النص المفهرس
صفحات 321-340
حَدَّثَ عنه الزكيّان : البِرْزاليُّ والمُنْذِرِيُّ، والشهاب القُوصِيُّ، والتاج عبد الوَهَّاب بن عساكر ، والكمال العَدِيمُيُّ وابنه القاضي أبو المجد ، والأمين أحمد ابن الأشتريّ ، والكمال أحمد ابن النَّصِيبيّ ، والجمال ابن الصّابونيّ، والعز عُمَر ابن الأستاذ . وخُطلبا وسُنقر مَوليا ابن الأستاذ ، وعليّ ابن السيف التَّيْمِيّ ، ويعقوب بن فضائل ، وست الدار بنت مجد الدين ابن تيمية ، وآخرون . وَحَدَّثَ بدمشق ، ومِصْرَ ، والقُدس ، وَحَلَب ، وَحَرّان ، وبغداد ، وصنّف في اللغة ، وفي الطب ، والتواريخ ، وكان يوصف بالذكاء وسعة العلم . ذكره الجمال القِفطيّ في تاريخ النحاة فما أنصفه ، فقال (١): الموفق النحوي الطبيب الملقب بالمَطْحن (٢)، كان يدعي النحو واللغة وعلم الكلام والعلوم القديمة والطب ، ودخل مصر وادّعى ما ادّعاه ، فمشى إليه الطلبة ، فقصر ، فجفَوه ، ثم نفق على وَلَدَيّ إسماعيل بن أبي الحجاج الكاتب فنقلاه إليهما ، وكان دميم الخلقة نحيلها . وَيَظهرُ الهَوَى من كلام القِفْطِيّ حتى نسبه إلى قلة الغيرة . وقال الدُّبيئي (٣) : غلب عليه علم الطب والأدب وبرعَ فيهما . وقال ابن نُقطة (٤): كان حسن الخُلُق ، جميل الأمر ، عالماً بالنحو (١) انباه الرواة: ٢ / ١٩٣ - ١٩٥. (٢) الذي وقع في المطبوع من الانباه: ((المطجُّن)) وليس بالضبط الصحيح. (٣) ذيل تاريخ مدينة السلام ، الورقة ١٦٣ ( باريس ٥٩٢٢ ). (٤) التقييد ، الورقة : ١٦٣. ٣٢١ والغريبين، له يد في الطب، سمع ((سنن ابن ماجة))، و((مسند الشافعي)) من أبي زرعة وسمع « صحيح الإسماعيلي )» جمیعه من یحیی بن ثابت ، إلى أن قال : وكان ينتقل من دمشق إلى حلب ، ومرة سكن بأرزنكان وغيرها . قال الموفق عن نفسه : سمعت الكثير ، وكنت أتلقّن وأتعلّم الخَطّ وأحفظ ((المقامات)) و((الفصيح)) و ((ديوان المتنبي)) ومختصراً في الفقه ومختصراً في النحو ، فلما ترعرعت حملني أبي إلى كمال الدين الأنباريّ ، وذكر فصلاً ، إلى أن قال : وصرت أتكلم على كل بيت كراريس ، ثم حفظت ((أدب الكاتب)) لابن قتيبة، و((مُشكل القرآن)) له، و((اللمع))، ثم انتقلت إلى كتاب ((الإِيضاح)) فحفظته وطالعت شروحه . قال : وحفظت ((التكملة)) في أيام يسيرة كل يوم كُرّاساً، وفي أثناء ذلك لا أغفل سماع الحديث والتفقه على ابن فَضْلان . ومن وصاياه ، قال : ينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصَّدر الأول ، فاقرأ السيرة النبوية ، وتتبع أفعاله ، واقتفِ آثارَهُ ، وتشبَّه به ما أمكنك . من لم يحتمل ألم التَّعلّم لم يذق لذة العِلم ، ومن لم يكدح لم يفلح . إذا خلوت من التَّعلم والتفكُّر فحرّك لسانك بالذِّكر وخاصة عند النَّوم ، وإذا حدث لك فرحٌ بالدُّنيا فاذكر الموت وسُرعة الزَّوال وَكَثرة المُنَغِّصات. إذا حَزَبَك أمر فاسترجع وإذا اعترتك غَفْلَةٌ فاستغفر (١) . واعلم أن للدين عبقة وعرقاً ينادي على صاحبه ونوراً وضَيئاً يشرف عليه ويدل عليه ، يا محيي القلوب الميتة بالإِيمان خذ بأيدينا من مهواة الهلكة ، وطهرنا من دَرَن الدُّنيا بالإِخلاص لك . (١) في الأصل: ((فاسترجع)) وما أثبتناه من خط المؤلف في ((تاريخ الاسلام)) وهو الصحيح . ٣٢٢ وله مصنفات كثيرة منها: ((غريب الحديث)) و((الواضحة في إعراب الفاتحة))، ((شرح خُطَب ابن نباتة))، ((الرد على الفخر الرازيّ في تفسير سورة الإِخلاص))، (( مسألة أنت طالق في شهر قبل ما بعد قبله رمضان))، ((شرح فصول بقراط))، كتاب ((أخبار مصر الكبير))، كتاب ((الإِفادة في أخبار مصر))، ((مقالة في النفس))، ((مقالة في العطش))، ((مقالة في الرد على اليهود والنّصارى))، وأشياء كثيرة ذكرتها في ((تاريخ الإِسلام )). وقد سافَرَ من حلب ليحج من العراق ، فدخل حَرّان وَحَدَّثَ بها وسارَ ، فدخَلَ بغدَادَ مريضاً ، ثم حضرت المنّة ببغدادَ في ثاني عشر المُحَرَّم سنة تسع وعشرين وست مئة ، وصلى عليه السُّهروردي . قال الموفّق أحمد بن أبي أصيبعة (١): كان أبي وَعَمِّ يشتغلان عليه ، وقلمه أجود من لفظه ، وكان