النص المفهرس

صفحات 421-440

وسمع في كهولته من أبي محمد بنٍ عتَّاب وطائفة .
روى عنه ابنُه القاضي عبدُ الحق بنُ محمد ، وأبو القاسم أحمدُ بنُ بَقِي
وغيرُهما .
وتُوفي قريباً من سنة ستين وخمس مئة .
أخبرنا أبو محمد بنُ هارون في كتابه من تونس سنة سبع مئة قال :
سمعتُ ((المُوطّأ)) من ابنٍ بَقِي، أنَّ محمدَ بن عبد الحق حدَّثه سماعاً عن
الطَّلاعي .
٢٧٩ - الحَرَسْتاني *
الشيخ أبو الحسن عليُّ بنُ أحمدَ بنِ علي بن أحمد بن جعفر ، القُرشي
الحَرَسْتاني الدّمشقيُّ الْبُستاني، راوي جُزء الرافقي(١) ، سمعهُ في سنةٍ
ثمانين وأربع مئة من أبي عبدِ الله بنِ أبي الحديد ، وهو الذي عرَّفَهُم بسماعِهِ
لما رآهُم قد خرجُوا يسمعُون بالقَرية ، فقال : ما أنسى ابن أبي الحديد وقد
طَلَعَ ، وسَمِعْنا عليه، وفَرَطْتُ لهم من هذه الجَوزة، فدخل الطلبةُ ، فنبشُوا
سماعه .
روى عنه : ابنُ عساكر وابنُه ، ومحمودُ بنُ شُتَيّ ، وأبو القاسم بنُ
صَصْرى ، وابنُ غسّان ، ومُكْرم ، وكريمةُ .
تُوفي في شوال سنةً إحدى وستين وخمس مئة عن نيِّفٍ وتسعين سنة .
(*) لم نعثر على مصدرٍ ترجمه .
(١) وهو أبو الفضل العباس بن محمد بن نصر، المتوفى سنة ٣٥٦، مرت ترجمته في
الجزء السادس عشر برقم (٣٠).
٤٢١

٢٨٠ - الفَلَكي *
المولى الوزيرُ الكبيرُ الزاهدُ الصالحُ، أبو المُظَفَّر، سعيدُ بنُ سهل بن
محمد بن عبد اللَّه ، النيسابوريُّ الأصلِ، الخُوارَزْمِيُّ، المَشهورُ
بالفَلَكي .
سمع من نصرِ اللَّه بنٍ أحمد الخُشْنامي ، وعليّ بنٍ أحمد بن الأخرم
المُؤذّن .
واستوطن دمشقَ بالسُّمَيْسَاطِيّة (١).
حدث عنه بالجُزء المنسوبِ إليه : ابنُ عساكر وابنُه بهاءُ الدين ، وأبو
المواهب بنُ صَصْرىْ ، وأخوه الحُسين ، ومحمدُ بنُ الحُسين المُجاوِرُ ،
وزينُ الأمناء أبو البركات ، ومحمدُ بنُ غسان ، ومُكْرِمُ بنُ أبي الصقر ،
وطائفة .
وقد كان وَزَرَ بخوارَزْم لصاحِبِها .
وكان ذا هيبةٍ وشهامةٍ ونهضةٍ بأعباءِ الأمرِ وجُود وبذلٍ ، ثم إنه خافَ من
الملك ، فحجَّ ، وتصدّق بأموالٍ ضخمة ، وقدم دمشقَ ، ونزل بالخانقاه ،
وجدَّد بها الصُّفَّةَ الغربيّة والبِركة والقناةَ مِن ماله ، وباشر النَّظَرَ في وقفها(٢) .
(*) العبر ١٧٠/٤، الوافي بالوفيات ٢٢٤/١٥، النجوم الزاهرة ٣٧٠/٥، شذرات
الذهب ١٨٨/٤ وتحرفت نسبته فيه إلى (( العلكي)) بالعين بدل الفاء ، تهذيب تاريخ دمشق لبدران
١٣١/٦، ٠١٣٢
(١) وهي الخانقاه السميساطية ، نسبة إلى السميساطي أبي القاسم علي بن محمد بن
يحيى السلمي الدمشقي من أكابر رؤساء دمشق ، متوفى سنة ٤٥٣هـ، انظر عنها ((مختصر تنبيه
الطالب)) ١٤٤ - ١٤٦، وتقع قريبة من الباب الشمالي للجامع الأموي . لا يفصل بينها وبين
الجامع غير الحائط .
(٢) انظر ((الوافي)) ٢٢٤/١٥، و((تهذيب ابن عساكر)) ١٣٢/٦.
٤٢٢

وكان ثقةً مُتواضعاً صالحاً ، حسنَ الاعتقادِ ، أثنى عليه ابنُ عساكر
وغيره .
مات في شوال سنةَ ستَّين وخمس مئة ، ودُفن بمقابر الصُّوفيّة .
وفيها مات ببغداد شيخُ الطَّبِّ وصاحبُ التصانيف أمينُ الدولة هبة الله
ابن صاعد ابن التلميذ النصرانيُّ الشقيُّ(١)، وكان قسِّيس النصارى عُمّر أربعاً
وتسعين سنة .
٢٨١ - العَلَوي *
المولى الشريف ، أبو طالب ، محمدُ بنُ محمدِ بنِ محمدِ بنِ محمدِ بن
محمد بنٍ علي بن أبي زيد ، العلويُّ الحَسَنيُّ البصريُّ، نقيبُ الطَّالبيين
ببلده .
سمع من أبي علي عليٍّ بنِ أحمد التُّسْتَري، فحدث عنه بـ (( سُنَن))
أبي داود سماعاً للجزء الأول ، وإجازةً لسائرٍ الكتاب إن لم يكن سماعاً ،
وسمع أيضاً من جعفرِ بنِ محمد العبّاداني ، وأبي عُمر الحسنِ بنِ غسان
النحويِّ ، ومحمدٍ بن علي المُؤدِّب ابنِ العلاف .
قال السمعاني : قدمَ بغدادَ مرَّات ، وانحدرتُ في صُحبتِهِ إلى
البصرةِ ، وكان ظريفاً مطبوعاً ، كان أصحابُنا البصريُّون يقولون : إنه يكذب
كثيراً فاحشاً في أحاديث الناس .
وقال ابنُ نُقطة: قدم بغدادَ سنةً ٥٥٥، وحدَّث بها بـ (( سُنن)) أبي
(١) تقدمت ترجمته برقم (٢٤٣).
(*) العبر ١٧٢/٤، النجوم الزاهرة ٣٧٠/٥، شذرات الذهب ١٩٠/٤.
٤٢٣

