النص المفهرس

صفحات 581-600

تُوفي في صفر سنةً ثمانٍ وستين وخمس مئة ببغداد .
والحَظِيرةُ : محلةٌ فوقَ ببغداد .
٣٦٣ - ابن الدَّهّان ﴾
العلامة أبو محمد ، سعيدُ بنُ المبارك بن الدهان البغداديُّ النحويُّ ،
صاحبُ التصانيف .
وُلد سنةَ أربعٍ وتسعين وأربع مئة .
وسمع وهو كبيرٌ من ابنِ الحُصَين ، وأبي غالب بنِ البنّاء .
وشرحَ ((الإِيضاحَ)) لأبي علي في ثلاثة وأربعين مجدداً، وشرحَ
((اللُّمَعَ))(١) .
ثم نزلَ المَوصل، وأقبلُوا عليه، وبالغَ الجوادُ(٢) في إكرامه، وقرَّرَ
قال القِفْطيُّ (٣): ذهبَ إلى أَصْبَهان، واستفادَ من كُتُبها، وقد غرِقَتْ
له .
(*) الخريدة ١ /٨٢، ٨٣، معجم الأدباء ٢١٩/١١ - ٢٢٣، إنباه الرواة ٤٧/٢ - ٥١،
وفيات الأعيان ٣٨٢/٢ - ٣٨٥، إشارة التعيين: ٢٠، العبر ٢٠٧/٤، تلخيص ابن مكتوم:
٧٧، مسالك الأبصارج ٤ م ٢ /٢٥٥، نكت الهميان: ١٥٨، ١٥٩، مرآة الجنان ٣٩٠/٣،
طبقات ابن قاضي شهبة ٣٥٢/١ - ٣٥٤، النجوم الزاهرة ٧٢/٦، بغية الوعاة ٥٨٧/١، طبقات
المفسرين للداوودي ١٨٣/١، ١٨٤، كشف الظنون: ٧٢، ١١٦، ٢١٢، ٤٣٨، ٧٥٢،
٨٧٢، ٩٦٠، ١١٥٦، ١٢١٢، ١٢٦٥، ١٤٣٨، ١٥٦٣، ١٦٣٠، ١٩٧٧، شذرات
الذهب ٢٣٣/٤، الفلاكة والمفلوكين ١٢٦، ١٢٧، روضات الجنات ٣١٤، ٣١٥، هدية
العارفين ٣٩١/١، تاريخ بروكلمان ١٦٩/٥، ١٧٠ (النسخة العربية).
(١) لابن جني شرحاً كبيراً في مجلدين، وسماه ((الغرة )). قال ابنُ خلكان : ولم أر مثله
مع كثرة شروح هذا الكتاب: ((وفيات الأعيان)) ٣٨٢/٢.
(٢) أبو جعفر الأصبهاني الوزير ، تقدمت ترجمته برقم (٢٣٦) .
(٣) في ((إِنباه الرواة)) ٤٧/٢، ٤٨.
٥٨١

كُتُبُه ببغداد في غيبَتِه ، ثم نُقلت إليه إِلى المَوْصل ، فشرعَ في تبخيرِها باللَّاذن
ليقطَّعَ ريحَها الرديء ، فطلَعَ ذلك إلى رأسِه ، وأحدث له العمى .
وله كتابُ ((سرقات المتنبي)) مجلد، وكتاب ((التذكرة)) سبع
مُجلَّدات (١).
قال العمادُ الكاتبُ : هو سيبويه عصرِهِ ، ووحيدُ دهرِهِ ، لِقِيتُهُ وكان
حينئذ يُقال : نحاةُ بغداد أربعةٌ : ابنُ الجَوَاليقي (٢)، وابنُ الشَّجري(٣)،
وابنُ الخشّاب(٤)، وابنُ الدّان(٥).
قال ابنُ خَلِّكان : لقبه ناصح الدين ، تُوفي سنة تسع وستين وخمس
.
مئة (٦)
٣٦٤ - عَبْدُ النبي *
ابنُ المهديِّ عليٍّ بنِ مَهدي .
كان أبوه قد وعظَ، واشتغلَ ، ودعا إلى نفسِه ، وجرت له أمورٌ ،
(١) انظر بقية مصنفاته في ((إنباه الرواة)) ٥٠/٢، و((معجم الأدباء)) ٢٢١/١١، ٢٢٢،
و ((وفيات الأعيان)) ٣٨٢/٢، و((هدية العارفين)) ٣٩١/١. وانظر ((تاريخ)) بروكلمان ١٧٠/٥
( النسخة العربية ) .
(٢) تقدمت ترجمته برقم (٥٠) .
(٣) تقدمت ترجمته برقم (١٢٦) .
(٤) تقدمت ترجمته برقم (٣٣٧) .
(٥) انظر ((إِنباه الرواة )) ٥١/٢.
(٦) انظر ((وفيات الأعيان)) ٣٨٣/٢ ولم أجد فيه قوله: لقبه ناصح الدين.
(*) الكامل ٣٩٦/١١ (حوادث سنة ٥٦٩)، مفرج الكروب : ٢٣٨ - ٢٤٣، المختصر
٥٤/٣، العبر ٢٠٧/٤، تتمة المختصر ١٢٦/٢، مرآة الجنان ٣٩٠/٣، البداية والنهاية
٢٧٣/١٢، ٢٧٤، النجوم الزاهرة ٦٩/٦ و٧٢، شذرات الذهب ٢٣٤/٤، بلوغ المرام :
١٨ .
٥٨٢

