النص المفهرس

صفحات 361-380

٢٦٠ - الفَاسيّ *
شيخُ القرّاءِ العلامةُ جمالُ الدين أبو عبدِ الله محمدُ بنُ حسنِ بنِ محمدِ
ابن يوسفَ الفاسي مصنّفُ ((شرح الشاطبيةِ)).
أُخذَ القراءاتِ عن ابن عيسى ، وأصحابِ الشاطبيّ ، والقاضي بهاءٍ
الدين ابنِ شدّادٍ وطائفةٍ ، وتفقّهَ لأبي حنيفةَ ، وكان رأساً في القراءاتِ
والنحوِ ، ديِّناً صيّناً ، وقوراً متثبتّاً ، مليحَ الخطّ .
أخذ عنه بدرُ الدين الباذقيُّ ، وبهاءُ الدين ابن النحّاس ، وحسينُ بنُ
قَتَادةَ الشريفُ ، والشيخُ عبدُ الله بنُ رفيعا الجَزَريّ ، وآخرون ، واستوطن
حلبَ .
ماتَ في ربيعِ الآخر (١) سنةَ ستّ وخمسينَ وستٌّ مئةٍ ، وله نّفٌ
وسبعونَ سنةً(٢).
٢٦١ - ابن العلقمي **
الوزيرُ الكبيرُ المُدبر المُبير مؤيّد الدين محمد بن
(*) ذيل الروضتين : ١٩٩، تاريخ الاسلام للذهبي ( أيا صوفيا ٣٠١٣) جـ ٢٠ الورقة
١٦٣ - ١٦٤، دول الاسلام: ٢/ ١٢١ -١٢٢، العبر: ٢٣٥/٥، معرفة القراء الكبار: ٢ /
٥٣٣، الترجمة الأولى من الطبقة السادسة عشرة، الوافي بالوفيات: ٢ / ٣٥٤ الترجمة ٨٢٠،
الجواهر المضية للقرشي : ٢ / ٤٥ - ٤٦ الترجمة ١٤٣، غاية النهاية من طبقات القراء لابن
الجزري : ٢ / ١٢٢ - ١٢٣ الترجمة ٢٩٤٢، النجوم الزاهرة : ٧ / ٦٩، شذرات الذهب ٥٪
٢٨٣ - ٢٨٤ .
(١) ذكر أبو شامة في حوادث شهر ربيع الآخر قوله : وجاءنا الخبر من حلب بموت الشيخ
أبي عبد الله الفاسي ، وقد نقل الذهبي ذلك في تاريخ الاسلام .
(٢) في تاريخ الاسلام ومعرفة القراء الكبار وغاية النهاية أنه ولد بعد الثمانين وخمس مئة .
( ** ) الفخري في الآداب السلطانية: ٢٣٦ - ٢٣٧، جامع التواريخ لرشيد الدين فضل الله
الهمداني المجلد ٢ جـ ١ ص ٢٦٢ - ٢٦٤ الحوادث الجامعة ( صفحات متفرقة ) تاريخ الاسلام =
٣٦١

محمد(١) بن عليّ بن أبي طالب ابن العَلْقَمِيّ البغدادي الرَّافضيّ وزيرُ المستعصم .
وكانت دولته أربع عشرة سنة فأفشى الرِّفْض فعارضه السُّنّة، وأُكْبِتَ،
فَتَنَّمَّر ، ورأى أن هولاكو على قصد العراق فكاتبه وجَسَّرَهُ وقوّى عزمه على
قصد العراق ، ليتخذ عنده يداً ، وليتمكن من أغراضه ، وحَفَر للأمة قَلِيْباً ،
فأوقع فيه قريباً ، وذاق الهوان ، وبقي يركب كديشاً وحدَه ، بعد أن كانت
ركبته تُضاهي موكبَ سُلطان ، فمات غَبْناً وعمّاً ، وفي الآخرة أشدَّ خِزِياً وأشدَّ
تنكيلا .
وكان أبو بكر ابن المستعصم والدويدار الصغير قد شدًّا على أيدي السُّنّة
حتى نُهِبَ الكَرْخِ ، وتمَّ على الشيعة بلاءٌ عظيم ، فحنق لذلك مؤيد الدين
بالثأر بسيف التتار من السُّنّة ، بل ومن الشيعة واليهود والنصارى ، وقُتل
الخليفة ونحو السبعين من أهل العقد والحل ، وبُذِل السيف في بغدادَ تسعة
وثلاثين نهاراً حتى جرت سيول الدماء وبقيت البلدة كأمس الذاهب ، فإنا لله
وإنا إليه راجعون ، وعاش ابن العَلْقَمِيّ بعد الكائنة ثلاثة أشهر، وهلك(٢).
ومات قبله بأيام أخوه الصاحبُ علمُ الدين أحمدُ .
ومات بعده ابنه محمد أحد البلغاء المُنْشِئِين .
وعاش الوزير ستاً وستين سنة .
( أيا صوفيا ٣٠١٣) جـ ٢٠ الورقة ١٦٤ - ١٦٥، دول الاسلام ٢ / ١٢٢، العبر ٥ / ٢٢٥،
الوافي بالوفيات: ١ / ١٨٤ - ١٨٦ الترجمة ١١٤، فوات الوفيات: ٣/ ٢٥٢ - ٢٥٥ الترجمة
٤١٥، عيون التواريخ: ٢٠ / ١٩٣ - ١٩٤، مرآة الجنان: ٤ / ١٤٧، البداية والنهاية: ١٣ /
٢١٢ - ٢١٣ العسجد المسبوك: ٦٤٠ - ٦٤١، شذرات الذهب: ٢٧٢/٥.
(١) في البداية والنهاية وفي الشذرات: ((محمد بن أحمد)) محرف.
(٢) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنه توفي في مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة ( يعني
سنة ٦٥٦) وذكر الصفدي في الوافي وابن شاكر في الفوات أنه توفي في أوائل سنة ٦٥٧ ، وأضاف
الصفدي أن مولده كان في شهر ربيع الأول سنة ٥٩١ .
٣٦٢

