، وذهبَ عقلُك ،
يُوشك شيخٌ أن يُضرب عنقه ، فَيَخِرَّ قد انتفختْ خصيتاه ، يطوفُ به صبيان
البقيع(٣).
(١) وأخرجه البخاري ٢ / ٣٧٩ في العيدين: باب ما يكره من حمل السلاح في العيد
والحرم ، من طريق أحمد بن يعقوب ، حدثني إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ، عن
أبيه ، قال : دخل الحجاجُ على ابن عمر وأنا عنده ، فقال: كيف هو؟ فقال: صالح ، قال : من
أصابك ؟ قال : أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله ، يعني الحجاج . ورواه
البخاري أيضاً من طريق محمد بن سوقة ، عن سعيد بن جبير .. وأخرجه ابن سعد ٤ / ١٨٦ من
طريق الفضل بن دُكين، عن إسحاق بن سعيد، عن أبيه. وانظر ((مجمع الزوائد)) ٩/ ٣٤٧، ٣٤٨ .
(٢) رجاله ثقات .
(٣) إسناده صحيح، وهو في ((طبقات ابن سعد)) ٤ / ١٨٤ من طريق مسلم بن إبراهيم
بهذا الإِسناد .
٢٣٠

الثوري ، عن عبد الله بن دينار ، قال : لما اجتمعوا على عبد الملك
كتب إليه ابنُ عُمر : أما بعد : فإِني قد بايعتُ لعبد الله عبدِ الملك أميرٍ
المؤمنين بالسمع والطاعة على سنة الله وسنةِ رسوله فيما استطعتُ وإِنَّ بنيَّ قد
أقرُّوا بذلك(١).
شعبة : عن ابن أبي روَّاد : عن نافع : أن ابنَ عُمر أوصى رجلاً
يُغْسِّلُه ، فجعل يَدْلُكه بالمسك(٢).
وعن سالم بن عبد الله : ماتَ أبي بمكة ، ودفن بفخُّ سنة أربعٍ وسبعين
وهو ابنُ أربع وثمانين ، وأوصاني أن أدفنَه خارجَ الحرم ، فلم نقدر ، فدفنَّاه
· بفخ في الحرم في مقبرة المهاجرين(٣).
حبيب بن أبي ثابت : عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عُمر قال : ما آسى
على شيءٍ إلا أني لم أقاتل الفِئَّةَ الباغِيَة .
هكذا رواه الثوري عنه ، وقد تقدم نحوه مفسراً .
وأما عبد العزيز بن سياه ، فرواه عنه ثقتان ، عن حبيب بنٍ أبي ثابت ،
أنَّ ابنَ عُمر قال : ما آسى على شيءٍ فاتني إلا أنّي لم أقاتل مع عليَّ الفئةَ
الباغية . فهذا منقطع .
وقال أبو نعيم : حدثنا عبدُ الله بن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبيه: قال
(١) أخرجه ابن سعد ٤ / ١٨٣، ١٨٤ من طريق محمد بن عبد الله الأسدي بهذا الإِسناد ،
وهو قوي ، ولا بن سعد أيضاً ٤ / ١٥٢ من طريق عبد الله بن جعفر الرقي ، حدثنا أبو المليخ ، عن
ميمون بن مهران ، قال : كتب ابنُ عمر إلى عبد الملك بن مروان فبدأ باسمه ، فكتب إليه : أما
بعد : ﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه﴾ .. إلى آخر الآية وقد بلغني أن
المسلمين اجتمعوا على البيعة لك ، وقد دخلتُ فيما دخل فيه المسلمون . والسلام . وانظر ((تاريخ
دمشق )) ١ / ١٩٢ و٢٣٦ لأبي زرعة الدمشقي .
(٢) أخرجه ابن سعد ٤ / ١٨٧ من طريق سليمان بن حرب عن شعبة .
(٣) أخرجه ابن سعد ٤ / ١٨٨ . وفخ: واد بمكة ، يقال : هو وادي الزاهر .
٢٣١

ابنُ عمر حين احتُضر : ما أجدُ في نفسي شيئاً إلا أني لم أُقاتل الفِئَةَ الباغية مع
عليٍّ بنِ أبي طالب .
