النص المفهرس

صفحات 361-380

ولد سنة خمسٍ وسبعين وأربع مئة بهَمَذَان .
سمع فَيْدَ بنَ عبد الرحمن الشَّعراني ، وعبد الرحمن بنَ حَمْد الدُّوني ،
وظريفَ بنَ محمدٍ النيسابوريَّ ، والأديبَ محمدَ بنَ أبي العباس الأبيورديَّ ،
وإسماعيلَ بنَ الحسنِ السَّنْجَبَسْتِي ، وعبدَ الغفار بن محمد الشِّيروي ،
والعلَّمَة أبا المحاسن الرُّوياني، وأبا القاسم بنَ بيان الرزّاز ، وشيرويه
الدّيلمي، وابنَ طاهر المَقْدسي ، ومُحيي السنة البَغَوِي ، وتاجَ الإِسلام أبا
بكر السمعاني ، وتفقّه عليهما بمَرْو .
قال أبو سعدٍ السمعاني : كان يرجِعُ إلى نصيبٍ من العُلُوم فقهٍ وحديث
وأدب ووعظ ، حضرتُ وَعْظَه بِهَمَذَانَ، فاستحسنتُهُ(١) .
قلت : حدَّث عنه : محمدُ بنُ عبد الله بن البنّاء الصوفي ، وأبو
عبد الله الحسينُ بنُ الزَّبِيدي(٢)، وأخوه الحسن، وأبو المُنَجّا بنُ اللَِّّي،
وجماعةٌ سمعوا منه ببغداد .
تُوفِي بِهَمَذَان في شوال سنةَ خمسٍ وخمسين وخمس مئة .
وفيها مات مؤرِّخُ دمشق العميدُ حمزةُ بنُ أسد التيميميُّ ابنُ
القلانسي(٣)، وحمزةُ بنُ علي ابنُ الحُبُوبي (٤)، والفائز عيسى بنُ الظافر
خليفةُ العُبيديّة وله عشر سنين(٥)، وأميرُ المؤمنين المُقْتَفي(٦)، والشيخُ
= اشتمل عليه من الفوائد، وشرح غريبه، وسماه ((الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل
اليقين)). ((كشف الظنون)) ٥٦/١.
(١) انظر نص السمعاني في ((طبقات)) السبكي ١٨٩/٦.
(٢) بفتح الزاي كما في ((تبصير المنتبه)) ٦٥٤/٢.
(٣) سترد ترجمته برقم (٢٦٢).
(٤) تقدمت ترجمته برقم (٢٤٧) .
(٥) مرت ترجمته في الجزء الخامس عشر برقم ( ٧٧ ).
(٦) سترد ترجمته برقم ( ٢٧٣) .
٣٦١

محمدُ بنُ يحيى الزَّبيدي الواعظ(١)، وأبو طاهر محمدُ بنُ أبي بكر البخاريُّ
الصابوني (٢)، ومسعودُ بنُ عبد الواحد بن الحصين الشيباني ، ويحيى بنُ
عبد الرحمن الطُّوسي ابنُ تاج القراء ، وأبو المُظَفَّر محمدُ بنُ أحمد ابنُ
التُّريكي(٣).
٢٥٢ - سَنْجَر *
السلطانُ ، ملكُ خُراسان ، مُعِزّ الدين، سَنْجَرُ بنُ السلطان ملكشاه بنِ
أَلْب أرسلان بن جغريبَك بن ميكائيل بن سَلجُوق الغُزّي التركي السَّلْجوقيُّ ،
صاحبُ خُراسان وغَزْنَة وبعض ما وراء النهر .
خُطِب له بالعراقِ وأَذْرَ بيجان والشامِ والجزيرةِ وديارِ بكرٍ وأرّان
والحرمين .
واسمُهُ بالعربي أبو الحارث أحمدُ بنُ حسن بن محمد بن داود . كذا
قال السمعاني ، لكن قال في أبيه: حسن إن شاء الله.
ولد بِسِنْجار(٤) من الجزيرة في رجب سنةً تسعٍ وسبعين وأربع مئة إذ
(١) تقدمت ترجمته برقم ( ٢١١).
(٢) تقدمت ترجمته برقم ( ١٩٣ ).
(٣) تقدمت ترجمته برقم (٢٤٩).
(*) الأنساب ١٥٩/٧ ( السُّنْجاري )، المنتظم ١٧٨/١٠، مختصر تاريخ دولة آل
سلجوق: ٢٣٦ - ٢٥٩، الكامل ٢٢٢/١١، ٢٢٣، وفيات الأعيان ٤٢٧/٢، ٤٢٨،
المختصر ٣٣/٣، العبر ١٤٧/٤، ١٤٨، دول الإسلام ٦٩/٢، تتمة المختصر ٩٢/٢،
الوافي بالوفيات ٤٧١/١٥، ٤٧٢، البداية والنهاية ٢٣٧/١٢، تاريخ ابن خلدون ٥٦/٥ و ٦٤
و ٧٠ و ٧٣ ٧٤، تبصير المنتبه ٦٩٧/٢، النجوم الزاهرة ٣٢٦/٥، ٣٢٧، شذرات الذهب
١٦١/٤، ١٦٢، تاج العروس ٢٨٠/٣ (سنجار)، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة :
٠٣٣٣
(٤) فقيل له : سنجر باسم هذا البلد على ما جرت به عادة الأتراك ، فإنهم يسمون أولادهم
بأسماء المواضع. انظر ((الأنساب)) ١٥٩/٧ و((وفيات الأعيان)) ٤٢٨/٢.
٣٦٢

توجَّه أبوهُ لغَزْو الروم ، ونشأ ببلادِ الخُوز، ثم سكن خُراسان ، وتديَّر مَرْو .
قال ابنُ خَلِّكان(١) : ولي نيابةً عن أخيه السلطان بَرْكِيارُوق سنةً تسعين
وأربع مئة ، ثم استقل بالمُلك في سنة اثنتي عشرة وخمس مئة .
قال السمعاني : كان في أيام أخيه يُلقَّب بالملك المُظَفَّر إلى أن تُوفي
أخوه محمدٌ(٢) بالعراق في آخر سنة إحدى عشرة ، فتسلطَنَ ، وَرِثَ المُلكَ
عن آبائه ، وزاد عليهم ، وملكَ البلادَ ، وقهر العبادَ ، وخُطِبَ له على أكثر
منابِرِ الإِسلام .
وكان وَقُوراً حَيّاً ، كريماً سَخِيّاً، مُشِفِقَاً، ناصحاً لرعيّته ، كثيرَ
الصَّفْح ، جلسَ على سريرِ المُلك قريباً من ستين سنة .
قال : وحكى أنه دخَلَ مع أخيه محمدٍ على المُستظهِرِ بالله ، [ قال : ]
فلما وقفنا ظَّني السلطانَ ، فافتتح كلامَه معي ، فَخَدَمْتُ ، وقلتُ : يا
مولانا ، هو السلطانُ ، وأشرتُ إلى أخي ، ففوّض إليه السلطنَةَ ، وجعلني
وليَّ عَهده(٣). أجاز أبو الحسن عليُّ بنُ أحمد المديني لسَنْجَر مسموعاتِهِ ،
فقرأتُ عليه بها أحاديثَ ، وقد ثَقُلَ سمعُهُ .
قال ابن الجوزي (٤): حارب سنجر الغُزَّ - يعني قبل سنة خمسين
وخمس مئة - فأسروهُ ، ثم تخلَّص بعد مدة .
وقال ابنُ خَلِّكان(٥) : كان من أعظمِ الملوكِ همَّةً، وأكثرهم عطاءً ،
(١) في ((وفيات الأعيان)) ٤٢٨/٢ .
(٢) مرت ترجمته في الجزء التاسع عشر برقم (٢٩٣).
(٣) انظر ((المنتظم)) ١٧٨/١٠.
(٤) في ((المنتظم)) ١٧٨/١٠.
(٥) في ((وفيات الأعيان)) ٤٢٧/٢.
٣٦٣