داود ، حدثنا عنه أبو طالب عبدُ الرحمن بنُ محمد بن عبد السميع ، وسماعُهُ
من التُّستري في سنة اثنتين وسبعين .
وقال عمرُ بنُ علي القُرشي : أخبرنا الشريفُ أبو طالب محمدُ بنُ أبي
الحُسين محمدٍ بنِ محمد بن محمد بن عليٍّ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ عُبيد الله
ابنِ عبدِ الله بنِ عليٍّ بنِ باغِر بن عُبيدِ اللَّه بنِ عَبد الله بنِ حسنِ بنِ جعفرِ بنِ
الحسنِ بنِ الحسنِ بنِ عليٍّ بنِ أبي طالب العلوي ، ويُعْرَفُ بابنِ أبي زيد ،
قال لي : وُلِدْتُ في ربيع الأول سنةَ إحدى وستِّين وأربع مئة .
قال : وتُوفي في ربيع الأول سنةً ستين وخمس مئة .
وأما السَّمعاني ، فقال : وُلِدَ سنة تسعٍ وستين .
وقال ابنُ النجَّار : سألتُ النقيبَ أبا جعفر محمدَ بنَ محمدٍ عن والده :
متى وُلد ؟ فقال : سنةً تسع وستين .
قلتُ: استقدمهُ الوزيرُ ابنُ هُبيرة، وسمع منه (( السُّنَن)) لأبي داود ،
وقد حدثَ به عنه الحافظُ أبو الفتوح نصرُ بنُ الحُصري بالسماعِ المُتَّصل ،
وقال : أخبرتُ أنَّ سماعَه له ظهَرَ بعد ذلك .
ثم قال ابنُ نقطة : هذا القولُ عندي فيه نظَرٌ ، لأنَّا لم نسمع أحداً قالهُ
غيرَ ابنِ الحُصري ، والصحيحُ عندي ما قيَّدهُ أبو المحاسن القُرشي يعني
الجزء الأول فقط ، وآخرهُ كراهيةُ مسِّ الذكرِ في الاستبراءِ .
قلت : قد روى الكتابَ المقدادُ بنُ أبي القاسم القَيْسيُّ سماعاً من ابنٍ
الحُصري متصلاً، وأجاز لي روايته .
وأنبأنا أحمدُ بنُ سلامة ، عن أحمدَ بنٍ طارق ، أَنَّ أبا طالب العلويَّ
أنشدهم لنفسه :
٤٢٤

لا تَشكُوَنْ دَهراً سَطَا شَكْواكُهُ عَيْنُ الخَطَا
إِنْ جَارَ يَوْماً وامْتَطَى
واصْبِرْ علىَ حَدَثانِهِ
يَوْمَاهُ بؤسٌ أو عَطَا
الدَّهْرُ دَهْرٌ قُلَّبٌ
وفيها مات أبو العباس بنُ الحُطَيئة(١) ، وأبو الندى حسانُ بنُ تميم
الزيّات(٢)، وخُزيفة بنُ سَعْد بن الهاطرا(٣) ، والوزيرُ سعيدُ بنُ سهل
الخوارزميُّ الفَلكي (٤) بدمشق، وأبو الفضل عبدُ الواحد بنُ إبراهيم بنِ
القُرَّةُ(٥) ، وعليُّ بنُ أحمد بن محمد الأَصْبهاني اللبّاد(٦) ، وعليُّ بنُ أحمد بن
مُقاتل السوسي(٧)، ومُفتي الجزيرة أبو القاسم عمرُ بنُ محمد بن البزري
الشافعي (٨) عن تسعٍ وثمانين سنة، والعدلُ محمدُ بنُ عبد الله بن العباس
الحرّاني ببغداد(٩) ، وأبو يعلى الصغير محمدُ بنُ أبي حازم بن أبي يعلى بن
الفراء شيخُ الحنابلة (١٠)، والوزيرُ عونُ الدين بنُ هُبَيرة (١١)، وصاحبُ مَلَطْيَة
ياغي أرسلان بنُ دانشمد(١٢).
(١) تقدمت ترجمته برقم (٢٣٤).
(٢) تقدمت ترجمته برقم ( ٢٧١) .
(٣) سترد ترجمته برقم (٢٨٥).
(٤) تقدمت ترجمته برقم (٢٨٠).
(٥) ذكرت مصادر ترجمته في نهاية الترجمة ( ٢٧١ ) .
(٦) تقدمت ترجمته برقم (٢٣٩).
(٧) تقدمت ترجمته برقم (١٦٤).
(٨) تقدمت ترجمته برقم (٢٤٠).
(٩) تقدمت ترجمته برقم (٢٤١).
(١٠) تقدمت ترجمته برقم (٢٤٢) .
(١١) وهو صاحب الترجمة التالية .
(١٢) مترجم في ((العبر)) ١٧٢/٤ و((شذرات الذهب)) ١٩١/٤.
٤٢٥

٢٨٢ - ابن هُبَيرة *
الوزيرُ الكاملُ ، الإِمامُ العالِمُ العادلُ ، عونُ الدين ، يمينُ الخلافة ،
أبو المُظَفَّر يحيى بنُ محمدِ بنِ هُبيرة بنِ سعيدِ بنِ الحسن بن جَهْم ، الشَّيبانِيُّ
الدُّورِيُّ العراقيُّ الحنبليُّ ، صاحبُ التصانيف .
مولدُه بقرية بني أَوْقر من الدُّورِ(١) أحدٍ أعمالِ العراق في سنة تسع
وتسعين وأربع مئة .
ودخل بغدادَ في صِباهُ ، وطلب العلمَ ، وجالس الفُقهاء ، وتفقّه بأبي
الحسين بنِ القاضي أبي يعلى والأدباء ، وسَمِعَ الحديثَ ، وتلا بالسَّبْع ،
وَشَارَكَ فِي عُلومِ الإِسلام ، ومَهَرَ في اللُّغة ، وكان يَعْرِفُ المذهبَ والعربِيَّة
والعَرُوض، سَلَفّاً أثريّاً، ثم إنه أمضَّه الفقرُ، فتعرَّض للكتابة ، وتقدَّم ،
وترقّى ، وصار مُشارف الخِزَانة ، ثم ولي ديوان الزِّمام(٢) للمُقتفي لأمرِ اللَّه،
ثم وزرَ له في سنة ٥٤٤ ، واستمر ووزر من بعده لابنه المُستنجد .
وكان ديّناً خيِّراً مُتعبِّداً عاقلاً وقوراً مُتواضعاً، جزلَ الرأي ، بارّاً
(*) الخريدة ٩٦/١، المنتظم ٢١٤/١٠ - ٢١٧، الكامل ٣٢١/١١، مرآة الزمان
١٥٩/٨ - ١٦٣، الروضتين ١٤١/١، وفيات الأعيان ٢٣٠/٦ - ٢٤٤، مفرج الكروب
١٤٧/١، الفخري: ٣١٢ - ٣١٥، المختصر ٤٢/٣، تراجم ابن عبد الهادي خ ٢/١١٠ ،
العبر ١٧٢/٤، ١٧٣، دول الإِسلام ٧٤/٢، ٧٥، تتمة المختصر ١٠٦/٢، مرآة الجنان
٣٤٤/٣ - ٣٤٦، البداية والنهاية ٢٥١/١٢، ذيل طبقات الحنابلة ٢٥١/١ - ٢٨٩، تاريخ ابن
خلدون ٥٢٤/٣، مطالع البدور ١١٤/٢، النجوم الزاهرة ٣٦٩/٥، ٣٧٠، الدر المنضد في
رجال أحمد للعليمي ورقة ٢/٧١، ١/٧٢، كشف الظنون : ٣٣، ١٠٣، ١٤٦٢، شذرات
الذهب ١٩١/٤ - ١٩٧، إيضاح المكنون ١٥٥/١ و٧٧/٢، هدية العارفين ١٥٩/٨ - ١٦٣.
وقد ذكر ابن رجب في ((طبقاته)) ٢٨٢/١ ان له ترجمة في ((معجم الأدباء))، ولم أجدها فيه .
(١) انظر ((معجم)) البلدان)) ٤٨١/٢.
(٢) انظر حواشي الترجمة ( ١٩٩).
٤٢٦