وغلب على اليمنِ ، وَسَفَ وظلَّمَ ، وفجرَ ، وشقَّق بُطُون الحبالى ، وتمرَّدَ
على اللّه، وكان من دُعاة الباطنيّة، فقصمه اللَّهُ سنةَ نيِّف وخمسين(١).
فقام بعده عبدُ النبي هذا ، ففعل كأبيه ، وسَبى الحريمَ ، وتزَنْدَقَ ،
وبنى على قبر أبيه المَهديِّ قُبَّةً عظيمةً ، وزخرفَها ، وعمل أستارَ الحريرِ عليها
وقناديلَ الذهبِ ، وأمر الناسَ بالحجِّ إليها ، وأن يحملَ كُلُّ أحدٍ إليها مالاً ،
ولم يَدَع أحدٌ زيارتَها(٢) إلا وقتلَهُ ، ومنعهُم من حجِّ بيتِ اللَّه ، فتجمع بها
أموالٌ لا تُحصى ، وانهمكَ في الفواحشِ إلى أن أخذه اللَّهُ على يدِ شمس
الدولة(٣) أخي السلطانِ صلاحِ الدين، عذَّبهُ، ثم قتلَهُ، وأخذ خزائنَهُ،
فللَّهِ الحمدُ على مصرعِ هذا الزِّنديق ، وكان [ذلك] في قُرب سَنة سبعين
وخمس مئة فإنَّ مُضيَّ شمسِ الدولة توران شاه إلى اليمنِ وأخْذَها كان في سنة
تسع وستين، فأَسَرَ هذا المُجرمَ ، وشنقَهُ، وتملَّكَ زَبِيدَ وعَدَنَ وصَنْعَاءِ(٤) .
ولعبد النَّبِيِّ أخبارٌ في الجَبَروتِ والعُثُوِّ، فلا رحمهُ اللَّه .
٣٦٥ - الطاهري *
الشيخُ الجليل ، أبو المكارم ، محمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمد بن أحمد بن
عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر بن الحُسين، الخُزاعيُّ
الحريميُّ .
سمع الحسينَ بنَ البُسْري، وشجاعاً الذُّهلي، وأبا العز بنَ المختار
وعدة .
(١) وقد تقدمت ترجمته برقم (٢١٤) وذكر وفاته سنة أربع وخمسين وخمس مئة .
(٢) في الأصل : زياتها .
(٣) ستأتي ترجمته في الجزء الحادي والعشرين برقم (٩).
(٤) انظر ((الكامل)) ٣٩٦/١١ - ٣٩٩، و((البداية)) ٢٧٣/١٢، ٢٧٤ .
(*) لم نعثر على مصدر ترجمه .
٥٨٣

وعنه : ابنُ الأخضر ، وأحمدُ بنُ البَنْدَنيجي ، وابنُ السمعاني .
وكان من أعيان التجار .
حدّث بِخُراسان ، وروى عنه الشيخُ المُوفَّق .
تُوفي في جُمادى الآخرة سنةً ثمانٍ وستين وخمس مئة .
٣٦٦ - ابنُ النِّعمة *
الإِمامُ العلامةُ ، ذو الفنون، أبو الحسن ، عليُّ بنُ عبد الله بنٍ خلف
ابنِ محمد بن النعمة ، الأنصاريُّ الأندلسيُّ المَرِّي ، شيخُ بَلْسِية .
أخذ عن الإِمام أبي الحسن بنِ شفيع ، وعبَّد بنِ سَرْحان .
وقدم به أبوه إلى بَلَنْسِية سنةَ ستٍّ وخمس مئة ، فتلا بها على موسى بنِ
خميس ، واختصّ به . وروى عن أبي بَحْرِ بنِ العاص ، وخليصِ بنِ
عبد الله .
وتفقُه بقُرطبة على أبي الوليد بنِ رُشْد ، وأبي عبد اللّه بن الحاج .
وسمع من أبي محمد بنِ عّاب ، وأبي علي بنِ سُكّرة ، وعدّة .
تصدَّر لإِقراء القراءاتِ والفقهِ والنحوِ والحديث .
قال الأبّار : كان عالماً مُتقنّاً ، حافظاً للفِقه والتفاسيرِ ومعاني الآثار ،
مُقدَّماً في علمِ اللسان ، فصيحاً مُفوَّهاً، ورعاً فاضلاً، مُعَظّماً ، لَيِّن
(*) بغية الملتمس : ٤٢٤، معجم ابن الأبار : ٢٩٨، ٢٩٩، تكملة الصلة : ٦٦٩،
العبر ٤ /١٩٨، مرآة الجنان ٣٨٢/٣، غاية النهاية ٥٥٣/١، النجوم الزاهرة ٦٦/٦، بغية الوعاة
١٧١/٢، طبقات المفسرين للسيوطي: ٢٣، ٢٤، طبقات المفسرين للداوودي ٤٠٧/١،
٤٠٨، نيل الابتهاج: ٢٠٠، شذرات الذهب ٢٢٣/٤، إيضاح المكنون ٢٨/٢، هدية العارفين
٧٠٠/١ .
٥٨٤

الجانب، وليَ الشُّورى وخَطَابةَ بَلَنْسِية مدة ، وانتهت إليه رئاسةُ الإِقراءِ
والفتوى، له كتابُ ((رَيِّ الظمآن)) في تفسير القرآن، كبير، و ((شرْحُ
سنْنَ النَّسَائِي))، بلغ فيه الغايةَ من الاحتفالِ والإِكثار، وأخبرنا عنه
جماعةٌ ، وهو خاتمةُ العُلماء بشَرقِ الأندلس .
تُوفي في رمضان سنة سبعٍ وستين وخمس مئة(١) في عشر الثمانين
رحمه الله .
٣٦٧ - البَيْهقيَّ *
الوزيرُ العلَّامةُ، ذو التصانيف ، شرفُ الدين ، وحجةُ الدين أبو
الحسن، عليُّ بنُ أبي القاسم زيدِ بنِ أميرك الأنصاريُّ الأوسيُّ الخُزَيميُّ [نسبة
إلى] خُزيمةَ بنِ ثابت(٢)، البُسْتِيُّ، ثم البيهقيُّ.
مولدُهُ سنةَ تسعٍ وتسعين وأربع مئة .
وولي قضاء بَيْهَق سنة ٥٢٦ .
قال أبو النَّضْرِ الفاميُّ : صدر السيف والقلم ، واختار سؤدده كنار في
العلم ، نادرة الدهر ، افتتح ولايةَ هَرَاة خمسَ عشرةَ سنة ، وإليه الحَلُّ
والعَقْدُ .
قلتُ : مدحهُ الحيصَ بيص .
(١) في ((بغية الملتمس)) : توفي في حدود السبعين وخمس مئة .
(*) معجم الأدباء ٢١٩/١٣ - ٢٤٠، الوافي بالوفيات خ ٢٨٤/١٢، ٢٨٥، كشف
الظنون: ٢٨٩، إيضاح المكنون ٣/١، ٣٦، ١٨٠، هدية العارفين ١ / ٦٩٩، ٧٠٠، أعيان
الشيعة ٢٥٧/٤١ - ٢٦٩، الذريعة ١٤٩/٤ و١١٣/٧، دائرة المعارف الإسلامية ٤ /٤٣١.
(٢) أورد ياقوت نسبه إلى خزيمة بن ثابت نقلاً عن كتابٍ لصاحب الترجمة ترجم فيه نفسه ،
سماه ((مشارب التجارب)). انظر ((معجم الأدباء)) ٢١٩/١٣.
٥٨٥

