النص المفهرس

صفحات 101-120

خدمَ مُدّةً، وروى عن السِّلَفِي ، وله لُغزٌ : ما شيءٌ قَلْبه حَجَر ، ووجهه
قَمَر ، إن نُبِذَ اعتزل البِشَر ، وان أَجَعتَهُ رضي بالنَّوى، وانطوى على الخَوَى ،
وإن اشبعته قَبَّلَ القَدَم وصحبَ الخَدَم ، وان غَلَّفْتَهُ ضاَعَ، وإن أدخلته السّوق
أَبَى أن يُباع(١)، وإن شَدَّدت ثانيه وحذفت رابعه كدرَ الحياة وخَفَّفَ الصلاة
وأحدث وقت العَصر الضَّجَر ووقت الفجر الخَدَر ، وإن فصلتَهُ دعالك
وبقَّى ، ما إن ركبته هالكَ وربما كَثَّر مالك وأحسن بعون المساكين مآَلَكَ .
قوله : قلبه حجر أي جلمد ، والمساكين أهل السفينة في البحر(٢).
توفّي في شعبان سنة ست عشرة وست مئة وله خمس وسبعون سنة .
٧٤ - اليُونيني *
الزَّاهد العابد أَسَدُ الشام الشيخ عبد الله بن عثمان بن جعفر
اليونينيُّ .
كان شيخاً طويلاً مهيباً شجاعاً حادّ الحال ، كان يقوم نصف الليل إلى
الفقراء ، فمن رآه نائماً وله عصا اسمها العافية ضربَهُ بها ، ويحمل القوس
والسلاح ، ويلبس قُبعاً من جِلْدٍ ماعز بصوفه ، وكان أَمّاراً بالمعروف لايهاب
(١) بعد هذا في وفيات ابن خلكان: ((وإن أظهرته جمل المتاع وأحسن الامتناع)).
(٢) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أما السّفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ (الكهف:
٧٩). وحل اللغز: أنه الدملج الذي تلبسه النساء، إذ إنك حينما تقلب ((دملج)) تصير
((جلمد)). وانظر شرح ما ورد في هذا اللغز كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان .
(*) مرآة الزمان: ٦١٢/٨ - ٦١٧، وذيل الروضتين: ١٢٥ - ١٢٨، وتاريخ الإِسلام،
الورقة: ١٦٤ - ١٦٨ ( أيا صوفيا ٣٠١١ بخطه)، والعبر: ٦٧/٥ - ٦٨، وعقد الجمان
للعيني : ١٧ / الورقة: ٤٠٨ - ٤٠٩، وشذرات الذهب: ٧٣/٥ - ٧٥، قال الذهبي في تاريخ
الإِسلام: ((وقد جمع مناقبه خطيب زملكا أبو محمد عبد الله ابن العز عمر المقدسي)).
١٠١

الملوك ، حاضرَ القلب ، دائمَ الذِّكر ، بعيدَ الصِّيت . كان من حداثته يخرج
وينطرح في شَعْراء(١) يُونين فيردُّه السَّفّارة إلى أمّه ، ثم تَعَبَّدَ بجبل لبنان ،
وکان یغزو كثيراً
قال الشيخ عليُّ القصَّار : كنت أهابه كأنه أَسَد ، فإذا دنوت منه وددتُ
أن أشق قلبي وأجعله فيه .
قيل : إنَّ العادل أتی والشیخُ یتوضأ ، فجعل تحت سجادته دنانير ،
فردها وقال : يا أبو (٢) بكر كيف أدعو لك والخُمور دائرة في دمشق ، وتبيعُ
المرأة وقية يؤخذ منها قرطيس ؟ فَأَبْطَلَ ذَلِكَ .
وقيل : جلسَ بين يديه المُعَظِّم وطلب الدُّعاء منه ، فقال : يا عيسى لا
تكن نحس (٣) مثل أبيك أظهر الزَّغل (٤) وأفسدَ على الناس المعاملة .
حكى الشيخ عبد الصمد قال : والله مذ خدمت الشيخ عبد الله ، ما
رأيته استند ولا سَعَلَ ولا بَصَق .
قد طوَّلت هذه الترجمة في ((التاريخ الكبير)) وفيها كرامات له
ورياضات وإشارات ، وكان لا يقوم لأحد تعظيماً لله ولا يَدَّخر شيئاً ؛ له ثوب
خام ، ويلبس في الشتاء فروة ، وقد يؤثر بها في البرد ، وكان ربما جاع ويأكل
من ورق الشجر .
(١) الشعراء بوزن الصحراء : الشجر الكثير .
(٢) هكذا في الأصل وفي تاريخ الإسلام بخط الذهبي ، فهي على الحكاية .
(٣) هكذا في الأصل وفي تاريخ الإسلام بخط الذهبي، وصوابها ((نحساً)) لكن أبقيناها
لأنها من كلام الشيخ .
(٤) العملة المغشوشة .
١٠٢

قال سِبط الجوزيّ(١) : كان الشيخ شجاعاً ما يُبالي بالرجال قُلُّوا أو
كثروا ، وكان قوسُه ثمانين رطلاً ، وما فاتته غزاة . وقيل : كان يقول للشيخ
الفقيه تلميذه: فيَّ وفيكَ نزلت ﴿ إنّ كثيراً من الأحبار والرُّهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾(٢) [التوبة: ٣٤].
توفِّي في ذي الحجة سنة سبع عشرة وست مئة ، وهو صائم ، وقد جاوز
ثمانين سنة رحمه الله تعالى .
ولأصحابه فيه غُلو زائد ، وقد جعل الله لكل شيء قدراً ، والشيخ أبو
عمر(٣) أجلُّ الرجلين .
٧٥ - الغَزْنَوِيّ *
الواعظ أبو الفتح أحمد بن عليّ بن الحُسين الغَزْنَوِيُّ ثم البَغُداديُّ .
ولد سنة ٥٣٢ (٤).
وَسَمَّعَهُ أبوه من أبي الحسن بن صِرْما، والأرْمَوِيِّ، وأبي الفتح
الكَرُوخِيِّ وأبي سعد ابن البَغْداديّ .
(١) مرآة الزمان : ٦١٥/٨ - ٦١٦.
(٢) وتمام الحكاية أنه كان يقول لتلميذه : أنا من الرهبان وأنت من الأحبار .
(٣) المقدسي المتوفى سنة ٦٠٧ .
(*) التقييد لابن نقطة، الورقة: ١١، وتاريخ ابن الدبيئي، الورقة: ٢٠٨ - ٢٠٩
( باريس ٥٩٢١)، والتكملة للمنذري: ٢/ الترجمة: ١٨٣٨، وتاريخ الإسلام ، الورقة:
٢١٣ (باريس ١٥٨٢)، والمختصر المحتاج: ٢٠٠/١ -٢٠١، وميزان الاعتدال: ١٢٢/١ -
١٢٣، ولسان الميزان: ٢٣٢/١.
(٤) في التاسع في ذي القعدة سنة ٥٣٢ كما ذكر ابن الدبيثي والمنذري .
١٠٣

