النص المفهرس

صفحات 401-420

بالخير ، وكان على قَدَمٍ من العِبادة قبل الخلافةِ ومعَها ، ولم يُرمَعَ لینِهِ بعد
المعتصم في شهامتِهِ مع الزّهد والورع، ولم تزل جيوشُهُ منصورة .
قلت : وكان مِن حَسَنَاتِهِ وزيرُهُ عونُ الدين بنُ هُبيرة(١) ، وقيل : كان لا
يجري في دولتّهِ شيءٌ إلا بتوقيعِهِ ، وكتبَ في خلافته ثلاثَ رَبَعات ، ووزر له
عليُّ بنُ طِراد(٢)، ثم أبو نصر بنُ جَهِير(٣) ، ثم عليُّ بنُ صدقة (٤) ، ثم ابنُ
هُبيرة ، وحجبه أبو المعالي بنُ الصاحب ، ثم كاملُ بن مسافر ، ثم ابنُ
المعوّج ، ثم أَبو الفتح بنُ الصَّيْقل ، ثم أبو القاسم بنُ الصاحب .
وكان أسمَرَ آدَمَ ، مجدُور الوجه ، مليحَ الشَّيبة ، أقام حشمةً الخلافة ،
وقطع عنها أطماعَ السلاطين السَّلْجُوفيَّة وغيرِهِم ، وكان من سلاطينٍ خلافَتِهِ
صاحبُ خُراسان سَنْجَر بنُ ملكشاه ، والملكُ نورُ الدين صاحبُ الشام ، وأبوهُ
قسيمُ الدولة .
أنبؤُونا عن ابنِ الجَوزي قال : قرأتُ بخطٌّ أبي الفرج الحدّاد قال :
حدثني من أثقُ به أَنَّ المقتفي رأى في منامه قبل أن يُستخلَفَ بستة أيامٍ
رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ له: سَيَصِلُ هذا الأمرُ إليكَ، فاقتَفِ بي. فلذا لُقِّب
المُقْتَفي لأمرِ الله(٥).
وكان قد قدم بغدادَ السلطانُ مسعودٌ السَّلْجُوقِيُّ ، وذهب الراشدُ من
بغداد ، فاجتمع القضاةُ والكُبراء ، وخلعُوا الراشد كما ذكرنا لعدم أهلِيَّتِهِ ،
(١) سترد ترجمته برقم (٢٨٢).
(٢) تقدمت ترجمته برقم (٩٠ ).
(٣) تقدمت ترجمته برقم (١٩٠).
(٤) مترجم في ((المنتظم)) ١٧٨/١٠.
(٥) انظر ((الكامل )) ١١/ ٤٣ و((تاريخ الخلفاء)) : ٤٣٧ .
٤٠١
سیر ٢٦/٢٠

وحكم بخلعه ابنُ الكَرْخِي (١) القاضي، وبايعوا عمَّه(٢).
قال السديدُ بنُ الأنباري: نَقَّذ السلطانُ إلى عِّه سَنْجَر : مَن
نستخلِفُ ؟ فكتب إليه : لا تُولِّ إلا من يضمنُهُ الوزيرُ ، وصاحبُ المخزن ،
وابنُ الأنباري . قال : فاجتمع بنا مسعودٌ ، فقال الوزيرُ : نُولِّي الدَّيِّنَ الزاهد
محمدَ بنَ المُستظهر . قال : تضمنُهُ؟ قال : نعم . وكان صِهراً للوزير على
بنتِهِ تزوَّج بها في دولةٍ أبيه .
وأخذ مسعودٌ كُلَّ حواصِلِ دار الخلافة بحیثُ لم يدْ في إصطبلِ
الخلافةِ سوى أربعة أفراس وثمانية بِغال . فقيل : بايَعُوا محمداً على أن لا
يكون عنده خيلٌ ولا عُدَّةُ سَفَر ، وفي الثانية من سنيه صادر مسعودٌ أهلَ بغداد ،
فخرج إليه ابنُ الكَوّاز الزاهدُ ، ووعظَه ، فتركَ ، ولم يدْع للخليفة سوى
العَقَار ، ثم تزوج الخليفةُ بأخت مسعود .
وفيها(٣) اقتتل مسعودٌ وعساكرُ أذربيجان والراشدُ المخلوع، وتمت
وقعةٌ مهولة ، وكتب الخليفةُ لزنكي بعشرةٍ بلاد ، وأن لا يُعِينَ الراشد ،
فخُطِبَ بالمَوْصِلِ للمُقْتَفِي ، فَنَفَّذَ الراشدُ يقولُ لزنكي : غدرتَ . قال : ما
لنا طاقةٌ بمسعود، وفارقَ الراشدَ وزيرُهُ ابنُ صَدَقَة ، وَقَلَّ جمعُهُ، وَتَحَيَّز إلى
مَرَاغة ، وبكى عندٍ قبر أبيه ، وحثا على رأسِهِ التّرابَ ، فثار معه أهلُ مَرَاغة ،
وبذلوا له الأموالَ ، وقوي بالملك داود ، وعمل مصافّاً مع مسعود ، فاستظهر
داود .
وفيها (٤) هرب وزيرُ مصر تاجُ الدولة بهرام النصرانيُّ الأرمنيُّ ، وكان قد
(١) الذي تقدمت ترجمته برقم (٢٦٤) .
(٢) انظر ((الكامل)) ٤٢/١١، ٤٣.
(٣) أي سنة ٥٣١، وأورد ابن الأثير ذلك في حوادث سنة ٥٣٠ .
(٤) أي في سنة ٥٣١ كما في ((الكامل)) ٤٨/١١، ٤٩ .
٤٠٢