بالعلماء ، مُكبّاً مع أعباء الوزارةِ على العلمِ وتدوينِهِ ، كبيرَ الشأن ، حسنةً ..
الزمان .
سمع أبا عثمان بنَ مَّة ، وهبةَ اللَّه بنَ الحُصَين ، وخلقاً بعدهما .
وسمع الكثيرَ في دولتِهِ ، واستحضرَ المشايخَ ، وبجَّلَهم ، وبذل لهم .
قال ابنُ الجوزي(١) : كان يجتهدُ في اتّباع الصواب ، ويَحْذَرُ من
الظُّلم ولا يلبَسُ الحريرَ ، قال لي : لما رجعتُ من الحِلَّة ، دخلتُ على
المُقتفي ، فقال لي : ادخُل هذا البيتَ ، وغَيِّر ثيابَك ، فدخلتُ ، فإذا خادِمٌ
وفرّاشٌ معهم خِلَعُ الحرير، فقلتُ: واللَّهِ ما ألبَسُها . فخرج الخادمُ ، فأخبرَ
الخليفةَ ، فسمعتُ صوتَه يقولُ : قد واللَّهِ قلتُ : إِنه ما يلبَسُه . وكان المُقتفي
مُعجَباً به ، ولما استُخلف المُستنجِدُ ، دخل ابنُ هُبيرة عليه ، فقال : يكفي
في إخلاصي أني ما حابيتُك في زمنٍ أبيك ، فقال : صدقتَ .
قال(٢): وقال مُرجانُ الخادمُ : سمعتُ المُستنجدَ باللَّه ينشِدُ وزيرَهُ وقد
قام بين يديه في أثناء مفاوضةٍ ترجِعُ إلى تقريرٍ قواعدِ الدين والصلاحِ ،
وأنشدهُ لنفسه (٣):
ضَفَتْ نِعمتانِ خصَّتَاكَ وعَمَّتَا فَذِكْرُهُمَا حَتَّى القِيَامَةِ يُذْكَرُ (٤)
(١) في ((المنتظم)) ٢١٤/١٠.
(٢) ((المنتظم)) ٢١٤/١٠.
(٣) الأخيران منها لنفسه ، والأولان لابن حيُّوس من قصيدة يمدح بها نصر بن محمود بن
نصر بن صالح بن مرداس أمير حلب ، قتلته التركمان سنة ٤٦٨ ، ومطلع القصيدة :
أو الخير إلا ما تُذيع وتُضمِرُ
هل العدلُ إلا دون ما أنت مُظهِرُ
وهي في ((ديوانه)) ٢٦٩/١ - ٢٧٥ بتحقيق خليل مردم بك.
(٤) رواية ((الديوان)): حديثهما حتى القيامة يؤثر .
٤٢٧

وُجُودُكَ والمَعْرُوفُ في النَّاسِ يُنكَرُ(١)
وُجُودُكَ والدُّنيا إِلَيْكَ فَقِيرَةٌ
ويحيى لكَفَّا عَنْهُ يحيى وجَعْفَرُ (٢)
فَلَوْ رَامَ یا یحیی مَكانَكَ جَعْفَرٌ
سمُظَفَّر إلا كُنْتَ أَنْتَ المُظَفَّرُ
ولم أَرَ مَنْ يَنْوي لكَ السُّوءَ يا أبا الـ
قال ابنُ الجوزي (٣): وكان مُبالغاً في تحصيلِ التعظيمِ للدولة ، قامِعاً
للمُخالفين بأنواع الحِيَل ، حسمَ أمورَ السَّلاطين السَّلجوقيّة ، وقد كان آذاهُ
شحنةٌ في صِباه ، فلما وزر ، استحضرهُ وأكرمهُ ، وكان يتحدَّثُ بنعم اللَّهِ ،
ويذكر في منصبه شدةً فقرِهِ القديم ، وقال : نزلتُ يوماً إلى دِجلةَ وليس معي
رغيفٌ أعبر به . وكان يُكْثِرُ مجالسةَ العُلماء والفُقراء ، ويبذُلُ لهم الأموالَ ،
فكانت السَّنَةُ تدورُ وعليه دُيُونٌ ، وقال : ما وجبتْ عليَّ زكاةٌ قطُّ . وكان إذا
استفاد شيئاً من العلم ، قال : أفادنيه فُلان . وقد أفدتُه معنى حديث ، فكان
يقول : أفادنيهِ ابنُ الجَوزي، فكنتُ أستحيبى ، وجعلَ لي مجلساً في دارهِ كُلَّ
جُمعة ، ويأذَنُ للعامَّة في الحضُور، وكان بعضُ الفقراء يقرأُ عندهُ كثيراً ،
فأعجبه ، وقال لزوجتِهِ : أُريد أن أزوّجه بابنتي، فغضبت الأُمُّ . وكان يُقرأ
عنده الحديثُ كلَّ يومٍ بعدَ العصرِ ، فحضر فقيةٌ مالكيُّ ، فذُكِرَتْ مسألةٌ ،
فخالَفَ فيها الجمعَ ، وأصرَّ، فقال الوزيرُ : أحمارٌ أنتَ! أما ترى الكُلَّ
يُخالفونك ؟! فلما كان مِن الغدِ ، قال للجماعةِ : إِنه جرى مني بالأمسِ في
حقِّ هذا الرجلِ ما لا يليقُ ، فليقُلْ لي كما قلتُ له ، فما أنا إلا كأحدِكُم ،
فضجَّ المجلسُ بالبكاءِ ، واعتذرَ الفقيهُ ، قال : أنا أولى بالاعتذارِ ، وجعل
يقولُ : القِصاصَ القِصاصَ ، فلم يزل حتى قال يوسفُ الدِّمشقيُّ : إِذْ أبى
(١) في ((الديوان)): وجودك والمعروف في الخلق منكر .
(٢) يقصد بهما الوزيرين الكبيرين يحيى بن خالد البرمكي وابنه جعفر بن يحيى، وزرا
لهارون الرشيد ، مرت ترجمتها في الجزء التاسع برقمي (١٨) و (٢٨ ).
(٣) في ((المنتظم)) ٢١٤/١٠، ٢١٥.
٤٢٨