قال ابنُ الدُّبيثيّ (١): لم يحب الرِّواية لميله إلى غير ذلك وشنآنه (٢)،
ولم يكن محمود الطريقة .
وقال ابنُ النجار : كان فاسدَ العَقِيدة يَعِظ وينالُ من الصَّحابة ، شاخَ
وافتقرَ وهجرَهُ النّاسُ ، وكان ضجوراً عَسِراً مُبغِضاً لأهل الحديث ، انفرد
برواية ((جامع التُّرمذي)) و((يمعرِفة الصحابة)) لابن مَنْدَة، وكان يُسَمِّع
بالأجرة .
قلتُ : روى عنه ليث(٣) ابن نُقطة، ومحمد بن الهني ، ومحمد بن
مسعود العَجَمِيُّ المَوْصِلِيُّ، والشيخُ عبد الصمد بن أبي الجَيش.
وقال ابن نُقطة (٤) : هو مشهورٌ بين العَوام برذائل ونقائِص من شرب
ورَفض ، ثم سُئل وأنا أسمع عَمَّن يقول : القرآن مخلوق ، فقال : كافر ،
وعمن يسبُّ الصحابة ، فقال : كافر ، وعمن يستحل شربَ الخمر - وقيل :
إنهم يعنونك بذلك - ، فقال : أنا بريء من ذلك ، وكتب خطه بالبراءة .
قلت : لعله تاب وارعوَى .
وممن سمع منه كثيراً الشيخُ جمال الدين يحيى ابن الصَّيْرفي توفّي في
رمضان سنة ثماني عشرة وست مئة .
٧٦ - الطَّوسيّ *
الشيخُ الإِمامِ المُقرىء المُعَمَّر مُسند خُراسان رضي الدين أبو الحسن
(١) تاريخه، الورقة : ٢٠٩ (باريس ٩٩٢١ ).
(٢) أي بغضه، وفي تاريخ الإِسلام وتاريخ ابن الدبيثي: (( وشنئه له)).
(٣) ليث هذا هو ابن الحافظ أبي بكر ابن نقطة .
(٤) التقييد ، الورقة : ١١.
(*) التكملة للمنذري : ٣/ الترجمة: ١٧٦٥، وفيات الأعيان: ٣٤٥/٥ - ٣٤٦، =
١٠٤

المؤيد بن محمد بن عليّ بن حسن بن محمد بن أبي صالح الطَّوسِيّ ثم
النَّيْسابوريّ .
ولد سنة أربع وعشرين وخمس مئة .
وسمع ((صحيح مسلم)) في سنة ثلاثين من الفُرَاويّ(١). وسمع
((صحيح البخاريّ)) من وجيه(٢)، وأبي المعالي الفارسيّ ، وعبد الوهاب بن
شاه، و((الموطأ))(٣) من هبة الله السَّيِّديّ(٤) سوى الفَوَت العَتِيق، وسمع
((تفسير الثَّعْلَبِيّ))(٥) من عَبّاسة (٦) العَصَّارِيّ، وأكْثر ((الوسيط)) للواحِدِيّ من
عبد الجبار الخُواريّ، و((الغاية)) لابن مهران من زاهر بن طاهر ،
و((الأربعين)) للحسن بن سفيان من فاطمة بنت زَعْبل، و((جُزء ابن
نُجَيد ))، وأشياء تَفَرَّد بها، ورُحِلَ إليه من الأقطار. وكان ثِقةً، خَيِّراً، مُقرئاً
جليلاً .
حدّث عنه العَلّمةُ جمالُ الدِّين محمود ابن الحَصِيريّ ، وابن
الصَّلاح ، والقاضي الخُوئي ، وابن نُقطة ، والبِرْزاليّ ، وابن النجار ،
= والمختصر لأبي الفدا : ١٥٣/٣، وتاريخ الإسلام، الورقة: ٢٤٢ - ٢٤٣ (باريس ١٥٨٢ )،
والعبر: ٧١/٥، ودول الإِسلام: ٩١/٢، وغاية النهاية: ٣٢٥/٢، وعقد الجمان للعيني:
١٧ / الورقة: ٤٠٣ - ٤٠٨، والنجوم الزاهرة: ٢٥١/٦، وتاريخ ابن الفرات: ١٠ / الورقة :
٢٥، وشذرات الذهب: ٧٨/٥ والتاج المكلل : ١٣٤ - ١٣٥.
(١) أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي.
(٢) ابن طاهر بن محمد الشحامي .
(٣) برواية أبي مصعب .
(٤) تصحف في وفيات الأعيان إلى ((السندي)) ووضع المحقق الصحيح في الهامش !
(٥) تصحف في ((التكملة)) المنذرية إلى ((العلي)) أظنه من الطبع وهو ظاهر بيّن،
فليصحح .
(٦) هذا لقبه واسمه محمد بن محمد الطوسي .
١٠٥