تمكَّنَ ، واستعمل الأرمَنَ ، فظلم الرعيَّة ، فجمع رضوانُ الولخشي جيشاً ،
وقصد القاهرةَ ، فسار بهرامُ في جيشِهِ إلى الصعيد وأكثرُهُم أرمن نصارى ،
فمنعه أميرُ أُسوان من دخولها ، فاقتتلوا ، وقُتل عدةٌ من الأرمن والسودان ، ثم
بعثَ يطلُبُ أماناً من الحافظ العُبيدي ، فَآمَنَهُ ، فعاد وحُبِس بالقاهرة ، ثم
ترهَّب ، ثم أُطْلِقَ ، ووزر للحافظ رضوان ، ولُقِّب بالملك الأفضل ، ثم وقع
بينه وبين الحافظ بعد سنتين ، فهربَ إلى الشام ، فنزل على أمير الدولة
كمشتِكين صاحب صَرْخَد ، فأكرمه ، وعظَّمه .
وأُعيدت إلى المُقتفي ضِياعُهُ ومعاملاتُهُ ، وَتَمَكَّنَ ، ونُصِر عسكرُ دمشق
وعليهم بزواش على فِرنج طرابلس ، والتقى زنكي والفرنجُ أيضاً فهزمهم ،
واستولى على قلعةٍ لهم، ثم سار وأخَذَ بَعْلَبَكَّ، وأخذت الرومُ بُزَاعة(١)
بالأمان ، وتنصَّر قاضيها وجماعةٌ ، فللّه الأمرُ(٢).
وتزوَّجَ السلطانُ مسعودٌ ببنتٍ دُبيسٍ الأسديِّ لملاحتها، وأُغلقت
بغدادُ للعُرس أسبوعاً في سنة ٥٣٢ .
وفيها(٣) استفحل أمرُ الراشد ، والتفَّ عليه عساكر ، فقتلته الباطنيَّة ،
ونازلت عساكرُ الرومِ حَلَبَ ، وحمي الحربُ ، وقُتِلَ خلقٌ من النصارى ،
وقُتِلَ بِطْرِيقُهم ، ثم نازلوا شَيْزَرَ مدةً ، وعاتُوا في الشام ، وما قحم عليهم
زنكي ، بل ضايَقَهم ، وطلب النجدةَ مِن السلطان مسعودٍ ، ثم قلعهم اللهُ .
وفي سنة ٥٣٣ زُلزلت جَنْزَة . قال ابنُ الجوزي(٤): فأهلكت مئتي
(١) بلدة بين منبج وحلب. ((معجم البلدان)) ١ / ٤٠٩.
(٢) انظر ((الكامل)) ١١ /٥٦ - ٦٠.
(٣) أي سنة ٥٣٢. انظر ((الكامل)) ١١ /٦٠ - ٦٣.
(٤) في (( المنتظم)) ٧٨/١٠ حوادث سنة ٥٣٣ .
٤٠٣

ألف وثلاثين ألفاً، فسمعتُ شيخَنَا ابنَ ناصر يقولُ: جاء الخبرُ أنه خُسِفت
جَنْزَة، وصار مكانَ البلدِ ماءً أسودُ. وكذا عدَّهُم ابنُ الأثير في ((كامله))(١)
لكن أرَّخها في سنة أربع(٢) .
وفيها حاصر زنكيّ دمشقَ غيرَ مرة(٣) ، وعُزِلَ ابنُ طِرَاد من الوزارة ،
ووليها أستاذُ الدار أبو نصر بنُ جَهِير، وَعَظُمَ الخطبُ بالعيَّرين، وأخذوا
الدُّور بالشُّموعِ والثياب من الحمامات ، وأعانهم وزيرُ السلطان ، فَتَحَزَّبَ
الناسُ لهم ، وأذِنَ في ذلك السلطانُ ، وَتَتَبَّعُوهم .
وفيها كانت وقعةٌ عظمى بين سَنْجَر السلطان وبين كافر ترك بما ورَاءَ
النَّهر، فانكسر المسلمون ، ونجا سَنْجَر في طائفة ، فتوصّل إلى بَلْخ في ستة
نفر، وقُتِلَ [خلقٌ] كثيرٌ من الجيش حتى قيل: قُتل مئةُ ألف، وسار اللعينُ في
ثلاث مئة ألف فارس ، وأحاطوا بسَنْجَر في سنة ستُّ وثلاثين .
وفي سنة تسعٍ وثلاثين (٤) حاصر زنكيُّ الفرنج بالرُّها، وافتتحها، ثم بعد
سنوات أخذتها الفرنج .
وفيها افتتح عبدُ المؤمن مدينة تِلِمْسَان ، ثم فاس .
وفي سنة إحدى وأربعين حاصر زنكي قلعة جَعْبَر ، فوثب عليه ثلاثةٌ من
غلمانه، فقتلوهُ، وعارض شِحْنَةُ(٥) مسعودٍ المُقتفي في دار الضرب، فأمر
بحبسِهِ ، وعظُم المُقتفي ، وأخذتِ الفِرَنْجُ طرابلسَ المغرب ، واستفْحَلَ أمُرُ
(١) ١١ / ٧٧ .
(٢) وكذا فعل المؤلف في ترجمة الموسوي التي تقدمت برقم (٢٩) نقلاً عن السمعاني.
(٣) ذكر ابن الأثير ذلك في حوادث سنة ٥٣٤ .
(٤) انظر ((الكامل)) ٩٨/١١.
(٥) الشحنة أعوان الأمير الذين يضبطون أمور الدولة .
٤٠٤

الملكِ عبدِ المُؤمن ، وغلبَ على ممالك المغرب(١) .
وفي سنة اثنتين ولي ابنُ هُبيرة ديوانَ الزمام (٢) ، وعُزل من ابنِ جَهِير ،
ووزر أبو القاسم عليُّ بنُ صدقة .
وفي سنة ٥٤٣ جاءت ثلاثةُ ملوك من الفِرنج إلى القُدْس ، منهم طاغيةٌ
الألمان ، وصلَّوا صلاةَ الموتِ ، وفرَّقُوا على جُندهم سبع مئة ألف دينار ،
فلم يَشْعُرْ بهم أهلُ دمشق إلا وقد صبَّحوهم في عشرةِ آلافٍ فارس وستِّين ألف
رجل ، فخرج المسلمون فارسُهُم وراجلُهُم ، والْتَقَوْا، فاستُشْهِدَ نحوُ
المئتين، منهم الفَنْدَلاويُّ(٣)، وعبدُ الرحمن الحَلْحُوليُّ، ثم اقتلُوا مِن
الغد ، وقُتِلَ خلقٌ من الفِرنج ، فلما كان خامس يومٍ وصل من الجزيرة غازي
ابنُ زنكي في عشرين ألفاً ، وتبعه أخوه نورُ الدين ، وكان الضجيجُ والدعاءُ
والتضرُّمع بدمشق لا يُعبَّرُ عنه، ووضعوا المُصحَفَ العثمانيّ في صحنٍ
الجامع ، وكان قِسِّيسُ العدوِّ قال : وعدني المسيحُ بأخذِ دمشق ، فحقُّوا بهِ ،
وركب حمارَهُ وفي يده الصليبُ ، فشدَّ عليه الدماشقةُ ، فقتلُوه ، وقتلوا
حمارَهُ، وجاءت النَّجَدَاتُ ، فانهزم الفرنجُ (٤).
وقال ابنُ الأثير(٥) : سار ملكُ الألمان مِن بلاده لقصدِ المسلمين ،
وانضمَّ إليهم فِرنجُ الشام ، فنازل دمشقَ ، وبها الملك مجيرُ الدين أَبَق وأتابكُهُ
معينُ الدين أَنْر ، فَنَجَدَهُ أولادُ زنكي ، ونزل ملكُ الألمان بالميدانِ الأخضر ،
(١) انظر ((الكامل)) ١٠٨/١١ و١١٥.
(٢) راجع ص ٢٩٥ ت رقم (١) ترجمة رقم (١٩٩) .
(٣) تقدمت ترجمته برقم ( ١٣٣)
(٤) انظر ((تاريخ)) ابن القلانسي ٤٦٢ - ٤٦٦، و((المنتظم)) ١٣٠/٨، ١٣١، و((مرآة
الزمان)) ١١٩/٨، ١٢٠، والبداية ٢٢٣/١٢، ٢٢٤.
(٥) في الكامل ١١ / ١٢٩ وما بعدها .
٤٠٥