ذكر أنه اصطبح خمسةً أيام متوالية ذهب بها في الجود كُلَّ مذهب ، فبلغ ما
وهب من العين سبعَ مئة ألف دينار سوى الخِلع والخيل .
قال(١) : وقال خازنُهُ: اجتَمَعَ في خزائِهِ من الأموالِ ما لم يُسمع أنّه
اجْتَمَعَ في خزائن مَلِكٍ ، قُلت له يوماً : حَصَلَ في خزائِك ألفُ ثوب ديباج
أطلس ، وأُحِبُّ أن تَراها، فسكَتَ ، فأبرزتُ جميعَهَا ، فحمد اللهَ ، ثم
قال : يقبح بمثلي أن يُقَالَ : مالَ إلى المالِ . وأَذِنَ للأمراء في الدخول،
وفرَّق عليهم الثيابَ . قال : واجتمع عندَهُ من الجواهر ألفُ رطل ونيِّف ، ولم
يُسمع عند ملكِ ما يُقارب هذا .
قال ابنُ خّكان(٢) : لم يزل في ازديادٍ إلى أن ظهرت عليه الغُزُّ في سنة
٥٤٨ وهي وقعةٌ مشهورةٌ استُشهد فيها الفقيهُ محمدُ بنُ يحيى، فكسروهُ ،
وانحلَّ نظامُ مُلكه ، وملكوا نيسابور ، وقتلُوا خَلْقاً كثيراً، وأخذوا
السُّلطانَ(٣)، وضربوا رقابَ عدَّةٍ من أُمرائه، ثم قَبِّلُوا الأرضَ ، وقالوا: أنت
سلطاتُنا ، وبقي معهم مثلَ جنديٍّ يركب اكديشً ، ويجوع وقتاً ، وأتّوا به ،
فدخلُوا معه مرو ، فطلبها منه أميرُهُم بختيار إقطاعاً ، فقال : كيف يصيرُ
هذا ؟ ! هذه دارُ الملك. فصفى له ، وضحكوا ، فنزل عن الملك ، ودخَلَ
إلى خانقاه مَرْو، وعملت الغُزُّ ما لا تعمله الكُفّار من العظائم ، وانضمت
العساكر، فَمَلْكوا مملوكَ سَنْجَرَ أَيَّه ، وجرت مصائبُ على خُراسان ، فبقي
في أسرهم ثلاثَ سنين وأربَعَةً أشهر، ثم أفلت منهم ، وعاد إلى خُراسان ،
(١) في ((وفيات الأعيان)) ٤٢٧/٢، ٤٢٨، وانظر ((مختصر تاريخ دولة آل سلجوق)):
٢٥١، ٢٥٢.
(٢) في ((وفيات الأعيان)) ٤٢٨/٢.
(٣) إلى هنا ينتهي النص في ((وفيات الأعيان)) ٤٢٨/٢.
٣٦٤

وزال بموتِهِ مُلْكُ بني سَلْجُوق عن خُراسان ، واستولى على أكثر مملكَتِهِ
خُوارزم شاه أُتْسِزُ(١) بن محمد بن نوشتكين ، ومات أُتْسِز قبل سنجر .
قال السَّمعاني : مات في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين
وخمسين وخمس مئة ، ودُفن في قُبّةٍ بناها ، وسماها دَارَ الآخرة .
قال ابنُ الجوزي(٢): لما جاء خبرُ موتِهِ إلى بغداد ، قُطعت خطبَتُهُ ،
ولم يُعقد له عزّاء .
قال السمعاني : تسلطنَ بعدَه ابنُ أخته الخاقانُ محمودُ بنُ محمد بن
بغراجان .
قلتُ : وقد عَمِلَ في أثناء دولته مصافّاً ما سُمع بمثله أبداً مع كافر ترك ،
انكسر سَنْجَرُ فيها ، وقُتْلَ من جُنده سبعون ألفاً .
٢٥٣ - أَبَق *
المُلك المُظَفَّر ، مُجير الدين ، أبو سعيد ، أبق ، صاحبُ دمشق وابنُ
صاحبها جمالِ الدين محمدٍ بنٍ تاج الملوك بُوري بنِ طُغْتِكِين الْبَعْلَبَكِّي
المولد .
تملّك بعد أبيه وهو حَدَثٌ، ودَبَّر الدولةَ أَنُرِ الطّغْتكيني (٣) والوزيرُ ابنُ
(١) الذي تقدمت ترجمته بر قم (٢١٥) .
(٢) في ((المنتظم)) ٤٢٨/١٠.
(*) تاريخ ابن القلانسي : ٣٠٦ - ٣٢٨، الكامل ١٩٧/١١، ١٩٨، مرآة الزمان
١٧٢/٨، وفيات الأعيان ١٨٨/٥، ١٨٩، العبر ١٨٥/٤، ١٨٦، أمراء دمشق: ٤، الوافي
بالوفيات ١٨٨/٦، النجوم الزاهرة ٣٨١/٥، شذرات الذهب ٢١١/٤، ٢١٢، تهذيب تاريخ
دمشق لبدران ٢ / ٣٢٠ ، معجم الأنساب : ٤٦ .
(٣) الذي تقدمت ترجمته برقم ( ١٤٨).
٣٦٥