والضياء ، والمُرسِي، والصَّرِيفينيّ، والمَجد الإِسفرايينيُّ ، وعلي بن
يوسف الصُّوري، وشمس الدِّين زكي البَيْلَقانيُّ، ومُفَضَّل القُرَشِيّ ، وأحمد
ابن ◌ُعُمر الباذَبِينِيُّ ، والكمال بن طلحة ، وخَلْقٌ .
وبالإِجازة تاج الدين العَصْرويّ(١)، وابن عساكر، وعبد الواسع
الأَبهريّ ، وزينب الكِندية .
توفِّي في العشرين من شوال سنة سبع عشرة وست مئة .
وقد أجاز له من بغداد قاضي المارستان ، وأبو منصور القَزّاز .
وفيها مات الزَّاهد الشيخ عبد الله اليُونيني ، وعبد الرَّحمان بن أحمد بن
هَدِيَّة الوَرّاق، والمحدِّث عبد العزيز بن هِلالة ، وعبد العظيم بن عبد اللطيف
الشَّرابي، وأمير مكة قَتَادة بن إدريس الحَسَنِيّ، وخُوارزم شاه علاء الدين
محمد بن تِكِش ، وصاحب حَماة المنصور بن محمد بن تِقِيِّ الدِّين عُمر ،
ووزير العراق النَّصير بن مهدي العَجَميُّ ، والأمير عماد الدين ابن
المَشْطُوب .
حَكَى (٢) الأشرف أحمد ابن القاضي الفاضل : حدثني المُحب عبد
العزيز بن هِلالة ، قال : رأيت كأن المؤيَّد الطوسي قد مات ودفنَّه ، فلما
انصرف الناس وشق القبر وخرج منه النار وهو ينادي: يا مُحبّ ما تبصر ما أنا
فيه ؟ قلت : ولِمَ يُفْعَلُ بك هذا؟ قال: لأخذ الذَّهَب على حديث رسول الله
(١) هو تاج الدين ابن أبي عصرون ، وهذه النّسبة من ابتداع الذهبي رحمه الله ، ومثلها
قوله : كمال الدين (( العديميّ)) لابن العديم .
(٢) لا أستبعد أن يكون المؤلف قد أضاف هذه الفقرة بأخرة فألحقها الناسخ في هذا
الموضع ، وكان من الأحسن أن يضعها قبل ذكر من توفي سنة وفاة المترجم ، وهي مما لم يرد في
((تاريخ الإِسلام)».
١٠٦

وَّ. ثم حَدَّث المُحب بمنام رآه لابن طَبَرْزَذ هو في تاريخ ابن العَدِيم.
٧٧ - السَّمعانيّ *
الشَّيخُ الإِمام العَلامة المفتي المحدث فخرُ الدِّين أبو المظفر عبد
الرحيم ابن الحافظ الكبير أبي سَعْد عبد الكريم بن محمد بن منصور ابن
السَّمعانيّ المَرْوَزِيُّ الشافعيُّ .
ولد سنة سبع وثلاثين وخمس مئة في ذي القعدة ، واعتنى به أبوه اعتناء
كلّاً ، ورحل به ، وأسمعه ما لا يوصف كثرة .
وسمع بعلوّ ((صحيح البخاري)) و((سنن أبي داود)) و ((جامع أبي
عيسى)) و((سنن النَّسائي)) و(( مُسند أبي عَوَانة)) و((تاريخ الفَسَوي)) وسمع
((الحِلية)) و((مُسند الهيثم)) و((صحيح مسلم)) وكثيراً من ((مُسند
السرّاج )) .
وخَرَّج أبوه له عوالي في سِفرين ، وأشغله بالفقه والحديث والأدب ،
وحَصَّلَ من كل فن ، وانتهت إليه رياسة الشافعية ببلده . وكان مُعَظّماً
مُحترماً ، قاله ابن النجار .
قال: وعمل له أبوه ((مُعجماً)) في ثمانية عشر جزءاً .
قلت : أعلى شيخ له أبو تَمّام أحمد بن محمد بن المختار العَبّاسيّ
التاجر حدثه (( بصفة المنافق)) بنّيْسابور عن أبي جعفر ابن المُسْلِمَة .
(*) التقييد لابن نقطة ، الورقة: ١٤٨، وتلخيص مجمع الآداب : ٤/ الترجمة :
٢١٦٨، وتاريخ الإِسلام: الورقة: ٢٣٥ (باريس ١٥٨٢)، والمختصر المحتاج إليه :
٢٨/٣ - ٢٩، والعبر: ٦٨/٥ - ٦٩، وميزان الاعتدال: ٦٠٦/٢، ولسان الميزان: ٦/٤،
وشذرات الذهب : ٧٥/٥ ، وغيرها .
١٠٧

وسمع من الرئيس أسعد بن علي المهرَوي ، ووجيه الشَّحَاميّ ،
والحُسين بن علي الشَّحّاميّ ، وأبي الفتوح عبد الله بن علي الخَركوشيّ ،
والجُنَيد القايني ، وأبي الوقت السِّجزيّ ، وأبي الأسعد ابن القُشَيريّ ،
وجامع السَّقّاء ، ومحمد بن إسماعيل بن أبي صالح المؤذن ، ومحمد بن
منصور الحُرْضي ، وأبي طاهر محمد بن أبي بكر السِّنجي(١) ، وأبي الفتح
محمد بن عبد الرحمن الكُشمهينيّ ، ومحمد بن الحسن بن تميم الطائي ،
ومحمد بن عبد الله بن أبي سعد الشّيرازيّ ، ومحمد بن إسماعيل الشَّاماتي ،
ومحمد بن عبد الواحد المغازلي ، ومحمد بن جامع خَيّاط الصوف ،
والحسن بن محمد السَّنْجَبَسْتِيّ (٢)، وسعيد بن علي الشّجاعي، وأبي
البركات عبد الله بن الفُرَاوي ، وعبد السلام الهَرَويّ بكبرة ، وأبي منصور عبد
الخالق بن الشَّحّاميّ ، وعُمر بن أحمد الصفار، وعثمان بن عليّ البَيْكنديّ ،
وخلقٍ ببخارَى ، وسمرقند ، وهَراة ، ونَيْسابور، ومَرو ، وأماكن عدة .
وحج في سنة ست وسبعين ، فحدَّث ببغدادَ ورجع .
روى الكثير ، ورحل الطلبة إليه .
سمع منه الحافظُ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي ومات قبله بدهر ،
والبِرْزاليُّ، وابنُ الصَّلاح، والضياءُ ، وابنُ النجار ، وابن هِلالة ، والشرف
المُرْسِيّ ، وأحمد بن عبد المُحسن الغَرّافيّ ، وجماعةٌ .
(١) بالنون والجيم نسبة إلى سنج : قرية كبيرة من قرى مرو، وهو مترجم في الجزء
العشرين برقم (١٩٢).
(٢) نسبة إلى سنج بست ، بين نيسابور وسرخس .
١٠٨