وذكره العمادُ الكاتبُ ، فقال : كان من أعيانِ الأنامِ ، وأعوانِ الكِرام ،
وأجوادِ الورى ، وأطوادِ النُّهى ، حدثني والدي أنه لما مضى إلى الرَّيِّ عَقيب
النكبة ، أصبح وشرفُ الدين البيهمّي قد قصدهُ في موكِبِهِ وهو حينئذٍ والي
الرَّيِّ، فنقلَهُ إلى منزلِهِ، وكان يترشَّحُ حينئذٍ لوزارة السُّلطانِ سَنْجَرَ .
قال : وأظنُّ أنه نُكِبَ في واقعة سَنْجر مع الخَطَا ، وكان أبي يقول : ما
رأيتُ مثلَه .
قلتُ : هو القائلُ :
لما طفَى الماءُ على جارِيَه
يا خالِقَ العَرْشِ حَمَلْتَ الوری
فاحملْهُ يا رَبِّ على جارِيَه(١)
وعَبْدُكَ الآنَ طغى ماؤُهُ
وشعره کثیر سائر(٢).
قال ياقوت الحموي (٣): له كتابُ ((إعجاز القرآن))، و((فرائض))،
((وأصول فقه))، و((معارج نهج البلاغة))، وكتاب ((إيضاح البراهين)) في
الأصول، و((إثباتِ الحشر))، و((الوقيعة في مُنكر الشريعة)) و((ديوانه))،
وتواليف في الترسُّل و((غُرر الأمثال))، وكتابُ ((الانتصارِ من الأشرار))، و
((شرح المقامات))، و ((مجامع الأمثال)) في أربع مجلدات، و(( أطعمة
المرضى)) وكتاب ((المعالجات الاعتبارية))، وكتاب ((السموم)) و(( تفاسير
العقاقير))، وفي التنجيم، وفي الأسطرلاب ، والكرة ، والقِرانات،
وقصص الأنبياء ، وكتاب ((الإِمارات (٤) في شرح الإِشارات))، وشرح
(١) البيتان في ((معجم الأدباء)) ٢٣٢/١٣.
(٢) انظر بعضه في ((معجم الأدباء)) ٢٣٣/١٣ - ٢٤٠.
(٣) في ((معجم الأدباء)) ٢٢٥/١٣ - ٢٢٨.
(٤) في ((معجم الأدباء)) : الأمانات .
٥٨٦

النحاة، و((تاريخ بيهق)) وأشياء عدة ذكرها ياقوت (١).
مات ببَيْهق سنةَ خمسٍ وستين وخمس مئة .
٣٦٨ - ابنُ البلدي *
وزيرُ المُستنجد باللَّه ، أبو جعفر، أحمدُ بنُ محمد بنِ سعيد ، من
رجال الدهرِ سعداً ودَهاءً ونُبلًا، فلما تُوفي المُستنجد ، طلبوه للعَزَاء، ولَأَخْذِ
بَيْعةِ المُستضيء ، فلما دخل أُدخِل بيتاً ، وقُتل ، وقُطِّع، ورُمي في دجْلَة ،
وأخذ البيعةَ الوزيرُ الجديدُ أبو الفرج ابنُ رئيس الرؤساء(٢).
وكانت وزارةُ ابنِ البلديِّ ستَّ سنين ، فوجدوا في أوراقه خَطَّ الخليفة
المُستنجد يأمرُ ابنَ البلدي بالقَبْضِ على ابنِ رئيسِ الرؤساء وقطبِ الدين
قَيْماز ، وكتابَةَ الوزيرِ إلى الخليفةِ ينهاهُ عن ذلك ، فعلما براءةً ساحتِهِ ، وندما
على قَتله(٣) ، ثم اقتص اللَّهُ له من ابنٍ رئيس الرؤساء وقُتل .
قُتل ابنُ البَلَدي في ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مئة .
٣٦٩ - شيركُوه **
الملكُ المنصورُ ، فاتحُّ الديارِ المصريّة ، أسدُ الدينِ شِيركُوه بنُ شاذي
(١) نقلاً عن صاحب الترجمة في كتابه ((مشارب التجارب)) انظر ((معجم الأدباء))
٢٢٨/١٣ .
(*) المنتظم ٢٣٣/١٠، الكامل ٣٦١/١١، ٣٦٢، مرآة الزمان ١٧٨/٨، العبر
١٩٢/٤، شذرات الذهب ٢١٦/٤، ٢١٧.
(٢) انظر ((الكامل) ٣٦١/١١.
(٣) انظر ((الكامل)) ٣٦٢/١١.
( ** ) الكامل ٣٣٥/١١ -٣٤٢، مرآة الزمان ١٧٣/٨، الروضتين ١٥٤/١ و١٥٦ و ١٥٨ و
١٦٠، وفيات الأعيان ٤٧٩/٢ - ٤٨١، مفرج الكروب ١٤٨/١ - ١٦٨، المختصر ٤٥/٢، =
٥٨٧
- - -
٠٠ ٠