الصُّوفي (١)، فلما مات أَنْر استقل بالمُلك مُجيرُ الدين ، ثم نفى الوزيرَ إلى
صَرخَد، واستوزر أخاه حيدرةَ مدةً ، ثم قتله ، وقدَّم على الجيش عطاء
البَعْلَبَكيّ ، ثم قتَلَه ، فقصد نورُ الدين دمشقَ ، وعامله أهلُها ، فأخذها
بالأمان ، وعوَّض مُجيرَ الدين بحمص ، فأقام بها ، ثم أمره نورُ الدين
بالتحوّل إلى بالس ، فسار إليها ، ثم تركها ، وقدم على الخليفة ، فأعطاه خُبز
سبعين فارساً إلى أن مات ببغداد سنةً أربعٍ وستين وخمس مئة كهلاً .
٢٥٤ - عَبْدُ المؤمن بن علي *
ابن عَلَوي ، سُلطَانُ المغرب الذي يُلَقَّبُ بأمير المؤمنين ، الكُوْمِيُّ
القيسي ، المَغْربي .
مولدُهُ بأعمال تِلِمْسَان . وكان أبوه يصنعُ الفَخَّار .
قيل : إنه قال - أعني عبدَ المؤمن - : إنما نحنُ من قَيْسِ غَيْلَان بنِ
مُضر بنٍ نزار ، ولكُومية(٢) علينا حقُّ الولادة ، والمنشأ فيهم ، وهم
أخوالي(٣).
(١) الذي تقدمت ترجمته برقم ( ١٥٨ ) .
(*) الكامل ٢٩١/١١، ٢٩٢، المعجب: ٢٨٤ - ٣٠٣ و٣٢٧ - ٣٤٤، مرآة الزمان
١٥١/٨، ١٥٢، وفيات الأعيان ٢٣٧/٣ - ٢٤١، المختصر ٤٠/٣، دول الإسلام ٧٣/٢،
العبر ١٦٥/٤، تتمة المختصر ١٠٤/٢، البداية والنهاية ٢٤٦/١٢، ٢٤٧، الحلل الموشية:
١٠٧ - ١١٩، بغية الرواد ٨٧/١، تاريخ ابن خلدون ٢٢٩/٦، النجوم الزاهرة ٣٦٣/٥،
٣٦٤، جذوة الاقتباس : ٢٧٢، نفح الطيب ٤٤٢/١، شذرات الذهب ١٨٣/٤، الخلاصة
النقية: ٥٥، الاستقصا ٩٩/٢ - ١٤٥، معجم الأنساب: ١١٣، أخبار المهدي: ٢١ .
(٢) وهي قبيلة صغيرة نازلة بساحل البحر من أعمال تلمسان. انظر (( وفيات الأعيان))
٢٤٠/٣، وانظر نسبها في ((الاستقصا)) ٩٩/٢.
(٣) انظر ((المعجب)) ٢٨٨.
٣٦٦

وكان الخُطباء إذا دَعَوا له بعد ابن تُومرت ، قالوا : قسيمُهُ في النَّسَب
الكريم(١) .
مولده سنةً سبعٍ وثمانين وأربع مئة(٢) .
وكان أبيضَ جميلاً، ذا جسمٍ عَمَمٍ(٣) ، تعلُوهُ حُمرةٌ ، أسودَ الشعر ،
معتدلَ القامة ، جهوريَّ الصوت ، فصيحاً جَزْل المنطق ، لا يراهُ أحدٌ إلا
أحبَّه بديهةً ، وكان في كِبَرِهِ شيخاً وقوراً، أبيضَ الشعر ، كثَّ اللحية ،
واضحَ بياض الأسنان ، وكان عظيمَ الهامةِ ، طويلَ القعدة ، شَئْنِ الكَفِّ ،
أَشْهَلَ العينِ ، على خدِّه الأيمنِ خالٌ، يُقالُ : كان في صباه نائماً، فَسَمِعَ
أبوه دويّاً، فإذا سحابةٌ سمراءُ من النحلِ قد أهوت مُطبقةً على بيتِهِ، فنزلت
كُلُّها على الصبيّ ، فما استيقظَ، فصاحت أمُّه، فسكَّنها أبوه ، وقال : لا
بأس ، لكني متعجِّبٌ مما تدلُّ عليه ، ثم طارت عنه ، وقعد الصبيُّ سالماً ،
فذهب أبوهُ إلى زاجرٍ ، فذكر له ما جرى ، فقال : يُوشك أن يكون لابنكَ
شأنٌ ، يجتمع عليه طاعةُ أهلِ المغرب(٤) .
وكان محمدُ بنُ تُومرت(٥) قد سافر في حُدُود الخمس مئة إلى
المشرق ، وجالَسَ العُلماء، وتَزَهَّدَ ، وأقبلَ على الإِنكار على الدولةِ
بالإِسكندرية وغيرها ، فكان يُنفى ويُؤذى ، ففي رَجْعَته إلى إفريقية هو ورفيقُهُ
(١) ((المعجب)) ٢٨٨.
(٢) قال ابن خلكان : وقيل: إن ولادته سنة خمس مئة . وقيل : سنة تسعين وأربع مئة .
((وفيات الأعيان )»٢٣٩/٣.
(٣) في ((القاموس )): العَمَمُ محركة: عِظَمُ الخلق في الناس وغيرهم.
(٤) انظر ((وفيات الأعيان)) ٢٣٧/٣، ٢٣٨، و((الاستقصا)) ٩٩/٢.
(٥) الذي مرت ترجمته في الجزء التاسع عشر برقم (٣١٨).
٣٦٧

الشيخ عُمر الهِنْتَاتي(١) صادَفَ عبدَ المؤمن، فحدَّثْه وَوَانَسَهُ، وقال : إلى
أين تُسافر؟ قال : أطلبُ العلمَ . قال : قد وجدتَ طَلِيَتَكَ . ففقَّهه ،
وصحبه ، وأحبَّه ، وأفضى إليه بأسرارِهِ لما رأى فيه من سِمات النُّبْل ، فوجد
هَمَّتَه كما في النفس، فقال ابنُ تُومرت يوماً لخواصّه: هذا غلّبُ الدُّول.
ومضوا إلى جبل تِيْمَلّ(٢) بأقصى المغرب، فأقبل عليهم البربرُ ، وكثُرُوا ،
وعسكروا ، وشَقُّوا العصا على ابنِ تاشفين، وحاربوهُ مرّاتٍ، وعظُمَ
أمرُهُم ، وكثر [تْ] جموعُهُم، واستفحل أمرُهُم، وخافتهم الملوكُ، وآل
بهم الحالُ إلى الاستيلاءِ على الممالك ، ولكن مات ابنُ تُومرت قبل تمكنهم
في سنة أربع وعشرين وخمس مئة . وكانت وقعةُ البُحيرة بظاهر مَرّاكُش بين
ابنِ تاشفين صاحب المغرب وبين أصحاب ابنٍ تُومرت في سنة إحدى
وعشرين ، فانهزم فيها المُوحِّدون ، واستحرَّ بهم القتلُ ، ولم ينجُ منهم إلا
نحوٌ من أربع مئة مقاتل ، ولما تُوفي ابنُ تُومرت كَتَموا موتَه ، وجعلُوا يخرُجُون
من البيتِ ، ويقولون : قال المهديُّ كذا ، وأمَرَ بكذا ، وبقي عبدُ المؤمن
يُغيرُ في عسكَرِهِ على القُرى ، ويعيشُون من النَّهب، وضعُفَ أمرُهُم ،
وكذلك اختلَفَ جيشُ ابنِ تاشفين الذين يُقال لهم : المرابطون ، ويقال
لهم : المُلَثَّمون ، فخامر منهم الفلاكيُّ من كبارهم ، وسار إلى عبدِ
المؤمن ، فتلقّاهُ بالاحترام ، واعتضَدَ بهِ ، فلما كان بعد خمسة أعوام أفصحوا
بموتِ ابنِ تُومرت ، ولقّبُوا عبدَ المؤمن أميرَ المؤمنين ، وصارت حُصُون
الفلاكي للموحِّدين ، وأغاروا على نواحي أَعْمات والسُّوسِ الأقصى ،
واستفحل بهم البلاء .
(١) بكسر الهاء وسكون النون وبعد الألف تاء ثانية ، نسبة إلى قبيلة كبيرة من البربر يقال
لها: هنتاتة. ((اللباب)) ٣٩٣/٣.
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) ٥٥/٥، و((معجم البلدان)) ٦٩/٢.
٣٦٨