وروى أبو أحمد الزُّبيري ؛ حدّثنا عبدُ الجبار بنُ العباس ، عن أبي
العَنْبَس ، عن أبي بكر بن أبي الجَهْم ، عن ابن عمر ، فذكر نحوه .
ولا بن عمر أقوالٌ وفتاوى يطول الكتابُ بإِيرادها، وله قولٌ ثالث في الفئة
الباغية
فقال رَوْحُ بن عُبَادة: حدّثنا العَوَّامُ بنُ حَوْشَب ، عن عيَّاش العامري ،
عن سعيد بن جُبير ، قال: لما احتُضِرَ ابنُ عمر ، قال : ما آسى على شيءٍ
من الدنيا إلا على ثلاث ؛ ظمأ الهواجر ، ومُكابدة الليل ، وأني لم أُقاتل الفئةً
الباغيةَ التي نزلتْ بنا ، يعني الحجاج(١) .
قال ضَمْرةُ بنُ ربيعة : ماتَ ابنُ عمر سنةَ ثلاثٍ وسبعين .
وقال مالك : بلغ ابنُ عمر سبعاً وثمانين سنة .
وقال أبو نعيم ، والهيثمُ بنُ عدي ، وأبو مُسهر ، وعدة : ماتَ سنةً
ثلاث وسبعين .
وقال سعيد بن عُفَير وخليفةُ ، وغيرهما : مات سنة أربع وسبعين .
والظاهر أنه توفي في آخر سنة ثلاث .
قال أبو بكر بن البرقي : تُوفِّي بمكة ، ودُفنَ بذي طُوى . وقيل : بفخٌّ
مقبرةٍ المهاجرين سنةً أربع .
قلت : هو القائلُ : كنتُ يومَ أُحُدٍ ابنَ أربعَ عشرةَ سنة(٢) ، فعلى هذا
(١) وأخرجه ابن سعد ٤ / ١٨٥، من طريق يزيد بن هارون وإسناده صحيح .
(٢) أخرجه البخاري، وقد تقدم تخريجه في الصفحة (٢٠٩) ت (٢).
٢٣٢

يكونُ عمرُه خمساً وثمانين سنة . رضي الله عنه وأرضاه .
أخبرنا أيوب بن طارق ، وأحمد بن محمد بقراءتي ، قالا : أخبرنا أبو
القاسم بن رواحة ، أخبرنا أبو طاهر السِّلفي ، أخبرنا أحمد بن علي
الطُّرَيثيني(١)، وأبو ياسر محمد بن عبد العزيز، وأبو القاسم الرَّبَعي ، وأبو
منصور الخيَّاط ، قالوا : أخبرنا عبد الملك بن محمد ؛ أخبرنا أبو محمد عبد
الله بن محمد الفاكهي بمكة ٣٥٣ ، حدّثنا أبو يحيى عبد الله بن أبي
مسرة(٢) حدّثنا يعقوبُ بنُ إسحاق - وهو ابنُ بنت حُمَيد الطويل - قال :
سمعتُ عبد الله بن أبي عثمان يقول : رأيتُ ابن عمر يُحفي شاربه ورأيته ینحر
الْبُدْنَ قياماً يَجَأْ فِي (٣) لَبَّاتها .
أخبرنا إسحاق الأسدي ، أخبرنا ابنُ خليل ، أخبرنا اللَّبَّان، أخبرنا أبو علي
الحدَّاد ، أخبرنا أبو نُعيم الحافظ ، حدّثنا أحمد بن جعفر ؛ أخبرنا عبدُ الله بن
أحمد ، حدّثنا أبو كامل، حدّثنا أبو عوانة ، عن هلال بن خَبَّاب ، عن
قَزَعَة ، قال : رأيتُ على ابنِ عمر ثياباً خَشنةً أو جَشبةً ، فقلتُ له : إني قد
أتيتُكَ بثوب لَيِّن مما يُصنع بخراسان ، وتقرّ عيناي أنْ أراه عليكَ . قال :
أرِنِيه، فَلَمَسَه، وقال: أحريرٌ هذا؟ قلت: لا ، إنه من قُطْن. قال : إني
أخاف أنْ ألبَسَه ، أخافُ أكون مُختالاً فَخُوراً، والله لا يُحِبُّ كُلَّ مُختالٍ
فخور (٤) .