القِصاصَ فالفِداء ، فقال الوزير: له حُكْمُهُ . فقال الفقيهُ : نِعِمُكَ علي
كثيرةٌ ، فأَيُّ حُكمٍ بقي لي ؟ قال : لا بُدَّ . قال : عليَّ دينٌ مئة دينار . فأعطاهُ
مئتي دينار ، وقال: مئةُ لإِبراء ذِمَّته ، ومثَةً لإِبراء ذمَّتي(١).
وما أحلى شِعْرَ الحَيْصِ بَيص فيه حيث يقولُ :
كما هَزَّ شَرْبَ الحَيِّ صَهْبَاءُ قَرْقَفُ
يَهُزُّ حَدِيثُ الجُودِ سَاكِنَ عِطْفِهِ
غمامٌ وماسَ السَّمهريُّ المُثقَّفُ(٢)
إذا قيل عَونُ الدِّين يحيى تألَّقَ الـ
قال ابنُ الجوزي (٣): كان الوزيرُ يتأسَّفُ على ما مضى، وينْدَمُ على ما
دخلَ فيه ، ولقد قال لي : كان عندنا بالقرية مسجدٌ فيه نخلةٌ تحمِلُ ألفَ
رطل ، فحدثتُ نفسي أن أُقيم في ذلك المسجد ، وقلتُ لأخي مجدِ الدين :
أقعُدُ أنا وأنت ، وحاصِلُها يكفينا ، ثم انظُرُ إلى ما صِرتُ . ثم صار يسألُ اللَّهَ
الشهادةَ ، ويتعرَّضُ لأسبابِها ، وفي ليلة ثالث عشر جُمادى الأولى سنة ستين
وخمس مئة استيقظَ وقتَ السَّحَر، فقاءَ ، فحضَرَ طبيبُهُ ابنُ رشادة ، فسقاهُ
شيئاً ، فيقال: إِنه سمَّه ، فمات ، وسُقي الطبيبُ بعدَه بنصفٍ سنة سُمّاً ،
فكان يقولُ : سَقَيْتُ فسُقِيت ، فماتَ ، ورأيتُ أنا وقتَ الفجرِ كأَنِّي في دار
الوزيرِ وهو جالسٌ ، فدخل رجلٌ بيده حربةٌ ، فضربه بها ، فخرج الدمُ
كالفَوَّارة ، فالتَّفَتُّ فإذا خاتمُ ذهب، فأخذتُهُ ، وقلتُ : لمن أُعطيه ؟ أنتظِرُ
خادماً يَخْرُجُ فَأَسَلِّمُهُ إليه ، فانتبهتُ ، فأخبرتُ من كان معي، فما استتممت
الحديثَ حتى جاء رجلٌ ، فقال : مات الوزيرُ ، فقال رجلٌ : هذا مُحال ، أنا
فارقتُه في عافيةٍ أمس العصرَ ، فنفَّذوا إليَّ ، وقال لي ولدُهُ : لا بد أن تُغَسِّله ،
(١) انظر ترجمة الأشيري التي سترد برقم (٢٩٤).
(٢) البيتان في ((ديوانه)).
(٣) في ((المنتظم)) ٢١٦/١١.
٤٢٩

فغسَّلْتُهُ، ورفعتُ يدهُ ليدخُل الماءُ في مغابِهِ ، فسقط الخاتِمُ من يدهِ حيثُ
رأيتُ ذلك الخاتِّم ، ورأيتُ آثاراً بجسدِهِ ووجهه تدلُّ على أنه مسمومٌ ،
وحُمِلَتْ جنازتُه إلى جامع القصر ، وخرج معه جمعٌ لم نرهُ لمخلوقٍ قطُّ ،
وكثر البكاءُ عليه لما كان يفعَلُه من البِرِّ والعدلِ، ورثَتْهُ الشُّعراءُ(١) .
قلتُ: له كتابُ ((الإِفصاح عن معاني الصحاح)) شرح فيه
((صحيحَي)) البُخاري ومُسلم في عشرٍ مجلَّدات(٢)، وأَّف كتاب
(( العبادات)) على مذهب أحمد ، وله أرجوزة في المقصور والممدود ،
وأخرى في علم الخطّ، واختصر كتاب ((إصلاح المُنْطِق)) لابن
السَّكِّيت(٣).
وقيل : إِن الخَيْص بَيْص دخل على الوزير ، فقال الوزير : قد نظمتُ
بيتين ، فعزِّزهما :
فما شَفَاني منه الضَّمُّ والقُبَلُ
زار الخَيَالُ نَحیلاً مِثْلَ مُرْسِلِهِ
على الرُّقادِ فَيَنْفِيهِ ويَرْتَحِلُ
ما زارَني الطَّيْفُ(٤) إلا كي يُوافِقَني
(١) انظر بعض رثائه في ((المنتظم)) ٢١٧/١٠ و((طبقات)) ابن رجب ٢٨٦/١، ٢٨٧.
(٢) قال ابن رجب: ولما بلغ فيه إلى حديث (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) شرحه ،
وتكلم على معنى الفقه ، وآل به الكلام إلى ذكر مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين
الأئمة الأربعة المشهورين ، وقد أفرده الناس من الكتاب ، وجعلوه بمفرده مجلدة ، وسموه بكتاب
((الإفصاح)) وهو قطعة منه. ((ذيل طبقات الحنابلة)) ٢٥٢/١. وقد طبع في حلب سنة ١٩٢٨م
نشره العلامة الأستاذ محمد راغب الطباخ رحمه الله .
(٣) انظر بقية تصانيفه في ((طبقات)) ابن رجب ٢٥٢/١، ٢٥٣، و((هدية العارفين))
٥٢١/٢. قال ابن رجب: وقد صنف ابن الجوزي كتاب ((المقتبس من الفوائد العونية)) ذكر فيه
الفوائد التي سمعها من الوزير عون الدين ، وأشار فيه إلى مقاماته في العلوم ، وانتقى من زبد كلامه
في ((الإفصاح)) على الحديث كتاباً سماه ((محض المحض)). وانظر بعض شعره في ((طبقات))
ابن رجب ١ /٢٨٠ - ٢٨٢.
(٤) في ((وفيات الأعيان)): ((قطُّ )) بدل ((الطيفُ)).
٤٣٠