وأَيِسَ أهلُ دمشق ، ووصل صاحبُ المَوْصِلِ إلى حمص ، فراسَلَ أَنُّر ملوكَ
فرنج الساحلِ يقولُ : بأيِّ عقلٍ تُسَاعدون الألمانَ علينا؟! وإن ملكُوا أخذُوا
منكم السَّواحِلَ ، وأنا إذا عجزتُ سلَّمتُ دمشق إلى ابنٍ زنكي ، فلا تقومون
به ، فتخاذلُوا ، وبذل لهم بانياس ، فخوَّفوا ملكَ الألمان من عساكر الشرق ،
فرد إلى بلاده ، وهي وراء قسطنطينية .
وفيها ظهورُ الدولةِ الغُوريَّةِ ، فقصد سُوري بنُ حسين مدينة غَزْنَة ،
واستولى عليها ، فجرت بينهُ وبينَ بَهرام شاه وقعةٌ ، فَقُتِلَ سُوري ، فغضبت
الغُورُ لقَتْلِهِ ، وَحَشَدُوا ، فكان خروجُهُم في سنة سبع وأربعين وخمس مئة ،
والملكُ في بقاياهم إلى اليوم ، وافتتحوا إقليم الهند(١).
واشتد بإفريقية القحطُ ، لا بل كان القحطُ عاماً ، فقال المؤيد عماد
الدين : فيها كان الغلاءُ العامُّ مِن خُراسان إلى العراق إلى الشام إلى بلاد
المغرب(٢).
وفي سنة ٤٤ كسر نورُ الدين محمودٌ صاحبُ حلب الفِرَنجَ ، وقَتَلَ
صاحبَ أنطاكية في ألفٍ وخمس مئة منهم ، وأسر مثلهم ، ثم أخذ منهم
حصنَ فامية . وكان جُوسلين طاغيةٌ تل باشِر(٣) قد ألهبَ المُسلمين
بالغاراتِ ، واستولى على البيرة وَبَهَسْنا (٤) وَمَرْعَش والراوندان وعين تاب
وَعَزاز، فحارَبَهُ سلحدار(٥) نور الدين ، فأسرهُ جُوسلين ، فدسَّ نورُ الدين
(١) انظر ((الكامل)) ١٣٥/١١، ١٣٦.
(٢) ((الكامل)) ١٣٧/١١.
(٣) تل باشر: قلعة حصينة وكورة واسعة شمالي حلب. ((معجم)) ياقوت ٢ /٤٠.
(٤) بفتحتين وسكون السين ونون وألف : قلعة حصينة عجيبة بقرب مرعش وسميساط .
((معجم)) ياقوت ١ /٥١٦ .
(٥) السلحدار أو السلاح دار : هو لقب الذي يحمل سلاح السلطان أو الأمير ، وهي إحدى =
٤٠٦

جماعةً من التركمان ، وقال : من جاءني بجُوسلين فله ما طلبَ . فنزلُوا
بناحيةِ عين تاب ، وأغار عليهم جُوسلين ، وأخذ منهم امرأةً مليحةً ، وافتضَّها
تحتَ شجرةٍ ، فكمن له التُّركمان ، وأسروهُ ، فأعطاهُم نورُ الدين عشرةَ آلاف
دينار، واستولى نورُ الدين على بلاده(١)، واشتدَّ القحطُ بالعراق عامَ أول ،
وزالَ في العام ، ووزر ابنُ هُبَيرة ، وَنَكثتْ فِرنجُ السواحل، فشنَّ أَنُر الغاراتِ
عليهم ، وفعل مثلَه العربُ والتُّركمان ، حتى طلبوا تجديدَ الهُدنة ، وأن يترُكُوا
بعضَ القطيعة . والتقى نورُ الدين الفرنجَ ، فهزمَهُم ، وقتلَ قائدَهم البرنس
أحدَ الأبطال ، ومرضَ أَنْر بحُوْرَانَ ومات، ثم دُفِنَ بالمُعينيّة(٢).
ومات الحافظُ صاحبُ مصر ، وقام ولدُهُ الظافِرُ ، ووزر له ابنُ مصال ،
ثم اختلف المصريُّون ، وقُتِلَ خلق .
وفي سنة ٥٤٥ ضايق نورُ الدين دمشقَ ، فأذعنوا ، وخطبُوا له بها بعدَ
ملكها ، فخلع على ملكها ، وطوّقه ، وردّه إلى البلد ، واستدعى الرئيس
مُؤيَّد الدِّين إلى مُخَيَّمه ، وخلَعَ عليه ، وردَّ إلى حلب .
وفيها أُخِذَ ركبُ العراق ، وقلَّ من نجا ، وقُتِلَ ابنُ مصال الوزير ،
وغلبَ ابنُ السَّلّر .
قال ابنُ الجوزي(٣): جاء باليمن مطرٌ كُلُّه دم .
= الوظائف آنذاك ، وأصحاب هذه الوظيفة يعبر عنهم لزيهم بالركابية ، وهو مركب من لفظين :
احدهما عربي وهو السلاح ، والثاني فارسي وهو دار ، ومعناه ممسك أو حامل . انظر
((صبح الأعشى)) ٢ / ٤٨٠ و٥ / ٤٦٢.
(١) ((الكامل)) ١١ / ١٥٤ - ١٥٦.
(٢) من مدارس الحنفية بدمشق. انظر ((مختصر تنبيه الطالب)) ١٠٦، ١٠٧.
(٣) في ((المنتظم)) ١٤٣/١٠.
٤٠٧
•