وبالإِجازة تاج الدين ابن عَصرون ، والشرف ابن عساكر ، وزينب
الكِنْدِيّة .
وكان صَدراً مُعَظّماً مُكمّلاً، بصيراً بالمَذْهَب ، له أَنسَةٌ بالحديث .
قال ابنُ الصلاح : قرأتُ عليه في (( أربعين )) ابن الفُرَاوي في حديث
كأنه سمعه من البخاري ، فقال : ليس لك بعالٍ ولكنه للبخاري نازل .
وقال ابن النجار : سماعاته بخطوط المعروفين صحيحة ، فأما ما كان
بخطه ، فلا يعتمد عليه ، كان يلحق اسمه في الطباق(١).
قلت: عُدم في دخول التتار في آخر سنة سبع عشرة أو في أول سنة ثماني
عشرة(٢) ، وكان أخوه الصَّدر أبو زيد محمد رسولاً من جهة خوارزم شاه إلى
الخليفة .
٧٨ - ابن الصَّفّار *
الإِمامُ الفقيه المُسنِد الجليل أبو بكر القاسم ابن الشيخ أبي سَعْد
عبد الله ابن الفقيه عُمر بن أحمد النَّيْسابوريُّ ، ابن الصَّفّار الشّافعيُّ مفتي
خُراسان .
مولده في ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة .
سمع من جده ، ومن وجيه الشَّحَاميّ وعبد الله ابن الفُرَاوي ، ومحمد
(١) بسبب هذا القول وضعه الذهبي في ((الميزان))، وتناوله الحافظ ابن حجر في
(( اللسان)).
(٢) وأغرب ابن الفوطي فذكر أنه توفي سنة ٦١٥ .
(*) التقييد لابن نقطة، الورقة: ١٩٤، والتكملة للمنذري: ٣/ الترجمة : ١٨٦٠،
وتاريخ الإسلام ، الورقة : ٢٤٧ (باريس ١٥٨٢)، والعبر: ٧٤/٥ - ٧٥، وطبقات السبكي:
١٤٨/٥، والنجوم الزاهرة: ٢٥٣/٦، وشذرات الذهب: ٨١/٥ - ٨٢.
١٠٩

ابن منصور الحُرْضِيّ ، وهبة الرحمان ابن القُشَيريّ ، وإسماعيل بن عبد
الرحمان العَصائِديّ، وعبد الوَهَّاب بن إسماعيل الصَّيْرَفِيّ ، وعِدّةٍ .
حَدَّثَ عنه البِرْزاليُّ، والضّياءُ، والصَّرِيفينيُّ، وابن الصّلاح ، ومحمد بن
محمد الإِسفرايينيُّ ، والمُرْسِيُّ، والبَكْرِيُّ، وعُمر الكِرمانيُّ ، وجماعةٌ .
وبالإِجازة أبو الفضل ابن عساكر ، وابن أبي عَصرون ، وزينب بنت
کنديّ .
ومن مسموعاته : (( مُسند أبي عَوَانة)) من أبي الأسعد ابن القُشَيريّ ،
وكتاب ((الزُّهريات )) للذُّهْلِيّ من وجيه .
ونقلتُ من خط الإِسفراييني : أخبرنا الإِمام مُفتي خُراسان شهاب الدين
القاسم ابن الصفار ، فذكر حديثاً، ثم قال : ما رأيتُ في خُراسان من
المشايخ مثل شهاب الدِّين هذا حلماً وعلماً ومَعْرِفة بالمذهب . سمعتُ أنّه
دَرَّس ((الوسيط )) للغزاليّ أربعين مرةً دَرْسَ العامة سوى درس الخاصَّة .
قال : ودخلت التُّرك نيسابور في سنة سبع عشرة وست مئة ، ولم
يتمكنوا من دخولها ، قُتل مقدمهم بسهم غرب ، فرجعوا عنها، ثم عادوا إليها
في سنة ثماني عشرة وأخذوها وأخربوها ، وقتلوا رجالها ونساءها إلّ من شاء
الله، واستشهد شيخُنا القاسم ابن الصفار فيهم .
٧٩ - محمد بن مكي *
ابن أبي الرجاء ، الفقيهُ الإِمام الحافظُ أبو عبد الله الأصبهانيُّ
الحنبليُّ ، مُفيد أصبهان .
(*) التكملة للمنذري : ٢/ الترجمة : ١٢٨٢، وتاريخ الإسلام: ٤٠٨/١/١٨،
والعبر: ٣٦/٥، والذيل لابن رجب: ٦٥/٢ -٦٦، وشذرات الذهب: ٤٢/٥ - ٤٣.
١١٠