(١) الطُّرَيْئيني ، بضم الطاء ، وفتح الراء ، وسكون الياء ، وكسر الثاء ، وسكون الياء ،
وبعدها ثاء مثلثة : نسبة إلى طريثيث : ناحية كبيرة من نواحي نيسابور. وقد تحرف في المطبوع إِلى
(( الطرئيني)).
(٢) تحرفت في المطبوع إلى ((ميسرة)).
(٣) تحرفت في المطبوع إلى ((يجافي)).
(٤) هو في ((حلية الأولياء)) ١ / ٣٠٢ . ورجاله ثقات إلا أن هلال بن خباب قد تغير بأخرة .
والجشب من الثياب : الخشن الغليظ .
٢٣٣

قلتُ: كلُّ لباسٍ أوجد في المرء خُيَلاء وفخراً فَتَرْكُه مُتَعِّين ولو كان من غير
ذهبٍ ولا حرير. فإِنا نرى الشابَّ يلَبَسُ الفَرَجية (١) الصوف بِفَرْوٍ من أثمان
أربع مئة درهم ونحوها ، والكِبْرُ والخُيَلاءُ على مشيته ظاهرٌ ، فإِنْ نَصَحْتَه
ولُمتَه برفقٍ كابَرَ ، وقال : ما فيَّ خُيَلاء ولا فَخر . وهذا السيِّدُ ابنُ عمر يخافُ
ذلك على نفسه . وكذلك ترى الفقية المترف إذا لِيمَ في تفصيلٍ فَرَجية تحت
كعبيه، وقيل له: قد قال النبيُّ وَلي: (( ما أسفل من الكعبين من الإِزار ففي
النار))، يقول: إنما قال هذا فيمن جَرَّ إزاره خُيَلاء، وأنا لا أفعلُ خُيَلاء .
فتراه يُكابِرُ ، ويُبَرِّىءُ نفسَه الحمقاء ، ويعمَدُ إلى نصِّ مُستَقِلِّ عام ، فيخصُّه
بحديث آخر مُستَقِلُّ بمعنى الخُيلاء ، ويَترخّصُ بقول الصِّدِّيقِ : إِنَّه يا رسولَ
الله يسترخي إزاري، فقال: ((لستَ يا أبا بكر ممن يفعله خُيَلاء )) فقلنا : أبو
بكر رضي الله عنه لم يكن يشُدُّ إزاره مَسْدُولاً على كعبيه أولاً؛ بل كانَ يَشُدُّهُ
فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي. وقد قال عليه السلام: (( إِزْرَةُ المؤمن
إلى أنصافٍ ساقيه ، لا جُنَاحِ عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين )) ومثلُ هذا في
النهي لمن فَصَّلَ سراويلَ مُغَطّاً لِكعابه . ومنه طولُ الأكمام زائداً ، وتطويلُ
العَذَبَةِ . وكلُّ هذا من خُيلاء كامنٍ في النفوسِ . وقد يُعَذَرُ الواحدُ منهم
بالجهل ، والعالمُ لا عُذْرَ له في تركِهِ الإِنكارَ على الجَهَلَة . فإِنْ خُلِعَ على
رئيسٍ خلعةٌ سِيراء(٢) من ذهبٍ وحريرٍ وقُنْدُس ، يُحرِّمُه ما ورد في النّهي عن
جلود السباع ولبسها ، الشخص يسحبها ويختالُ فيها ، ويخطُرُ بيده ويغضبُ
ممن لا يُهنِّيه بهذه المُحرَّمات ، ولا سيما إن كانت خِلعةً وزارةٍ وظلمٍ ونظر
مَكس(٣)، أو ولاية شرطة. فليتهيّأُ للمقتِ وللعزلِ والإِهانةِ والضربِ ، وفي
(١) الفرجية : ثوب واسع طويل الأكمام ، يتخذ من قطن أو حرير أو صوف .
(٢) السِّيراء : بكسر السين وفتح الياء والمد : نوع من البرود تتخذ من حرير
(٣) المكس : الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشّار، وقد تحرفت في المطبوع إلى
«ملبس)) .