وفي سنة ٤٦ عاود نورُ الدين محاصرة دمشق ، وراسلهم نورُ الدين :
إني أُوثِرُ إصلاحَ الرعيَّةِ وجهادَ الفِرنج ، فإن أعانني عسكركُم على الغَزْوِ ، فهو
المُراد . فنفروا، وامتنعوا، وخَرِبَتِ الغُوطةُ ، وعاث العسكرُ ، وتحركت
الفرنجُ إنجاداً لملكِ دمشق ، فضاقت صدورُ الأخيار ، وجُرِحَ خلق ، ثم
تحوَّلَ نورُ الدين إلى البِقاع لما جاءت جيوشُ الفِرنج نجدةً ، فطلبُوا من دمشقَ
مالَ القطيعةِ المبذولةِ لهم على ترحيلِ نورِ الدين ، ثم عاد نورُ الدين إلى
داريا ، وبرز عسكرُ البلد ، ووقعت المُناوشة ، وتصالحوا ، ثم سار ملكُ
دمشق مجيرُ الدين إلى خدمة نور الدين إلى حلب ، فأكرمه ، وبقي كنائبٍ
النورِ الدين بدمشق ، وافتتح نورُ الدين أنطرطوس(١) وتلّ باشِر وَعِدَّةَ مَعَاقل
للفِرَنج ، ونازلت أربعون ألفاً من الفرنج قُرطبة ثلاثة أشهر ، حتى كادوا أن
يأخذُوها ، فكشفَ عنها جيشُ عبدِ المؤمن ، وكانوا اثني عشر ألفاً ، وقَدِمَ
السلطان مسعودٌ بغداد .
وفي سنة ٤٧ مات مسعودٌ ، وقام بعده أخوه محمدٌ ، وعظُم شأنُ
المُقتفي ، وسار إلى واسِطٍ ، فمهَّدها، وعطَّف إلى الكُوفة، ثم عاد مُؤيَّداً
منصوراً ، فعُمِلَتْ له قِابُ الزينة .
وفي سنة ٤٨ أخذت الفرنجُ عَسْقَلانَ، واشتدَّ الغلاءُ بدمشق ، ومات
الفُقراءُ ، فَطَمِعَ نورُ الدِّين في أخذِها ، ففي أول سنة تسعٍ قدم شيركوه
رسولاً، فنزل في ألفٍ فارس ، فلم يخرجُوا لتلقِّيه ، وقويت الوحشةُ ،
وأقبَلَ نورُ الدين، فنزل ببيت الأَبّار، وَزَحَفَ على البلد مرتين ، وأقبَلَ
عسكرُهُ إلى باب كيسان ، فإذا ليس على السُّورِ كبيرُ أحدٍ ، فتقدَّم راجلٌ ،
فرأته يهوديةٌ ، فدلَّت له حبلاً، فصار على السورِ ، وتبعه جماعةٌ ، فنصبُوا
(١) بلد من سواحل بحر الشام. ((معجم)) ياقوت ٢٧٠/١.
٤٠٨

سَنْجَقاً(١) ، وصاحوا : نورُ الدين يا منصور. وفتر القتالُ، وبادر قَطَّاعُ خشب
بفأسِه ، فكسر قُفْل باب شرقي ، ودخل نورُ الدين ، وفرحت به الرعيةُ ،
فتحصَّن الملك مُجيرُ الدين بالقَلْعة طالباً للأمان ، ثم نزل ، فطيِّبَ نورُ الدين
قلبه ، وخرج بأمواله إلى الدارِ الأتابكية ، ثم ذهب إلى حمص ، وكُتِبَ له بها
منشور .
وأقبلت الغزُّ التركمان ، فنهبُوا نيسابور، وعذَّبوا وقتلوا بها ألوفاً،
وخدموا السلطان سَنْجَر ، وأخذوهُ معهم ، فصار في حالٍ زريّة بعد العِزِّ
والمُلك ، يركب أكدُشاً ، ورُبما جاع .
وفيها يوم الجمعة ثاني شوال وقعت صاعقةٌ عظيمةٌ في التاج الذي بدارِ
الخلافة ، فتأجَّجت فيه وفي القُبَّةِ والدارِ ، فبقيت النارُ تعملُ فيه تسعةً أيام ،
حتى أُطفئت بعد أن صيَّرتهُ كالحُمَمَةِ ، وكانت آيةً هائلةً وكائنةً مُدهشة ، وكان
هذا التاجُ مِن محاسن الدُّنيا ، أنشأهُ المُكتفي في دولته ، وكان شاهِقاً بديعَ
البِناء ، ثم رُمَّ شَعْتُه وطُرِّي .
وفي سنة خمسين وخمس مئة سار المُقتفي إلى الكوفة ، واجتاز
بِسُوقها، وقُتِلَ في العام الماضي الظافرُ بمصر، وقَدِمَ طَلَائِعُ بنُ زُرِّيك من
الصعيد للأخذِ بثأر الظافر من قاتله عبَّاسٍ ، ففرَّ عبَّاسٌ نحوَ الشام بأموالهِ ،
فأخذتْهُ فِرَنجُ عَسْقَلان ، فقتلُوه ، وباعوا ابنَه نصراً للمصرِيِّين ، واضطرب أمرُ
مصر ، وعزمت الفِرنجُ على أخذها ، وأرست مراكبُ جاءت من صِقِليَّة على
تُنِيس ، فهجموها ، وقتلُوا ، وسبَوْا، وافتتح نورُ الدين قِلاعاً للفرنج وبعضِ
بلاد الروم بالأمانِ ، واتسع ملكُه ، فبعث إليه المُقتفي تقليداً ، ولقّبه بالملك
العادل ، وأمره بقصد مصر .
(١) السنجق تقدم التعريف به في حواشي الترجمة (١٢٤ ).
٤٠٩