سمع أبا الخير الباغَبان ، وأبا عبد الله الرُّسْتُمِيَّ، ومسعود بن الحسن
الثَّقَفِيَّ، ومحموداً فورجة، وأبا المُطَهَّر الصَّيدلانيّ ، وطبقتَهُم .
وكتبَ الكثير ، وجمعَ ، وخَرَّجَ ، وحَدَّث .
روى عنه ضياء الدين المقدسيُّ ، وزكيّ الدّين البِرْزاليُّ، وطائفةٌ من
الرّحّالة .
وأجاز لابن شيبان ، والفخر ابن البُخاريّ ، والبرهان ابن الدَّرَجِيّ .
مات في المحرم سنة عشر وست مئة ، وقد شاخ .
٨٠ - نَجْم الدّين الكُبْرَى ﴾
الشيخُ الإِمام العَلَّمة القُدوة المحدِّث الشَّهيدُ شيخُ خُراسان نجم
الكُبَراء ، ويقال: نجم الدين الكُبْرَى(١)، الشيخ أبو الجَنّاب أحمد بن عمر
ابن محمد الخُوارزمِيُّ الخِيْوَقي(٢) الصوفيّ، وخِيْوَق(٣): من قُرى خُوارزم.
طاف في طلب الحديث ، وسمع من أبي طاهر السِّلَفِيّ ، وأبي العلاء
الهمذانيّ العَطّار، ومحمد بن بُنْيَمان ، وعبد المُنعم ابن الفُرَاويّ ،
(*) تاريخ الإِسلام، الورقة: ١٨٠ - ١٨١ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والعبر: ٧٣/٥ - ٧٤،
وشذرات الذهب : ٧٩/٥ - ٨٠ وغيرها .
(١) قال الذهبي في ((تاريخ الإسلام)): ((سمعت أبا العلاء الفرضي يقول: إنما هو نجم
الكُبَراء ثم خُفِّفَ وغيِّر وقيل: نجم الدين الكُبرى)). هذه رواية أبي العلاء، أما ابن العماد فنقل في
((شذرات الذهب)) حكاية أخرى في لقبه فقال: ((وسبق أقرانه في صغره إلى فهم المشكلات
والغوامض فلقبوه: الطامة الكبرى، ثم كثر استعماله فحذفوا ((الطامة)) وأبقوا ((الكُبرى))،
قلنا : وأبو العلاء الفرضي أدرى بما يقول وبتلك النواحي .
(٢) ضم محقق الجزء الخامس من العبر ياء ((الخيوقي)) فما أصاب .
(٣) هذا هو اختيار المؤلف - أعني بكسر الخاء - أما ياقوت فقال: (( بفتح أوله وقد يكسر))
فكأن الكسر عنده ضعيفاً .
١١١

وطبقتِهِم ، وعُنيَ بالحديث ، وحَصَّل الأصول .
حَدَّث عنه عبدُ العزيز بن هِلالة ، وخطيب داريّا شمخ ، وناصر بن
منصور العُرْضي ، وسيف الدِّين الباخرزي تلميذُهُ ، وآخرون .
قال ابن نُقطة(١): هو شافعيِّ إِمامٌ في السُّنة.
وقال عمر بن الحاجب : طاف البلاد وسمع واستوطن خُوارزم ، وصار
شيخ تلك الناحية ، وكان صاحب حديث وسنّة ، ملجأ للغُرباء ، عظيم
الجاه ، لا يخاف في الله لومة لائم .
وقال ابن هِلالة : جلستُ عنده في الخلوة مراراً ، وشاهدت أموراً
عجيبةً ، وسمعت مَن يخاطبني بأشياء حسنة .
قلتُ : لا وجود لمن خاطبك في خلوتك مع جوعك المُفرط ، بل هو
سماع كلام في الدِّماغ الذي قد طاشَ وفاشَ وبقي قَرعة كما يَتِمُّ للمُبَرْسَم(٢)
والمغمور بالحُمّى والمجنون ، فاجزِم بهذا واعبد الله بالسُّنن الثابتة تفلح !
وقيل : إِنَّه فَسَّر القُرآنَ في اثني عشر مجلداً ، وقد ذهب إليه فخر الدين
الرَّازيّ صاحب التصانيف ، وناظر بين يديه فقيهاً في معرفة الله وتوحيده ،
فأطالا الجدال ، ثم سألا الشيخ عن عِلم المعرفة ، فقال : هي واردات ترد
على النفوس ، تعجز النفوس عن ردِّها . فسأله فخرُ الدِّين : كيف الوصولُ
إلى إدراك ذلك؟ قال : بِتَرْكِ ما أنت فيه من الرئاسة، والحظوظ . قال : هَذا
ما أقدر عليه . وأما رفيقُه فزهد ، وتجرَّدَ ، وصحبَ الشَّيخَ .
(١) لا بد أنه ترجمه في ((التقييد)) ولكني لم أجده في نسختي ، وهي ناقصة في هذا
الموضع .
(٢) البرسام: عِلّة يُهذَى فيها .
١١٢

نزلت التتارُ على خُوارزم في ربيع الأول سنة ثماني عشرة وست مئة ،
فخرج نجم الدين الكُبْرَى فيمن خرج للجهاد ، فقاتلوا على باب البَلَد حتى
قُتِلُوا رضي الله عنهم ، وقُتِلَ الشيخ وهو في عَشْر الثمانين(١).
وفي كلامه شيء من تصوف الحكماء(٢) .
حدثنا أبو عاصم نافع الهنديّ ، أخبرنا مولاي سعيد بن المُطَهَّر(٣)،
أخبرنا أبو الجَنّاب أحمد بن عمر سنة ٦١٥ ، قال: قرأت على أبي العلاء
الحافظ ، أخبرنا عليّ بن أحمد ، أخبرنا محمد بن محمد ، أخبرنا إسماعيل
الصفار ، حدثنا الحسن بن عَرَفة ، حدثنا سَلْم بن سالم ، عن نوح بن أبي
مريم ، عن ثابت، عن أنس ، قال: سُئل رسول الله وَّر عن هذه الآية :
﴿ للذين أحسنوا الحُسنى وزيادة ﴾ (٤) قال: للذين أحسنوا العمل في الدنيا ،
الحُسنَّى وهي الجنة ، والزِّيادة: النَّظر إلى وجه الله الكريم .
نوح تالف ، وسَلْم ضعفوه(٥) .
(١) حينما أراد الكُفّار التتار دخول البلد، نادى الشيخ نجم الدين وأصحابه الباقون :
الصلاة جامعة ، ثم قال : قوموا نقاتل في سبيل الله ، ودخل البيت ولبس خرقة التصوف التي ألبسها
له شيخه ، وحمل على العدو فرماهم حتى بالحجارة ، ثم أصابه سهم في صدره قتله ، رضي الله
عنه وعن الشهداء المدافعين عن بيضة الإِسلام ضد الكافرين والمارقين والمشعوذين والدجالين .
(٢) قال المؤلف في ((تاريخ الإِسلام)): (( وكان شيخنا عماد الدين الحَزَّامي يعظمه ولكن
في الآخر أراني كلاماً فيه شيء من لوازم الاتحاد ، وهو إن شاء الله سالم من ذلك ، فإنه محدث
معروف بالسّنة والتعبد كبير الشأن ، ومن مناقبه أنه استشهد في سبيل الله ... قتلوا مقبلين غير
مدبرين)) .
(٣) الباخرزي .
(٤) يونس / ٢٦.
(٥) انظر ميزان الاعتدال: ٢ / ١٨٥ وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣٠٥/٣) ونسبه
لأبي الشيخ وابن منده والدارقطني في الرؤية وابن مردويه واللالكائي وابن النجار . وقال المؤلف
في ((تاريخ الإِسلام)»: هذا حديث منكر انفرد به سلم بن سالم البلخي، وهو ضعيف باتفاق)).
١١٣