وقال صاحب (( المعجب)) عبد الواحد المَرّاكُشي(١): استدعى ابنُ
تومرت قبل موته الرجالَ المُسمَّين بالجماعة وأهلَ الخمسين(٢) والثلاثةَ عُمر
أرتاج(٣) ، وُعُمر إِيْتِي، وعبدَ الله بنَ سُليمان، فحمد اللهَ، ثم قال: إنَّ
الله - سبحانه، وله الحمدُ - منَّ عليكم أيتُها الطائفةُ بتأييدِهِ ، وخصَّكُم
بحقيقةٍ توحيدِهِ ، وقيَّضَ لكم من ألفاكُم ضُلّلاً لا تهتدون ، وعُمياً لا
تُبُصرون ، قد فشت فيكم البِدَعُ، واستهوتكُم الأباطيلُ ، فهداكم اللهُ به ،
ونصركُم ، وجمعكُم بعد الفُرقة ، ورفع عنكم سُلطانَ هؤلاء المارقين ،
وسيُورِثُكم أرضَهم وديارهُم ، ذلك بما كسبت أيديهم ، فجدِّدوا للهِ خالص
نياتكم ، وأرُوهُ من الشكر قولاً وفعلاً مما يُزِّي به سعيَكُم، واحذرُوا الفُرقة،
وكونوا يداً واحدةً على عدوًّكم ، فإنكم إن فعلتُم ذلك هابكم الناسُ ،
وأسرعوا إلى طاعتِكُم، وإن لا تفعلُوا شملكُم الذُّلُّ، واحتقرتكُم العامَّة،
وعليكم بمَزْجِ الرأفةِ بالغلظة ، واللينِ بالعُنْفِ ، وقد اخترنا لكم رجُلًا
منكم ، وجعلناهُ أميراً بعد أن بلوناهُ ، فرأيناهُ ثَبْتاً في دينه ، مُتبصّراً في أمره ،
وهو هذا - وأشار إلى عبدِ المُؤْمن - فاسمعوا له وأطيعُوا ما أطاعَ رَبَّه ، فإن بَدَّل
ففي المُوحِّدين بركةٌ وخير ، والأمرُ أمرُ الله يُقلِّده من يشاء . فبايع القومُ عبدَ
المؤمن ، ودعا لهم ابنُ تُومرت .
وقال ابنُ خلكان (٤): ما استخلفّهُ بل أشارَ به . قال : فأولُ ما أخذَ من
(١) ((المعجب)»: ٢٨٥ - ٢٨٧ .
(٢) قال في ((المعجب)): وهم كما ذكرنا من قبائل متفرقة لا يجمعهم إلا اسم المصامدة .
وانظر في ((الاستقصا)) ٩٥/٢، ٩٦ كيف رتب ابن تومرت قومه ، فمنهم أهل الدار، وأهل
الجماعة ، وأهل خمسين ... الخ ووظيفة كل قسم منهم .
(٣) كذا ضبط في الأصل بالراء المهملة والتا المثناة الفوقية. وفي ((المعجب)): أزناج ،
بالزاي والنون .
(٤) في ((وفيات الأعيان)) ٢٣٩/٣.
٣٦٩
سیر ٢٤/٢٠

البلاد وَهران، ثم تلمسان، ثم فاس، ثم سَلَا، ثم سَبْتَة ، ثم حاصر
مراكشْ أحد عشر شهراً ، فأخذها في سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة ، وامتدّ
مُلكُه، وافتتح كثيراً من الأندلس ، وقصدته الشُّعراءُ ، ولما قال فيه
التِّفاشيُّ (١) قصيدَتَه :
ما هَزَّ عِطْفَيْهِ بَيْنَ البِيْضِ والأَسَلِ مثلُ الخَلِيفَةِ عبدِ المُؤمنِ بنِ علي (٢)
أشار إليه أن يقتصِرَ على هذا المطلع ، وأمر له بألف دينار ، وانقطعت
الدعوةُ العبّاسية بموت أميرِ المسلمين عليٍّ بنِ تاشفين وولدِه تاشفين ، وكانت
دولةُ تاشفین ثلاث سنين .
قال ابنُ الجوزي في ((المرآة)) (٣): استولى عبدُ المؤمن على
مَرَّاكُش، فقتل المقاتلة، وكفّ عن الرعيَّة، [وأحضر اليهودَ والنصارى](٤)،
وقال : إنَّ المهديَّ أمرني أن لا أُقِرَّ الناسَ إلا على مِلَّةِ الإِسلام، وأنا مُخيِّرُكُم
بين ثلاثٍ ، إما أن تُسلموا ، وإما أن تلحقُوا بدار الحرب ، وإما القتل .
فأسلم طائفةٌ ولحقت أُخرى بدارِ الحرب ، وخرَّب كنائسهم ، وعملها
مساجدَ ، وألغى الجزيةَ ، فعلَ ذلكَ في جميع مدائِنِه ، وأنفقَ بُيوتَ
الأموالِ ، وصلَّى فيها اقتداءً بعليٍّ، وليري الناسَ أنه لا يكنِزُ المال ، وأقام
كثيراً من معالم الإِسلامِ مع سياسةٍ كاملة ، ونادى : من تركَ الصلاة ثلاثاً
فاقتُلُوه ، وأزال المنكر، وكان يَؤُمُّ بالناس ، ويتلُو في اليوم سُبعاً، ويلبسُ
(١) في الأصل: التيتاشي، والمثبت من ((وفيات الأعيان)) وهي نسبة إلى تيفاش: من
قرى قفصته بإفريقية. وانظر ((معجم البلدان)) ٦٦/٢ و((الروض المعطار)): ١٤٦.
(٢) انظر ((الكامل)) ٢٤٤/١١.
(٣) ص ١١٨ حوادث سنة ٥٤٢ .
(٤) ما بين حاصرتين من ((مرآة الزمان)).
٣٧٠