٢٦٢ - الباخَر زي *
الإِمامُ القُدوة شيخُ خراسان سيف الدين أبو المعالي سعيد بن المُطَهَّر
ابن سعيد بن علي القائدي الباخرزيّ نزيلُ بُخارى .
كان إماماً ، مُحَدّثاً ، ورعاً زاهداً، تقيّاً ، أثَرِيّاً، مُنقطع القَرِينَ ، بعيد
الصِّيت ، له وقع في القلوب ومهابةٌ في النفوس . صحبَ الشيخ نجم الدين
الخِيْوَفِيّ(١)، وسمع من المؤيد الطُّوسيّ وغيره، وببغدادَ من عليّ بن محمد
المَوْصِلِيّ، وأبي الفتوح الحُصْرِيّ ، وإسماعيل بن سعد الله بن حَمْدي ،
ومُشْرف الخالصيّ ، وبنّيْسَابور من إبراهيم بن سالار الخُوارزميّ .
وقيل : إنّه قَدِمَ بغدادَ وله إحدى عشرة سنة ، فسمع من ابن الجَوْزيّ ؛
فإنّه وُلِدَ في تاسع شعبان سنة ست وثمانين .
وقد ذكره في (( مُعْجَم الألقابِ)) ابنُ القُوَطَيّ، فقال فيه : (٢) هو
المُحَدّثُ الحافِظُ الزَّاهد الواعظ . كان شيخاً بَهِيّاً عارفاً، تقياً فَصيحاً ،
كلماته كالدّر . روى عن أبي الجِنّاب الخِيْوَقِي، ولبسَ منه(٣) وشيخه لبس
من إسماعيل القَصْريّ ، عن محمد بن ناکیل ، عن داود بن محمد ، عن أبي
العباس بن إدريس ، عن أبي القاسم بن رمضان، عن أبي يعقوب الطََّريّ ،
عن أبي عبد الله بن عثمان ، عن أبي يعقوب النَّهرجُوري ، عن أبي يعقوب
(*) تاريخ الاسلام للذهبي ( أيا صوفيا ٣٠١٣) جـ ٢٠ الورقة ١٩١، العبر: ٥ /٢٥٤،
الوافي بالوفيات : ١٥ / ٢٦٢ الترجمة ٣٦٩، شذرات الذهب: ٢٩٨/٥.
(١) هو نجم الدين الكبرى ، وقد مرت ترجمته .
(٢) ضاع هذا القسم من كتاب ابن الفوطي .
(٣) يعني : لبس خرقة التصوف .
٣٦٣

السُّوسيّ ، عن عبد الواحد بن زيد عن الحسن قال : هو لبسها من يد كميل بن
زياد ، عن عليّ رضي الله عنه .
قلتُ : هذه الطُرُقِ ظُلمات مُدْلَهمّة ما أشبهها بالوَضْع !
قال ابن الفُوطيّ : قرأتُ في سيرة الباخرزي لشيخنا منهاج الدين
النَّسَفِي ، وكان متأدِّباً بأفعاله ، فقال : كان الشيخ متابعاً للحديث في الأصول
والفُروع، لم ينظر في تقويم ولا طِبّ ، بل إذا وُصِفَ له دواء خالفهم مُتابعاً
للسُّنّة(١) ، وكانت طريقته عارية عن التَّكَلُّف، كان في علمه وفضله كالبحر
الزَّاخر ، وفي الحقيقة مفخر الأوائل والأواخر ، له الجلالةُ والوجاهةُ ، وانتشر
صِيتُهُ بين المُسلمين والكُفّار ، وبهِمَّتِهِ اشتهرَ عِلْم الأثَر بمنا وراء النّهر
وتُركستان ، وكان عِلْمُهمُ الجَدَل والقول بالخِلافيات وَتَرْك العمل ، فأظْهر
أنوار الأخبار في تلك الدّيار .
ولد بباخرز، وهي ولاية بين نَّيْسابور وهراة قصبتها مَالين ،
وصحبَ نجم الكُبْرَى ، وبهاء الدين السَّلامِهِي ، وتاج الدين محموداً
الأشنهي ، وسعد الدين الصَّرام الهَرَوِيّ ، ومختاراً الهَرَوِيّ، وَحَجّ
في صباه . ثم دخل بغدادَ ثانياً ، وقرأ على السُّهْرَ وَرْدِيّ، وبِخُراسان على
المُؤيَّد الطُّوسيّ ، وفضل الله بن محمد بن أحمد النَّوقانيّ ، ثم تكلّم
بدهستان على الناس ، وقرأ على الخطيب جلال الدين ابن الشيخ شيخ
الإِسلام برهان الدين المَرغيناني كتاب ((الهدَايَة)) في الفقه من تصانيف أبيه .
ثم قَدِمَ خُوارزم، وقرأ ببخارى على المَحْبُوبيّ، والكَرْدَرِيّ ، وأبي رشيد
الأصبهانيّ . ولما خَرّبَ التتار بخارى وغيرها أمر نجم الدين الكُبْرى أصحابه
(١) هذا كلام غير دقيق ، إذ السّنة لا تمنع من استشارة الطبيب وأخذ الدواء الذي يقرره ، بل
تحض عليه .
٣٦٤

بالخروج من خوارزم إلى خُراسان منهم سعد الدين ، وآخى بين الباخرزيّ
وسعد الدين ، وقال للباخرزي : اذهب إلى ما وراء النهر . وفي تلك الأيام
هرب خُوارزم شاه ، فقَدِمَ سيف الدين بُخارى وقد احترقت وما بها موضع ينزل
به ، فتكلّم بها ، وتجمع إليه الناس ، فقرأ لهم البخاري على جمال الدين
عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي سنة اثنتين وعشرين وست مئة ، ثم أقام ،
ووعظ وفَسَّر، ولما غَمَرتْ بُخارى أخذوا في حَسَدِهِ وتكلّموا في اعتقاده ،
وكانَ يُصَلِّي صلاة التَّسبيح جماعة ويحضر السَّماع. ولما جاء محمود يلواج
بخارى ليضع القلان؛ وهو أن يعدّ الناس ويأخذ من الرأس ديناراً والعُشر من
التجارة، فدخل على سيف الدين فرأى وجهه يشرق كالقمر ، وكانَ الشيخُ
جميلاً بحيث إن نجم الدين الكُبْرَى أمره لما أتاه أن يتنقب لئلا يفتتن به
الناس ، فأحب يلواج الشيخ ووضع بين يديه ألف دينار ، فما التفت إليها . ثم
خرج ببخارى التارابيّ وحشد وجمع فالتقى المُغُل وأوهم أنّه يستحضر
الجن ، ولم يكن مع جَمْعه سلاحٌ فاغتروا بقوله ، فَقَتَلَتِ المَغُل في ساعة
سبعة آلاف منهم أولهم التّارابيّ، فأوهَمَ خواصَّهُ أنه قد طار ، وما نجا إلّ من
تَشَفَّعَ بالباخرزيّ ، لكن وَسَمَتهم التّار بالكي على جباههم .
إلى أن قال : ووقع خوف الباخرزي في قلوب الكُفّار ، فلم يخالفه أحدٌ
في شيء يريده ، وكان بايقوا(١) أخو قآن ظالماً غاشماً سَفّاكاً ، قتلَ أهل تِرْمِذ
حتى الدَّواب والطيور والتحق به كلُّ مُفْسِد، فشغبوه على الباخرزيّ ،
وقالوا : ما جاء إليك ، وهو يريد أن يصير خليفة . فطلبه إلى سمرقند مُقَيّداً ،
فقال : اني سأرى بعد هذا الذُّل عِزّاً ، فلما قرب مات بايقوا ، فأطلقوا الشيخ
(١) هذا وأمثاله أسماء تَتَرِيَّةُ تكتب بأشكال مختلفة ، وقد حافظنا على رسم المخطوطة جهد
المستطاع .
٣٦٥