ينتقص بالفُضلاء الذين في زمانه ، ويحط على ابن سينا . قال الموفّق عبد اللطيف : أقمت بالمَوْصِل سنة أشتغل ، وسمعتُ النَّاس يهرجون في حديث السُّهرورديّ الفيلسوف ، ويعتقدون أنّه قد فاقَ الكُلّ ، فطلبتُ من الكمال ابن يُونُس شيئاً من تصانيفه ، فوقفت على ((التلويحات)) و ((المعارج)) وفي أثناء كلامه يثبت حروفاً مقطعة يوهم بها أنها أسرار إلهية ، وقال : أعربت الفاتحة في نحو عشرين كُرّاساً . (١) انظر ترجمته من عيون الأنباء: ٢ / ٢٠٢ . ٣٢٣ ١٩٦ - ابن معطي * العلامة شيخ النحوزين الدين أبو الحسين يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي المغربي النحوي الفقيه الحنفي . مولده سنة أربع وستين وخمس مئة . وسمع من القاسم بن عساكر، وصنف ((الألفية))، و ((الفصول))، وله النظم والنثر ، وتخرج به أئمة بمصر وبدمشق ، وکان یشهد ، فحضر عند الكامل مع العلماء فسألهم: زيد ذهب به، هل يجوز في زيد النصب ؟ فقالوا : لا ، فقال ابن معط : يجوز على أن يكون المرتفع يُذهب به المصدر الذي دل عليه ذهب به وهو الذهاب ، ويكون موضع به النصب ، فيكون من باب زيد مررت به ، فأعجب الكامل ، وقرر له معلوماً ، وقد أخذ عن أبي موسى الجزولي . مات في ذي (١) القعدة سنة ثمان وعشرين وست مئة بمصر . (*) هو صاحب الألفية المشهورة في النحو المسماة ((الدرة الألفية في علم العربية)): وانظر: ارشاد الاريب : ٧ / ٢٩٢، وتكملة المنذري: ٣/ الترجمة ٢٣٥٧، وذيل الروضتين لابي شامة: ١٦٠، ووفيات الأعيان: ٦ / ١٩٧، ومختصر أبي الفداء : ٣ / ١٥٩، وتاريخ الاسلام للذهبي ، الورقة ٧٣ - ٧٤ ( أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ٥ /١١٢، ودول الإِسلام: ٢ / ١٠١، ومرآة الجنان: ٤ / ٦٦، ونثر الجمان للفيومي، ٢ / الورقة ٤٣، والبداية والنهاية: ١٣/ ١٢٩ ثم ذكره في سنة ٦٢٩ : ١٣ / ١٣٤ ناقلاً عن ابن الساعي ، الجواهر المضية للقرشي : ٢ / ٢١٤، والفلاكة والمفلوكون : ٩٣، وطبقات النحاة لابن قاضي شهبة، الورقة ٢٦٩، والنجوم الزاهرة : ٦/ ٢٧٧، ونزهة الأنام لابن دقماق ، الورقة ٤، وبغية الوعاة : ٢ / ٣٤٤، وحسن المحاضرة: ١ / ٢٥٥، وتاج التراجم: ٨٣، والطبقات السنية للتميمي، ٣ / الورقة ١١٥٢ - ١١٥٤، وشذرات الذهب: ٥/ ١٢٩ -، وطبقات الزيله لي، الورقة ٣٦٠، ولصديقنا الدكتور محمود الطناحي المصري دراسة مفصلة في آرائه النحوية ، في مقدمة تحقيقه لكتابه ((الفصول)) فراجعها تجد فائدة إن شاء الله تعالى. (١) التكملة : توفي في سلخ ذي القعدة . ٣٢٤ ١٩٧ - عُمر بن كَرَم * ابن عليّ بن عُمر، الشَّيخُ المُسْنِد الأمين أبو حفص بن أبي المجد الدِّينورِيُّ ثم الْبَغْدَادِيُّ الحَمّامِيُّ . ولد سنة تسع (١) وثلاثين وخمس مئة (٢). سمع من جدّه لأمّه الإِمام عبد الوَهّاب بن محمد الصابونيّ ، ونصر بن نصر العُكْبَرِيِّ ، وأبي الوقت السّجْزِيّ ، والمبارك ابن التّعاويذيّ، وفاطمة بنت سعد اللّه المِيْهَني . وأجازَ له أبو الفتح الكُرُوخِيّ ، فروى عنه (( جامع التِّرمذيّ )) وأجاز له عُمر بن أحمد ابن الصّفّار، وأبو المعالي أحمد بن محمد بن المَذَاريّ، وعبد الخالق اليوسُفيّ وجماعة . وروى الكثير، وَتَفَرَّدَ ، وكانَ شيخاً مباركاً صحيحَ السّماع والإِجازات ، وتفرَّدَ بأجزاء عن أبي الوَقْت . حَدَّثَ عنه ابن نُقْطَةَ ، والدُّبيئيُّ ، والبِرْزاليُّ ، وابن المَجد ، وأبو المظفر ابن النَّابلسيّ ، والفَخْر عليّ ابن البُخاريّ ، والتقي ابن الواسطيّ ، (*) تاريخ ابن الدبيثي ، الورقة ١٩٨ - ١٩٩ ( باريس ٥٩٢٢)، وتاريخ ابن النجار ، الورقة ١١٧ ( باريس )، وتكملة المنذري: ٣ / الترجمة ٢٤٠٠، وتاريخ الإِسلام للذهبي ، الورقة ٨٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ٥ / ١١٦، والمختصر المحتاج اليه ، الورقة ٩١، وذيل التفييد للفاسي ، الورقة ٢٤٤ ، والنجوم الزاهرة : ٦ / ٢٧٩، وشذرات الذهب : ٥/ ١٣٢ . (١) في الأصل: ((سبع))، وهو سبق قلم من الناسخ ، والتصحيح من تكملة المنذري وتاريخ ابن الدبيثي وتاريخ ابن النجار وخط الذهبي في تاريخ الاسلام . (٢) في السابع والعشرين من رمضان منها على ما ذكره المنذري . ٣٢٥ والشمس ابن الزَّين ، والعزّ الفاروئيّ، والعِماد إسماعيل ابن الطّال ، والرشيد محمد بن أبي القاسم ، والمجد ابن الخليليّ ، والشهاب الأبرقُوهيّ، وعِدّة . وآخر من روى عنه بالإِجازة القاضي تقي الدين سُلَيْمان ابن حمزة الخَنْبَلِيّ . وفي (( معجم الأَبَرْقُوهيّ)) قال مخرّجه : كان عُمر بن كَرَم من أهل العِبادة والعَفَاف مُنقطعاً عن الناس خاشعاً عند قراءة الحديث توفّي في سادس رَجَب سنة تسع وعشرين وست مئة . وقال ابن النجار : كانَ صالحاً ورعاً مُتَديّناً مُتَعَفّفاً متعبّداً ، ومن مروياته الخامس من حديث ابن مَخْلَد عن طاهر بن خالد بن نِزار ، وابن كرامة ، سمعه من نصر بن نصر العُكْبَرِيّ، والأول الكبير من ((المُخَلِّصّات))، وكتاب (( الاعتبار)) لابن أبي الدُّنيا ، سمعه من نصر بن نصر ، والتاسع من ((الجَعْدِيات)) سمعه من أبي الوَقْت، و((جزء النَّحاس)) و((الأطعمة)) للدَّارمي، و((مُسْنَد عَبْد)) و((درجات التائبين)) و((صحيح البخاري)) ، والخامس والسادس من ((حديث ابن صاعد)). وقرأت بخط السَّيف أحمد أن عُمر بن كَرَم لم يعقب وأنّه كان لهم حمام فصودِروا ، وكان يُزيِّن ثم عجزَ وانقطع في دويرة ، وكان لا يرد شيئاً ، وربما عرّض ، وكان يتزهد ويتقشف . ١٩٨ - خوار زمشاه * السُّلطان الكبير جلال الدين منكوبري ابن السلطان الكبير علاء الدين (*) سيرته مشهورة في كتب التواريخ المستوعبة لعصره مثل ((كامل )) ابن الأثير ، وتاريخ السبط المعروف بمرآة الزمان (٨ / ٦٦٨ وما قبلها) وذكره الذهبي في ((تاريخ الاسلام)) في = ٣٢٦ محمد ابن السلطان خوارزمشاه تكُش ابن خُوارزمشاه أرسلان ابن الملك آتسِز بن محمد بن نوشتكين الخُوارزميّ . تَمَلَّكَ البلاد ، ودانت له الأمم ، وجرت له عجائب وعندي سيرته في مجلد(١) . ولما دهمت التتار البلاد الماوراء النهرية(٢) بادر والده علاء الدين وجعل جالِيشه(٣) ولده جلال الدين في خمسة عشر ألفاً ، فتوغل في البلاد ، وأحاطت به المغول ، فالتقاهم ، فانكسر ، وتخلص بعد الجهد ، وتوصل . وأما أبوه فما زال متقهقراً بين يدي العدو حتى مات غريباً سنة سبع عشرة وست مئة في جزيرة من البحر . قال الشهاب النَّسَويُّ المُوَقِّع(٤): كان جلال الدين أسمر تركيا قصيراً مُنْعَجم العبارة ، يتكلم بالتركية وبالفارسية . وأما شجاعته فحسبك ما أوردتُهُ من وقعاته ، فكان أسداً ضِرغاماً ، وأشجع فرسانه إقداماً ، لا غَضُوباً ولا شَتّاماً ، وقوراً ، لا يضحك إلّ تَبَسُّماً، ولا يكثر كلاماً، وكان يختار العَدْلَ غير أنه صادف أيام الفتنة فغُلِبَ . وقال الموفق عبد اللطيف : كان أسمر أصفر نحيفاً سَمْجاً لأن أمه = وفيات سنة ٦٢٩ ( الورقة: ٧٦ - ٧٨ أيا صوفيا ٣٠١٢) ثم عمل له إحالة في وفيات سنة ٦٢٨ وطلب تحويله إلى وفياتها (الورقة: ٧٠ من المجلد المذكور)، وانظر شذرات الذهب: ١٣٠/٥ في وفيات سنة ٦٢٩ . (١) هي (( سيرة السلطان جلال الدين منكوبري)) تأليف محمد بن أحمد النسويّ المتوفى حوالي سنة ٦٣٩ ، نشرها حافظ حمدي في القاهرة سنة ١٩٥٣ . (٢) هذا من تعابير الذهبي الخاصة لم يستعمله أحد قبله . (٣) كلمة فارسية يريد بها : مقدم الجيش . (٤) صاحب السيرة التي ذكرناها قبل قليل . ٣٢٧ هندية ، وكان يلبس طَرْطُوراً فيه من شعر الخيل مصَبَّغاً بألوان ، وكان أخوه غياث الدين أجمل الناس صورة وأرقهم بشرة ، لكنه ظلوم وأمه تركية . قلت : وكان عسكره أوباشاً فيهم شر وفسق وعتوّ . قال الموفق : الزِّنَى فيهم فاشٍ واللواط غير مَعْذُوق بكِبَر ولا صِغَرٍ (١) والغَدْرُ خُلُقٌ لهم ، أَخذوا تفليس بالأمان ، ثم غدروا وقتلوا وسَبَوْا . قلت : كان يُضرَب بهم المثل في النَّهْب والقَتْل ، وعملوا كل قبيح ، وهم جياع مُجَمّعة، ضِعاف العُدَد والخَيْلِ . التقى جلال الدين التتار ، فهزمهم، وهَلَكَ مقدمهم [ابن](٢) جنكزخان، فعظم على أبيه وقصده فالتقى الجمعان على نهر السند ، فانهزم جنكزخان ثم خرج له كمين فَتَفَلَّلَ جمعُ جلال الدين وفَّ إلى ناحية