٢٣٤

الآخرة أشد عذاباً وتنكيلاً . فرضيَ الله عن ابن عُمر وأبيه . وأين مثلُ ابن
عُمر في دينه ، وورعه وعلمه ، وتألُّهِهِ وخوفه ، من رجلٍ تُعْرَضُ عليه
الخلافةُ ، فيأباها ، والقضاءُ من مثل عثمان ، فيردُّه ، ونيابةُ الشام لعليٍّ ،
فیھرب منه . فالله يجتبي إليه من يشاء ، ویهدي إليه من ينيب .
:
الوليد بن مسلم : عن عمر بن محمد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال :
لولا أنَّ معاوية بالشام ، لسرَّني أن آتي بيت المقدس ، فأُهِلَّ منه بعمرة ،
ولكن أكرهُ أن آتَيَ الشامَ ، فلا آتيه ، فَيَجِدُ عليَّ ، أو آتيه ، فيراني تعرَّضتُ
لما في يديه .
روى عبد العزيز بن أبي روَّاد ، عن نافع ، أن ابنَ عمر كان إذا فاتته
العشاءُ في جماعةٍ، أحْبى ليلته(١).
الوليد بن مسلم : حدّثنا ابنُ جابر ؛ حدّثني سليمان بنُ موسى ، عن
نافع ، عن ابن عُمر ، أنه كان يحبي الليلَ صلاةٌ ، ثم يقول : يا نافع ،
أسحَرْنا ؟ فأقول: لا . فيعاودُ الصلاةَ إلى أنْ أقول : نعم . فيقعدُ ويستغفر
ويدعُو حتى يُصبح(٢) .
قال طاووس : ما رأيتُ مصلياً مثلَ ابنِ عمر أشدَّ استقبالاً للقبلة بوجهه
وكفّيه وقدميه(٣) .
وروى نافع : أن ابنَ عُمر كان يحيي بينَ الظهر إلى العصر(٤).
هشام الدَّستُوائي : عن القاسم بن أبي بَزَّة : أن ابنَ عُمر قرأ فبلغ ﴿يَوْمَ
(١) أخرجه أبو نعيم ١/ ٣٠٣ .
(٢) هو في ((الحلية)) ١/ ٣٠٣ .
(٣) هو في ((الحلية)) ٣٠٤/١، وروى ابن سعد في ((الطبقات)) ١٥٧/٤ من طريق حماد بن
مسعدة ، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، قال: كان ابن
عمر يُحبُّ ان يستقبل كل شيء منه القبلة إذا صلى ، حتى كان يستقبل بإِبهامه القبلة.
(٤) هو في ((الحلية)) ١ / ٣٠٤ .
٢٣٥

يقومُ الناسُ لربِّ العالمين﴾ [المطففين: ٦] فبكى حتى خرَّ، وامتنع من
قراءة ما بعدها .
مَعْمَر : عن أيوب ، عن نافعٍ أو غيره ، أن رجلاً قال لابن عُمر : يا
خيرَ النَّاسِ ، أو ابنَ خيرِ الناس . فقال: ما أنا بِخيرِ الناس، ولا ابن خيرٍ
الناس ، ولكني عبدٌ من عبادِ الله ، أرجو الله، وأخافُه ، والله لن تزالوا بالرجل
حتی تُهلِگوه(١) .
عُبيد الله بن عمر : عن نافع ، كان ابنُ عُمر يُزاحِمُ على الرُّكْنِ حتى
يَرْغُفَ(٢) .
أخبرنا أحمدُ بنُ سلامة ، عن أبي المكارم التيمي ، أخبرنا أبو علي ،
أخبرنا أبو نعيم ، حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، حدّثنا بشر بن موسى ،
[حدّثنا أبو عبد الرحمن] المقرىء، حدّثنا حرملة، حدّثني أبو الأسود، سمع
عُروةَ يقول : خطبتُ إلى ابنٍ عُمر ابنته ، ونحن في الطواف ، فسكتَ ولم
يُجبني بكلمةٍ ، فقلتُ: لورضي، لأجابني، والله لا أُراجعه بكلمة . فقُدِّر له
أنه صَدَر إلى المدينة قبلي، ثم قدمتُ، فدخلتُ مسجد الرسول { /*،
فسلمتُ عليه ، وأديتُ إليه حقّه ، فرحَّبَ بي ، وقال : متى قدِمت ؟ قلتُ :
الآن . فقال : كنتَ ذكرتّ لي سَوْدَة ونحنُ في الطواف ، نتخايلُ الله بينٌ
أعيننا ، وكنتَ قادراً أن تلقاني في غير ذلك الموطن . فقلتُ : كان أمراً قُدِّر .