وأسلم على يده جماعة . وزارَ بِخَرْتَنْك قَبْرَ البُخاري وجدد قُبّته وعَلَّقَ عليها
السّتُور والقناديل ، فسأله أهل سمرقند أن يقيم عندهم ، فأقامَ أياماً وَرَجَعَ إلى
بُخَارى، وأَسْلَمَ على يده أميرٌ وصار بواباً للشيخ ، فسماه الشيخُ مؤمناً .
وعُرِف الشيخ بين التتار بالُغْ شيخ ، يعني الشيخ الكبير ، وبذلكَ كان يعرفه
هولاكو ، وقد بعث إليه بَرَكة(١) بن توشي بن جنكزخان من سَفسين رسولاً
ليأخذ له العهد بالإِسلام ، وكان أخوه باتوا كافراً ظَلُوماً قد استولى على بلاد
سَقسين وبُلْغار وصقلاب وقفجاق إلى الدّربند، وكان لبركة أخ أصغر منه يُقال
له : بركة حَرْ، وكانَ باتوا مع كُفره يحب الشيخ ، فلما عرف أنّ أخاه بركة خان
قد صار مُريداً للشيخ فرحَ فاستأذَنَهَ في زيارة الشيخ فأذِنَ له ، فسار من بُلغار
إلى جَنْد ثم إلى أترار ، ثم أتى بُخارى ، فجاء بعد العشاء في الثلوج فما
استأذن إلى بُكرة ، فحكى لي مَن لا يُشَك في قوله أن بركة خان قام تلك الليلة
على الباب حتى أصبحَ ، وكان يُصَلِّي في أثناء ذلك، ثم دَخَلَ فَقَبَّل رجلَ
الشّيخ ، وصلَّى تحية البُقْعَة فاعجبَ الشيخ ذلك ، وأسلم جماعة من أمرائه ،
وأخذ الشيخ عليهم العهد ، وكتبَ له الأوراد والدّعوات ، وأمره بالرجوع ،
فلم تطب نفسه ، فقال : إنك قَصَدتنا ومعكَ خلقٌ كثير ، وما يعجبني أن
تأمرهم بالانصراف ، لأني أشتهي أن تكونَ في سُلطانك . وكان عنده
ستون(٢) زوجة فأمره باتخاذ أربع وفراق الباقيات ففعل ، ورجع ، وأظهرَ شعارَ
المِلّة ، وأسلمَ معه جماعةٌ ، وأخذوا في تعليم الفرض ، وارتحل إليه
الأئمة ، ثم كانت بينه وبين ابن عمه هولاكو حروب ، ومات بركة خان في
ربيع الآخر سنة خمس وستين ، وكانت خيراته متواصلة إلى أكثر العُلماء .
(١) ترجم له الذهبي ترجمة جيدة في وفيات سنة ٦٦٥ من (( تاريخ الاسلام))، الورقة ٢٦٥
( أيا صوفيا ٣٠١٣) بخطه .
(٢) في الأصل : ستين .
٣٦٦

وكان المستعصم يهدي من بغدادَ إلى الباخرزيّ التُّحَفَ ؛ من ذلك
مُصحف بخط الإِمام عليّ رضي الله عنه ، وكان مظفر الدين أبو بكر بن سعد
صاحب شيراز يهدي إلى الشيخ في السنة ألف دينار ، وأنفذَ له لؤلؤ صاحب
الموصل . وأهدت له ملكة بنت أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان سنَّ
النبيّ ◌َ ﴿ الذي كُسريوم أحد. وكان يمنع التتار من قصد العراق، ويُفَخِّم أمر
الخليفة. وممَّن راسله سُلطان الهند ناصر الدين أيبك، وصاحب السِّنْد ومُلتان
غياث الدين بلبان .
قال(١): وبعث إليه منكو قآن لما جلسَ على سَرير السَّلْطَنَة بأموال
كثيرة ، وكذلك وزيره برهان الدين مسعود بن محمود يَلَواج ، وكان عالماً
بالخلاف والنُّكت ، أنشأ مدرسة بكلاباذ ، وكانَ مُعتزلياً ، وكان إذا جاء إلى
الشيخِ قَبَّل العتبة ووقف حتى يُؤذن له ، ويقول : إنّ أبي فعلَ ذلكَ ، ولأنّ له
هيبة في قلوب ملوكِنا ، حتى لو أمرهم بقتلي لما توقفوا !
قال : ومن جُملة الملازمين له نجم الدين ما قيل(٢) المقرىء ، وسعد
الدين سرجنبان ، وروح الدين الخُوارزميّ ، وشمس الدين الكبير ، ومحمد
كلانة ، وأخي صادقٌ ، ونافع الدين بديع ، ثم سردَ عدّة .
قال : وقد أجاز لمن أدرك زمانه . وامتدحه جماعة منهم سعد الدين ابن
حمویه ، كتب إليه بأبيات منها :
يا قُرَّةَ العَيْنِ سَلْ عَيْنِي هَلِ اكْتَحَلَتْ بِنْظَرٍ حَسَنٍ مُذْ غِبْتَ عَنْ عَينِي
ومدحه الصاحبُ بهاءُ الدِّين محمد بن محمد الجُويني ، وابنه
(١) يعني ابن الفوطي .
(٢) هكذا قرأناها ، ولم نعرفه .
٣٦٧