الصوفَ الفاخر(١)، ويصومُ الاثنين والخميس ، ويقسم الفيء بالشرع،
فأحبوه .
قال عزيز في كتاب ((الجمع )): كان عبدُ المؤمن یأخُذ الحقَّ إذا وجبَ
على ولدِه ، ولم يَدَْعِ مُشرِكاً في بلاده لا يهودياً ولا نصرانياً ، فجميعُ رعيَّتِه
مسلمون .
وقال عبدُ الواحد بن علي(٢): وزر له أولاً عمر أرتاج(٣)، ثم رفعهُ عن
الوزارة ، واستوزر أبا جعفر أحمدَ بنَ عطيّة الكاتب ، فلما أخذ بِجَايةَ استَكتَب
من أهلها أبا القاسم القالمي ، ثم في سنة ٥٣ قتل ابنَ عطيّة ، وأخذ أموالَه ،
واستوزر عبدَ السلام الكُومي ، ثم قتله سنةَ سبعٍ ، واستوزر ابنه عُمَرَ ، وولَّى
قضاءَهُ ابنَ جَبَل الوَهْرانيَّ، ثم عبدَ الله بن عبد الرحمن المالقي ، وأسريحيى
الصُّنهاجي صاحبَ بِجَاية ، وكان هو وآباؤه من بقايا نُوّاب بني عُبيد الرافضة ،
ثم أحسن إلى يحيى ، وصيَّه من قُوّادِه ، وكان عبدُ المؤمن مؤثراً لأهل
العلم ، مُحبّاً لهم ، ويُجزِلُ صِلاتهم ، وسُمِّيت المصامدةُ بالمُوحِّدين لأجل
خوضِ المَهديِّ بهم في علم الاعتقادِ والكلام(٤).
وكان عبدُ المؤمن رزيناً وقُوراً، كامل السؤدُد ، سريّاً، عاليَ الهَمَّة ،
خليقاً للإِمارة ، واختلَّت أحوالُ الأندلس ، وتخاذل المُرابُطُون ، وآثروا
الراحةَ ، واجتراً عليهم الفِرنجُ ، وانفرد كُلُّ قائدٍ بمدينة ، وهاجت عليهم
(١) كلمة ((الفاخر)) لم ترد في النسخة التي عندنا من ((المرآة)).
(٢) في ((المعجب)) : ٢٩٠ وما بعدها .
(٣) في (( المعجب)) : أزناج .
(٤) ولم يكن أحد منهم في تلك الجهة يخوض في شيء منه قبل ابن تومرت .
((المعجب)) : ٢٩٣.
٣٧١

الفرنجُ ، وطمعوا ، فجهّز عبدُ المؤمن عُمر إينتي ، فدخل إلى الأندلس ،
فأخذَ الجزيرة الخضراء ، ثم رُندة ، ثم إشبيلية وقرطبة وغَرناطة ، ثم سار عبدُ
المؤمن بجيوشِه ، وعدى البحر من زقاق سَبْتة ، فنزل جبلَ طارق ، وسمّاه
جبلَ الفتح ، فأقام أشهراً، وبنى هناك قصوراً ومدينة ، ووفد إليه كُبراء
الأندلس ، وقام بعضُ الشعراء منشداً :
أينَ المَفَرُّ وخيلُ اللَّهِ فِي الطَّلَبِ
ما للعِدى جُنَّةٌ أوقی مِنَ الھَرَبِ
وقد رمَتْهُ سِهامُ اللَّهِ بالشُّهُبِ
وأينَ يَذْهَبُ مَن فِي رَأْسٍ شاهِقَةٍ
والبحرُ قَدْ ملَّ الْبَّرِّينِ بالعَرَبِ(١)
حَدِّثْ عَنِ الرُّومِ فِي أَقْطَارِ أَندلُسٍ
فأُعجب بها عبدُ المؤمن ، وقال : بمثل هذا يُمدح الخُلفاء . ثم أمَّر
على إشبيلية ولدهُ يوسف ، وعلى قُرطبة أبا حفص عُمر إينتي ، وعلى غرناطة
عثمانَ ولدَهُ، وقرَّر بالأندلس جيشاً كثيفاً من المصامدةِ والعربِ وقبائلِ بني
هلال ، وكان قد حاربَهم مدةً، وظَفِرَ بهم ، وأذلَّهم ، ثم كاتبهم ولاطفَهم ،
فخدمُوا معه ، وخلع عليهم ، وكان دخولُه إلى الأندلسِ في سنة ثمانٍ
وأربعين ، ومما لاطف به العربَ واستمالهم قصيدةٌ له وهي :
وقُودُوا إلى الهَيْجاءِ جُرْدَ الصَّواهِلِ
أقيمُوا إلى العَلْياءِ هُوْجَ الرِّوَاحِلِ
وشُدُّوا على الأَعْدَاءِ شَدَّةَ صَائِلٍ
وَقُومُوا لِنَصْرِ الدِّينِ قَوْمَةَ ثائرٍ
وَأَبْيَضُ مأثورٌ ولَيْسَ بِسَائِلٍ (٢)
فما العِزُّ إلا ظَهْرُ أَجْرَدَ سَابحٍ
(١) الأبيات مع المناسبة في ((المعجب)) ٣١٤، ٣١٥ وفيه ((العِبْرَين)) بدل ((الْبَرِّين))
وهي للشاعر الأصم المرواني ابن الطليق. انظر سبب تسميته بابن الطليق في ((المعجب)) ٣١٥،
٣١٦.
(٢) ورد هذا البيت في ((المعجب)) ٣٢٩ في بيتين :
يفوتُ الصبا في شدهِ المتواصلِ
فما العزّ إلا ظهرُ أجردّ سابحٍ
على الماء منسوجٌ وليس بسائلٍ =
وأبيض مأثور كأنَّ فِرندةٌ
٣٧٢