وفيها مات الواعظ أبو الفتح أحمد بن عليّ الغَزنويّ صاحب
الكُرُوخِيّ ، وطاغوت الإِسماعيلية ضلالُ الدين(١) حسن بن عليّ الصَّبَّاحيّ
بالألموت ، والشهاب محمد بن راجح الحنبليُّ ، وأبو الفرج محمد بن عبد
الرحمان الواسطيُّ التاجر ، وموسى بن عبد القادر الجيليُّ ، وهِبة الله بن
الخَضِر بن طاووس ، والقاسم بن عبد الله ابن الصفار ، ومُسند هراة أبو رَوْح
عبد المعزّ بن محمد البزاز.
٨١ - أبو رَوْح *
الشيخُ الجليل الصَّدُوق المُعَمَّر مُسند خُراسان حافظ الدِّين أبورَوْح عبد
المُعزّ بن محمد بن أبي الفضل بن أحمد بن أسعد بن صاعد السَّاعِدِيُّ
الخُراسانِيُّ الهَرَويُّ البَزّاز الصُّوفي .
ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة بهراة .
وسمع في سنة سبع وبعدها من جده لأمه عبيد الله بن أبي عاصم ،
وتميم بن أبي سعيد الجُرجانيّ ، وزاهر بن طاهر ، ومحمد بن إسماعيل
الفُضَيلِيّ، ويوسف بن أيوب الهَمَذَاني الزَّاهد ، ومحمد بن علي المُضَرِيّ ،
وعبد الرشيد حفيد أبي عمر المَلِيحي، وعِدّة. وله ((مشيخة)) في جزء . وقد
حضر في سنة خمس وعشرين على محمد بن إسماعيل الفامي . وسمع
((صحيح البخاري)) من خلف بن عطاء بسماعه من أبي عمر المليحيّ .
(١) لقبه الصحيح: ((جلال الدين))، والذهبي إنما ذكر له هذا اللقب من عنده لضلاله ،
وإن قال بعضهم : إنه أظهر شعائر الإسلام بأخرة ، لكن المستقري لتاريخه يظهر له أنه إنما فعل
ذلك لأسباب سياسية ، أعاذنا الله من الضلال .
(*) التقييد لابن نقطة، الورقة: ١٦٨، وتاريخ الإسلام، الورقة: ١٨٤ - ١٨٥ ( أیا
صوفيا : ٣٠١١)، والعبر: ٧٤/٥، والشذرات : ٨١/٥.
١١٤

وقال ابن نقطة (١): سمع (( مسند أبي يَعْلَى )) من تميم ، قال لي يحيى
ابن عليّ المالقي : كان له فَوْت فيه حتى قَدِمَ علينا ابن خَوْلة من الهِند إلى
هراة ، فأخرجَ لنا المُجلدة التي فيها سماعه ، فتم له الكتاب .
قال: ويروي كتاب ((الأنواع والتقاسيم))(٢).
قلت : حدَّث عنه البِرْزاليّ والضياء ، وابن النجار ، والمُرسِيّ ،
والبَكْريّ ، وعبد الحق المَنْبجي ، والصَّريفينيّ ، ومشهور النَّيْرَبَاني .
وسمعتُ بإجازته من جماعة ، وانتهى إليه علو الإِسناد .
قال الضياء : قتلته التركُ في ربيع الأول سنة ثماني عشرة وست
مئة(٣)
٨٢ - العادل وبنوه *
السُّلطان الكبير الملك العادل سيفُ الدين أبو الملوك وأخو الملوك أبو
(١) التقييد ، الورقة : ١٦٨ .
(٢) الذي في كتاب ابن نقطة: ((التقاسيم والأنواع))، وهو لأبي حاتم ابن حبّان البستي
المتوفى سنة ٣٥٤ .
(٣) قال ابن نقطة: ((وانقطعت عنا أخبار البلاد من سنة سبع عشرة ولم تبلغنا وفاته)). قال
بشار : وابن خولة استشهد أيضاً بدخول الكفار التتار إلى هراة .
(*) سيرته مشهورة في تواريخ عصره ، وفي الكتب التي تناولت سيرة أخيه السلطان الملك
الناصر صلاح الدين رضي الله عنه، وله ترجمة في ((الكامل)) لابن الأثير وأخبار كثيرة في غير
موضع منه ، وفي مرآة الزمان: ٨ / ٥٩٤ - ٥٩٨، والتكملة للمنذري: ٢ / الترجمة : ١٥٩٦،
وذيل الروضتين : ١١٣، ووفيات الأعيان : ٥ / ٧٤ - ٧٩، ومفرج الكروب لابن واصل ( في غير
موضع )، والمختصر لأبي الفدا : ٣/ ١٢٦ - ١٢٧، وتاريخ الإسلام، الورقة: ٢٢١ -٢٢٣
(باريس ١٥٨٢ -) والوافي بالوفيات: ٢ / ٢٣٥ - ٢٣٨، والبداية والنهاية: ١٣ / ٧٩ - ٨٠،
والعقد المذهب لابن الملقن، الورقة: ١٦٨، والسلوك للمقريزي: ١ / ١ / ١٩٠ - ١٩٤،
وعقد الجمان للعيني : ١٧ / الورقة : ٣٧٥ - ٣٨٠ وغيرها كثير .
١١٥