الصاحب علاء الدين عَطًا ملك صاحب الديوان (١)، وكانَ إذا رَقِيَ المنبر،
تكلّم على الخواطر ، ويستشهد بأبيات منها :
إذا ما تَجَلَّى لي فَكُلِّي نَوَاظِرٌ وَإِنْ هُوَ نَادَانِي فَكُلِّي مَسَامِعُ
ومنه :
فإن شاءَ أحياني وإنْ شَاءَ أَتْلَفَا
وكلتُ إلى المحبوب أمريَ كُلَّه
ومنها :
وما بَيْنَنَا إِلّ المُدَامَةُ ثالِثٌ فَيُملي ويَسقيني وأُملي ويَشربُ
تُوقّي الشيخ رحمه الله في العشرين من ذي القعدة(٢). أُعتِقَ له ما نَّف
على أربع مئة مملوك، وأوصى أن يُكَفَّن في خِرْقَةِ شيخه نجم الكُبْرَى ، وأن
لا يُقرأ قُدّام جنازته ولا يُناج عليه ، وكانَ يوم وفاته يوماً مشهوداً لم يتخلّف
أحدٌ ، حُزِرَ العالم بأربع مئة ألف إنسان ، ومن تركتِهِ لكل ابنٍ - وهم : جلال
الدين محمد وبرهان الدين أحمد ومظهر الدين مُطَهَّر - : ثلاث مئة وثلاثين
ثَوْباً ما بين قميصٍ ومنديل وعمامة وفروة ، وكانت له فَروة آس(٣) من الفاقم (٤)
أعطي فيها ألف دينار ، وكانت مسامير المداسات فضّة ، وکان له کرسي تحت
رجليه مُذَهَّب بخمس مئة دينار ، وكان له من الخيل والمواشي ما يساوي عشرة
آلاف دينار، وكان له من العبيد ستون عبداً من حُفّاظ القُرآن وَتَعلَّموا الخط
(١) وصاحب الكتاب المشهور: جهان كشاي ((غازي العالم)).
(٢) لم يذكر الذهبي هنا سنة وفاته ، ووضع ترجمته في حوادث سنة ٦٥٩ من العبر وعلى
هوامش حوادثها في تاريخ الاسلام ، وذكره ضمن من توفي في هذه السنة من تذكرة الحفاظ : ٤ /
١٤٥١ - ١٤٥٢، ونص الصفدي عليها في الوافي وكذا وضعه فيها ابن العماد في الشذرات .
(٣) هكذا في الأصل .
(٤) الفاقم : الشديد السواد .
٣٦٨

والعربية وسمعوا الحديث ، وسَرَدَهُم(١)، منهم نافع الدين ، وقد كتب
للشيخ أكثر من أربعين مصحفاً وكتاباً وحجَّ وخلعَ عليه بالديوان ، وله من
الفلاحين أزيد من ثلاث مئة نفس وله قُرى وبساتين عدة، وسَمّاها، ورثاه بهذه
كمال الدين حسن بن مُظَفَّر الشَّيبانيّ البَلَدِيّ :
وأنَّ دِينَ الهُدى والشَّرْعِ قَدْ رُزِئا
أما تَرَى أَنَّ سَيْفَ الحَقِّ قَدْ صَدَأ
وأن نور النُّقَى والعِلْم قَد طُفئا
وأنَّ شمسَ الَعالي والعُلى غَرَبَتْ
بموتِ سَيْفِ الهُدى والدِّينِ أفضل مَنْ
شَيخِ الزَّمان سعيدِ بن المُطَهَّر مَنْ
شأى الأنامَ بأوصافٍ مُهَذَّبَةٍ
قد عاشَ سبعينَ عاماً في نزاهتِهِ
مَنْ كانَ شَاهَدَ أياماً له حَسُنت
بِحُرِّ لفظٍ يُزيلُ السقمَ أيسرُهُ
وَحَرّ وعظٍ يُذِيب الصخر أهونُهُ
الموتُ حتم يهدُّ الناسَ كُلَّهم
ما غَادَرَ الموتُ عدناناً ولا مُضراً
یا لیتَ أذني قد صُمَّت ولا سمعت
بَعْدَ النَّبِّ على هذا الثَّرى وَطِئًا
إليه كان الهُدى قَدْ كان مُلْتَجئًا
ومَنْ حوى ما حواه في الأنَامِ شآ
لم يتخذ لعباً يوماً ولا هزؤا
لا شَكَّ شاهد عصرَ المُصطفى وَرأى
فلو يُعَالج مَلْسُوعٌ به برئا
حتَّ لو اختار مقرورٌ به دفئا
بنابه ويصيدُ الليثَ والرشآ
كَلَّ ولا فاتَ قَحطاناً ولا سَبآ
في رزئه من فم الداعي له نباً
وهي طويلة غراء .
أخبرنا نافع الهِنْدِيّ ، أخبرنا سعيد بن المُطَهَّر ، أخبرنا المؤَيَّد الُّوسيُّ -
وأخبرنا ابن عساكر عن المؤيّد - : أخبرنا السَّيِّدي ، أخبرناسعيد بن محمد ، أخبرنا
زاهربن أحمد ، أخبرنا إبراهيم الهاشميّ ، أخبرنا أبو مُصعب ، حدثنا مالك ، عن
(١) يعني : ابن الفوطي .
٣٦٩
سیر ٢٤/٢٣

نافع، عن ابن عمر (( أن رسول الله وَ ل نهى عن الوصال، قالوا : فإنّك تواصلُ يا
رسول الله قال: ((إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم إنّ ◌ُطْعَمُ وَأُسْقَى)) متفق عليه(١).
٢٦٣ - إقبال *
جمال الدَّولة أميرُ الجيوش شرفُ الدِّين أبو الفضائل الحَبَشيّ المستنصريّ
الشَّرابِيُّ .
جُعِلَ في سنة ست وعشرين وست مئة مُقَدَّم جيوش العراق ، وأنشأمدرسةً في
غاية الحُسْن في سنة ثمان وعشرين للشافعية ، فدرّس بها التاج الأرْمَويّ، ثم أنشأ
مدرسة أخرى سنة اثنتين وثلاثين ، ودَرَّسَ بها زين الدين أحمد بن نجا
الواسطي ، وأنشأ بمكة رباطاً ، وله معروف كثير ، وفيه دين وخُشوع ، وله
محاسن وُجُود ، غمرَ وَبَذَلَ للصلحاء والشُّعراء ، والتقىَ التّتار في سنة ثلاث
وأربعين فهزمهم ، فعظم بذلك وارتفع قدرُه وصارَ من أكبر المُلُوك ، إلى أن
توجّه في خدمة المستعصم نحو الحِلّة لزيارة المَشْهَد(٢)، فمرِض إقبال في
الحِلّة، فيقال سُقِيَ في تُفّاحة، فلما أكلها أحسَّ بالشَّرّ . رجع إلى بغداد
منحدراً في شوال سنة ثلاث وخمسين وست مئة فتوفي بها(٣).
(١) قال شعيب: هو في البخاري (١٩٢٢) و(١٩٦٢) ومسلم (١١٠٢ )، وأخرجه
مالك ١ / ٣٠٠، وأبو داود (٢٣٦٠) والبيهقي ٤ / ٢٨١، ٢٨٢.
(*) الفخري في الآداب السلطانية: ٢٢ - ٢٧، ٢٤٣، الحوادث الجامعة: ٣٠٨،
عيون التواريخ ٢٠ / ٨٤ - ٨٥، العسجد المسبوك ٦١٢ - ٦١٣، النجوم الزاهرة: ٧ / ٥١ ،
الدارس في أخبار المدارس: ١ / ١٥٩ - ١٦٠، شذرات الذهب: ٢٦١/٥، وقد كتب
المرحوم الدكتور ناجي معروف رسالة بعنوان ( حياة اقبال الشرابي ) مطبعة الارشاد بغداد ١٩٦٦
في ١٠٨ صفحات ، والف كتاب ( المدارس الشرابية ببغداد وواسط ومكة ( الطبعة الثانية بمطبعة
دار الشعب بالقاهرة ١٣٦٧ / ١٩٧٧ ) في ٥١٢ صفحة .
(٢) يعني : مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
(٣) في العسجد المسبوك أنه توفي في يوم الاثنين السابع والعشرين من شوال ، وقد جعل
ابن تغري بردي وفاته سنة ٦٥٥ .
٣٧٠