غَزْنَة في حال واهية ، ومعه أربعة آلاف في غاية الضعف ، فتوجه نحو كرمان فأحسن إليه(٣) ملكها ، فلما تقوّى غدر به وقتله (٤) ، وسار إلى شيراز وعسكره على بقر وحمير ومشاة ففر منه صاحبها ، وجرت له أمور يطول شرحها ما بين ارتقاء وانخفاض ، وهابته التتار ، ولولاه لداسوا الدنيا . وقد ذهب إليه محيي الدين ابن الجوزي رسولاً فوجده يقرأ في مُصحف ويبكي ، ثم اعتذر عما يفعله جنده بكثرتهم ، وعدم طاعتهم ، وقد (١) أصل العبارة في تاريخ الاسلام: (( واللواط ليس بقبيح ولا معذوقاً بشرط الكبر والصغر))، فمعذوق هنا معناه: معلق ، أخذه من العِذْق ، وهو عذق النخلة ويشمل العرجون بما فيه من الشماريخ . (٢) إضافة منا يقتضيها السياق . (٣) في الأصل: ((إليها)) ولا يستقيم المعنى بها . (٤) أصل الخبر في تاريخ الاسلام : (( وتوجه نحو کرمان ، وکان هناك ملکان کبیران فأحسنا اليه فلما قوي شيئاً غدر بهما وقتل أحدهما )) والذهبي - رحمه الله كثير التصرف بالنصوص ، كما بينا غير مرة . ٣٢٨ تقاذفت به البلاد إلى الهند ثم إلى كرمان ثم إلى أعمال العراق ، وساقَ إلى أذربيجان ، فاستولى على كثير منها ، وغدر بأتابك أُزبك ، وأخرجه من بلاده ، وأخذ زوجَه ابنة السلطان طُغرل ، فتزوجها، ثم عمل مصافاً مع الكُرْجِ فَطَحَنَهُم ، وقتلَ ملوكهم ، وقوي ملكه ، وكَثُرت جموعُهُ ، ثم في الآخِر تلاشى أمره لمّا كَسَرَهُ الملكُ الأشرف موسى وصاحب الرُّوم بناحية أرمينية، ثم كبسته التتار ليلة ، فنجا في نحو من مئة فارس ، ثم تفرقوا عنه إلى أن بقي وحده ، فأَحَّ في طلبه خمسة عشر من التتار فثبت لهم وقتل اثنين فأحجموا عنه ، وصعد في جبل بناحية آمد ينزله أكراد فأجاره كبير منهم ، وعرف أنّه السُّلطان ، فوعده بكل خير ، ففرح الكردي ، وذهب ليحضر خيلاً له ويعلم بني عمه ، وتركه عند أمه ، فجاء كردي فيه جرأة فقال : ليش(١) تخلُّوا هذا الخوارزمي عندكم؟ قيل: اسكت هذا هو السلطان، فقال: لأقتلنّه فقد قتل أخي بخِلاط ، ثم شد عليه بحربة ، قتلَّهُ في الحال في نصف شوال سنة ثمان وعشرين وست مئة . ١٩٩ - أبو محمد الروابطيّ * من كبار الزهّاد بالأندلس . أخذ عنه ابن مَسْدِيّ ، وقال : مات سنة سبع وعشرين وست مئة ، كان يسيح بثغور الأندلس ، يأوي في مساجد البِرّ ، له كرامات ، أُسر إلى طرطوشة وقيّدوه ، فقامَ النَّصرائيُّ ليلة فرآه يصلي، وقَيْده إلى جنبه ، فتعجّبَ ، فلما (١) لفظة عامية معناها : لأي شيء. (*) لم نعثر له على ترجمة في (( تاريخ الاسلام)). ٣٢٩ أصبح رآه في رجله ، فرقبه ثاني ليلة فكذلك ، فذهب فأخبرَ القُسَس ، فقالوا : أحضره ، فجاء به ، وجرت بينه وبينهم محاورة ، ثم قالوا : لا يحل أن نأسرك ، فاذهب ، ولطرطوشة نهر تُعمل فيه السّفن ، فلقيه أَسير فقال: بالله خذني فأخذ بيده وخاض إلى نصف الساق ، فتعجبت النصارى ، وشاعت القصة . ٢٠٠ - الأمجد * الملك الأمجد مجد الدين أبو المظفر بهرام شاه ابن نائب دمشق فَرّ وخشاه ابن الملك شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك بعد والده ، مَلَّكَهُ إياها عم أبيه السُّلطان صلاح الدين فدامت دولته خمسين سنة ، وكانَ جواداً كريماً شاعراً مُحْسِناً له نظم رائق وله (( ديوان)). قَهَرَهُ السُّلطان الملك الأشرف موسى ، وأخذَ منه بعلبك قبل موته بعام ، وَمَلَّكها لأخيه الصالح ، فتحول الأمجد المذكور إلى دمشق ، ونزل بداره داخل باب النصر . قتله مملوك له مليحٌ في شَوّال سنة ثمان وعشرين وست مئة ، فدُفِنَ عند والده بالمدرسة الفُرُّوخشاهيّة . وهو جد الملك الحافظ محمد بن شاهنشاه صاحب أراضي جِسرين ، وله ذُرّيّة بها ، وفَرَّ قاتلُهُ إلى السَّطح وخافَ فألقى نفسَهُ فهَلَكَ . (*) الأعلاق الخطيرة: ٤٩، ومرآة الزمان: ٨ / ٦٦٨ - ٦٦٨، ووفيات الأعيان: ٢ / ٤٥٣، ومفرج الكروب ( في مواضع عديدة)، وتاريخ الاسلام ، الورقة : ٧٠ ( أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ٥/ ١١٠، والوافي بالوفيات: ١٠ / ٣٠٤ - ٣٠٧، وفوات الوفيات: ١/ ٢٢٦، والبداية والنهاية: ١٣ / ١٣١، ومرآة الجنان: ٤ / ٦٥، والسلوك للمقريزي: ٢٣٧/١/١؛ والنجوم: ٦/ ٢٧٥، وشذرات الذهب: ٥/ ١٢٦ وغيرها. ٣٣٠ ٢٠١ - المسعود * صاحب اليمن الملك المسعود أقسيس ابن السلطان الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب . جَهَّزَهُ أبوه فافتتح اليمن في أول سنة اثنتي عشرة(١) ، وقبض على سُلَيمان الذي كان من بني عمهم ، وتزوج بابنة جوزا من بنات سيف الإِسلام وأحبّها ، وحارب إمام الزيدية مرات ، وتمكّن وعمل نيابة الأمير عُمر بن رسول الذي تَمَلَّكَ اليمن من بعده، وتملَّكَ مكة . وكان شهماً شجاعاً زعراً ظلوماً، وقمعَ الزَّيدية والخوارج . ولما سمع بموت عَمِّه المُعَظّم عزم على أخذ دمشق . وكانت أثقاله على ما نقل أبو المظفر(٢) في خمس مئة مركب ومعه ألف خادم ومئة قنطار عنبر وعود ، ومئة ألف ثوب ، ومئة صندوق مالاً ، فقدم مكة ، وقد أصابه فالج ، ولما احتضر قال : والله ما أرضى من مالي كفناً ، ثم بعث إلى فقير فقال : تصدّق عليّ بكفن ، ودفن بالمَعْلَى . قال : وبلغني أن أباه سُرّ بموته ، وكان يعسف التجار ويشرب الخمر بمكة ، ويرمي بالبندق عند البيت . قال ابن الأثير (٣): سار آتسز إلى مكة وهي لحسن بن قَتَادة العلويّ من (*) الكامل لابن الأثير : ١٢/ ٤١٣، ومرآة الزمان: ٨ / ٦٥٨، ووفيات الأعيان: ٥٪ ٨٢ (في ترجمة الملك الكامل)، وتاريخ الاسلام، الورقة: ٦٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والوافي بالوفيات: ٩ / ٣١٥، والبداية والنهاية: ١٢ / ١٢٤، والعقد الثمين للفاسي: ٤ / ١٦٨ - ١٦٩، وعقد الجمان للعيني (حوادث ٦١١، ٦١٥) والنجوم الزاهرة: ٦/ ٢٦٢، وشذرات الذهب : ٥ / ١٢٠ وغيرها . (١) يعني : وست مئة. (٢) مرآة الزمان ٨/ ٦٥٩ . (٣) الكامل: ١٢ / ٤١٣ في حوادث سنة ٦٢٠ ، باختصار شديد: وراجع العقد الثمين للفاسي في ترجمة حسن ففيه تفصيل مفيد : ٤ / ١٦٨ فما بعدها . ٣٣١ بعد أبيه ، فأَساءَ إلى أهلها ، فحاربه ببطن مَكّة ، فانهزمَ حسن ، ونهب آتسز مكة وتَعَثِّرُوا . مات في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وست مئة، وخَلَّف ولداً وهو الملك الصالح يوسف ، عاش إلى بعد الأربعين وست مئة . قال ابن خَلّكان(١): أَطْسِيس ، والعامة تقوله : أقسيس ، وهي كلمة مركبة تفسيرها ما له اسم ، ويقولون : من لا يعيش له ولد فسمى ولده أَطْسیس عاشَ . ٢٠٢ - ابن صِيْلا* الشَّيخُ أبو محمد عبد الرحمان بن عتيق بن عبد العزيز بن عليّ بن صِيْلا الحَرْبِيُّ المُؤَدِّبُ . رَوَى عن أبي الوَقْت ، وعبد الرحمن بن زيد الوَرّاق . وعنه السَّيف ابن المجد ، والتقي ابن الواسطيّ ، والشهاب الأَبْرْقُوهِيُّ ، وآخرون . ومن سماع ابن الواسطي منه كتاب ((ذَمّ الكلام)) . توفِّي في ربيع الأول سنة ست(٢) وعشرين وست مئة . (١) في ترجمة الملك العادل : ٥/ ٧٨ . (*) تكملة المنذري : ٣ / الترجمة ٢٢٨٥، وتاريخ الإِسلام للذهبي ، الورقة ٦٥ ( أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ٥/ ١٠٨ - ١٠٩، والنجوم الزاهرة: ٦/ ٢٧٥، وشذرات الذهب: ٥/ ١٢٤ . (٢) هكذا وقع في الأصل، وهو وهم مبين، والصحيح: ((سبع)) هكذا ذكره المنذري في ((التكملة)) وذكر أنه توفي ليلة السادس والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة سبع وعشرين وست ٣٣٢ ٢٠٣ - ابن سُكَيْنَة * الشَّيخُ العالِمُ الْمُسْنِدُ علاء الدين أبو الحسن عبد السلام بن عبد الرحمن ابن الأمين أبي منصور عليّ بن عليّ ابن سُكَيْنة البغداديُّ الصُّوفِيُّ. ولد في صفر(١) سنة ثمان وأربعين وخمس مئة . وسمع أبا الوَقْت السِّجْزِيّ، ومحموداً فورجة ، وأبا المُظَفَّر محمد ابن التُّرَيكيّ، ويحيى ابن تاج القراء ، والوزير الفَلَكِيّ. وسَمِعَ حضُوراً من نصر ابن نصر العُكْبَرِيّ ، وسعيد ابن البنّاء . روى عنه ابن الدُّبيثيّ، وابنُ النجّار ، وابنُ الحاجب ، وأبو المظفر ابن النّابلسِيّ ، والمجد عبد العزيز ابن الخَلِيليّ ، وأبو إسحاق ابن الواسطيّ ، وابن الزَّين ، وآخرون . وثَّقَّهُ ابنُ النجار. نَسَخَ الكثير ، وكان إنساناً متواضعاً ، روى(٢) لنا عنه