بكر محمد ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذِي بن مروان بن يعقوب الدُّوِینیُّ
الأصل التَّكرِيتِيُّ ثم البَعْلَكِّيُّ المولد . ولد بها إذ والده ينوب بها للأتابك
زنكي بن آقسنقر في سنة أربع وثلاثين وخمس مئة .
كان أصغر من أخيه صلاح الدين بعامين ، وقيل : بل مولده في سنة
ثمان وثلاثين فالله أعلم .
نشأ في خدمة الملك نُور الدين ، ثم شهدَ المغازي مع أخيه . وكانَ ذا
عقل ودهاء وشجاعة وتؤدة وخِبرة بالأمور ، وكان أخوهُ يعتمدُ عليه ويحترمه ،
استنابه بِمصرَ مدةً ثم مَلَّكَهُ حَلَب ، ثم عَوَّضَهُ عنها بالكَرَك وحَرَّان ، وأعطَىُ
حلب لولده الظّاهر .
قيل : إِنَّ العادلَ لما سارَ مع أخيه(١) قال: أخذت من أبي حُرْمْدان(٢)
فقال : يا أبا بكر إذا أخذتُم مصرَ املأهُ لي ذهباً ، فلما جاء إلى مصرَ ، قال :
وأين الحرمدان ؟ فملأته دراهم وجعلت أعلاه دنانير ، فلما قلَّبَهُ قال : فعلت
زَغَل (٣) المصريين .
ولما نابَ بمصرَ استحبه صلاح الدين في الحَمْلِ ، حتى قال : يُسَيِّ
الحَمْلِ من مالنا أو من ماله ، فشقَّ عليه ، وحكاها للقاضي الفاضل ، فكتب
جوابه : وأما ما ذكره السلطان فتلك لفظة ما المقصود بها من المالك النُّجعة
بل قصد بها الكاتب السَّجعة ، وكم من كلمةٍ فَظّةٍ ولفظةٍ فيها غلظة جَبَرت عِيّ
(١) يعني إلى مصر صحبة عمهما أسد الدين شيركوه .
(٢) من الفارسية ((خُرمدان)) بالخاء المعجمة لكنها غالباً ما ترد بالحاء المهملة بالعربية،
وهي حقيبة من الجلد - يحملها الرجل على جنبه ويضع فيها أوراق ودراهمه وغير ذلك كما في
معجم دوزي (١٥٠/٣ من الترجمة العربية ) .
(٣) الزغل : الغش .
١١٦

الأقلام وسدت [ خلَلَ ](١) الكلام ، وعلى المملوك الضَّمان في هذه النُّكتة ،
وقد فاتَ لسان القلم أيّ سكتة .
قلت : وكان سائِساً ، صائب الرأي ، سعيداً ، استولى على البلاد ،
وامتدت أيامه ، وحكم على الحجاز ، ومصر ، والشام ، واليمن ، وكثير من
الجزيرة ، وديار بكر، وأرمينية . وكان خَلِيقاً للمُلك، حَسَن الشَّكل ،
مَهِيباً، حليماً، دَيِّناً، فيه ◌ِفّة وصَفْح وإيثار في الجُمْلَةِ. أَزْالَ الخُمور
والفاحِشَة في بعضِ أيام دولته ، وتصدَّقَ بذهبٍ كثير في قحطِ مِصْرَ حتى
قيل : إِنّ كَفَّنَ من الموتى ثلاث مئة ألف ، والعُهدة على سِبط الجوزيّ في
هذه(٢) .
وسيرتُه مع أولاد أخيه مشهورة ، ثم لم يزل يراوغهم ويلقي بينهم حتى
دَحاهم ، وتمكن واستولى على ممالك أخيه ، وأبعدَ الأفضل إلى سُمَيساط ،
ووَدَعَ(٣) الظاهر وكاسر عنه لكون بنته زوجته ، وبعث على اليمن حفيده
المسعود أطسِز(٤) ابن الكامل، وناب عنه بميّافارقين ابنه الأوحد ، فاستولى.
على أرمينية . ثم إنّه قَسَّم الممالك بين أولاده ، وكان يصيّف بالشام غالباً
ويشتو بمصر .
جاءته خِلَع السَّلطنة من الناصر لدين الله وهي : جُبَّة سوداء بطرز ذهب
وجواهر في الطوق ، وعمامة سوداء مذهّبة ، وطَوْق ، وسيف ، وحصان
(١) زيادة من وفيات ابن خلكان.
(٢) المرآة : ٥٩٥/٨ وقد نبّه الذهبي على مجازفة سبط ابن الجوزي غير مرة، وهذه منها،
فقد قال في ((تاريخ الإِسلام) معلقاً على هذه الحكاية: ((هذا خسف من لا يتقي الله فيما
يقوله )).
(٣) أي : ترك .
(٤) ويقال فيه ((آتسز)) بالتاء، و((آت)) بالتركية ((اسم)) ((سز)): بلا، فيكون: بلا اسم.
١١٧

بمركب ذهب ، وعَلَمٌ أسود ، وعِدّة خلع لبنيه مع السُّهْرَ وَردي(١) ، فقُرِىء
تقليده على كرسي ، قرأه وزيرُهُ ، وخوطب فيه : بالعادل شاه أرمن ملك
الملوك خليل أمير المؤمنين .
وخاف من الفِرنج فصالحهم وهادَنَهم وأعطاهم مَغَلّ الرَّملة (٢) ولدّ،
وسلَّم إليهم يافا ، فقويت نفوسهم ، فالأمر لله .
ثم أمر بتجديد قلعة دمشق ، وألزم كل مَلك من آلِهِ (٣) بعمارة بُرج في
سنة أربع وست مئة ، وعَمَّرَ عدة قلاع .
قال الموفق عبد اللطيف : كان أعمق إخوته فِكراً، وأطولهم عُمراً ،
وأنظرهم في العواقب ، وأحبهم للدِّرْهَم ، وكان فيه حلم وأناة وصبر على
الشّدائد، سعيد الجَدّ (٤)، عالي الكعب، مُظَفّراً ، أكولاً ، نهماً ، يأكل من
الحلواء السُّكرية رطلاً بالدِّمشقي . وكان كثيرَ الصَّلاة ، ويصوم الخميس ،
يُكثر الصدقة عند نزول الآفات ، وكان قليل المرض . لقد أُحضِرَ إليه أربعون
حملاً من البطيخ فكسَرَ الجميع وبالغَ في الأكل فحمّ يوماً . وكان كثير التمتع
بالجواري ، ولا يدخل عليهن خادماً إلا دون البلوغ .
نجبَ له عِدّة أولاد سَلْطَنَهُم وزَوَّج بناته بملوك الأطراف .
وقد احتيل على الفَتك به مرات ، ويسلِّمُه الله .
(١) شهاب الدين عمر المشهور المتوفى سنة ٦٣٢، وانظر تفاصيل هذا الأمر في مفرج
الكروب لابن واصل : ١٨٠/٣ - ١٨٢.
(٢) في الأصل: ((الرحلة)) مُحَرَّف، وهذا الصلح معروف كان في سنة ٦٠١ ذكره ابن
واصل في ((مفرج الكروب)) (١٦٢/٣) وغيره.
(٣) يعني: من أهل بيته ، وانظر مفرج الكروب: ١٨٢/٣.
(٤) الجَد : الحظ أو البخت .
١١٨