٢٦٤ - الدُّوَيدار *
الملكُ مُقَدَّم جيش العراق مُجاهد الدين أيْيَك الدُّوَيدار الصغير .
أحد الأبطال المذكورين والشُّجعان الموصوفين الذي كان يقول : لو
مَكَّنني أميرُ المؤمنين المستعصم لقهرتُ الَّتَار ولَشغلتُ هولاكو بنفسه .
وكان مُغرى بالكيمياء ، له بيت كبير في داره فيها عِدّة من الصُّنَّاع
والفُضَلاء لعمل الكيمياء ، ولا تصح ؛ فحكى شيخنا محيي الدين ابن
النحاس قال : مضيت رسولاً فأراني الدُّوَيدار دار الكيمياء ، وحدثني ، قال :
عارضني فقير، وقال: يا مَلك خُذ هذا المِثقال وألقه على عشرة آلاف
مثقال يصير الكل ذَهَباً ، ففعلتُ فصحَّ قوله ، ثم لقيته بعد مدة فقلت علِّمني
الصَّنعة ، قال : لا أعرفها لكن رجل صالح أعطاني خمسة مثاقيل فأعطيتك
مثقالاً ولملك الهند مثقالاً ولآخرين مثقالين وبقي لي مثقال أنفق منه ، ثم
أراني الدُّوَيدار قطعة فولاذ قد أحميت وألقَى عليها مغربيٌّ شيئاً فصار ما حمى
منها ذهباً وباقيها فولاذ .
قال الكازروني(١) فيما أنبأني : إن الخليفة قُتِلَ معه عدة من أعمامه
وأولاده وابن الجوزيّ ومُجاهد الدين الدُّويدار الذي تزوج ببنت بدرالدين
صاحب المَوْصل ، وحُمِلَ رأسه ورأس الملك سُليمان شاه وأمير الحج فلك
الدين فنُصبوا بالمَوْصِل .
(*) الفخري في الآداب السلطانية ( صبيح ) : ٢٧١ ، الحوادث الجامعة : ٣٢٨، تاريخ
الاسلام للذهبي ( أيا صوفيا ٣٠١٣) جـ ٢٠ الورقة الملحقة بالورقة ١٦٢، دول الاسلام ٢/
١٢٢، الوافي بالوفيات: ٩ / ٤٧٥ - ٤٧٦ الترجمة ٤٤٣٢، عيون التواريخ ٢٠ / ١٢٤،
العسجد المسبوك : ٦٣٣ .
(١) لم نجد هذا النقل في ما طبع باسم مختصر التاريخ لابن الكازروني .
٣٧١

٢٦٥ - ابن أبي الحديد *
العَلّمة البارع موفق الدين قاسم بن هبة الله بن محمد بن محمد بن
حُسين بن أبي الحديد أبو المعالي المدائنيُّ الأصوليُّ الأديب الكاتب البليغ .
أجاز له عبد الله بن أبي المجد .
أخذ عنه عليّ بن أنجب ، والدِّمياطيُّ، وله باحٌ مديد في النظم والنثر ،
وكان ابن العَلْقَمِي يكرمه وينوّه بذكره كثيراً وبذكر أخيه الأوْحَد عز الدين أبي
محمد عبد الحميد ، فمات الوزير ابن العَلْقَمِي فتوفي بعده الموفق بأربع ليال
في نحو اليوم الخامس من جمادى الآخرة سنة ست وخمسين بعد مقاساة تلك
الشدائد فرثاه أخوه العزّ ، فقال :
وَلَقَدْ عَهِدْتُكَ في الحياةِ سميعًا
أبَا المعالي هَلْ سَمِعْتَ تَأْوُّهِي
وَجَوَارِحِي أَجْرَتْ عَلَيْهِ نَجيعا
عَيْنِي بَكَتْكَ وَلَو تُطِيقُ جَوانِچِي
مِنْ بَعْدِهِ شَهْراً ولا أُسْبُوع
وَوَفَيْتَ للمولى الوزيرٍ فلم تَعِشْ
بيدي لفارقت الحياةً جميعا
وبقيتُ بَعْدَكُمَا فَلَوْ كَانَ الرَّدى
فما عاش العزّ بعد أخيه إلا أربعة عشر يوماً .
وفي معجم شيخنا الدِّمياطي أن موت الموفق في رجب ، والأول
أصح .
٢٦٦ - ابن الجوزي **
الصّاحبُ العَلامة أستاذ دار الخلافة محيي الدين يوسُف ابن الشيخ
(*) مرت ترجمة الموفق وأخيه العز انظر الترجمة ٣٣٤ و٣٣٥ من هذا الجزء .
( ** ) عقود الجمان في شعراء هذا الزمان لابن الشعار الموصلي (أسعد أفندي ٢٣٣٠) =
٣٧٢

جمال الدين أبي الفرج ابن الجَوْزيّ القُرَشِيّ البَكْرِيّ الحنبليّ
ولد في ذي القعدة سنة ثمانين(١) وخمس مئة .
وسمع من أبيه ، ويحيى بن بَوْش ، وأبي منصور عبد السلام ، وذاكر
ابن كامل ، وابن كُلَيب ، وعدة . وتلا بواسط للعشرة على ابن الباقلاني
بحضرة أبيه عندما أُطْلِقٍ من الحَبْس .
روى عنه الدِّمياطي ، والرشيد بن أبي القاسم ، وجماعةٌ . ودَرَّسَ ،
وأفَتَى ، وناظر ، وتصدّر للفقه، ووعظَ . وكان صَدْراً كبيراً وافر الجلالة ذا
سَمت وهَيْبة وعبارةٍ فصيحة ، رُوسِلَ به إلى المُلوك ، وبلغ أَعلَى المراتب ،
وكان محمود الطَّريقة مُحبّباً إلى الرَّعية ، بقي في الأستاذ دارية سائر أيام
المُستعصم .
قال الدِّمياطيُّ: قرأت عليه كتاب ((الوفا في فضائل المُصطفى))
لأبيه ، وأنشدنا لنفسه ، ووصَلني بذَهب .
قال شمس الدين ابن الفخر : أمّا رياسته وعَقْله فتُنْقَل بالتَّواتر حتى قال
السُّلطان الملك الكامل : كل أحد يُعوزه عَقْل سوى محبي الدين فإنَّه يعوزه
نقص عقل ! وذلك لشدَّة مُسكته وتصميمه وقوة نَفْسِهِ ؛ تُحكَى عنه عجائب في
ذلك : مرّ ببابِ البريد فوقع حانوت في السُّويقة ، وضجَّ الناسُ وسقطت خَشَبة
= جـ ١٠ الورقة ٢٢٩ ب، صلة التكملة للحسيني المجلد الثاني الورقة ٣٥، الحوادث الجامعة
٣٢٨، ذيل مرآة الزمان لليونيني: ١/ ٣٣٢ - ٣٤٠، تاريخ الاسلام للذهبي (أيا صوفيا ٣٠١٣)
جـ ٢٠ الورقة ١٦٨، دول الاسلام: ٢/ ١٢٢، العبر: ٢٣٧/٥، عيون التواريخ ٢٠/ ٢٠٧ -
٢١٠، البداية والنهاية: ١٣ / ٢٠٣، ذيل طبقات الحنابلة: ٢ / ٢٥٨ - ٢٦١ الترجمة ٣٦٥،
العسجد المسبوك : ٦٣٥ شذرات الذهب: ٢٨٦/٥ - ٢٨٧.
(١) تصحفت في المطبوع من العبر الى ثمان .
٣٧٣