ابن مروان بن يعقوب الدُّوِيني الكُرديُّ ، أخو الأمير نجم الدين أيوب(١) .
مولده بدوین : بُلیدة بطرفٍ أَذْربیجان مما يلي بلادَ الكُرْج - بضم
أوله (٢)، وكسرٍ ثانيه - ويُقال في النسبة إليها: دُوَيني بفتح ثانيه(٣).
نشأ هو وأخوهُ بتَكْريت لما كان أبوهُما شاذي نقيبَ قلعَتِها ، وشاذي
بالعَربي : فَرْحان (٤)، أصلُهم من الكُرد الرواديّة فَخِذ من الهذبانيّة . وأنكر
طائفةٌ من أولادهِ أن يكونوا أكراداً ، وقالوا : بل نحن عربُ نَزَلْنا فيهم ،
وتزوَّجْنا منهم .
نعم قَدم الأخوانِ الشامَ ، وخدما ، وتنقَّلَتْ بهما الأحوالُ إلى أن صار
شِيركُوه من أكبر أمراء نورِ الدين ، وصار مُقَدَّم جُيوشِه .
وكان أحدَ الأبطالِ المذكورين، والشُّجعان الموصوفين، تُرِعَبُ الفِرَنْجُ
من ذِكرِهِ ، ثم جهزه نورُ الدين في جيشٍ إلى مصر لاختلالِ أمرِها ، وطَمِع
الفِرَنجِ فيها ، فسار إليها غيرَ مرَّة ، فسلك أولاً على طريق وادي الغزلان ،
وخرج من عند إطفيح(٥)، وجهَّزَ ولدَ أخيه صلاح الدين إلى الإِسكندرية ،
= ٤٦، دول الإسلام ٧٧/٢، العبر ١٨٦/٤، ١٨٧، تتمة المختصر ١١٥/٣ - ١١٧، طبقات
السبكي ٣٥٢/٧ - ٣٥٤، البداية والنهاية ٢٥٢/١٢، ٢٥٣ و٢٥٥ و٢٥٩، تاريخ ابن خلدون
٢٨١/٥ - ٢٨٣، النجوم الزاهرة ٣٨١/٥ و٣٨٧ - ٣٨٩، حسن المحاضرة ٣/٢، ٤، ٢١٦،
شذرات الذهب ٢١١/٤، تهذيب تاريخ دمشق لبدران ٣٦٠/٦.
(١) سترد ترجمته عقب هذه الترجمة .
(٢) ضبط ياقوت أوله بالفتح. ((معجم البلدان)) ٤٩١/٢.
(٣) ضبط السمعاني ثانيها بالكسر في ((الأنساب)) ٣٧٥/٥.
(٤) وشيركوه بالعربي : أسد الجبل ، فشير : أسد ، وكوه : جبل ، كما قال ابن خلكان في
((وفيات الأعيان)) ٤٨١/٢ .
(٥) بكسر أوله والفاء وياء ساكنة وحاء مهملة : بلد بالصعيد الأدنى من أرض مصر على
شاطىء النيل في شرقيه. ((معجم البلدان)) ٢١٨/١ .
٥٨٨

وجرت له أمورٌ يطولُ شرحُها(١) وحروبٌ وحِصارُ، وأقبلت الفِرَنجُ، وأحاطوا
بَلْبِيس ، واستباحوها في سنةٍ أربعٍ وستين ، فاستغاث المصريون بنورٍ
الدين ، فبعث إليهم أسدَ إلدين ، فطرد عنهم العَدُوّ، ودخل القاهرةَ ،
وتمكَّن ، فعزم شاورُ(٢) وزيرُ مصر على الفتكِ به، فبادر وبَتّه، واستقلَّ
بوزارة العاضِدِ ، ودان له الإقليمُ ، فبقي شهرين ، وبغته الأجلُ بالخَوانيق
شهيداً في جُمادى الآخرة سنةَ أربعٍ وستين ، فقام في الدَّسْتِ بعده صلاحُ
الدين ، ولما ضايقت الفِرَنجُ شيركوه ما كانوا يُقْدُمُون عليه ، قتله خانوقٌ في
ليلة ، وكان يعتلُّ به لكثرة أكلِه اللحمَ(٣).
وخلَّفَ ولدَه صاحبَ حمص ناصرَ الدين (٤) وأبا(٥) صاحبِها الملكِ
المجاهدِ شيركوه(٦) وجدَّ صاحِبِها [ الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم ](٧).
أخوه الأميرُ الكبيرُ :
٣٧٠ - نجمُ الدين أيُّوب *
والدُ الملوك .
(١) انظر ((الكامل)) ٢٩٨/١١ - ٣٠١ و٣٢٤ - ٣٢٧
(٢) تقدمت ترجمته برقم (٣٢٩).
(٣) انظر ((الكامل)) ٣٣٥/١١ - ٣٤٢.
(٤) انظر ((وفيات الأعيان)) ٤٨٠/٢.
(٥) في الأصل : وأبو، وهو خطأ .
(٦) انظر ((وفيات الأعيان)) ٤٨٠/٢، ٤٨١.
(٧) انظر ((وفيات الأعيان)) ٤٨١/٢، وما بين حاصرتين منه.
(*) الكامل ٣٩٣/١١، ٣٩٤، مرآة الزمان ١٨٤/١، ١٨٥، الروضتين ٢٠٩/١ -
٢١٣، وفيات الأعيان ٢٥٥/١ - ٢٦١، المختصر ٥٣/٣، ٥٤، العبر ٢٠٣/٤، ٢٠٤، تتمة
المختصر ٢ /١٢٥، الوافي بالوفيات ٤٧/١٠ - ٥١، البداية والنهاية ٢٧٠/١٢ و٢٧١، ٢٧٢،
شذرات الذهب ٢٢٦/٤، ٢٢٧ .
٥٨٩