وما جَمَعَتْ من باسِلٍ وابنٍ باسِلِ
بني العَمِّ من عَليا هلالٍِ بنِ عامٍ
تعالَوْا فقد شُدَّتْ إلى الغَزْوِ نَّةٌ
هي الغَزْوَةُ الغَرّاءُ والموعدُ الذي
بِهَا نَقْتَحُ الدُّنيا بها نبلُغُ المُنَى
عواقِبُها منصورَةٌ بالأوائِلِ
تَنَجَّزَ مِنْ بَعْدِ المَدَى المُتطاوِلِ
بها نُنْصِفُ التَّحقِيقَ مِنْ كُلِّ بَاطِلِ
وللمُدْلجِ السَّارِي صَفَاءُ المَنَاهِلِ (١)
فلا تَتَّوانَوْا فالبِدَارُ غَنِيمَةٌ
قال عبدُ الواحد المراكشي(٢): حدثني غيرُ واحدٍ أنَّ عبدَ المؤمن لما
نزل سَلاَ (٣) - وهي على البحرِ المُحيط ينصبُّ إليها نهرٌ عظيم، ويمرُّ في
البحر - عَبَرَ النَّهرَ، وضُربت له خيمةٌ ، وجعلتْ جيوشُه تعبرُ قبيلةً قبيلةً ،
فخرّ ساجداً ، ثم رفع وقد بلَّ الدمعُ لحِيتَهُ ، فقال : أعرف ثلاثةً وردُوا هذه
المدينةَ ، لا شيءَ لهم إلا رغيفٌ واحد ، فرامَوا عُبُور هذا النهر ، فبذلُوا
الرغيفَ لصاحبِ القاربِ على أن يُعَدِّي بهم ، فقال : لا آخذُه إلا عن اثنين ،
فقال أحدُهم وكان شاباً : تأخُذُ ثيابي وأنا أسبَحُ ، ففعلَ ، فكان الشابُّ كلّما
أعيا، دنا من القارب، ووضع يدَهُ عليه يستريح ، فيضرِبُه بالمِجذافِ ، فما
عدَّى إلا بعد جُهد . فما شكّ السامعون أنه هو السابح ، والآخران ابنُ
تُومرت ، وعبدُ الواحد الشرقي .
قال (٤): ثم نزل عبدُ المؤمن مَرّاكُش، وأقبل على البناءِ والغِراس
وترتيب مُلكه ، وبسطِ العدلِ، وبقي ابنُه عبدُ اللَّه ببجاية يشُنُّ الغاراتِ على
قال في (( القاموس )) : وسيف مأثور : في متنه أثر ، أو متنه حديد أنيث وشفرته حديد ذكر ،
=
أو هو الذي يعمله الجن .
(١) الأبيات في ((المعجب)) ٣٢٩، ٣٣٠، مع ثلاثة أبيات أخرى قبل البيت الأخير.
(٢) في ((المعجب)): ٣٣١ وما بعدها .
(٣) انظر ((معجم البلدان)) ٢٣١/٣.
(٤) في ((المعجب)) ٣٣٢ - ٣٣٦.
٣٧٣

نواحي إفريقية، وضايقَ تُونُسَ ، ثم حاصرها مدةً ، وأفسدَ مياهَها ، وقطع
أشجارها ، وبها ابنُ خراسان نائبُ صاحبٍ صقلية لُوجار(١) بنِ الدوقة
الروميِّ، فطال على ابنِ خُراسان الحصارُ ، فبرز، والتقى الموحّدين ،
فهزمهم، وقَتَلَ خلقاً منهم، فبعث عبدَ اللَّه يستمِدُّ أباهُ، فتهيَّأُ في سنة
٥٥٣ لتونُس، وأقبل في جيوشِهِ حتى نازَلَها، فأخذها عَنوةً، وانتقَلَ إلى
المهديَّةِ وهي للنصارى لكن رعيَّتها مسلمون ، فطال الحصارُ لحصانَتِها ،
يُقال : عَرْضُ سُورِها ممرُّ ستةٍ أفراس ، وأكثرها في البحر ، فكانت النجداتُ
تأتيها من صقلية(٢).
قال ابنُ الأثير (٣) : نازل عبدُ المؤمن المهديَّة ، فبرز شجعانُ الفِرنج ،
فنالُوا مِن عسكره ، فأمرَ ببناءِ سورٍ عليهم ، وصابَرها ، وأخذ سَفَاقِس
وطرابلس وقابِس ، وجرت أمورٌ وحروبٌ يطولُ شرحُها ، وجهَّز من افتتَح تَوْزَرَ
وبلادَ الجَريد ، وطرد عنها الفِرنج ، وطهّر إفريقية من الكُفر، وتكمَّلَ له ملكُ
المغرب من طرابلس إلى السُّوسِ الأقصى وأكثر مملكة الأندلس ، ولو قصد
مصرَ لأخذَها ، ولما صَعُبت عليه .
وقيل : إنه مرَّ بقريتِه ليصلَ بها ذوي رحمِه ، ويزورَ قبَرَ أمِّه ، فلما أطلَّ
عليها وجيوشُه قد ملأت الفضاءَ ، والراياتُ والبنودُ على رأسه ، وضرب نحو
من مئتي طبل ، وطبولُهم كبارٌ جدّاً تُزعج الأرض ، فقالت عجوزٌ منهم :
(١) في ((الكامل)) ١٨٥/١١: رُجّار .
(٢) قال: ثم افتتحها بعد أن أمَّن النصارى الذين بها على أنفسهم ، على أن يخرجوا له من
البلد ، ويلحقوا بصقلية بلدهم حيث مملكة صاحبهم ، ففعلوا ذلك ، ودخل عبد المؤمن
وأصحابه المهدية، فملكوها. ((المعجب)) ٣٣٦.
(٣) انظر ((الكامل)) ٢٤١/١١ - ٢٤٥ حوادث سنة ٥٥٤ .
٣٧٤

هكذا يعودُ الغريبُ إلى بلده!؟ وصاحَتْ بذلك(١).
ولما دخلت سنةُ ثمانٍ (٢) وخمسين أمر الجيشَ بالجهاز لِجهاد الروم ،
واستنفر الناسَ عاماً ، ثم سار حتى نزل بسَلاً ، فمرضَ ، وجاءه الأجلُ بها في
السابع والعشرين من جمادى الآخرة(٣) ، وارتجَّت المغربُ لموتِه ، وكان قد
جعل وليَّ عهدِه ابنَه محمداً، وكان لا يصلُح لطيشِه وجُذَامٍ به ولشُرْبه
الخَمْرَ ، فتملَّك أياماً، وخلعُوه ، واتفقوا على تولية أخيه يوسفَ بنِ عبد
المؤمن ، فبقي في الملك اثنتين وعشرين سنة . وخلّف عبدُ المؤمن ستةً
عشر ولداً ذكراً(٤).
قال صاحب كتاب (( الجمع )) : وقفت علی کتابٍ کتبهُ عن عبد المؤمن
بعضُ كُتّابه : من الخليفةِ المعصوم الرضيِّ الزكيِّ، الذي بشَّر به النبيُّ
العربيّ، القامعُ لكل مُجَسِّم ◌َوِيّ، الناصرُ لدين الله العَلي، أميرٍ المؤمنين
عبدِ المؤمن بن علي .
٢٥٥ - شَهْرَ دار *
ابنُ شِيرويه بنِ شَهْرَدار بنِ شِيرويه بن فَتّاخُسْرُه ، الإِمامُ العالمُ
المحدث المفيد، أبو منصور بنُ الحافظِ المُؤرِّخ أبي شجاعِ الدَّيلمي
الهَمَذاني ، من ذُرِّيَّة الضَّحَاكِ بنِ فيروز الدَّيلميِّ رضي الله عنه.
(١) ((المعجب)) ٣٣٩، ٣٤٠.
(٢) في ((المعجب)) ٣٤٣ و ((الاستقصا)) ٢٤٣/٢: سنة سبع.
(٣) من سنة ٤٥٨ كما في ((الكامل)) و((الاستقصا)) وبقية المصادر، عدا ((المعجب))
ففيه سنة ٤٥٧ .
(٤) انظر أسماءهم في ((المعجب)): ٢٨٩.
(*) التحبير ٣٢٧/١ - ٣٣٠، طبقات ابن الصلاح: ق ٥٠/أ، مجمع الآداب
١٨٢٤/٣،، شذرات الذهب ١٨٢/٤، هدية العارفين ٤١٩/١.
٣٧٥