فقال الحَيْص بَيْص بديهاً:
وما دَرى أَنَّ نَومي حيلةٌ نُصِبَتْ لوصْلِهِ حينَ أعيا اليَفْظَةَ الحِيَلُ(١)
قال أبو المُظفَّر سبطُ ابنِ الجوزي(٢): وقد اضطُرَّ ورثةُ الوزيرِ ابنٍ هُبيرة
إلى بيعِ ثيابِهم وأثائِهم ، وبيعت كُتُبُ الوزيرِ الموقوفةُ على مدرسته ، حتى
لقد أبيع ((البستان))(٣) لأبي اللَّيثِ السَّمَرْقَنْدِي في الرقائق [بخط منسوبٍ وكان
مُذَهَّباً] بدانِقَين وحبّة، وقيمتُهُ عشرةُ دنانير ، فقال واحد : ما أرخص هذا
البُستان ! فقال جمالُ الدين بنُ الحُصين : لِثِقَلِ ما عليه من الخَرَاج - يُشير
إلى الوَقْفِيَّةِ - فأُخِذَ وضُرِبَ وحُبس .
قلت : وزر بعدَه الوزيرُ أبو جعفر أحمدُ بنُ البَلَدي (٤)، فشرع في تتُع
بَنِي هُبيرة، فَقَبض على ولدَي عونِ الدين محمدٍ وظفر(٥)، ثم قتلَهما،
وجرى بلاءٌ عظيم ، نسألُ اللَّهَ السلامةَ بمنِّه .
قرأتُ على أحمدَ بنِ إسحاق بنِ الوَبْري ، أخبرك الحسنُ بنُ إسحاق
الكاتب ، أخبرنا أبو المُظَفَّر يحيى بنُ محمدٍ الوزيرُ قال : قرأتُ على المُقْتَفي
لأمرِ اللَّه محمدِ بنِ أحمد العبّاسي ، حدثكم أبو البركات أحمدُ بنُ عبد
(١) أورد الأبيات الثلاثة ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) ٥٧/٦ في ترجمة الشاعر ابن
القطان البغدادي ( الذي تقدمت ترجمته برقم ٢٣١ ) وذكر انه - أي ابن القطان - هو الذي أنشد
البيتين الأولين أمام الوزير علي بن طراد الزينبي ، وطلب من الحيص بيص أن يعززهما بثالث ،
فأنشده البيت الأخير ، وهو في (( ديوانه)) ١٦/٢.
(٢) في ((مرآة الزمان)) ١٦٣/٨.
(٣) وهو كتاب ((بستان العارفين)) في الأحاديث والآثار الواردة في الآداب الشرعية والخصال
والأخلاق وبعض الأحكام الفرعية. انظر ((كشف الظنون)) ٢٤٣/١ .
(٤) سترد ترجمته برقم (٣٦٨).
(٥) في بعض نسخ ((وفيات الأعيان)): ((مظفر))، انظر ٢٤٢/٦.
٤٣١

الوهّاب السِّيبي، أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد الصَّرِيفيني (ح ) وأخبرنا أحمدُ
أخبرنا المباركُ بنُ أبي الجود ، أخبرنا أحمدُ بنُ أبي غالب ، أخبرنا
عبدُ العزيز بنُ علي ، قالا : أخبرنا أبو طاهر المُخَلِّص ، حدثنا أبو حامد
الحَضْرميُّ، حدثنا عيسى بنُ مُسَاور، حدثنا يَغْنَمُ بنُ سالم ، حدثنا أنسُ بنُ
مالك قال: قال رسولُ اللّه ◌ِوَهُ: ((طُوبى لِمَنْ رآني وَآمَنَ بِي، وَمَنْ رأى مَنْ
رَآَنِي، وَمَنْ رَأَى مَنْ رأى من رآني)).
هذا الحديث تُساعي لنا ، لكنه واوٍ لضعف يَغْنَم ، فإِنه مُجْمعٌ على
ترکهِ(١) .
٢٨٣ - الرُّسْتَميّ *
الشيخُ الإِمامُ المُفتي القُدوةُ المُسند، شيخُ أَصْبهان ،
(١) بل قال ابن حبان : كان يضع على أنس بن مالك ، وقال ابن يونس : حدث عن أنس
فكذب . أخرجه الحاكم ٨٦/٣ من طريق جميع بن ثواب ، حدثنا عبد الله بن بسر صاحب النبي
وَل، قال: قال رسول اللّه وَي: ((طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، ولمن رأى من
رأى من رآني وآمن بي)) وقال : هذا حديث قدروي بأسانيد قريبة عن أنس بن مالك ، وأقرب هذه
الروايات إلى الصحة ما ذكرنا)) وتعقبه الإِمام الذهبي فقال : جميع واهٍ . قلت : لكنه لم ينفرد به ،
فقد توبع عليه ، أخرجه الضياء المقدسي في (( الأحاديث المختارة)) ورقة ٢/١١٣ من طريق أبي
يعلى والطبراني بإسناديهما عن بقية، وقال الطبراني عنه : حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن
عرق اليحصبي ، عن عبد الله بن بسر ... وهذا سند حسن في المتابعات ، فيتقوى الحديث به ،
وانظر ((المجمع)) ٦٧/١٠. وفي الباب عن ابن عمر عند الطيالسي (١٨٤٥) بلفظ ((طوبى لمن
رآني وآمن بي ، وطوبى لمن لم يرني وآمن بي ثلاثاً )) وفي سنده العمري وهو ضعيف ، وله شاهد
من حديث دراج عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري عند أحمد ٧١/٣ ، وابن حبان
(٢٣٠٢) والخطيب في ((تاريخه)) ٤ / ٩١ وآخر من حديث أبي عبد الرحمن الجهني عند أحمد
١٥٢/٤ وسنده حسن. وثالث من حديث أبي أمامة عند أحمد ٢٤٨/٥ و٢٥٧ و٢٦٤، ومن
حديث أنس عند أحمد ١٥٥/٣ بلفظ (( طوبى لمن آمن بي ورآني مرة ، وطوبى لمن آمن بي ولم
يرني سبع مرار)) فالحديث صحيح بشواهده .
(*) الأنساب ١١٥/٦ - ١١٧، المنتظم ٢١٩/١٠، الكامل ٣٢٣/١١، اللباب ٥٢/٢، =
٤٣٢

أبو عبد اللَّه(١) ، الحسنُ بنُ العباس بن علي(٢) بن حسن بن علي بن الحسن
محمد بن الحسن بن علي بن رُسْتُم ، الرُّسْتُمِي الأَصْبَهانيُّ، الفقيهُ
الشافعيُّ ، الزاهد .
مولدُه في صَفَر سنةَ ثمانٍ وستين وأربع مئة .
وسمع أبا عمرو عبدَ الوهّاب بنَ مَنْدَة ، ومحمودَ بنَ جعفرِ الكَوْسَجَ ،
والمُطَهَّرَ بنَ عبد الواحد البُزَاني ، وإبراهيمَ بنَ محمد الطّان ، وأبا بكر محمدَ
ابنَ أحمد السِّمسار ، والفضلَ بنَ عبد الواحد ، وعبدَ الكريم بنَ عبد الواحد
الصّحّاف، وأبا عيسى عبد الرحمن بن محمد بن زياد ، وأبا منصور بنَ
شَكْرُوِيه ، وسليمانَ بنَ إبراهيم الحافظ ، وأحمدَ بنَ عبدِ الرحمن الذَّكواني ،
وسهلَ بنَ عبد اللَّه الغازي، وأبا الخير محمد بن أحمد بن رَرَا ، ورزقَ اللَّهِ
التميميَّ، والرئيسَ الثَّقَفيَّ، وطِراداً الزَّيْنَبِيَّ، وطائفةٌ .
حدث عنه : السمعانيُّ ، وابنُ عساكر ، وأبو موسى المَدِيني ، وشرفُ
ابنُ أبي هاشم البغدادي ، وأحمدُ بنُ سعيد الخِرَقِيُّ ، وأبو الوفاء محمودُ بنُ
مَنْدَة ، وعددٌ أمثالهم .
وروى عنه بالإِجازة: أبو المُنَجّا ابنُ اللَّتِّي، وكريمةُ وصفيَّةُ بنتا عبد
الوهّاب بنِ الحَبَقْبَقِ ، وعجيبةُ بنتُ الباقداري .
= مرآة الزمان ١٦٤/٨، العبر ١٧٤/٤، دول الإسلام ٧٥/٢، الوافي بالوفيات ٦١/١٢، طبقات
السبكي ٦٤/٧ - ٦٥، طبقات الإسنوي ٥٨٧/١، ٥٨٨، البداية والنهاية ٢٥١/١٢، النجوم
الزاهرة ٣٧٢/٥ ، شذرات الذهب ١٩٨/٤.
(١) في ((الأنساب)) و((اللباب)): أبو علي.
(٢) في ((الأنساب)) و((اللباب)) ... بن العباس بن أبي الطيب بن علي ، فالظاهر أن أبا
الطيب هو علي، ولفظ (( بن)) بينهما زائد .
٤٣٣
سیر ٢٨/٢٠