ولي نيابَةً بَعْلَبَكَّ للأتابَك زنكي ، وأنشأً الخانكاه بها ، ثم كان من
أعيانٍ أُمراء دمشق ، ولما تملَّك مصرَ ولدُهُ ، أذن له نورُ الدين ، فسار إلى
ابنِهِ ، فبالغ في مُلتقاهُ ، وخرج لتلقِّيه الخليفةُ الرافضيُّ العاضد .
وكان من رجالِ العالم عَقْلاً وخبرة .
شبّ به الفَرَسُ ، فماتَ بعد أيام في ذي الحجة سنةً ثمانٍ وستين
وخمس مئة (١) . ثم نُقِلَ هو وأخوهُ إلى تُربةٍ بقُرب الحُجرة النبوية بعد عشر
سنين .
ولده عدةُ بنين وبنات رحمه الله .
٣٧١ - يوسف بن آدم *
ابنِ محمد بن آدم ، المحدثُ الصالح ، أبو يعقوب المَرَاغِي ، ثم
الدمشقي ، من مشايخ السُّنَّة .
سمع من : الحافظ ابنِ ناصر ، وأبي بكر بنِ الزاغُوني ، وجماعة .
وحدث بـ ((صحيحٍ)) مُسْلم عن الفَراوي ، ما أدري بالسماعِ - وهو
أظهر - أو بالإِجازة ؟ وسمعه منه المُحدثان عبدُ الرزاق الجِيْلِيُّ ، ومحمدُ بنُ
مَشِّقْ .
وروى عنه : الشيخُ سَلامُ الحدّاد ، وهلالُ بنُ محفوظٍ الرَّسْعَنيُّ ،
وطائفةٌ .
(١) ورثاه عمارةُ اليمني بقصيدة طويلة أولها :
هي الصدمةُ الأولى فمن بان صبره على هول ملقاها تضاعف أجره
انظر ((النكت العصرية)) ٢٦٠، و((الروضتين)) ٢١٢/١، و((وفيات الأعيان)) ٢٥٩/١ و
٢٦١ .
(*) لم نعثر على مصدر ترجمه .
٥٩٠

وحدث بدمشق وببغداد ونصيبين ، ونسخَ الكثير .
وُلد سنةَ إحدى عشرةَ وخمس مئة .
وكان أمَّاراً بالعُرف ، داعياً إلى الأثَر بزعارة .
قال ابنُ النجّار : كان كثيرَ الشَّغَب ، مُثيراً للفِتَن بين الطوائف .
قال أبو الحسن القَطِيعِي: كان إذا بلغَهُ أنَّ قاضياً أشعرياً عقد نكاحاً ،
فسخَ نِكاحَهُ ، وأفتى بأنَّ الطلاقَ لا يقعُ في ذلك النكاحِ ، فأثار فِتْناً ، فأخرجه
صاحبُ دمشق منها ، فسكن حرَّان ، ثم تملّكها نورُ الدين ، فالتمسَ منه
العَوْدَ إلى دمشق ليزُور أُمَّه ، فَأَذِنَ له بشرط أن لا يدخُلَ البلدَ ، فجاء ونزل
بكهفِ آدم ، فخرجت أمُّهُ إليه ، ثم دخل البلدَ يومَ جُمُعة ، فخاف واليها من
فِتَنِهِ ، فأمرهُ بالعودِ إلى حرَّان ، فعادَ إليها ، لقيتُه بها ، وكتبتُ عنه .
قال : وبها ماتَ في قُرب ربيع الأول سنة تسعٍ وستين وخمس مئة .
قلتُ : كان في سنة نَيِّفٍ وخمسين قد ضرب السيفُ البلخيُّ الواعظُ
أنفَ يوسفَ بنِ آدم بدمشق ، فأدماه ، فنفى نورُ الدين ابنَ آدم من دمشق ،
وكان من عوامِ المُحدثين ، مَزجِيَّ البضاعة .
أنبأني أحمدُ بنُ سلامة ، عن عبدِ الغني الحافظ ، أخبرنا يوسفُ بنُ آدم
في سنة أربع وخمسين وخمس مئة ، أخبرنا جعفرُ بنُ زيدٍ الحمويُّ ، أخبرنا
أبو الحسن ابنُ الزاغوني (ح ) وقرأتُ على محمدٍ بنِ أبي بكر الأسديِّ ،
أخبرنا يوسفُ بنُ خليل ، أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد بن علي بن عبد السلام ،
أخبرنا جدِّي ، قالا : أخبرنا أبو محمد الصَّرِيفيني ، أخبرنا الكتّاني ، أخبرنا
البَغَويُّ ، حدثنا أبو خَيْئَمة ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمشُ ، عن إبراهيم
قال : كانوا يكرهُون أَنْ يُظهِرَ الرَّجُلُ أَحْسَنَ مَا عِنْدَهُ .
٥٩١

٣٧٢ - ابن عبد *
الفقيهُ العلَّمَةُ، أبو البركات، الخَضِرُ بنُ شِبل بنِ الحُسين بن عبد
الواحد ، الحارثيُّ الدمشقيُّ الشافعيُّ، مُدرِّس الغزاليَّة والمُجاهدية(١)،
وخطيبُ دمشق .
مولدُه في سنةِ ستٍّ وثمانين وأربع مئة .
وسمع أبا القاسم النَّسيبَ ، وأبا طاهر الحِنّائي ، وسُبَيع بن قيراط ،
وعدة .
وتفقّه بجمالِ الإِسلام(٢) وغيره .
روى عنه : أبو القاسم بنُ عساكر ، وابنه بهاءُ الدين ، وأبو نصر بن
الشِّيرازي ، وجماعة .
قال ابنُ عساكر : كتبَ كثيراً من الفِقه والحديث ، ودَرَّس سنة ثماني
عشرة ، وأفتى ، وكان سديدَ الفَتَاوى، واسعَ المحفُوظ، ثّبْتاً، ذا مروءةٍ
ظاهرة ، يتكلّمُ في الخلافِ والأصولِ ، لزمتُ درسَهُ مدةً . تُوفي سنة اثنتينٍ
وستِّين وخمس مئة(٣).
٣٧٣ - عمارة **
العلّامة، أبو محمد ، عمارةُ بنُ علي بن زَيْدان الحَكَمِيُّ المَذْحجِيُّ
(*) مرآة الزمان ١٦٨/٨، ١٦٩، العبر ١٧٧/٤، طبقات السبكي ٨٣/٧، طبقات
الإِسنوي ١٠٩/٢، النجوم الزاهرة ٣٧٥/٥، الدارس ١٠٥/١، مختصر تنبيه الطالب : ٦٥ و
٧٢، شذرات الذهب ٤ /٢٠٥، تهذيب تاريخ دمشق لبدران ١٦٥/٥ .
(١) انظر ((مختصر تنبيه الطالب)) : ٦٥ و ٧٢ .
(٢) تقدمت ترجمته برقم (١٤) .
(٣) انظر ((تهذيب تاريخ دمشق)) لبدران ١٦٥/٥.
( ** ) الخريدة ( قسم الشام ) ٣ / ١٠١، الكامل ٣٩٦/١١، ٣٩٧ و٤٠٠، ٤٠١، مرآة =
٥٩٢