وكان شديد المُلازمة لخدمة أخيه صلاح الدين ، وما زال يتحيَّل حتى
أعطاه العزيزُ دمشق ، فكانت السَّبب في أن تملَّك البلاد ، ولما جاءه
بمنشورها ابن أبي الحَجّاج أعطاه ألف دينار ، ثم جرت أمور يطول شرحُها
وقتال على المُلك ، ولو كان ذلك التعب والحرب جهاداً للفرنج لأفلح .
وتملك ابنه الأوحد خلاط فقتل خَلْقاً من عسكرها .
قال الموفق : فقال لي بعض خواصة : إنَّ قَتَل في مدةٍ ثمانية عشر ألفاً
من الخواص كان يقتلهم ليلاً ويلقيهم في الآبار، فما أُمهِلَ واختل عقلُهُ
ومات . وقد بعث إليه أبوه مُعَزِّماً ظَنَّهُ جُنَّ . فتملَّك بعدَه الأشرف إلى أن قال:
وَرَدَ العادل ورماح الفِرنج في أثره حتى وصل دمشق ولم يدخلها ، وشجعه
المعتمد . وأما الفِرنج فظنوا هزيمته مكيدة فرجعوا بعدما عائوا وقصدوا
دمياط(١) . وقيل: عرض له ضَعْف ورعشة، واعتراه ورم الأنثيين(٢) فمات
بظاهر دمشق .
كانت خزانته بجَعْبَر وبها ولدُه الحافظ ثم نقلها إلى دمشق ، فحصلت
في قبضة ولده المُعَظِّم ، وكان قد مكر وحَسَّنَ لأخيه العصيان ففعلَ ، فبادر
أبوه وحَوَّل الأموال .
وقد حدث العادل بجزء السابع من ((المحامليات)) عن السِّلَفِيّ ، رواه
عنه ابنه الصالح إسماعيل ، والشهاب القُوصيُّ، وأبو بكر ابن النُّشْبِيِّ،
ومات وفي خزانته سبع مئة ألف دينار عَيْناً .
توفي بعالقين في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وست مئة ، ودفن
(١) انظر التفاصيل في مفرج الكروب لابن واصل: ٢٥٤/٣ - ٢٦١.
(٢) الأنثيين : الخصيتين .
١١٩

بالقَلْعَة أربع سنين في تابوت ثم نقل إلى تُربته .
وخلَّفَ عدة أولاد : الكامل صاحب مصر ، والمُعَظِّم صاحب دمشق ،
والأشرف صاحب أرمينية ثم دمشق ، والصالح عماد الدين ، وشهاب الدين
غازياً صاحب ميَّفارقين ، وآخِرُ من مات منهم تقيُّ الدين عباس ، وعاشت
بنته مؤنسة بنت العادل بمصر إلى سنة ثلاث وتسعين وست مئة ، وحدثت
بإجازة عفيفة(١).
قال ابن خَلّكان(٢): كان مائلاً إلى العلماء حتى لصنف له الرازي
كتاب (( تأسيس التقديس ))(٣) فذكر اسمه في خطبته .
٨٣ - المُعَظّم *
السُّلطان الملك المُعَظّم ابن العادل المذکور هو شرف الدین عیسی بن
محمد الحنفيُّ الفقیه صاحب دمشق .
(١) كان للعادل ستة عشر ولداً سوى البنات على ما ذكر ابن واصل (٢٧٣/٣).
(٢) وفيات الأعيان : ٧٦/٥ .
(٣) ولشيخ الإسلام ابن تيمية رد مطول نفيس عليه ، وقد طبع في الرياض في مجلدين
واسمه (« بيان تلبيس الجهمية ونقض بدعهم الكلامية » .
(*) سيرته مشهورة وله ذكر في معظم الكتب التاريخية المستوعبة لعصره ، وله ترجمة في
الكامل لابن الأثير: ١٢ / ١٩٥، ومرآة الزمان: ٨/ ٦٤٤ - ٦٥٢، والتكملة للمنذري : ٣/
الترجمة : ٢١٧١، وذيل الروضتين : ١٢٥، ووفيات الأعيان: ٣ / ٤٩٤ - ٤٩٦، وتاريخ ابن
العبري : ٢٤٣ - ٢٤٤، ومفرج الكروب: ٤ / ٢٠٨ - ٢٢٤، والمختصر لأبي الفدا : ٣/
١٤٥، وتاريخ الإسلام، الورقة: ٤٥ - ٤٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ٥/ ١٠٠، ودول
الإسلام: ٢ / ٢٩٩، والجواهر المضية: ١ / ٤٠٢، ونثر الجمان: ٢ / الورقة: ٤ - ٦،
والبداية والنهاية: ١٣ / ١٢١ - ١٢٢، والسلوك للمقريزي: ٢٢٤/١/١، والنجوم الزاهرة:
٦ / ٢٦٧ - ٢٦٨، وحسن المحاضرة: ١/ ٢١٩، وتاج التراجم : ٤٩، والطبقات السنية
للتميمي: ٢ / الورقة: ٩٧٣ - ٩٨٤، وشذرات الذهب: ١١٥/٥ -١١٦، وطبقات الزيله
لي: الورقة : ٢٣، والفوائد البهية: ١٥١ - ١٥٣.
١٢٠