قال السمعاني : إِمامٌ فاضلٌ ، مُفتي الشافعية ، وهو على طريقة
السلف ، له زاوية بجامعِ أَصْبهان ، مُلازِمُها في أكثرٍ أوقاته .
وقال عبدُ اللَّه (١) الجُبّائي: ما رأيتُ أحداً أكثر بُكاءً من الرُّسْتَمي.
وقال الجُبّائي : سمعتُ محمدَ بنَ سالار ، سمعتُ أبا عبد الله
الرُّسْتمي يقول : وقفتُ على ابنِ ماشاذه وهو يتكلّمُ على الناس ، فلما كان في
الليل ، رأيتُ ربَّ العِزَّةِ في المنامِ وهو يقولُ لي : يا حسن ، وقفتَ على
مُبتدع، ونظرتَ إليه ، وسمعتَ كلامه ، لأحرمنَّكَ النظرَ في الدنيا .
فاستيقظتُ كما ترى(٢) .
قال الجُبَّائي: كانت عيناهُ مفتوحتين وهو لا يَنْظُرُ بهما.
قلت : وممن روى عنه الحافظُ عبدُ القادر الرُّهاويُّ ، وقال فيه : كان
فقيهاً زاهداً وَرِعاً بَكَّاءً ، عاش نيّفاً وتسعين سنةً ، ومات سنة ستين . كذا
قال ، ثم قال : وحضرتُهُ يوم موتِه وخرج الناسُ إلى قبرِه أفواجاً ، وأملى
شيخُنا الحافظُ أبو موسى عند قبره مجلساً في مناقبِهِ ، وكان عامَّةُ فُقهاءٍ أَصْبَهان
تلامذته حتى شيخنا أبو موسى عليه تفقَّه ، وكان أهلُ أَصْبَهان لا يثِقُون إلا
بفَتْواهُ ، وسألني شيخنا أبو طاهر السِّلَفي عن شُيوخ أَصْبهان ، فذكرتُه لهُ ،
فقال : أعرِفُه فقيهاً متنسِّكاً .
(١) في الأصل: أبو عبد الله، وهو خطأ، وهو أبو محمد عبد الله بن أبي الحسن بن أبي
الفرج الجُبّالي بضم الجيم وفتح الباء المعجمة بواحدة وتشديدها ، نسبة إلى الجُبَّة من أعمال
طرابلس، وقد تصحفت في ((المنتظم)) ٢١٩/١٠ إلى ((الحياني)) بالحاء المهملة بعدها ياء مثناة
تحتية، انظر ((المشتبه)) ١٢٧، و((تبصير المنتبه)) ٢٨٨/١، وهو متوفى سنة ٦٠٥هـ، ستأتي
ترجمته في الجزء الحادي والعشرين ٢٥١ .
(٢) سيذكر المؤلف خبراً آخر فيه أنه ذهبت عيناه من كثرة بكائه .
٤٣٤

:
وقال السمعاني : إِمامٌ متديِّن ورِعٌ، يُزجي أكثرَ أوقاتِهِ في نشرِ العلم
والفُتيا .
وقال أبو موسى المَدِيني : أقرأ الرُّسْتَمي المذهبَ كذا كذا سنةً ، وكان
من الشُّدَّاد في السُّنَّة .
قال عبدُ القادر : سمعتُ بعضَ أصحابنا الأَصْبَهانيين يحكي عنه أنه
كان في كل جُمُعَةٍ ينفرِدُ يبكي فيه ، فبكى حتى ذهبت عيناه ، وكنا نَسْمَعُ عليه
وهو في رثاثةٍ من الملبسِ والمَفْرش لا يُساوي طائلاً ، وكذلك منزلُهُ ، وكانت
الفِرَقُ مجتمعةً على محبَّتِهِ .
قال أبو موسى : تُوفي مساءً يوم الأربعاء ثاني صفر سنة إحدى وستين
وخمس مئة .
٢٨٤ - ابن رِفَاعة ﴾
الشيخُ الفقيهُ العالم الفَرَضيُّ الإِمامُ ، مُسنِدُ وقتِهِ ، أبو محمد ،
عبدُ الله بن رِفاعة بنٍ غَدير بن علي بن أبي عمر بن أبي الذيَّال بن ثابت بن
نُعيم ، السَّعْدِيُّ المصريُّ الشافعي .
مولدُهُ(١) في ذي القَعْدَة سنةً سبعٍ وستِّين وأربع مئة .
ولازم القاضي أبا الحسَنَ الخِلَعيَّ(٢) وأكثر عنه، وتفقّه به ، وسمع منه
((السيرةَ)) الهِشَامِيَّة، والفوائدَ العِشرين، و((السُّنَن)) لأبي داود ، وغيرَ
(*) العبر ١٧٤/٤، دول الإِسلام ٧٥/٢، طبقات السبكي ١٢٤/٧، طبقات الإِسنوي
٥٤/٢، النجوم الزاهرة ٣٧٢/٥، حسن المحاضرة ٤٠٦/١، شذرات الذهب ١٩٨/٤.
(١) في الأصل مولى ، والصواب ما أثبتناه .
(٢) المتوفى سنة ٤٩٢هـ، مرت ترجمته في الجزء التاسع عشر برقم (٤٢).
٤٣٥