اليمنيُّ الشافعيُّ الفَرَضيُّ، الشاعر، صاحبُ ((الديوان)) المشهور :
وُلد سنةَ خمسَ عشرةَ وخمس مئة .
وتفقَّه بزَبيد مُدّةً ، وحج سنةَ تسعٍ وأربعين ، ونفّذه أميرُ مكة قاسمُ بنُ
فُليتة رسولاً إلى الفائزِ بمصرَ ، فامتدحه بهذه الكلمة :
الحمدُ للعِيْسِ (١) بعد العَزْمِ والهِمَمِ حَمْداً يقومُ بما أولَتْ من النِّعَمِ
تَمَنَّتِ اللُّجْمُ فيها رُتْبَةَ الخُطُمِ
لا أجْحَدُ الحقَّ عندي للرِّکابِ یَدْ
حتى رأيتُ إمامَ العَصْرِ من أَمَمِ
قَرَّبْنَ بُعْدَ مَزَارِ العِزِّ من نَظَري
ما سِرتُ من حَرَمٍ إلَّ إلى حَرَمِ
فهل درى البَيْتُ أَنِّي بَعْدَ فُرِقَتِهِ
حيثُ الخِلافَةُ مَضْروبٌ سُرادِقُها
بينَ النَّقِيضَيْنِ من عَفْوٍ ومن نِقَمِ
وللإمامةِ أنوار مُقَدَّسةٌ
وللُّبُوَّةِ آياتٌ تَنُصُّ(٢) لنا
وللمَكارِمِ أعلامٌ تُعلِّمُنا
تجلو الْبَغِيضَيْنِ من ظُلْمٍ ومن ظُلَمِ
على الخَفِيَّنِ من حُكْمٍ ومن حِكَمِ
مَدْحَ الجَزِيلَيْنِ من بأسٍ ومن كرَمِ
= الزمان ١٨٩/٨ - ١٩١، الروضتين ٢١٩/١ - ٢٢٧، وفيات الأعيان ٤٣١/٣ - ٤٣٦، مفرج
الكروب ٢١٢/١ -٢١٦ و٢٤٣ - ٢٤٦ و٢٥١ - ٢٥٧، المختصر ٥٤/٣، ٥٥، العبر
٢٠٨/٤، دول الإِسلام ٢/ ٨٤، تتمة المختصر ١٢٦/٢، ١٢٧، طبقات الإِسنوي ٥٦٥/٢ -
٥٦٨، البداية والنهاية ٢٧٦/١٢، ٢٧٧، صبح الأعشى ٥٢٦/٣، السلوك ٥٣/١، النجوم
الزاهرة ٧٠/٦، ٧١ و٧٣، حسن المحاضرة ٤٠٦/١، كشف الظنون : ١٧٧٧، شذرات
الذهب ٢٣٤/٤، ٢٣٥، معجم المطبوعات : ١٣٧٧ - ١٣٧٩، تاريخ بروكلمان ٨٠/٦ -
٨٢، وقد ألّف الدكتور ذو النون المصري كتاب ((عمارة اليمني)) طبع سنة ١٩٦٦ م.
(١) قال العلامة أبو شامة في ((الروضتين)) ٢٢٧/١: وعندي في قوله الحمد للعيس - وإن
كانت القصيدة فائقة - نفرةً عظيمة ، فإنه أقام ذلك مقام قولنا : الحمد لله ، ولا ينبغي أن يفعل ذلك
مع غير اللَّه عز وجل ، فله الحمد وله الشكر، فهذا اللفظ كالمتعين لجهة الربوبية المقدسة ،
وعلى ذلك اطراد استعمال السلف والخلف رضي الله عنهم. أهـ . وقد قال مثل هذا القول سبط
ابن الجوزي في ((مرآة الزمان )) ١٨٩/٨.
(٢) في ((الروضتين)): تضيء.
٩٣
سير ٣٨/٢٠

وللعُلىْ أَلْسُنْ تُثْنِي مَحامِدُها على الحميدَيْنِ من فِعْلٍ ومن شِيَمِ
منها :
عُقُودَ مَدْحٍ فماأَرضى لكُم كَلِمي(١)
ليتَ الكَواكب تَدْنُولي فأنْظِمَها
ثم استوطن بعدُ مصر .
قال ابنُ خَلِّكان(٢): كان شديدَ التعصُّب للسُّنَة ، أديباً ماهراً، رائجاً
في الدولة ، ثم تملك صلاحُ الدين ، فامتدحَهُ ، ثم إنه شرعَ في اتفاقٍ مع
رؤساء في إعادةِ دولةِ العُبيديين ، فتُقِلَ أمرُهم إلى صلاحِ الدين ، فشَنقَ
عُمارةَ في ثمانيةٍ في رمضان سنةً تسعٍ وستين وخمس مئة .
وقد نُسب إلى عمارة بيتٌ ، فربما وُضع عليه ، فأفتوا بقتلِهِ ، وهو :
قد كانَ أولُ هذا الأمرِ من رَجُلٍ سَعَىْ إلى أن دَعَوْهُ سَيِّدَ الأَمَمِ (٣)
وهو من بيتٍ إِمْرةٍ وتقدُّم من تهائِم الیمن من وادي وَساع يكون عن مكة
أحدَ عشَرَ يوماً .
قال عُمارة : كان القاضي محمدُ بنُ أبي عَقامة (٤) الحفائلي رأسُ أهلِ
(١) انظر القصيدة بتمامها في ((الروضتين)) ٢٢٥/١، ٢٢٦، و((وفيات الأعيان))
٤٣٢/٣، ٤٣٣، وانظر قسماً كبيراً منها في ((طبقات)) الإِسنوي ٥٦٦/٢، ٥٦٧.
(٢) في ((وفيات الأعيان)) ٤٣٣/٣ و٤٣٤، ٤٣٥، وانظر في سبب قتله ((صبح الأعشى))
٥٣٢/٣ .
(٣) البيت في ((النكت العصرية)) ٣٥٢ - ٣٥٥، و((الروضتين)) ٢٢٠/١، و(( وفيات
الأعيان)) ٤٣٥/٣، و((مرآة الزمان)) ١٩٠/٨، و((البداية والنهاية)) ٢٧٦/١٢، و((النجوم
الزاهرة)) ٧٠/٦، وفيها: ((الدين)) بدل ((الأمر))، وفي ((النكت العصرية)) و((المرآة)) و
((النجوم)): وكان بدل قد كان ، وهو من قصيدة يمدح بها شمس الدولة تورانشاه ، ويحرضه على
أخذ اليمن ، ومطلعها :
وشفرةُ السيفِ تستغني عن القَلَمِ
العِلْمُ مذ كان محتاجٌ إِلى العَلَمِ
(٤) المتوفى سنة ٥٥٤. انظر (( النجوم الزاهرة)) ٣٣٠/٥، ٣٣١.
٥٩٤