بالإِجازة فاطمة بنت سُلَيمان . توفِّي سنة سبع وعشرين وست مئة (٣) . مئة، وكذا ذكره المؤلف في كتبه الأخرى، ولم يذكر غيره، ومنها ((تاريخ الاسلام)) و((العبر)» ومن تابع الذهبي في وفاته فذكره صاحب ((النجوم الزاهرة)) و((الشذرات)) في سنة سبع أيضاً . (*) تاريخ ابن الدبيئي ، الورقة ١٤٣ ( باريس ٥٩٢٢)، وتكملة المنذري : ٣ / الترجمة ٢٢٧٨، وتلخيص ابن الفوطي: ٤ / الترجمة ١٥٢١ ولقبه علاء الدين ، وتاريخ الاسلام للذهبي ، الورقة ٦٥ ( أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ٥ / ١٠٩، والمختصر المحتاج اليه ، الورقة ٧٧، والنجوم الزاهرة: ٦/ ٢٧٥، وشذرات الذهب: ١٢٤/٥ - ١٢٥. (١) في الثالث عشر منه كما ذكر المنذري في ((التكملة)). (٢) لو قال: ((روت)) لكان أحسن . (٣) في ليلة الحادي والعشرين من صفر، منها، كما ذكر المنذري في ((التكملة)). ٣٣٣ ٢٠٤ - ابن برَّجان ﴾ العَلّمة لغوي العصر أبو الحكم عبد السَّلام بن عبد الرحمن ابن شيخ الصوفية أبي الحكم عبد السَّلام بن عبد الرحمن بن أبي الرَّجّال محمد بن عبد الرحمن اللَّخْمِيُّ الإِفريقيُّ ثم الإِشبيليُّ المقرىء، ويقال له : ابن بَرَّجان، وذلك مُخَفَّف من أبي الرَّجّال . أخذ القراءات عن جماعة ، والعربية عن أبي إسحاق بن مُلْكون . قال الأبار(١): كان من أحفظ أهل زمانه للغة مُسَلَّماً ذلك له، ثقةً صدوقاً . له رَدّ على ابن سيده، وكان صالحاً مُقْبِلاً على شأنه . مات سنة سبع وعشرين وست مئة ، رحمه الله . ٢٠٥ - صاحب إرْبل ** السُّلطان الدَّيِّن الملك المُعَظّم مُظَفَّرِ الدِّين أبو سعيد كُوكُبُري بن عليّ ابن بكتكين بن محمد التُّركماني صاحب إرْبِل وابن صاحبها ومُمصّرها الملك زين الدين عليّ كوجك، وكوجك هو اللطيف القدّ، كان كوجك شهماً شجاعاً مهيباً، تملّك بلاداً كثيرة، ثم وهبها لأولاد صاحب (*) تاريخ الاسلام، الورقة: ٦٥ - ٦٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ١٠٩/٥، وغاية النهاية لابن الجزري: ١ / ٣٨٥، وبغية الوعاة: ٢/ ٩٥، وشذرات الذهب: ١٢٤/٥. (١) سقطت هذه الترجمة من نسخة الأزهر من المجلد الثالث من تكملة ابن الآبار (٣/ الورقة ٣٦) . ( ** ) مرآة الزمان: ٨/ ٦٨٠ - ٦٨٣، وتكملة المنذري: ٣/الترجمة ٢٤٩٨، ووفيات الأعيان: ٤ / ١١٣ - ١٢١، وتاريخ الإسلام للذهبي، الورقة ٩٧ - ٩٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ٥/ ١٢١ - ١٢٢، ودول الاسلام: ١٠٢/٢، ونثر الجمان للفيومي، ٢ / الورقة ٣٢، والبداية والنهاية : ١٣ / ١٣٧، ونزهة الأنام لابن دقماق ، الورقة ٥ ، والعقد الثمين للفاسي ، ٤/ الورقة ٢١ - ٢٢، والنجوم الزاهرة: ٦/ ٢٨٢، وشذرات الذهب: ٥ / ١٣٨ - ١٤٠. ٣٣٤ المَوْصِل، وكان يوصف بقوة مفرطة، وطال عمره، وحج هو والأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي ، وتوفّي في سنة ثلاث وستين وخمس مئة ، وله أوقاف وبرّ ومدرسة بالمَوْصل . فلما مات تملك إرْبِل ابنه هذا وهو مراهق ، وصار أتابكه مُجاهد الدين قيماز ، فعمل عليه قيماز وكتب مَحْضراً بأنه لا يصلح للمُلْك وقبضَ عليه ومَلَّكَ أخاه زين الدين يوسُف ، فتوجه مظفر الدين إلى بغدادَ فما التفتوا عليه ، فَقَدِمَ المَوْصِل على صاحبها سيف الدين غازي بن مودود ، فأقطعه حَرّان ، فبقي بها مُدَيْدَة ، ثم اتصل بخدمة السُّلطان صلاح الدين ، وغزا معه ، وتمكَّن منه ، وأحبه ، وزادَهُ الرُّها ، وزوجه بأخته ربيعة واقفة الصاحبية . وأبان مظفر الدين عن شجاعة يوم حِطّين ، وبَيِّن ، فوفد أخُوه صاحب إرْبل على صلاح الدين نجدة فَتَمَرَّضَ ومات على عَكّا فأعطى السُّلطان مظفرَ الدِّين إرْبِل وشَهْرزور ، واسترد منه حَرّان والرُّها . وكان مُحِباً للصَّدقة ، له كل يوم قناطير خبز يفرقها ، ويكسو في العام خلقاً ويعطيهم ديناراً ودينارين ، وبنى أربع خوانك للزَّمْنَى والأضراء ، وکان یأتیهم كل اثنين وخميس ويسأل كل واحد عن حاله ويتفقده ويباسطه ويمزح معه . وبنَى داراً للنساء ، وداراً للأيتام ، وداراً للّقطاء ، ورتَّبَ بها المراضع . وكان يدور على