ذلك ، فكان خاتمةً من سمع منه .
حدث عنه : التاجُ المسعوديُّ، وأبو الجُود المُقرىء ، ومحمدُ بنُ
يحيى بن أبي الرَّدّاد ، ويحيى بنُ عَقِيل بن شَريف بن رِفاعة ، والقاضي
عبدُ الله بنُ محمد بن مُجلي الشافعي ، والحسنُ بنُ عقيل ، وأبو البركات
عبدُ القويِّ بنُ الجَبَّاب، وهبةُ اللَّه بنُ حيدرة ، ومحمدُ بنُ عماد ، وأبو صادق
ابنُ صَبّاح ، وآخرون .
وكان مُقدماً في الفرائض والحساب .
ولي قضاءَ الجِيزة مدةً ، ثم استعفى ، فأعفي ، واشتغل بالعبادة .
مات في ذي القَعْدة سنةَ إحدى وستِّين وخمس مئة .
قال حمّادٌ الحرّاني : حكى لي ابنُ رِفاعة قال : كنتُ يتيماً ، وكان
الخِلَعِيُّ يُؤويني ، فمررتُ يوماً بجامعِ مصر ، فجلستُ في حلقةِ حديث ،
وسمعتُ جزءاً، فسألتُ : من ذا الشيخ ؟ فقيل: هو الحبَّل ، فعدتُ إلى
الخِلَعيِّ ، فأخبرتُه ، فعنَّفَني ، وطردَني ، وكان بينهما شيءٌ أَظنّه من جهةٍ
الاعتقاد ، فلم أَعُدْ إلى الحبَّال ، ولم أظفر بما سمعتُ منه .
قال الحافظُ أبو الطاهر إسماعيلُ بنُ الأنماطي : سمعتُ أبي - وكان قد
صَحِبَ ابنَ رِفاعة كثيراً وسمع منه - يقول : كان ابنُ رِفاعةً قد انقطع في مسجدٍ
بقَرَافَةٍ مصر ، وكانت كتُبُه عندهُ في عُلِّيّة يُحِي الليلَ كُلَّه فيها ، وكانت له
زوجةٌ صالحٌ ، وكان يمنعُها من المبيتِ في العُلَِّّة ، فسألْهُ ليلةً المبيتَ بها ،
فأجابَها ، فجلستْ ، وقام يُصلِّي وردَهُ ، فسمعتْ صوت إنسانٍ يُعذّبُ ،
فغُشي عليها ، وبكت واضطربَتْ ، وأصبحت مريضةً ، وماتت بعد أيام ،
وأراني أبي قبرها .
٤٣٦

قال عمرُ بنُ محمد العُليمي : تطلبتُ سماَعَ ابنِ رِفَاعة لفوائد
الخِلَعِيِّ، وهو عشرون جزءاً في يدهِ ، فإذا سماعُهُ فيها سوى الأول والسادس
لم أجد سماعَه ، والثاني عشر قد سمع منه قطعةً ، والجزءِ العشرين لم أَقِفْ
على الأصلِ به ، بل رأيتُ بيد الشيخِ به فرعاً . قلتُ: هذا نقلتُهُ من خط ابنٍ
سامة ، عن نقل عليٍّ بنِ عبدِ الكافي ، عن أبي الحسنِ الحِصْنِي ، قال :
وجدتُ ذلك بخطُّ الرشيد العطَّار عن الأصل ، ثم كتب ابنُ الأنماطي تحت
خط العُليميِّ : لقد طلبَ واجتهد ، ولكن وجد غيرُه ما لم يجد . وكان ابنُ
رِفاعة صادقاً في ذكرٍ سماعِهِ ، فإِنه خدم الخِلَعيَّ ، ولَزِمَهُ ، وكان ألزمَ الناسِ
له ، حدثني غيرُ واحدٍ عنه أنه قال : مُذ لزمتُ الخِلَعيَّ ما انقطعتُ عنه إلا يوماً
واحداً، حضرتُ مجلسَ الحبَّال .. فذكر الحكايةَ ، ثم قال: ولم أنقطِعْ
عن شيءٍ قُرىء عليه إلى أن مات .
قال ابنُ الأنماطي : أخرج إلينا شيخُنا حمّادٌ الحرّاني بخطّه وحدثني
قال : رأيتُ على ظهر الجزء الثاني من حديث الزَّعفراني ثَبَتَ كُتُبٍ سمعها
شيخُنا عبدُ الله بنُ غَدِيرِ السَّعْدِيُّ، والنسخةُ للمسعودي ، سمعَ جميعَ كتاب
(( السُّنَن)) لأبي داود على الخِلَعيِّ، على محمد الروحاني بقراءة أبي علي
الحسينِ بنِ محمد الصَّدَفي وخادمِ القاضي أبي(١) محمدٍ عبدِ الله بن رِفاعة
ابنِ غَدِيرٍ. قال: وسمعوا عليه ((السيرةَ)) تهذيبَ ابنِ هشام ، وجميعَ الفوائد
عشرين جُزْءاً للخِلَعيِّ، وجميعَ أحاديث الزَّعْفراني ، وأحاديثَ يونس ،
و (( مُعجمَ )) ابنِ الأعرابي، وفوائدَ أخرى بقراءةِ المذكور وغيره ، وذلك في
مدة سنةٍ ثمانٍ وسنة تسع وثمانين وأربع مئة ، وأكثرُ ذلك بالقَرَافَة .
(١) في الأصل : أبو .
٤٣٧
1
سیر ٢٨/٢٠

قال ابنُ الأنماطي : ثم رأيتُ أصلَ الثَّبَتِ في ذلك ، وأكثرُ ذلك بقَرَافَةِ
مصر ، وسَمِعَ معهم عبدُ اللَّه بنُ عبد المؤمن النحويُّ والخَطُّ له ، كتبَهُ تذكرةً
لأبي الحسنِ الرُّوحاني .
أخبرنا محمدُ بنُ الحسين القُرشيُّ ، أخبرنا محمدُ بنُ عِماد ، أخبرنا
ابنُ رِفاعة ، أخبرنا أبو الحسن الخِلَعيُّ ، أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ عمر ، أخبرنا
أبو سعيد بنُ الأعرابي ، حدثنا سعدانُ بنُ نصر ، حدثنا سفيانُ بنُ عُيينة ، عن
الزُّهري، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، عن النبِّ وََّ قال: ((التَّسْبِيحُ
في الصَّلاةِ للرِّجالِ، والتَّصْفِيقُ للِنِّساءِ))(١).
٢٨٥ - خُزَيفة *
الإِمامُ المقرىءُ المجوِّدُ، أبو المُعَمَّر، عبدُ الله بنُ سعد بن الحسين
ابن الهاطر(٢)، البغدادي العطّار الوزَّان الأُزَجي، يُعرف بخُزَيفة .
تلا بالرواياتِ ، وتفقَّه على أبي الخطّاب .
وسمع الكثيرَ من : نَصْرِ بنِ الْبَطِر ، والنَّعالي ، وأبي الفضل بنِ
خَيْرِون ، والحُسينِ بنِ البُسْري .
(١) إسناده قوي، وأخرجه من طرق عن سفيان بن عيينة بهذا الإِسناد البخاري (١٢٠٣ )
ومسلم (٤٢٢) وأبو داود (٩٣٩) والنسائي ١٢١/٣، وابن ماجة (١٠٣٤) وأخرجه مسلم
(٤٢٢) (١٠٧) والترمذي (٣٦٩) والنسائي ١١/٣ - ١٢ من طرق عن الأعمش ، عن أبي
صالح ، عن أبي هريرة .
(*) الاستدراك لابن نقطة: باب حذيفة وخزيفة ، العبر ١٧٠/٤، ذيل طبقات الحنابلة
٢٨٩/١، تبصير المنتبه ٤٣١/١، شذرات الذهب ١٨٩/٤. وخزيفة بالخاء المعجمة والزاي ،
تحرف في ((العبر)) و((الشذرات)) إلى حذيفة بالحاء المهملة والذال.
(٢) في ((الإِستدراك)) و((تبصير المنتبه)): الهاطرا، بزيادة ألف آخره ، وأثبتها المؤلف
إذ أورد وفاته في نهاية الترجمة ( ٢٨١ ).
٤٣٨