العلم والأدب بزَبيد يقولُ لي : أنت خارجيُّ هذا الوقتِ وسعيدُهُ ، لأنك
أصبحتَ تُعدُّ من أكابر التجار وأهلِ الثروة، ومن أعيان الفُقهاء الذين أفتوا ،
ومن أفضل أهلِ الأدب ، فهنيئاً لك .
وحكى عُمارةُ أنَّ الصالحِ بنَ رُزِّيك فاوضَهُ ، وقال : ما تعتقِدُ في أبي
بكرٍ وعُمر ؟ قلت : أعتقدُ أنه لولاهما لم يبقَ الإِسلامُ علينا ولا عليكم ، وأَنّ
محبتّهما واجبةٌ . فضحك ، وكان مُرتاضاً حَصيفاً، قد سمع كلامَ فُقهاء
السُّنَّة .
قلتُ : هذا حِلمٌ من الصالح على رَفْضِه .
ولعمارة فيه :
من الفَضْلِ لم تنفُقْ عليهِ(٢) الفَضَائِلُ
ولو لم يكن يدري(١) بما جھِلَ الوری
فراسِخُ من إجلالِهِ وَمَرَاحِلُ (٣)
لِيْن كانَ مِنَّا قابَ قَوْسٍ فَبَينْنَا
وله :
لي في هَوَى(٤) الرَّشَإِ العُذْرِيِّ أَعْذَارُ
لي في القُدُودِ وفي لَثْمِ الخُدُودِ وفي
هُذا اختياري فوافِقْ إِنْ رَضِيْتَ به
لُمْنِي جُزَافاً وسامِحني مُصارَفَةً
لم يَبْقَ لي مُذ أقرَّ الدَّمْعُ إِنكَّارُ
ضَمِّ النُّهُودِ لُباناتٌ وَأَوْطَارُ
أو لا فدَعْني وما أهوى وأختارُ
فالناسُ فِي دَرَجاتِ الحُبِّ أطوارُ(٥)
(١) في ((الروضتين)): أدرى .
(٢) في ((الروضتين)): لديه .
(٣) البيتان في ((الروضتين)) ٢٢٦/١.
(٤) في ((النكت العصرية)): ما عن هوى .
(٥) الأبيات في ((النكت العصرية)) ٢٦٥، و((الروضتين)) ٢٢٥/١، والثلاثة الأولى منها
في ((الكامل)) ٤٠١/١١، و((البداية)) ٢٧٦/١٢.
٥٩٥

وله بيتٌ كَيِّس في العُبيديين :
وإِن خالَفُوني في اعتقادِ التَّشَيُّعِ(١)
أفاعيلُهُم في الجُودِ أفعالُ سُنَّةٍ
قلت : يا ليته تَشَيُّعُ فقط ، بل يا ليته ترفُّض ، وإنما يُقال: هو انحلالٌ
وزَنْدقة .
ولعُمارة فضائلُ وأخبارٌ يطول بثُّها، سُقت منها في ((تاريخنا
الكبير))(٢).
وصُلب معه داعي الدعاة قاضي الديار المصرية أبو القاسمِ هِبهُ اللَّه(٣)
ابنُ كامل ، وكان صاحبَ فُنون .
٣٧٤ - العُثماني *
القاضي ، الإِمامُ المحدث ، أبو محمد ، عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمن بنِ
يحيى بنِ إسماعيل بن علي بن محمد بنِ إسماعيل بنِ الوليد بن عمرو بن
محمد بن خالدِ بن الديباجِ محمدِ بنِ عبد الله بن عمرو بن الشهيد عثمانَ بنِ
(١) البيت في ((النكت العصرية)) ورواية صدره فيه: ((مذاهبهم في الجود مذهب سنة))،
وهو من قصيدة كتب بها إلى الملك الناصر ولم ينشدها ، وترجمها بشكاية المتظلم ونكاية المتألم ،
وهي في ((النكت العصرية)) ٢٨٧ - ٢٩١.
(٢) وله مصنفات منها كتاب ((أخبار اليمن)) طبع في القاهرة سنة ١٩٥٧ بتحقيق الدكتور
حسن سليمان محمود، وكتاب (( النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية )) وهو ترجمة لنفسه
بقلمه ووصف لمساجلاته الشعرية مع الوزراء ، وقد طبعه المستشرق الفرنسي ديرنبورغ مع
مختارات من (( ديوانه)) وقطع شعرية ونثرية وسيرته ضمن كتاب ((عمارة اليمني )) سيرته وآثاره ،
صدر منه مجلدان سنتي ١٨٩٧ و١٩٠٢ في شالون بفرنسا. انظر ((معجم المطبوعات)) ١٣٧٨،
وانظر النسخ الخطية لديوانه وبعض قصائده في ((تاريخ)) بروكلمان ٨١/٦، ٨٢ .
(٣) ذكرت مصادر ترجمته في حواشي الترجمة رقم (٢٣٤) .
(*) العبر ٢١٤/٤، ٢١٥، لسان الميزان ٣٠٩/٣، النجوم الزاهرة ٨٠/٦، حسن
المحاضرة ٣٧٥/١، شذرات الذهب ٢٤١/٤، ٢٤٢، فهرس الظاهرية المنتخب من
مخطوطات الحديث الألباني : ص ٢٧٨ .
٥٩٦