أجاز له عامَ مولدِه باعتناء والدِه أبو بكر بنُ خَلَف الشِّيرازيُّ ، وأبو
منصورٍ المُقومي سنة ٤٨٣ .
وسمع : أباه ، وأبا الفتح عَبْدُوس بنَ عبد الله ، ومكيَّ بنَ علَّان
السَّلّر، وحَمْدَ بنَ نصر الأعمش، وأبا محمد الدُّوني، وفَيْدَ بنَ عبد
الرحمن ، وأبا بكر أحمدَ بن محمد بن زنجويه فقيهَ زَنْجان ذكر أنه سمع منه
((مُسند)) الإِمام أحمد في سنة خمس مئة ، أخبرنا الحُسين الفَلّكي ، أخبرنا
القَطِیعي . وسمع ببغداد .
حدث عنه: ابنه أبو مُسْلم أحمد ، وأبو سهل عبدُ السلام بنُ فَتْحَة
السَّرفُولي الذي روى عنه ((الألقابَ)) للشِّيرازي، وأبو سعد السمعانيُّ
وقال(١): كان حافظاً عارِفاً بالحديث ، فَهِماً، عارِفاً بالأدبِ ، ظَريفاً خفيفاً ،
لازِماً مسجدَه، مُتَبعاً أثرَ والدِه في الحديثِ والسماعِ والطَّلَبِ ، رحل مع أبيه
سنةَ خمسٍ وخمس مئة إلى أَصْبهان ، كتبتُ عنه ، وكان يجمعُ أسانيدَ كتاب
((الفردوس)) لوالده ، ورَتَّب ذلك ترتيباً حَسَناً عجيباً ، ثم رأيتُ الكتاب بمَرْو
سنة ستِّ وخمسين في ثلاث مجلدات ضخمة وقد فرغ منه ، وهذَّبه ،
ونقَّحه .
وقال عبدُ الرحيم الحاجيُّ : تُوفِي شَهْرَدار في رجب سنة ثمان وخمسين
وخمس مئة .
أخبرنا أحمدُ بنُ المُؤيَّد الزاهد ، أخبرنا عبدُ السلام بنُ فتحة سنة ثمان
عشرة وستّ مئة حضوراً ، أخبرنا أبو منصور شَهْرَدارُ بنُ شِيرويه الدَّيْلَميُّ سنة
٥٥٤، أخبرنا أبو بكر أحمدُ بنُ عمر البَيِّع ، أخبرنا حَمِيْدُ بنُ مأمون ، أخبرنا
(١) انظر ((التحبير)) ٣٢٨/١، ٣٢٩.
٣٧٦

أبو بكر أحمدُ بنُ عبد الرحمن الشّيرازيُّ الحافظ ، أخبرنا أبو سعيد هو عبدُ اللَّه
ابنُ محمد بن محبورٍ التميميُّ ، حدثنا أبو بكر هو محمدُ بنُ أحمد بن عبد الله
ابن مهدي ، حدثنا عبدُ العزيز بنُ يحيى ، حدثنا مالكٌ ، عن أبي الزِّناد ، عن
الأعرجِ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّي ◌ٍَّ قال: ((لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ،
كَتَبَ كتاباً ، فَهُوَ عِنْدَهُ على عَرْشِهِ : إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي )).
أخرجه النَّسَائِي(١) عن شُعيب بنِ شُعيب بن إسحاق ، عن زيدِ بنِ
يحيى ، عن مالك .
وفيها مات أحمدُ بنُ محمد بنِ قُدامة الزاهدُ(٢) والدُ الشيخ موفَّق
الدين ، وسلامةُ بنُ أحمد بن الصدر ، وعبدُ الرحمن بنُ أبي الحسن
الداراني (٣) بدمشق، وأبو محمد عبدُ الرحمن بنُ زيد بن الفضل الورّاق،
وعبدُ المؤمن صاحبُ المَغْرب(٤)، وكمال(٥) بنتُ المحدث عبدِ الله بنٍ
أحمدَ بنِ السمرقندي ، وصاحبُ الإِنشاء سَديدُ الدولة محمدُ بنُ عبد الكريم
ابن الأنباري عن نيف وثمانين سنة (٦) وهبةُ الله بنُ الفضل بنِ القطان
المتَّوثِيُّ، أحدُ الشعراء ، وله ثمانون سنة(٧)، وشيخُ الشافعية باليمن أبو
(١) في السنن الكبرى كما في ((تحفة الأشراف)) ١٩٣/١٠، وأخرجه من حديث أبي
هريرة البخاري (٣١٩٤) و(٧٤٠٤) و (٧٤٢٢) و (٧٤٥٣) و (٧٥٥٣) و (٧٥٥٣)
و (٧٥٥٤)، ومسلم (٢٧٥١) وأحمد ٢٤٢/٢ و ٢٥٨ و٢٦٠ و٣١٣ و٣٥٨ و٣٨١ و٣٩٧
و ٤٦٦ وابن أبي عاصم في السنة ( ٦٠٨) و ( ٦٠٩).
(٢) مترجم في العبر ١٦٤/٤، والوافي بالوفيات ٨٣/٨، وشذرات الذهب ١٨٢/٤.
(٣) تقدمت ترجمته برقم (٢٣٥).
(٤) تقدمت ترجمته برقم (٢٥٤).
(٥) سترد ترجمتها برقم (٢٧٦).
(٦) تقدمت ترجمته برقم ( ٢٣٨).
(٧) تقدمت ترجمته برقم (٢٣١) .
٣٧٧