وكان صالحاً صادِقاً ، صابِراً على التحديثِ ، حَسَنَ الأخلاق ، .
قال ابنُ النجار : حدثنا عنه ابنُ الأخضر، وأحمدُ بنُ البَنْدَنيجي ،
وُعُمَرُ بنُ السُّهْرَ وَرْدي ، وطاووسُ بنُ أحمد الدقَّاق ، وُلِدَ سنةً ثمانين وأربع
مئة ، وماتَ في رجب سنة ستين وخمس مئة ببغداد .
٢٨٦ - الشيخ عبد القادر *
الشيخُ الإِمامُ العالم الزاهدُ العارفُ القُدوة ، شيخُ الإِسلام ، علمُ
الأولياء ، مُحيي الدين ، أبو محمد ، عبدُ القادر بنُ أبي صالح عبد الله(١)
ابن جنكي دوست(٢) الجيلي(٣) الحنبلي ، شيخ بغداد .
مولِدُهُ بجيلان(٤) في سنة إحدى وسبعين وأربع مئة .
وَقَدِمَ بغدادَ شاباً، فتفقَّهَ على أبي سَعْد المُخرِّمي(٥) .
(*) الأنساب ٤١٥/٣، المنتظم ٢١٩/١٠، الكامل ٣٢٣/١١، مرآة الزمان ١٦٤/٨ -
١٦٦ - بهجة الأسرار في مناقب سيدي عبد القادر للشطنوفي، المختصر ٤٣/٣، العبر ١٧٥/٤،
١٧٦، دول الإِسلام ٧٥/٢، تتمة المختصر ١٠٧/٢ - ١١١، فوات الوفيات ٣٧٣/٢، ٣٧٤،
البداية والنهاية ١٢ /٢٥٢، ذيل طبقات الحنابلة ٢٩٠/١ - ٣١٠، النجوم الزاهرة ٣٧١/٥،
طبقات الشعراني ١٠٨/١، شذرات الذهب ١١٩٨/٤ - ٢٠٢، أعلام الزركلي ٤٧/٤ .
(١) في ((طبقات)) ابن رجب: عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله، بزيادة لفظ ((بن))
وفي ((تتمة المختصر)): عبد القادر بن أبي صالح موسى جنكي دوست. وفي ((أعلام))
الزركلي : عبد القادر بن موسى بن عبد الله .
(٢) في ((فوات الوفيات)): ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب . وأورد ابن
رجب نسبه إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما. وفي ((معجم الشيوخ)) ٥٢/١ : جنكي
دوست: أي العظيم القدر. وانظر ((المعجم الفارسي)) في معاني ((دوست)).
(٣) تحرفت في ((مرآة الزمان)) ١٦٤/٨ إلى ((الحلبي)).
(٤) وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان ، ويقال لها : كيل وكيلان ، والنسبة إليها جيلي
وجيلاني وكيلاني. ((الأنساب)) ٤١٤/٣.
(٥) تحرفت نسبته في ((طبقات)) ابن رجب إلى ((المخرامي))، وقد مرت ترجمته في الجزء
التاسع عشر ، متوفى سنة ٥١٣هـ برقم (٢٤٩).
٤٣٩

وسمع من : أبي غالبٍ الباقلاني ، وأحمدَ بنِ المُظفَّ بنِ سُوس ، وأبي
القاسم بنِ بيان ، وجعفرِ بنِ أحمد السَّرّاج ، وأبي سَعْذِ بنِ خُشيش ، وأبي
طالبٍ اليوسُفي ، وطائفة .
حدث عنه : السَّمعاني، وعُمَرُ بنُ علي القُرشي ، والحافظُ عبدُ
الغني ، والشيخُ موفقُ الدين ابنُ قُدامة ، وعبدُ الرزّاق وموسى ولداه ،
والشيخُ عليُّ بنُ إدريس ، وأحمدُ بنُ مطيع الباجِسْرائي ، وأبو هريرة ، محمدُ
ابنُ ليث الوسطاني، وأكملُ بنُ مسعود الهاشمي ، وأبو طالب عبدُ اللطيف بنُ
محمد بن القُبيَّطي، وخلقٌ ، وروى عنه بالإِجازة الرشيدُ أحمدُ بنُ مَسْلَمَة .
أخبرنا القاضي تاجُ الدين عبدُ الخالق بنُ علوان بَبَعْلَبَكَّ ، أخبرنا أبو
محمد عبدُ الله بنُ أحمد الفقيهُ سنةَ إحدى عشرة وستٌّ مئة ، أخبرنا شيخُ
الإِسلام عبدُ القادر بنُ أبي صالح الجِيْلِيُّ، أخبرنا أحمدُ ابنُ المُظَفَّرِ التَّمَار ،
أخبرنا أبو علي بنُ شاذان ، أخبرنا أبو بكر محمدُ بنُ العباس بن نجيح ، أخبرنا
يعقوبُ بنُ يوسف القَزْوينيُّ ، حدثنا محمدُ بنُ سعيد ، حدثنا عمرُو بن أبي
قيس ، عن سماك ، عن عبدِ الرحمن بن يَزيد ، عن أبيه ، عن عبدِ اللهِ بنِ
مسعود قال : إنَّ بني إسرائيل استخْلَفُوا خليفةً عليهم بعد موسى ، فقام يُصلِّي
في القمر فوقَ بيتِ المقدس ، فذكر أموراً كان صنَعَهَا، فخرج، فتدلّى
بسببٍ ، فأصبحَ السببُ مُعَلَّقاً في المسجد ، وقد ذهب ، فانطلق حتى أتى
قوماً على شطِّ البحرِ ، فوجدهم يصنعُون لَبِناً ، فسألهم : كيف تأخُذُونَ هذا
اللَّبِن ؟ فأخبروهُ ، فلَبَّن معهم ، وكان يأكُلُ من عملِ يَدِهِ ، فإذا كان حين
الصلاةِ ، تطهّر فصلَّى، فرفع ذلك العُمَّلُ إلى قَهْرَمَانِهِم، أنَّ فينا رجلاً يفعلُ
كذا وكذا ، فأرسلَ إليه ، فأبى أن يأتِيَه - ثلاث مرات - ثم إنه جاءَهُ بنفسِهِ يسيرُ
على دَابَتِهِ ، فلما رآهُ فرَّ، واتَّبعه فسبقه ، فقال: أنظِرْنِي أكلِّمْكَ. قال : فقامَ
٤٤٠