مَرْضَى البيمارستان . وله دار مضيف ينزلها كل وارد ، ويُعْطَى كل ما ينبغي له . وبَنَى مدرسةً للشَّافعية والحنفية وكان يمدّ بها السماط ، ويحضر السماع كثيراً ، لم يكن له لذة في شيء غيره . وكانَ يَمْنَع من دخول مُنْكر بلدَهُ ، وبنَى للصُّوفية رباطين ، وكان ينزل إليهم لأجل السَّماعات . وكان في السَّنة يَفْتِكُ أَسرى بجُملة ويُخْرِجُ سَبِيلًا للحج، ويبعث للمجاورين بخمسة آلاف دينار ، وأجرى الماء إلى عرفات . ٣٣٥ وأمّا احتفاله بالمَوْلِد(١) فيقصر التعبير عنه ؛ كان الخلق يقصدونه من العراق والجزيرة وتُنْصَب قِباب خَشَب له ولأمرائه وتُزَيَّن ، وفيها جوق المغاني واللّعب ، وينزل كل يوم العصر فيقف على كل قبة ويتفرج ، ويعمل ذلك أياماً، ويُخْرِجُ من البَقَر والإِبل والغَنَم شيئاً كثيراً فَتُنْحَر وتُطْبَخ الألوان ، ويَعْمَل عِدّة خِلَع للصُّوفية ، ويتكلم الوُعّاظ في الميدان ، فينفق أموالاً جزيلة. وقد جَمَعَ له ابن دحية (( كتاب المولد)) فأعطاه ألف دينار . وكان مُتواضعاً ، خيّراً، سُنّاً، يحب الفقهاء والمحدثين ، وربما أعطى الشُّعراء ، وما نُقِلَ أنّه انهزم في حرب، وقد ذكر هذا وأمثاله ابنُ خَلِّكان واعتذَرَ من النَّقصير . مولده في المُحرم (٢) سنة تسع وأربعين وخمس مئة بإرْبِل . قال ابن السَّاعي: طالت عليه مُداراة أَولاد العادل ، فَأَخَذ مفاتيح ازْبِل وقلاعها وسَلَّم ذلك إلى المستنصر في أول سنة ثمان وعشرين ، قال : فاحتفلوا له ، واجتمع بالخليفة وأكرمه ، وقلَّدُهُ سيفين ورايات وخِلَعاً وستين ألف دينار . وقال سِبط الجوزي (٣): كانَ مُظفّر الدِّين ينفق في السنة على المولد ثلاث مئة ألف دينار ، وعلى الخانقاه مئتي ألف دينار ، وعلى دار المضيف [مئة](٤) ألف. وَعَدَّ من هذا الخسف اشياء . (١) يعني المولد النبوي الشريف . (٢) ليلة السابع والعشرين منه، كما ذكر المنذري في ((التكملة)). (٣) مرآة الزمان: ٦٨٣/٨. (٤) الإِضافة من المرآة . ٣٣٦ وقال : قال من حضر المولد مرة : عددت على سماطه مئة فرس(١) قشلميش ، وخمسة آلاف رأس شوي ، وعشرة آلاف دجاجة ، ومئة ألف زُبدية ، وثلاثين ألف صحن حلواء . قلت : ما أعتقد وقوع هذا ، فعُشر ذلك كثير جداً (٢). وقد حدث عن حنبل المُكَبِّر . قال ابن خَلِّكان(٣): مات ليلة الجمعة رابع عشر رمضان سنة ثلاثين وست مئة، وعُمِلَ في تابوت، وحُمِلَ مع الحجاج إلى مكة (٤) ، فاتفق أن الوفد رجعوا تلك السنة (٥) لعدم الماء ، فدفن بالكوفة رحمه الله تعالى ، وعاش اثنتين وثمانين سنة (٦). وعاش أبوه فوق المئة، وعمي وأصمّ، وكان من كبار الدولة الأتابكية، ما انهزم قط . ومدَحَّهُ الخَيْص بَيْص ، فقال : ما أعرف ما تقول ، ولكني أدري أنك تريد شيئاً ! وأمر له بِخلْعة وفَرَس وخمس مئة دينار . ٢٠٦ - صاحب الغرب * السُّلطان أبو عبد الله الملك الناصر محمد ابن السُّلطان يعقوب ابن (١) في المطبوع من المرآة: ((قرش))، مصحف . (٢) وقال في تاريخ الإِسلام: ((والعهدة عليه فإنه خَسّاف مجازف لا يتورع في مقاله))! (٣) وفيات الأعيان: ١٢٠/٤. (٤) وكان قد أعد له بها قبة تحت الجبل يدفن فيها . (٥) وهي سنة إحدى وثلاثين . (٦) لم يذكر ابن خلكان عمره، لكن ذكر أنه ولد سنة ٥٤٩ . (*) أخباره مفصلة في كتاب ((المعجب)) لعبد الواحد المراكشي ، وانظر تاريخ الاسلام := ٣٣٧ السُّلطان يوسُف بن عبد المؤمن بن علي القَيْسِيّ، وأمّه روميّة اسمها زهر . تَمَلَّكَ البلاد بعَهْدٍ من أبيه مُتَقَدِّم . وكان أشقر أشهل ، أسيل الخد ، مليح الشكل ، كثير الصَّمْت والإِطراق ، شُجاعاً مهيباً ، بعيد الغَور ، حليماً ، عفيفاً عن الدماء ، وفي لسانه لثغة ، وكان يُبخّل، وله عدة أولاد . استوزر أبا زيد بن يُوجَّان ، ثم عزله واستوزر الأمير إبراهيم أخاه ، وكتب سرّه ابن عيّاش، وابن يَخْلَفتن الفازازي، وولي قضاءهُ غير واحد . حاربه ابن غانية ، واستولى على فاس . وخَرَجَ عليه بالسُّوس الأقصى يحيى بن الجزّارة، واستفحل أمره، وهَزَم الموحّدين مرات، وكاد أن يملك المغرب ، ثم قتل . ويُلقب بأبي