الخير يحيى ابنُ سالم العِمراني صاحبُ كتاب ((البيان في المذهب)) (١).
٢٥٦ - الباغْبَان *
الشيخُ المُعمَّر الثقةُ الكبيرُ ، أبو الخير ، محمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمد بن
عمر بن القاسم بن عبد اللَّه بن علي بن إسحاق بن سندار، الأصْبَهاني
المُقَدِّرُ(٢) المُهندس المؤذِّن الصوفي، شُهر بالباغْبَان .
ولد سنةً بضعٍ وستين وأربع مئة .
وسمع أبا عمرو عبدَ الوهّاب بنَ مَنْدة ، وأبا عيسى بنَ زياد ، وأبا بكر بنَ
ماجه ، والمُطَهَّر البُزَاني، وأبا الطيب محمدَ بنَ أحمد بن سَلَّة صاحب أبي
علي بنِ البغدادي ، والعلّامة أبا نصر بنَ الصّاغ في الرسليّة ، وأبا منصور بنَ
شَكْرُويه ، ومحمدَ بنَ أحمد السِّمسار ، وإبراهيمَ بنَ محمد القَفّال ، وحَكيم
ابن محمد الإِسفراييني سمع منه «مسند الشافعي )) ، أخبرنا جدِّي لَأمّي عليُّ
ابنُ محمد السقّاء .
وحدث بحضرةِ الحافظِ أبي العلاء العطّار بهَمَذان وبأَصْبَهان .
حدث عنه : السمعانيُّ ، وجامعُ بنُ خُمارتاش ، ومحمدُ بنُ أحمد بن
(١) مترجم في طبقات فقهاء اليمن: ١٧٤، معجم البلدان ٢٩٦/٣ (سَيْر)، تهذيب
الأسماء واللغات ٢٧٨/٢، مرآة الجنان ٣١٨/٣، طبقات السبكي ٣٣٦/٧ - ٣٣٨، طبقات
الإِسنوي ٢١٢/١، ٢١٣، طبقات ابن هداية الله ٢١٠، ٢١١، شذرات الذهب ١٨٥/٤،
وهدية العارفين ٢/ ٥٢٠ .
(*) التحبير ٧٧/٢، الأنساب ٤٤/٢، العبر ١٦٨/٤، الوافي بالوفيات ١١١/٢،
النجوم الزاهرة ٣٦٦/٥، شذرات الذهب ١٨٧/٤. والباغبان: قال السمعاني: هذه النسبة إلى
حفظ الباغ ، وهو البستان .
(٢) في ((اللباب)) ٢٤٦/٣ : يقال هذا لمن يعلم الفرائض والمقدرات والحساب.
٣٧٨

أبي الفتح النجّار ، ومحمدُ بنُ مكي الحَنْبلي ، وداودُ بنُ معمر ، وعبدُ البَرِّبنُ
أبي العلاء ، وأبو الوفاء محمودُ بنُ مَنْدة، ومحمدُ بنُ أحمد المُعلِّم ،
وآخرون .
وآخِرُ مَنْ روى عنه بالإِجازة كريمةُ القُرشيّة ، وعجيبةُ الباقداريّة .
قال ابنُ نقطة : هو ثقةٌ صحيحُ السماع .
وقال عبدُ الرحيم الحاجِّي : مات في ثاني عشر شوال سنةً تسعٍ
وخمسين وخمس مئة .
وفيها مات المُسند أبو سعد عبدُ الوهّاب بنُ الحسن الكرماني(١)،
وعليُّ بنُ حمزة بن إسماعيل المُوسوي الهَرَوي(٢)، وأبو المعالي عُمر بنُ
علي الصيرفي الخفّاف ، والحافظ محمدُ بنُ الحُسين الزاغولي(٣) بمرو .
٢٥٧ - الشيخ رسلان *
هو الشيخُ الزاهدُ العابد ، بقيةُ المشايخ ، رسلانُ بنُ يعقوب بن عبد
الرحمن الجَعْبَرِيُّ ، ثم الدِّمشقيُّ ، النَّشّار ، من أولاد الأجناد الذين بقلعة
جَعْبَرِ (٤).
(١) تقدمت ترجمته برقم (٢٣٠).
(٢) سترد ترجمته برقم ( ٢٦٨) .
(٣) سترد ترجمته برقم (٣١١).
(*) ذكره في العبر ١٤٥/٤، الوافي بالوفيات ٣٤٥/٨، ٣٤٦، طبقات الشعراني
١٣٢/١، كشف الظنون ٨٦٧/١، شذرات الذهب ١٦٠/٤، هدية العارفين ٣٦٧/٥،
منتخبات التواريخ: ٤٧٣، ٤٧٤، وانظر كتاب ((الشيخ رسلان)) لأحمد الحارون ، الإِعلام
بفضائل الشام : ١٢٨. وورد اسمه في بعض المصادر ((أرسلان)) بزيادة همز أوله
(٤) وهي على الفرات بين بالس والرقة قرب صفين. ((معجم البلدان)) ١٤٢/٢.
٣٧٩

صَحِبَ الشيخ أبا عامر المُؤدِّب الذي هو مدفونٌ مع الشيخ رسلان في
قُبَّته بظاهر باب توما - ودُفِنَ عندهما ثالثٌ وهو أبو المجد خادمُ رسلان - وكان
أبو عامر قد صَحِبَ الشيخَ ياسين تلميذَ الشيخ مَسْلمة . وقيل : إن مَسْلمةَ
الزاهدَ صَحِبَ الشيخَ عقيلاً(١)، وهو صَحِبَ الشيخَ عليَّ بنَ عُلَيم صاحبَ
أبي سعيد الخرّاز .
كان نشّاراً في الخشب ، فقيل : بقي سنينَ يأخُذ أُجرتَه ، ويدفعُها
لشيخِه أبي عامر، وشيخُه يُطعِمُه . وقيل : بل كان يقسِم أُجرته ، فثلثٌ
يتصدَّقُ به ، وثُلُث لقُوتِه ، وثُلُث لباقي مصالحه .
وكان يتعبَّد بمسجدٍ داخل باب توما جوار بيته ، ثم انتقلَ إلى مسجد
دَرْب الحَجَر، فأقام بجهتِه الشَّرقية ، وكان الشيخُ أبو البيان(٢) في جانبِهِ
الغَرْبِيِّ، فتعبَّدًا مُدَّةً، وصحب كُلَّ منهما جماعةٌ، ثم خرج الشيخُ
بأصحابِه ، فأقام بمسجدٍ خالدٍ بنِ الوليد الذي تجاه قُبَّتِه ، وعَبَدَ اللَّهَ إلى أن
مات في حدود سنة خمسين وخمس مئة أو بعد ذلك .
1
وقد سُقْتُ من أخبارِه في (( تاريخنا الكبير)).
وكان وَرِعاً قانتاً، صاحبَ أحوالٍ ومقامات، ولم تبلُغْني أخبارُه كما
ينبغي ، وما علمتُه كان له اشتغالٌ في العلم .
٢٥٨ - أبو الحُسين الزاهد *
هو الزاهدُ القدوةُ الوليُّ، أبو الحسين بنُ أبي عبد الله بن حمزة
المَقْدسي .
(١) في الأصل عقيل .
(٢) الذي تقدمت ترجمته برقم (٢١٩) .
(*) تذكرة الحفاظ ١٣١٣/٤، دول الإسلام ٦٤/٢، العبر ١٣٤/٤، شذرات الذهب
٤/ ١٥٢.
٣٨٠