وفي سنة ٥٥١ سار المُقتفي والسلطانُ سُليمانُ بنُ محمد بن مَلِكْشَاه
إلى حلوان ، ثم نفَّذ المُقتفي العساكرَ مع السُّلطان ، وفي رمضانها هرب
سَنْجَر من الغُزِّ في خواصِّه إلى تِرمذ ، وتمنَّع بها .
وكان أَنْسِز خُوارزمشاه وابنُ أخت سَنْجَر الخاقانُ محمودٌ يُحَاربان الغُزَّ ،
والحربُ بينهم سِجالٌ ، وذلَّت الغُزُّ بموت علي بك ، وأَتَتِ الأتراك الفارغلية
إلى خدمةِ سَنْجَر، وَعَظُمَ حالُهُ ، ورجع إلى دارٍ ملكه مَرْو .
وفيها جاءت الزلزلةُ العُظمى بالشام .
وفي سنة ٥٢ ورد كتابُ السلطانِ سَنْجَر إلى الملك نورِ الدين يتودَّدُ
فيه ، وأنه انتصر على الغُزِّ بحيلة ، ويَعِدُهُ بنصرهِ على الفِرنج ، فَزُيِّنت دمشقُ
والقلعةُ بالمغاني ، وکسرَ عسکرُ نور الدین الفرنج ، وأخذ نورُ الدین بانياس
بالسيفِ ، ثم التقى نورُ الدين ، ونُصِر عليهم ، وللَّهِ الحمدُ .
وفيها نازل محمدُ شاه بنُ محمود وعلي كوجك بغداد في ثلاثين ألفاً ،
واقتلُوا أياماً، وعظُمَ الخطبُ، وقُتِلَ خلقٌ كثير، وبذل المُقتفي الأموالَ
والغِلال، ثم ترحَّلوا، وسار المُقتفي إلى أوانا (١) ، وتصيَّد ، ومات سَنْجُ
السلطان، وهَزَمَ نورُ الدِّين الفرنج على صَفَد، وأُخِذَتْ غَزَّةُ من الفِرنج .
وفي سنة ٥٣ سار المُقتفي إلى واسط ، وزار مشهدَ الحُسين ، ورد ،
ثم سار إلى المدائن ، وشهد العيدَ في تجمُّل باهرٍ .
(١) بلدة كثيرة البساتين والشجر، من نواحي دُجيل بغداد، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ ،
وكثيراً ما يذكرها الشعراء الخلعاء في أشعارهم. ((معجم البلدان)) ٢٧٤/١ .
٤١٠

قال ابنُ الأثير (١): كان مصرعُ الإِسماعيلية الخُراسانيين ، نزلُوا وكانوا
ألفاً وسبعَ مئة ، فأخذُوا زوق تركمان(٢) ، فتناخت التركمانُ ، وكُرُّوا عليهم ،
ووضعُوا فيهم السيفَ ، فما نجا منهم إلا تسعةُ أنفس .
وكانت ملحمةٌ كبرى بين الغُزِّ وبين أُمراء خُراسان ، ودام المصافُّ
يومين ، وانتصرت الغُزُّ ، واستغنَوْا، وشرعُوا في العَدْل قليلاً .
وفيها التقى المصريُّون والفِرنجُ بفِلَسطين ، فاستُبيحت الفِرنجُ .
وفيها التقى نورُ الدينِ والفرنجُ ، فانهزم عسكرُه ، ونجا نورُ الدين ،
وانهزم العدوُّ أيضاً .
وفيها أقبل صاحبُ قُسطنطينية في جيوشِ الروم ، وأغار أوائلُهم على
بلاد أنطاكية(٣).
وفي سنة ٥٥٤ مرض نورُ الدِّين، وعَهِدَ بالمُلك بعده لأخيهِ مودود،
وصالحَ صاحبَ القُسطنطينية ، وأطلق له مُقَدَّمين من أسرى الفرنج ، فبعث
هو إلى نورِ الدين هدايا وتُحفاً ، وسار نورُ الدين ، فتملَّك حرَّان ، ومد سِماطاً
لأخيه مودود لم يُسْمَعْ بمثله .
وفي سنة ٤ كان الفسادُ بالغُزِّ عَمّالاً، وسار الخليفةُ إلى واسط ، وسار
عبدُ المؤمن سلطانُ المغرب ، فحاصر المَهْدِيَّة سبعةً أشهر ، وأخذها
بالأمانِ ، وبها خلقٌ من النصارى ، وكانت بأيديهم من اثنتي عشرة سنة ،
وافتتح أيضاً قبلَها تُونس .
(١) في ((الكامل)) ٢٣٨/١١.
(٢) في ((الكامل)): فأوقعوا بالتركمان ، فلم يجدوا الرجال ، وكانوا قد فارقوا بيوتهم ،
فنهبوا الأموال ، وأخذوا النساء والأطفال ، وأحرقوا ما لم يقدروا على حمله ...
(٣) هي باللام ، بلد كبير في تركيا اليوم .
٤١١

وفي ((كامل)) ابنِ الأثير(١) أنَّ نقيب العلوية بنيسابور ذُْرَ الدين قتل
شافعيٌّ بعضَ أصحابه ، فطلبه مِن رئيس الشافعية المُوفَّقي، فحماهُ ، فاقتتلُوا
أياماً، وعَظُمَ الخطبُ ، وأُحرِقَتِ المدارسُ والأسواقُ ، واستحرَّ القتلُ
بالشافعيّة بحيث استُؤْ صِلَ البلدُ ، فللَّه الأمرُ .
قال ابنُ الجوزي(٢): مرض المُقتفي بعلَّة التّراقي، وقيل: بدُمَّلٍ في .
عُنُقِه ، فتُوفي في ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مئة وله ستُّ
وستون سنة سوى ثمانية وعشرين يوماً ، وكذا مات أبوه بعلَّة التراقي .
٢٧٤ - المُسْتَنْجد باللّه *
الخليفةُ أبو المُظَفَّر يوسفُ بنُ المقتفي لأمرِ اللَّه محمدِ بنِ المُستظهر بن
المُقْتدي العباسي .
عقد له أبوهُ بولاية العهدِ في سنة سبعٍ وأربعين ، وعمرُه يومئذٍ تسعٌ
وعشرون سنة .
فلما احتُضِرَ المُقتفي رام طائفةٌ عزلَ المستنجد ، وبعثت حَظِيَّةُ المُقتفي
أمُّ علي إلى الأمراء تَعِدُهم وتُمنِّيهم ليُبايعوا ابنَها عليّ بنَ المُقتفي ، قالوا :
(١) ١١ / ٢٥٠ .
(٢) في ((المنتظم)) ١٠ /١٩٧.
(*) المنتظم ١٩٢/١٠ - ١٩٤ و٢٣٦، الكامل ٢٥٦/١١ و٣٦٠ - ٣٦٢، مرآة الزمان
١٧٧/٨، خلاصة الذهب المسبوك: ٢٧٦، الروضتين ١٩٠/١، مفرج الكروب ١٩٣/١،
الفخري: ٣١٦، العبر ١٩٤/٤، دول الإسلام ٧٩/٢، تتمة المختصر ١٢٠/٢، ١٢١،
فوات الوفيات ٣٥٨/٤ - ٣٦٠، مرآة الجنان ٣٧٩/٣، البداية والنهاية ٢٦٢/١٢، تاريخ ابن
خلدون ٥٢٥/٣، معالم الإِنافة ٤٤/٢ - ٤٩، النجوم الزاهرة ٣٨٦/٥، الضوء اللامع
٣٢٩/١٠، حسن المحاضرة ٩١/٢، ٩٢ ، تاريخ الخلفاء : ٤٤٢ - ٤٤٤، تاريخ الخميس
٣٦٣/٢، شذرات الذهب ٢١٨/٤، ٢١٩، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة : ٤،
الزركشي : ٣٥٥ .
٤١٢