قال : فما رأيك اليوم ؟ قلت: أحْرَصُ ما كنتُ عليه قطُّ . فدعا ابنيه سالماً
(١) أخرجه أبو نعيم ١ / ٣٠٧ من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ..
وهذا سند صحيح .
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٨٩٠٤)، ومن طريقه أبو نعيم ١ / ٣٠٨ بهذا
الإِسناد وهو صحيح، وقد تحرف في ((المصنف)) ((عبيد الله)) الى ((عبد الله)) وفي سنن البيهقي
٥/ ٨١ عن مجاهد، قال: ما رأيت ابن عمر زاحم على الحجر قط ، ولقد رأيته مرة زاحم حتى
رثم أنفه ، وابتدر منخراه دما .
٢٣٦

وعبدَ الله ، وزوَّجني(١).
وبه إلى بِشر : حدّثنا خلَّاد بنُ يحيى، حدّثنا هارونُ بنُ أبي إبراهيم ،
عن عبد الله بن عُبَيد بن عُمَير ، عن ابنِ عمر ، قال : إنما مَثَلُنا في هذه الفتنة
كَمَثَل قومٍ يسيرون على جادَّةٍ يعرفونها ، فبينا هم كذلك ، إذْ غَشِيتُهُم سحابةٌ
وظلمةٌ ، فأخذ بعضُهم يميناً وشمالاً ، فأخطأُ الطريقَ ، وأقمنا حيث أدرَكَنا
ذلك ، حتى جلا اللهُ ذلك عنَّا، فأبصرنا طريقنا الأول . فعرفناهُ ، فأخذنا
فيه . إنما هؤلاء فتيانُ قريش يَقْتِلُون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا ، ما
أبالي أن لا يكونَ لي ما يَقتُلُ عليه بعضُهم بعضاً بنعليَّ هاتين الجرداوين(٢).
عبد الله بن نُمَير : عن عاصم الأحول ، عن من حدَّثُه ، قال : كان ابنُ
عُمر إذا رآه أَحَدٌ ظنَّ به شيئاً مما يتّبع آثار النبيِّ وَّةِ (٣).
وكيع : عن أبي مودود ، عن نافع ، عن ابنٍ عُمر ؛ أنه كان في طريقٍ
مكةَ يقولُ برأسٍ راحلتِهِ يَثنيها ، ويقولُ : لعلَّ خُفّاً يقع على خُفٍ ، يعني خُفَّ
راحلةِ النبيِّ ◌َِليِ (٤).
قال ابن حزم في كتاب (( الإِحكام ))(٥) في الباب الثامن والعشرين :
المكثرون من الفتيا من الصحابة ، عُمر وابنُه عبد الله ، علي ، عائشةُ ، ابنُ
(١) هو في ((حلية الأولياء)) ١ / ٣٠٩، وأخرجه بأطول مما هنا ابن سعد في ((الطبقات))
٤ / ١٦٧، ١٦٨ من طريق محمد بن يزيد بن خنيس ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، حدثني نافع
أن عبد الله بن عمر أدركه عروة بن الزبير في الطواف : فخطب اليه ابنته ... ورجاله ثقات .
(٢) هو في ((الحلية)) ١ / ٣٠٩، ٣١٠، وأخرجه ابن سعد ٤ / ١٧١ من طريق قبيصة بن
عقبة ، عن هارون بن إبراهيم - وهو البربري - ويقال : ابن أبي إبراهيم، بهذا الإسناد . وسنده
صحيح .
(٣) ابن سعد ٤/ ١٤٤، وهو في ((حلية الأولياء)) ١ / ٣١٠.
(٤) ((حلية الأولياء)) ١ / ٣١٠.
(٥) ٥ / ٩٢.