على كفل البَغْلَة فما التفت ولا تَغَيَّر . وكانَ يُناظر ولا يحرك له جارحة .
أنشأ بدمشق مدرسةً كبيرة ، وقَدِمَ رسولاً غير مرة ، وحدّث بأماكن .
ضُرِبت عُنُقُه صَبْراً عند هولاكو في صفر سنة ست وخمسين وست مئة
في نحو من سبعين صَدْراً من أعيان بغداد منهم أولاده (١): المحتسب جمال
الدين عبد الرحمن، وشرف الدين عبد الله، وتاج الدين عبد الكريم رحمهم الله .
ابنه :
٢٦٧ - الصاحب شرف الدين
عبد الله بن يوسف ابن الجَوْزِيّ الحَنْبَلِيّ المدرّسِ .
من نُبلاء الرجال ، كثير التلاوة ، جيد الفقه وأصوله ، ولما ولي أخوه
العَلامة الأوحد جمال الدين عبد الرحمن تدريس المستنصرية سنة اثنتين
وأربعين وُلّي شرف الدين حِسْبة بغدادَ ، ورُفعت بين يديه الغاشية ، ودَرَّسَ
بالبشيرية سنة ثلاث وخمسين . وقد أرسله المُستعصم إلى خُراسان إلى
هولاكوثم رجع ، وأخبرَ بصحة عزمه على قَصْد العراق في جيش عظيم ، فلم
يستعدّوا للقائِهِ ولما خَرج المستعصم إليه طلبَ منه أن ينفّذ إلى خُورستان من
يُسلّمها ، فنفذ شرف الدين هذا بخاتم الخليفة ، فتوجه مع جماعة من
المغول، وعرَّفَهُم حقيقة الحال ، فلما رجع كان هولاكو قد ترحّل عن بغدادَ
بعد أن صيّرها دكّاً ، فلقيه بأسد آباذ فأُعْلِمَ هولاكو بنصيحة شرف الدين لأهل
خُورستان فقتَلهُ بأسد آباذ .
(١) في الأصل: ((أولاد)) والصحيح ما أثبتناه، وانظر العسجد المسبوك : ٦٣٥ - ٦٣٧ .
٣٧٤

٢٦٨ - واقف الصدرية *
القاضي الرئيس صدر الدين أبو الفتح أسعد بن عثمان ابن شيخ
الحنابلة وجيه الدين أسعد بن المُنَجَّى بن بركات بن المُؤَمَّل التّنُوخِيّ
الدِّمشقيّ المُعَدَّل .
ولد سنة ثمان وتسعين .
وسمع من حنبل ، وابن طَبَرْزَد .
روى عنه الدِّمياطيُّ، وابنُ الخَبّاز ، والعلاء الكِنْديُّ ، وكان من كُبراء
البلد .
مات في رمضان(١) سنة سبع وخمسين ، فدفن بمدرسته ، وهو أخو
شيخينا : وجيه الدين ، ومفتي الشام زين الدين .
٢٦٩ - المحب
المحدِّث الرحَّالِ مُفيد الطلبة محبّ الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد
(*) ذيل الروضتين : ٢٠٣ ، صلة التكملة للحسيني المجلد الثاني الورقة ٤٩، تاريخ
الاسلام للذهبي ( أيا صوفيا ٣٠١٣) جـ ٢٠ الورقة ١٧٠، العبر: ٢٣٩/٥، الوافي بالوفيات
٩/ ٤٣ الترجمة ٣٩٤٧، عيون التواريخ: ٢٠ / ٢١٦ - ٢١٧ وفيه ورد اسمه أسعد بن المنجا بن
بركات ، ولا شك أن هذه التسمية هي لجده المتوفى ٦٠٦ هـ وليست له، البداية والنهاية ١٣/.
٢١٦، ذيل طبقات الحنابلة: ٢ / ٢٦٨ الترجمة ٣٧٩، النجوم الزاهرة: ٧ / ٧١ ، شذرات
الذهب : ٢٨٨/٥ .
(١) ذكر الحسيني في صلة التكملة والذهبي في تاريخ الاسلام وابن رجب في ذيل طبقات
الحنابلة أنه توفي في التاسع عشر من رمضان .
( ** ) عقود الجمان في شعراء هذا الزمان لابن الشعار الموصلي (نسخة أسعد أفندي
٢٣٢٤) جـ ٣ الورقة ١٢٩ / ب صلة التكملة لوفيات النقلة للحسيني المجلد الثاني الورقة ٥٥ ،
تاريخ الاسلام للذهبي ( أيا صوفيا ٣٠١٣) جـ ٢٠ الورقة ١٧٨ - ١٧٩، العبر: ٥ / ٢٤٦ ذيل
طبقات الحنابلة: ٢ / ٢٦٨ - ٢٦٩ الترجمة ٣٨٠، شذرات الذهب: ٢٩٢/٥.
٣٧٥