كيف هذا مع وجودٍ وليِّ العهد يوسف ؟ قالت : أنا أكفيكُموه ، وهيأت
جواريَ بسكاكينَ لِيثِبْنَ عليه ، فرأى خُويدمٌ ليوسُف الحركةَ ، ورأى بيدٍ علي
وأمِّه سيفين ، فبادر مذعُوراً إلى سيِّدهِ ، وبعثت هي إلى يُوسف : أن احضُرْ
موتَ أمير المؤمنين . فطلب أستاذَ الدار ، ولبس درعاً ، وشهر سيفَه ، وأخذ
معه جماعةً من الحواشي ، والفرّاشين ، فلما مرَّ بالجواري ضرب جاريةً
بالسيف جرحَها ، وتهاربَ الجواري ، وأخذ أخاهُ وأُمَّهُ ، فحبسَهما ، وأباد
الجواري تغريقاً وقتلاً، وتمكَّن. وأمُّه كرجية اسمُها طاووس(١).
قال الدُّبيثي : كان يقولُ الشعرَ ، ونقشُ خاتِمه : من أحب نفسَه عمل
لها .
قال ابنُ النجار : حكى ابنُ صفيّة أَنَّ المُقتفي رأى ابنَه يوسفَ في
الحرّ ، فقال : أيشٍ في فمِك؟ قال : خاتم يَزْدَن عليه أسماءُ الاثني عشر ،
وذلك يسكِّن العطش. قال: ويلك(٢) يُريد يَزْدَن أن يصيّرك رافضياً، سيدُ
الاثني عشر الحسينُ رضي الله عنه ، ومات عطشان .
وللمستنجد :
ليتَها عَيَّرتْ بما هُو عارُ
عيَّرتْني بالشَّيْبِ وهو وَقَارُ
فالليالي تَزينُها الأقمارُ(٣)
إن تكُن شابَتِ الذَّوائِبُ مِنِّي
نبّأني جماعةٌ عن ابنِ الجوزي ، حدثني الوزيرُ ابنُ هُبيرة ، حدثني
المستنجدُ قال : رأيتُ رسولَ اللَّهُ وَّله في النوم منذُ خمس عشرة سنة، فقال
(١) انظر ((الكامل)) ١١ /٢٥٦، ٢٥٧ .
(٢) في الأصل : والك .
(٣) البيتان في ((فوات الوفيات)) ٣٦٠/٤ وفيه ((تنيرها)) بدل ((تزينها)).
٤١٣

لي : يبقى أبوك في الخلافة خمساً وعشرين سنة . فكان كما قال ، فرأيتُه قبل
موت أبي بأربعة أشهر ، فدخل بي من باب كبير ، ثم ارتفعنا إلى رأس
جبل ، وصلى بي ركعتين ، وألبسني قميصاً ، ثم قال لي : قل : اللَّهُمَّ
اهْدِنِي فِیمَنْ هَدَيْتَ(١) .
ثم قال ابنُ الجوزي (٢): أقرَّ المستنجدُ أربابَ الولايات ، وأزال
المكوس والضرائب .
ونقل صاحبُ ((الروضتين)) (٣) أنه كان موصوفاً بالعدلِ والرفق ،
وأطلق المُكُوس بحيث إنه لم يَتْرُكْ بالعراق مُكساً ، وكان شديداً على
المفسدين ، سجن عوانياً كان يسعى بالنَّاس مُدَّةً ، فبذل رجلٌ فيه عشرةَ آلاف
دينار ، قال المستنجد : فأنا أَبْذُلُ عشرة آلاف دينار لتأتيني بآخرَ مثلِه أحبِسُه .
قال ابنُ الأثير في ((كامله))(٤): كان المستنجدُ أسمرَ ، تامَّ القامة ،
طويلَ اللحية ، اشتد مرضُه ، وكان قد خافه أستاذُ الدار عضدُ الدولة بنُ رئیس
الرؤساء وقايماز المُقْتَفَوي كبيرُ الأمراء ، فواضعا الطبيبَ على أذَّتِهِ، فُوُصِفَ
له الحمَّامُ ، فامتنع لضَعْفِه، ثم أُدخِلَ الحمامَ ، وأُغلق عليه ، فَتَلِفَ ، هكذا
سمعتُ غير واحد ممن يعلم الحال . قال : وقيل : إنَّ الخليفة كتب إلى
وزيره مع ابنِ صفية الطبيب يأمرُه بالقبضِ على قايماز وعَضُدِ الدولة
وصَلْبِهما، فأرى ابنُ صفيَّة الخطَّ لِعَضُدِ الدولة ، فاجتمع بقايماز ويَزْدَن ،
(١) ((المنتظم)) ١٠ / ١٩٣.
(٢) في ((المنتظم)) ١٩٣/١٠.
(٣) ١٩٠، ١٩١، عن ((الكامل)) ٣٦٢/١١.
(٤) ١١ / ٣٦٠، ٣٦١.
٤١٤

فاتفقُوا على قتله ، فدخل إليه يَزْدَن وآخرُ ، فحملاهُ إلى الحمام وهو
يستغيثُ ، وأغلقاهُ عليه .
قلتُ : أولُ من بايع المستنجد عمُّه أبو طالب ، ثم أخوه أبو جعفر ، ثم
ابنُ هُبيرة ، وقاضي القضاة الدامَغَاني .
وفي سنة ٥٥ قَبَضَ الأمراءُ بهَمَذَانَ على سليمان شاه ، وملكوا أرسلان
شاه ، ومات بمصر الفائزُ باللّه، وبايعوا العاضِد.
وفي سنة ٥٦ قُتِلَ بمصر الصالحُ وزيرُها ، واستولى شاور ، وسافر
للصيدِ المُستنجد مراتٍ، والتقى صاحبَ أَذْرَ بيجان والكُرْج ، فنصرَ اللَّهُ ،
وتملَّك نيسابورَ الْمُؤيدُ أَيََّه ، واستناب مملوكَه ينكز على بِسْطام ودامَغَان ،
وتمكَّنْ ، وهزم الجيوشَ ، وهو مِن تحت أمر السلطان رسلان .
وفيها كسرت الفِرنجُ نورَ الدين تحتَ حِصْنِ الأكراد ، ونجا هو
بالجهد ، ونزل على بُحيرةِ حمص ، وحلف لا يَسْتَظِلُّ بسقفٍ حتى يأخُذَ
بالثأرِ ، ثم التقاهُم في سنة ٥٩ فطحنَهم ، وأسر مُلوكَهم ، وقتل منهم عشرةَ
آلاف بحارِم(١) ، ثم جهَّز جيوشَه مع أسدِ الدين مُنجِد الشاور وانتصر ، وقتلَ
ضدَّهُ ضِرغاماً، ثم استنجدَ بالفِرنج ، فأقبلوا ، وضايقوا أسدَ الدين ببَلْبِيس ،
وافتتح نورُ الدين حارِم وبانياس ، وضاع من يده خاتِمٌ بفَصِّ ياقوت يُسمَّى
الجبل ، ثم وجدوهُ .
وفيها أقبل صاحبُ قُسْطنطينية بجيشه مُحارباً لملكِ الروم قلج رسلان ،
فنصرَ اللَّهُ ، وأخذ المسلمون منهم حُصوناً .
(١) حارِم بكسر الراء : هي اليوم بلدة شمال سورية من محافظة إدلب .
٤١٥