٢٣٧

مسعود ، ابنُ عبَّاس ، زيدُ بنُ ثابت ، فهم سبعة فقط يُمكن أنْ يُجمَع من فتيا
كُلِّ واحد منهم سِفرٌ ضخم . وقد جَمَعَ أبو بكر محمدُ بنُ موسی بن يعقوب بن
أمير المؤمنين المأمون فُتيا ابنِ عباس في عشرين كتاباً . وأبو بكرٍ هذا أحدٌ
أئمة الإِسلام .
عبد الرحمن بن مَهْدي : حدّثنا عثمانُ بنُ موسى ، عن نافع: أن ابنَ
عُمر تَقَلَّد سيفَ عُمر يومَ قُتِلَ عُثمان ، وكان مُحَلَّىَّ ، كانت حليته أربع مئة .
أبو حمزة السكري : عن إبراهيم الصائغ ، عن نافع ؛ أن ابنَ عمر كان
له كتبٌ ينظرُ فيها قبل أن يَخْرُجَ إلى الناس .
هذا غريب .
ولابن عمر في ((مسند بقيّ)) ألفان وست مئة وثلاثون حديثاً بالمكرر ،
واتفقا له على مئة وثمانية وستين حديثاً . وانفرد له البخاري بأحدٍ وثمانين
حديثاً ، ومسلم بأحدٍ وثلاثين .
وأولاده من صَفِيَّة بنتِ أبي عُبيد بن مسعود الثقفي : أبوبكر ، وواقد ،
وعبدُ الله، وأبو عبيدة ، وعُمر ، وحفصة ، وسَوْدَة .
ومن أُمِّ علقمة المحاربية : عبدُ الرحمن وبه يُكنى .
ومن سُرِّيَّةٍ له : سالم ، وعبيدُ الله ، وحمزة .
ومن سُرِّيَّة أخرى : زيد ، وعائشة .
ومن أخرى : أبو سلمة ، وقِلابة.
ومن أخرى : بلال ، فالجملة ستة عشر .
وعن أبي مِجلّز، عن ابن عمر ، قال : إليكمُ عنّي ؛ فإِني كنتٌ مع مَنْ
هُو أعلمُ مني ، ولو علمتُ أني أبقىْ حتى تَفتقِروا إليَّ، لتعلَّمْتُ لكم .
٢٣٨

هشام بن سعد : عن أبي جعفر القارىء : خرجتُ مع ابن عُمر من
مكةَ ، وكان له جفنةٌ من ثريد يَجْتَمِعُ عليها بنوه ، وأصحابُه ، وكلُّ من جاء.
حتى يأكُلَ بعضُهم قائماً، ومعه [بعير له ، عليه] مزادتان ، فيهما نبيذ وماء ،
فكان لكلِّ رجل قدح من سويق بذلك النبيذ(١).
وعن ابنٍ عُمر: أنه كان يأكُلُ الدَّجاج ، والفراخ ، والخبيص .
معن : عن مالك ؛ بلغه أَنَّ ابنَ عُمر قال : لو اجتمعتْ عليّ الأمَّة إلَّ
رجلين ما قاتلتُهما .
سلَّام بن مسكين : سمعتُ الحسنَ يُحدِّثُ قال : لما قُتَّلَ عثمانُ ،
قالوا لابنٍ عُمر : إنكَ سيِّدُ الناس وابنُ سيِّدهم، فاخْرُجْ يبايعْ لك الناسُ .
فقال : لئن استطعتُ لا يُهراق فيَّ مِحْجَمَةٌ . قالوا : لتخرُجَنَّ أو لتُقْتَلَنَّ على
فراشك ، فأعاد قوله(٢) .
قال الحسن : أطمعوه وخوّفوه ، فما قدروا على شيء منه .
وترجمة هذا الإِمام في طبقات ابن سعد مطولة في ثمان وثلاثين
ورقة(٣) .
يحوّل إلى نظرائه .
(١) أخرجه ابن سعد ٤ / ١٤٨ من طريق الفضل بن دكين بهذا الإِسناد . وهو حسن .
والنبيذ : ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب .
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة (٢٢٦) ت (٣).
(٣) انظر ((الطبقات)) ٤ / ١٤٢ - ١٨٨.
٢٣٩