ابن أبي بكر محمد بن إبراهيم السَّعْدِيّ المَقْدِسِيّ الصالحيّ الحنبليّ .
روى عن الشيخ موفق الدين حُضوراً، وعن ابن البُنّ ، وابن
صَصْرَى، وابن الزَّبِيديّ. وارتحلَ فأكثرَ عن ابن القُبَّيْطِيّ ، وابن أبي
الفخار ، وابن الخازن ، والكاشغريّ ، وبالغَ ، وكتبَ العالي والنازل ، وأقامَ
ببغدادَ سنوات في الطلب .
روى عنه الدِّمياطي ، وابنُ الخَبّاز ، ومحمد ابن النُّميري ، وابنه الشيخ
محمد ابن المحب ، وآخرون ، وعاش أربعين سنة .
توفِّي في جمادى الآخرة(١) سنة ثمان وخمسين وست مئة رحمه الله ،
وفي أولاده علم واعتناء بالحديث .
٢٧٠ - الناصر داود *
السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو المفاخر داود ابن السلطان
الملك المعظم عيسى ابن العادل .
مولده بدمشق سنة ثلاث وست مئة (٢) .
(١) ذكر الحسيني في صلة التكملة والذهبي في تاريخ الاسلام وابن رجب في ذيل طبقات
الحنابلة وابن العماد في الشذرات أنه توفي في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة ، وإن انفرد
الحسيني بذكر ليلة الثاني والعشرين منه فانها تعتبر في التاريخ عندهم منه .
(*) ذيل مرآة الزمان : ١/ ١٢٦ - ١٨٤ وهي ترجمة مطولة فيها كثير من شعره ، تاريخ
الاسلام للذهبي: ( أيا صوفيا ٣٠١٣) جـ ٢٠ الورقة ١٤٩ - ١٥٣، دول الاسلام: ٢/ ١٢١،
العبر: ٥ / ٢٢٩ - ٢٣٠، عيون التواريخ: ٢٠ / ١٦٨ - ١٧٦، فوات الوفيات: ١ / ٤١٩ -
٤٢٨، الترجمة ١٤٩، البداية والنهاية ١٣ / ٢١٤، العسجد المسبوك : ٦٤٣، النجوم
الزاهرة : ٧ / ٦١ - ٦٢، شفاء القلوب في مناقب بني أيوب، لأحمد بن ابراهيم الحنبلي :
٣٤٦ - ٣٥٨، الترجمة ٧٥، شذرات الذهب : ٥/ ٢٧٥ وللدكتور ناظم رشيد شيخو رسالة
دكتوراه في حياته وأدبه نوقشت في كلية الآداب بجامعة بغداد سنة ١٩٨١ .
(٢) في جمادى الآخرة .
٣٧٦

أجاز له المُؤَيَّد الطُّسيّ ، وأبو رَوْحِ الهَرَويّ ، وسمع في کبره من أبي
الحسن القَطِيعِيّ ببغدادَ ، ومن ابن اللُّتي بالكَرَك .
وكان فقيهاً حنفياً ذكياً ، مناظراً ، أديباً شاعراً بديع النظم ، مشاركاً في
علوم ، تَسَلْطَن عند موت أبيه، وأحبّه أهلُ البلد ، فأقبل عَمّاه الكامل
والأشرف فحاصراه أَشهراً، ثم انفصل عن دمشق في أثناء سنة ست
وعشرين ، وقنع بالكَرَك ، وأعطوه معها نابلس وعَجْلون والصَّلْت وقُری بیت
المقدس سوى البَلَد فإنّه أخذه الأنبروز الإِفرنجي الذي أَنْجَدَ الكامل ، ثم
زَوَّجَهُ الكامل بابنته في سنة تسع وعشرين ، ثم وقعَ بينهما ففارقَ البِنْت ، ثم
بعد سنة ثلاثين سارَ إلى المُستنصر بالله وقَدَّمَ له تُحَفاً واجتمع به وأكرمه بعد
امتناع بعمل قصيدته الفائقة(١) وهي :
وجُنْحُ الدُّجِى وَحْف(٢) تجول غَيَاهِبُهْ
ودانٍ ألمّتْ بالكَثِیبِ ذَوَائِبُهْ
وتَبْكِي عَلَى تِلْكَ الطّلولِ سَحَائِبُهْ
تُقَهْقِهُ في تِلْكَ الرُّبوعِ رُعُودُهُ
يُراعُ لَهُ مِن أَدْهَمِ اللَّيلِ هَارِبُهْ
إلى أنْ بدا مِنْ أَشْقَرِ الصُّبحِ قَادِمٌ
منها :
عَلَى كَاهِلِ الجَوْزاءِ تَعْلُو مَرائِبُهْ
ألا يا أميرَ المؤمنينَ وَمَنْ غَدَتْ
وأنتَ الذي تُعْزَى إليه مَذَاهِبُهْ
أَيَحْسُنُ في شرعِ المَعَالي ودِينِها
سَبَارِيتُه مُغبرةٌ وسَبَاسِبُهْ
بأنِّي أخوضُ الدوَّ(٣) والدوُّ مقفرٌ
(١) أورد القصيدة اليونيني في ذيل المرآة: ١/ ١٣٣ - ١٣٥، والذهبي في تاريخ الاسلام
الورقة ١٥٠، وابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات: ١ / ٤٢٠ - ٤٢٢، وأحمد بن ابراهيم
الحنبلي في شفاء القلوب : ٣٤٨ - ٣٥١ وغيرها، وانظر رسالة الدكتور ناظم رشيد شيخو : ٤٠٢ -
٤٠٦ ( طبعة المناقشة ) .
(٢) في الأصل: ((وقف)) وليس بشيء، والتصحيح من خط المؤلف في تاريخ الاسلام
وغيره ، والوحف : الشديد السواد .
(٣) الدو : الغلاة .
٣٧٧

وقد رَصَدَ الأَعداءُ لي كُلَّ مَرْصَدٍ
وآتيكَ والعَضْبُ(١) المُهَنَّد مُصْلَتٌ
وأُنزلُ آمالي بِبَابِك رَاجِياً
فتقبل منِّي عبدَ رقٍّ فيغتدي
وتُنْعِمُ في حقِّي بما أنت أَهْلُه
وتُلِسني مِن نسجِ ظلَّك حُلّةً
وتُركبني نُعْمى أيادِيك مَرْكباً
ويأتيك غيري مِن بلادٍ قريبة
فيلقى دنوَّاً مِنْكَ لم ألقَ مثلَهُ
ويَنْظُرُ مِنْ لألاءِ قُدْسِكَ نظرةً
ولَوْ كَانَ يَعْلُونِي بَنَفْسٍ ورُتبةٍ
لكنتُ أُسلِّي النَّفْسَ عَمَا تَرُومُه
وَلكِنَّه مِثلي ، ولو قُلْتُ إنّني
وما أَنا مِمن يملأ المَالُ عِينَهُ
ولا بالَّذي يُرضيه دونَ نَظِيرِهِ
وبي ظمأٌ رؤ ياكَ مَنْهَلُ رِيِّهِ
فَكُلُهم نَحوي تَدِبُّ عَقَارِبُه
طرير (٢) شَباهُ قانياتٌ ذوائبُه
بَواهِرَ جاه يَبْهَرُ النَّجْمَ ثاقِبُهْ
له الدَّهر عَبْداً خاضِعاً(٣) لا يُغالِيُه
وتُعلي محلِّي فالسُّهَا(٤) لا يُقارِبُه
تشرف قدر النَّيِّرِيْن جلائِيُهْ
على الفَلَكِ الأُعلى تَسِيرُ مَرَاكِبُه(٥)
له الأَمْنُ فيها صَاحِبٌ لا يُجانِبُه
ويَحْظَى ولا أحظَى بما أَنا طالِبُه
فَيَرْجِعُ والنُّورُ الإِمامِيُّ (٦) صاحِبُه
وَصِدْقٍ ولاءٍ لستُ فِيهِ أُصاقِبُه
وَكُنْتُ أُذُودُ العَيْنَ عَمّا تُراقِبُه
أَزِيْدُ عليه لم يَعِبْ ذَاكَ عائِبُه
ولا بسوى التَّقريب تَقْضَى مآربُه
ولو أُنْعِلَتْ بالنَّيِّرات مراكِبُه
ولا غروَ أنْ تصفو لديَّ مشارِبُه
(١) العضب : السيف القاطع .
(٢) طرير : محدّد .
(٣) هكذا في الأصل ، وفي تاريخ الاسلام بخط المؤلف ، وفي غيره من المصادر :
((طائعاً )) .
(٤) السها : كوكب صغير .
(٥) هكذا هي بخط المؤلف في تاريخ الاسلام))، وفي بعض المصادر الأخرى : مواكبه .
(٦) في الأصل: ((الأماني)) وليس بشيء، والتصحيح من خط المؤلف في ((تاريخ
الاسلام )).
٣٧٨