وفي سنة ٦٠ وَلَدتْ ببغداد بنتُ أبي العز الأهوازي أربعَ بناتٍ جملة .
وفيها هاجت فتنةٌ صمَّاء بسبب العقائد بأَصْبَهان ، ودام القتالُ بين
العُلماء أياماً ، وقُتل خلقٌ كثير . قاله ابنُ الأثير(١) .
وفي سنة ٥٦١ عملتِ الرافِضةُ مأتمَ عاشوراء ، وبالغُوا ، وسبُّوا
الصحابةَ ، وخرجت الكرج ، وبدَّعوا في الإِسلام ، وغزا نورُ الدين مراتٍ .
وفي سنة ٦٢ كان مسير شِيركُوه إلى مصر ثاني مرةٍ في ألفين ، وحاصر
مصرَ شَهْرين ، واستنجد شاور بالفِرنج ، فدخلُوا مِن دِمياط ، وحاربهم
شِيركُوه ، وانتصر ، وقُتِلَتْ ألوفٌ من الفرنج ، وسار شِيركوه ، واستولى على
الصَّعيد ، وافتتح ولدُ أخيه صلاحُ الدين الإِسكندرية ، ثم نازلته الفِرنج ،
وحاصروه بها أشهراً حتى ردَّ شِيركُوه ، فهربتِ الفِرنجُ عنها ، واستقرَّ بمصر
للفِرنج شحنةٌ وقطيعةُ مئة ألف دينار في العام ، وقدم شِيركُوه ، وأعطاه نورُ
الدين حمص .
وفي سنة ٥٦٤ غزوُ شِيركوه مصرَ ثالثَ مرةٍ ، ومَلكتِ الفِرَنجُ بَلْبيس ،
ونازلُوا القاهرة ، فذلَّ لهم شاور، وطلب الصُّلحَ على قطيعةِ ألفِ ألفٍ دينار في
العام، فأجابه الطاغيةُ مَرِّي إلى ذلك، فعجَّل له مئة ألف دينار، واستنجد بنورِ
الدِّين ، وسَوَّد كتابَه، وجعل في طَيِّه ذوائبَ النساء ، وواصلَ كُتُبُه يحثُّه ،
وكان في حلب ، فجهّز عسكرهُ ، واستخدم أسدَ الدين حتى قيل : كان في
سبعين ألفاً من بين فارس وراجِل ، فتقهقر الفِرنجُ القُدومه وذلُّوا ، ودخل
القاهرةَ في ربيع الآخر ، وجلس في دَسْت المَمْلكة ، وخلع عليه العاضدُ
خِلَعَ السَّلطنة ، وكتبَ له التقليدَ وعلامة العاضدِ بخطِّه : هذا عهدٌ لم يُعْهد
(١) في ((الكامل)) ٣١٩/١١.
٤١٦

مثلُه لوزيرٍ ، فتقلَّدْ أمانةً رآكَ أميرُ المؤمنين لها أهلًا، والحجةُ عليكَ عندَ اللَّهِ
بما أَوضحهُ لكَ من مَرَاشِد سُبُله ، فخُذْ كتابَ أميرِ المؤمنين بقُوَّة ، واسحبْ
ذِيلَ الفَخَارِ بأن اعتزَّتْ بِك بُنُوَّة النُّبُوة، واتخِذْ للفَوزِ سبيلاً، ﴿ولا تَنْقُضُوا
الََّيْمانَ بَعْدَ توكِيدها وقَد جَعَلْتُم اللَّهَ عَلَيكُم كَفِيلاً﴾ [النحل: ٩١](١).
وقام شاور لِضيافة الجيش، فطلبُوا منه النَّفقةَ ، فماطَلَ ، ثم شدَّ عليه
أمراءُ، فقبضُوا عليه ، وذُبِحَ ، وحُمِلَ رأسُه إلى العاضد ، ومات شِيرُكُوه بعد
الولاية بشهرين .
قال العماد : أَحرق شاور مصرَ ، وخاف عليها من الفِرَنج ، ودامت
النارُ تَعْمَلُ فيها أربعةً وخمسين يوماً .
وقلَّد العاضدُ منصب شِیرگُوه لابن أخيه صلاح الدين ، فغضب عَرَبُ
مصر وسودانُها، وتألَّبُوا، وأقبلُوا في خمسين ألفاً، فكان المَصَافُّ بين
القَصْرِين يومين ، وراح كثيرٌ منهم تحتَ السيفِ ، وكانت الزلزلةُ العُظمى
بصِقِيَّة أهلكت أُمماً .
وفي سنة خمسٍ وستين جاءت زَلازِلُ عظامٌ بالشام ، ودَكَّت القِلاع ،
وأفنَتْ خلقاً ، وحاصرت الفِرنجُ دمياطَ خمسين يوماً ، فعجَزوا ، ورحلُوا ،
وأخذ نُور الدين سِنْجار، وتوجَّهَ إلى المَوْصِلِ ، ورتَّب أمورها ، وبنى بها
الجامعَ الأكبرَ ، وسار فحاصرَ الكَرَكَ ، ونصبَ عليها منجنيقين ، وجدَّ في
حصارِها ، فأقبلت نجدةُ الفِرنجِ ، فقصدهم نورُ الدين ، وحصدهم ،
وتمكَّن بمصر صلاحُ الدين وذهب إليه أبوهُ، فكان يوماً مشهوداً ، ركب
العاضِدُ بنفسِه لتلقِّيه . قال صلاحُ الدين: ما رأيتُ أكرمَ من العاضِد ، بعث
(١) انظر ((الكامل)) ٣٣٥/١١ وما بعدها، و((تاريخ الخلفاء)): ٤٤٤ .
٤١٧
سير ٢٧/٢٠