عفّان ، الأمويُّ العُثمانيُّ الدِّيباجيُّ الإِسكندرانيُّ ، صاحبُ تلك الفوائد التي
نرويها .
حدث عن : أبيه ، وأبي القاسم بنِ الفحّام ، وأبي عبد اللَّه الرازي ،
وأبي بكرٍ محمدِ بنِ الوليدِ الطَّرْطُوشي(١) ، وأبي الفضل جعفرِ بنِ إسماعيل بن
خَلَف المُقرىء ، وعبد الله بن يحيى بن حمود ، وعدة . وما علمتُه رحَل .
روى عنه : الحافظُ عبدُ الغني، والحافظ عليُّ بِنُ المُفَضَّل، والحافظُ
عبدُ القادر، وحمَّادٌ الحرّانيُّ، وجعفرُ بنُ علي الهَمْداني ، وآخرون .
ويُعرف في زمانه بابنٍ أبي اليابس(٢) .
قال ابنُ المفضل : كانت عنده فنونٌ عِدة ، ولد سنةً أربعٍ وثمانين
وأربع مئة ، ومات في شوال سنةً اثنتين وسبعين وخمس مئة .
قلتُ : كان ثقةً في نفسِه . وقد قال حمّادٌ الحرَّاني : رمى أبو طاهر
السِّلَفِيُّ العُثمانيّ بالكَذِب ، فذكر لي جماعةٌ من أعيان أهلِ الإِسكندرية أنَّ
العثمانيّ كان صحيحَ السماعاتِ، ثقةً ثَبْتاً صالحاً مُتعفّفاً، يُقرِىء النحوَ واللّغةَ
والحديث ، وسمعتُ جماعة يقولون : إِنه كان يقولُ: بيني وبين السِّلَفيِّ وقفةٌ
بين يدي الله(٣) .
قال الأبّار : أكثر أبو عبد الله التَّجيبيُّ عن أبي الحجاج الثّغْري، وقال:
(١) تحرفت في ((لسان الميزان)) و((حسن المحاضرة)) إلى الطرسوسي . راجع الصفحة
٥١١ تعليق رقم (١) الترجمة (٣٢٧).
(٢) كذا في الأصل، ومثله في ((العبر)) و((الشذرات)). وفي ((لسان الميزان)): ابن أبي
الياس .
(٣) انظر ((لسان الميزان)) ٣٠٩/٣.
٥٩٧

لم أر أفضلَ منه، ولم أر بالبلادِ المَشْرقية أفضلَ من أبي محمد العُثماني ولا
أزهدَ ولا أُورعَ منه .
قلت : خرَّج تلك الفوائدَ(١) في سنة أربع عشرة وخمس مئة ، وحدَّث
بها في ذلك الوقت وهلم جراً. وكان أبوه من عُلماء الثَّغْرِ .
٣٧٥ - ابن بُنَيمان ﴾
الشيخُ العالم الأديبُ ، الصالح المُعَمَّر، أبو الفضل ، محمدُ بنُ
بُنيمان بن يوسف ، الهَمَذانِيُّ المُؤذِّنُ المُؤدِّب ، سبطُ الحافظ حَمْد بن نَصْرٍ
الأعمش .
سمع من : جدِّه ، وعَبْدُوسِ بنِ عبد الله بن عَبْدُوس ، والسَّلَّر مكيٍّ
ابنِ منصور الكَرَجيِّ ، والحسنِ بنِ ياسين ، وسعدِ بنِ علي العِجليِّ المُفْتي،
ومحمدِ بنِ جامعٍ الجوهري القطّان ، وعبد الرحمن بنٍ حَمْدٍ الدُّوني ، وعنده
((المجتبى)) و ((عمل يوم وليلة )) لابنِ السُّنِّي عن الدُّوني.
وعنه : الحافظ أبو المواهب بنُ صَصْرَى ، ويوسفُ بنُ أحمد
الشِّيرازيُّ ، وصالحُ بن المُعزِّم ، ومحمدُ بنُ محمد بن الكرابيسي ، وأحمدُ
ابنُ آدم الکرَابیسيُّ ، وآخرون .
قال السمعاني (٢): هو أبو الفضل الأشْنانِيُّ، شيخٌ أديبٌ فاضل ،
جميلُ الطريقة ، ثقةٌ، له سَمْتٌ ووقارٌ وتودُّد وصلاحٌ ، مُكثِرٌ من الحديث ،
(١) انظر ((فهرس الظاهرية المنتخب من مخطوطات الحديث)): ص ٢٧٨ .
(*) التحبير ١٠١/٢، ١٠٢، معجم شيوخ السمعاني: ق ١/٢٠٧.
(٢) في ((التحبير)) ١٠١/٢، ١٠٢.
٥٩٨

قرأ الأدبَ على أبي المُظَفَّر الأبيوَرْدِيِّ، سمعتُ من لفظه كتاب (( سُنَن
التحديث)) لصالحٍ بنٍ أحمد الهَمَذاني ، وجُزء الذُّهلي .
قلتُ : تُوفِي بَهَمَذان في ذي الحجة سنةَ ثلاثٍ وسبعين وخمس مئة وله
تسعٌ وثمانون سنة وأشهر .
بعونه تعالى وتوفيقه تم الجزء العشرون
من سير أعلام النبلاء
ويليه الجزء الحادي والعشرون وأوله
ترجمة أبي طاهر السلفي
٥٩٩

وقد جاء في آخر المجلد الثاني عشر من الأصل ما نصّه :
تم الجزء الثاني عشر من سير أعلام النبلاء للشيخ الإمام العالم العامل الحجة
الناقد البارع جامع أشتات الفنون مؤرخ الإِسلام شمس الدين أبي عبد الله
محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي فسح الله في مدته وهي أولُ نسخة نُسخت
من خطِّ المصنف وقُوبلت عليه بحسب الإِمكان ، ولله الحمد والمنة ، وبه
التوفيق والعصمة ، ويتلوه في الجزء الذي يليه إن شاء الله تعالى وهو الثالث
عشر ترجمة أبي طاهر السلفي ، وكان الفراغ من كتابته ليلة الجمعة لثلاث
بقين من جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة . الحمد لله وحده ،
وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً .
٦٠٠