قصبة . وفي سنة إحدى وست مئة سار السُّلطان وحاصر المهديّة أشهُراً ، وأخذها بالأمان من نوّاب ابن غانية ، وانحازَ إلى السُّلطان أخو ابن غانية سِيْر فاحترمه . قال عبد الواحد بن عليّ في تاريخه(١) : بلغني أن جملة ما أنفقه أبو عبد الله في هذه السَّفرة مئة وعشرون حِمْلاً من الذَّهب ، وردّ إلى مراكش سنة أربع وست مئة ، وفرغت هدنة الفرنج ، فعبر السلطان بجيوشه إلى إشبيلية(٢). ثم(٣) تَخَرَّك في سنة ثمان وست مئة لجهاد العدو ، فنازل حصناً لهم = ٤٠٩/١/١٨ - ٤١٢ من المطبوع، وهي ترجمة جيّدة، والعبر: ٣٦/٥ -٣٨، ودول الإِسلام: ٢/ ٨٥، والأنيس المطرب: ١٦٤، والاستقصا: ١ /١٨٩ - ١٩٤، وتاريخ ابن خلدون: ٦/ ٢٤٦، والحلل الموشية: ١٢٢ وغيرها . (١) المعجب : ٣٩٨. كما نقل الفقرة التي قبلها عنه أيضاً ٣٩٧. (٢) اختصر الذهبي ذلك اختصاراً شديداً ، وكان عبوره سنة ٦٠٧ . (٣) المعجب : ٣٩٩ . ٣٣٨ فأخذه(١)، فسار الفُنش(٢) في أقاصي الممالك يستنفر عُبّاد الصَّليب، فاجتمعت له جيوش ما سُمع بمثلها ، ونجدته فرنج الشام ، وعساكر قسطنطينية ، وملك أرغُن(٣) البَرْشلوني، واستنفر السُّلطان أيضاً النّاس، والتقى الجَمْعان ، وتعرف بوقعة العِقاب ، فتحمَّل الفنش حملة شديدة ، فهزم المسلمين ، واستشهد خلق كثير . وكان أكبر أسباب الكسرة غَضَب الجُند من تأخر عطائهم ، وثبت السُّلطان ثباتاً كُلِّياً لولاه لاستؤصل جيشه ، وكانت الملحمة في صفر سنة تسع وست مئة ، ورجع العدو بغنائم لا توصف ، وأخذوا بيّاسة عنوة فإنا لله وإنّا إليه راجعون . مرض السلطان أياماً بالسكتة ، ومات في شعبان سنة عشر وست مئة ، وكانت أيامه خمسة عشر عاماً ، وقام بعده ابنه المستنصر يوسف عشرة أعوام ، ويقال : تَنَكّر محمد ليلاً فوقع به العَسَسُ فانتظموه برماحهم ، وهو يصيح : أنا الخليفة ، أنا الخليفة . ٢٠٧ - ابنه * السُّلطانِ المُسْتَنْصر بالله (٤) أبو يعقوب يوسف بن محمد بن يعقوب المؤمنيّ . (١) اسم هذا الحصن : شَلْبَتِرَّة . (٢) ويقال فيه: ((الأدفنش)) ايضاً، وهو ألفونس الثالث ملك قشتالة . (٣) وترسم أيضاً ((أرغون)). (*) أخباره في المعجب لعبد الواحد : ٤٠٤ فما بعد ، وتاريخ الاسلام ، الورقة : ٢١٥ ( أيا صوفيا ٣٠١١)، والعبر: ٨١/٥، وجذوة الاقتباس: ٣٤٤، والأنيس المطرب : ١٧٢ ، ومرآة الجنان : ٤ /٤٧ وغيرها . (٤) وقع لقبه في الحلل الموشية (١٢٢)، وتاريخ ابن خلدون (٦ /٢٥٠)، والاستقصا (١٩٤/١): ((المنتصر بالله)). ٣٣٩ تَمَلَّكَ المغرب سنة عشر ، وكان بديع الحُسن ، بليغ المنطق غارقاً في وادي اللهو والبطالة . وُلِدَ سنة أربع وتسعين ، فملّكوه وله ست عشرة سنة فضيَّعوا أمر الأمة، وأمّه أم وَلَد، اسمها قَمَر الرُّومية، وكان يُشَبَّه بجدّه. قام ببيعته عيسى بن عبد المؤمن ، فهو عم جده ، وآخر من تبقى من أولاد السُّلطان عبد المؤمن ، وقد حيّ إلى حدود العشرين ، فقامَ يوم البيعة كاتب سره أبو عبد الله بن عَيّاش ، وبقي يقول للأعيان(١): تبايعون أمير المؤمنين ابن أمير (٢) المؤمنين على ما بايع عليه الصحابة(٣) رسولَ الله وَلّر من السمع والطاعة في اليُسر والعسر(٤). وخرجَ عليه عبد الرحمن ولد العاضد بالله العُبيديّ المِصْرِيّ الذي هَرَبَ من بني أيوب إلى المغرب ، فقامت معه صِنْهاجة ، وعَظُم البلاء به ، وكثرت جموعه ، وكان ذا سَمْت وصَمْت وتَعَبُّد ، فقصَد سِجِلْماسة ، فالتقاه متوليها حفيد عبد المؤمن ، فانتصر ابنُ العاضد ، ولم یزل یتنقّل وتكثر جموعه ، ولا يتمّ له أمر الغُربة بلده ، وعدم عشيرته ، ولَأَنَّ لسانه غير لسان البَرْبَر ، ثم أمسكه متولي فاس وصَلَبَهُ(٥) . مات المستنصر في شوال سنة عشرين وست مئة ولم يخلف ولداً ، فَمَلَّكت الموحدون بعده عم أبيه عبد الواحد . (١) الذي روى ذلك هو عبد الواحد المراكشي، وكان حاضراً ( المعجب : ٤٠٧ ). (٢) في الأصل والمعجب : أمراء . (٣) في المعجب: ((أصحاب رسول الله والتر . (٤) في المعجب: ((في المنشط والمكره واليُسر والعُسر ... )) ولنص البيعة تتمة في ((المعجب)) . (٥) انظر المعجب : ٤٠٨ - ٤٠٩. ٣٤٠