إليَّ مدةَ مُقام الفرنج علی حصارٍ دِمیاط ألف ألف دينار مصرية سوی الثياب
وغيرِها .
وقيل : إنَّ المُستنجد كان فيه عدلٌ ورِفق ، بطّل مُكوساً كثيرة .
قال ابنُ النجار : كان موصوفاً بالفَهمِ الثاقب ، والرأيِ الصائب ،
والذكاءِ الغالب ، والفضلِ الباهر ، له نظمٌ ونثرٌ، ومعرفةٌ بالأَسْطُرلاب ،
تُوفي في ثامن ربيع الآخر سنةً ستُّ وستين وخمس مئة ، وقام بعده ابنُه
المستضيء .
قلت : الإِمامُ إذا كان له عقلٌ جيدٌ ودِين متينٌ ، صَلُحَ به أمرُ الممالك
فإن ضَعُف عقلُه ، وحسُنَت دِيانتُه، حمله الدينُ على مُشاورةٍ أهل الحَزْمِ ،
فتسدَّدت أمورُه ، ومَشَتِ الأحوالُ ، وإن قلَّ دينه ، ونَبُلَ رأيُه ، تعبت به البلادُ
والعبادُ ، وقد يَحْمِلُهُ نُبْلُ رأيِه على إصلاح مُلكِه ورعيَّته للدنيا لا للتقوى ، فإن
نَقَصَ رأيُه ، وقلَّ دينه وعقلُه ، كَثُرَ الفسادُ ، وضاعت الرعيةُ ، وَتَعِبُوا به ، إلا
أن يكونَ فيه شجاعةٌ وله سطوةٌ وهيبةٌ في النفوس ، فينجبِرُ الحالُ ، فإن كان
جَبَاناً، قليلَ الدِّين ، عديمَ الرأي ، كثيرَ العَسْف ، فقد تَعرَّض لبلاءٍ عاجل ،
ورُبما عُزِلَ وسُجِنَ إن لم يُقتل ، وذهبت عنه الدنيا ، وأحاطت به خطاياهُ ،
وندم ـ واللَّهِ - حيثُ لا يُغني الندمُ ، ونحن آيسون اليومَ من وجودِ إمامٍ راشدٍ
من سائرِ الوجوه ، فإن يسَّر اللَّهُ للأمَّةِ بإمامٍ فيه كثرةُ محاسن وفيه مساوىء
قليلة ، فَمَنْ لنابه ، اللهم فأصلِح الراعي والرعيَّة ، وارحم عبادَك ،
ووفّقْهم ، وأَيِّد سُلطانَهم ، وأعنهُ بتوفيقِكَ .
٤١٨

٢٧٥ - أبو البركات *
العلَّمةُ الفيلسوف، شيخُ الطب ، أوحدُ الزمان ، أبو البركات ، هِبةٌ
اللَّه بنُ علي بن ملكا البلديُّ، اليهوديُّ كان، ثم أسلم في أواخرِ عُمره ،
خَدَمَ الخليفةَ المُسْتنجد .
قال الموفق بنُ أبي أُصيبعة(١) : تصانيفُه في غاية الجَوْدَةِ ، وله فِطرة
فائقة، أضرَّ بأخَرَة، وكان يُملي على الجَمَال بنِ فَضْلان، وابنِ الدَّّان ،
والمُهذَّب ابْنِ النّقَّاش ، ووالدِ المُوفَّق عبد اللطيف، كتابَه المُسمَّى
بـ ((المُعتبر)).
قيل : سببُ إسلامهِ أنه دخلَ إلى الخليفةِ ، فقام له الكُلُّ سوى
القاضي ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، إن كان القاضي لم يَقُمْ لأني على غيرِ
مَّته ، فأنا أُسلمُ . فَأَسلمَ .
خلَّف ثلاثَ بنات ، وعاش نحو الثمانين .
وهو صاحبُ تِرِياق برشعثا ، وله رسالةٌ في ماهيَّةِ العقلِ (٢)
ومن تلامذتِه المُهذَّبُ عليُّ بنُ هبَل .
مات سنة نيِّف وخمسين وخمس مئة . وبرعَ في علم الفلسفة إلى
الغاية .
(*) تاريخ حكماء الإسلام: ٣٤٣ - ٣٤٦، اخبار العلماء بأخبار الحكماء : ٢٢٤، عيون
الأنباء في طبقات الأطباء : ٣٧٤ - ٣٧٦، تاريخ مختصر الدول لابن العبري : ٣٦٤ - ٣٦٦،
المختصر ٤٣/٣، تتمة المختصر ١٠٧/٢، نكت الهميان: ٣٠٤، مطالع البدور ١٠٥/٢،
كشف الظنون : ١٧٣١، هدية العارفين ٥٠٥/٢، ٥٠٦.
(١) في ((طبقات الأطباء)): ٣٧٤ - ٣٧٦.
(٢) انظر بقية تصانيفه في ((عيون الأنباء)) ٣٧٦ .
٤١٩

٢٧٦ - كمال *
بنتُ المحدث أبي محمد عبدِ الله بن أحمد بن عمر بن السَّمرقنديّ ،
أمُّ الحسن ، صالحةُ خيِّرة، وهي زوجةُ المُحدِّث عبدِ الخالق اليُوسفي(١).
سمعت من : طِرادٍ ، وابنِ البَطرِ ، والنِّعالي .
وعنها : إبراهيمُ بنُ بَرهان النَّسَّاجِ ، وهِبهُ اللَّه بنُ عمر بن كمال
الحلَّج .
تُوفيت سنةَ ثمانٍ وخمسين وخمس مئة .
أخوها :
٢٧٧ - أبو المُظَفَّر هبةُ اللَّه **
سمع النِّعالي ، وجَعْفراً السّاجِ .
روى عنه موفقُ الدين المَقْدسي .
مات سنةً ثلاثٍ وستين وخمس مئة .
٢٧٨ - الخَزْ رَجي ***
الإِمامُ الفقيهُ، أبو عبد الله ، محمدُ بنُ عبد الحقِّ بن أحمد بن عبد
الرحمن بن محمد بن عبد الحق ، الخَزْرجيُّ القُرطبي المالكي .
سمع ((المُوطَّأ)) وغيرَه من محمدِ بنِ فَرَجِ الطَلَّعي ، وعُني بالفقه .
(*) انظر أعلام النساء ٢٦٢/٤.
(١) الذي تقدمت ترجمته برقم ( ١٨٧ ) .
( ** ) لم أعثر على مصدرٍ ترجمه .
( *** ) لم اعثر على مصدرٍ ترجمه .
٤٢٠