وأشكُو الظَّما والبحرُ جَمٌّ عَجَائِبُه
وَمِن عَجَبٍ أَنّي لدَى البحرِ وَاقِفٌ
إذا عَظُمَت أَغراضُهُ ومذاهبُهُ
وغَيرُ ملومٍ مَنْ يؤمُّك قاصِدَاً
فوقعت الأبيات من الخليفة بموقع ، وأُدخل ليلاً، ووانّسَهُ وذَاكَرَهُ ،
وأُخرج سِرّاً رعايةً لخاطر الكامِل . ثم حضر الناصر درسَ المستنصرية ،
فبحثَ وناظرَ والخليفةُ في منظرته ، فقام الوجيه القيرواني ومدح الخليفة
بأبيات منها :
لو كنتَ في يوم السَّقيفة حاضراً كنتَ المُقَدَّم والإِمام الأورعا
فقال الناصر : أخطأت ، قد كان العباس جدّ أمير المؤمنين حاضراً ولم
يكن المُقَدَّم إلا أبو بكر الصديق ، فأُمَرَ بنفي الوجيه فسافر وولي بمصر
تَدْريساً، ثم خلعوا على الناصر وحاشيته ، وجاء معه رسولُ الدِّيوان فألبسه
الخِلْعة بالكَرَك، وركب بالسَّنْجق الخليفتي وزيد في لقبه: (( الولي
المُهاجر ))، ثم راسلَهُ الكامل والأشرف لما اختلفا ، وطلب كلٌّ منهما أن
يؤازره ، وجاءه في الرّسلية من مصر القاضي الأشرف فرجح جانب الكامل ،
ثم توجه إليه فبالغَ في تعظيمه وأعاد إلى عصمته ابنته عاشوراء وأركبه في دَسْت
السَّلْطَنة ، فحملَ له الغاشيةَ الملكُ العادل ولدُ الكاملِ ووعدَهُ بأخذ دِمشق
من الأشرف وردّها إليه .
ولما ماتَ الكامل بدمشق ما شكّ النّاسُ أن النَّاصر يملكها ، فلو بذل
ذَهَباً لأخذها ، فسلطنوا الجواد ، ففارق الناصر البَلَد وسارَ إلى عَجْلون ،
وندم فجمع وحشد واستولى على كثير من الساحل ، فالتقاه الجواد بقرب
جِنين فانكسر الناصر وذهبت خزائنه ، وطلع إلى الكَرَك . ثم إنّ الجَواد تماهَنَ
وأعطى دمشق للصالح ، وجرت أمور وظفر الناصر بالصَّالح ، وبقي في قبضته
أشهراً ، ثم ذهب معه على عهود ومواثيق فملَّكَهُ مصرَ ولم يَف له الصالح عجزاً
٣٧٩

أو استكثاراً؛ فإنَّه شَرَطَ أَنْ تكون له دمشق وشَطْر مِصْر وأشياء .
ومن حَسَناتِ النَّاصر أنّ عمَّه أعطى الفرنج القُدْس فعمروا لهم قلعةً
فجاء الناصر ونصب عليها المجانيق وأخذها بالأمان وهَدَّ القلعة، ونَظَّفَ البَلَد
من الفرنج .
ثم إنّ الملك الصّالح أَساءَ إلى الناصر وجهّز عَسْكراً فشعثوا بلاده ،
وأخذوا منها ، ولم يزل يناكده وما بَقَّى له سوى الكَرَك ، ثم حاصره في سنة
٦٤٤ فخرُ الدِّين ابن الشيخ أياماً وتَرَخَّل، وقَلَّ ما بيد الناصر ، ونفذَ رسولَهُ
الخسر وشاهي من عنده إلى الصالح ، ومعه ابنه الأمجد أن يعطيه خُبْزاً بمصر
ويتسلَّم الكَرَك فأجابه ، ومرض ، فانثنىَ عزم الناصر ، وضاقَ الناصر بكُلَف
السَّلْطَنة فاستناب ابنه عيسى بالكَرَك ، وأخذ معه جواهر وذخائر ، فأكرمه
صاحب حلب ، ثم سار إلى بغدادَ فأودع تلك النفائس عند المُستعصم وهي
بنحو من مئة ألف دينار، فلم يصل إلى شيء منها(١) . وبعدُ تَأَلَّم الأمجدُ
وأخوه الظاهر لكون أبيهما استناب عليهما المُعَظّم عيسى مع كونه ابن جارية ،
وهما فأمّهما بنت الكامل ، وكانت أمّهما مُحسنةً إلى الملك الصالح أيام
اعتقاله بالكَرَك ؛ لأَنَّه أخوها ، فكان هذان يحبّانه ، ويأنس بهما ، فاتفقا مع
أمهما على القبض على المُعَظّم ، ففعلا ، واستوليا على الكَرَك ، وسارَ
الأمجد بمفاتيحها إلى الصالح ، وتوثَّق منه فأعطاه خُبْزاً بمصر، وتَحَوَّلَ إلى
باب الصالح بنو الناصر فأقطعهم، وعظم هذا على الناصر لما سَمِع به فاغتمّ
الصالح أن مات ، وانضم النّاصر إلى النَّاصر(٢) لما تَسَلْطَن بالشام، فتمرض
السلطان ، فبلغه أن داود تكلّم في أمر الملك فحبسه بحِمْص مدة ، ثم جاءت
(١) حيث لم يعطها له الخليفة ، فلم يكن أميناً على الأمانة ، والقصة مشهورة .
(٢) صاحب حلب ، وقد مرت ترجمته .
٣٨٠