النص المفهرس
صفحات 301-320
وتفرَّد ببغداد بالفتوى في مسألةِ الدَّوْرِ لابنِ سُريج(١). وهو أولُ من علَّق على كتاب ((التنبيه)) شرحاً(٢)، وله كتابٌ في أصول الفقه . وقد سمع من ابنٍ طلحةَ النَّعالي ، ونصرِ بنِ البَطِر ، وثابتِ بنِ بُنْدار ، والحسينِ بنِ علي بن البُسري ، وجعفرِ السرّاج ، وأبي بكر الطَّرَيثيثي ، ومحمدِ بنِ عبد السلام الأنصاري ، وعدة . حدث عنه : السمعانيُّ ، وعبدُ الخالق بنُ أسد ، وأحمدُ بنُ طارق الكَرْكي ، والفتحُ بنُ عبد السلام ، وأبو الحسن القَطِيعي ، وآخرون . وكان مُقَدَّماً في كتابة المنسوب (٣)، فقيل : كانوا يأخذون خَطَّ في الفتاوى لمجرد خطَّه البديع في بعض الوقت . قال السمعاني : هو أحدُ الأئمة الشافعية ببغداد ، مصيبٌ في فتاويه ، (١) وهو الإِمام الكبير أبو العباس أحمد بن عمر بن سُريج البغدادي ، المتوفى سنة ٣٠٦هـ، مرت ترجمته في الجزء الرابع عشر برقم (١١٤) . ومسألة الدور هذه وتسمى المسألة السُّريجية هي مسألة في الطلاق مشهورة عند الشافعية ، وصورتها أن يقول لزوجته: (( متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً))، فوجه الدور أنه متى طلقها الآن وقع قبله ثلاثاً ، ومتى وقع قبله ثلاثاً لم يقع ، فيؤدي إثباته إلى نفيه ، فانتفى . وقد كثرت في هذه المسألة المؤلفات ، وكثر فيها الرد والنقد، وممن ألف فيها أبو حامد الغزالي، انظر ((كشف الظنون)) ١٦٦٢، وانظر ((طبقات)) السبكي ٢٤٥/٩، ٢٤٦ (ترجمة ابن دقيق العيد). وقد استوعب ردَّها وتفنيدها ابن حجر المكي في كتابه ((تحفة المحتاج في شرح المنهاج )، ١١٤/٨ - ١١٦. (٢) سماه ((توجيه التنبيه)) . قال حاجي خليفة: وليس في شرحه تصوير المسألة ، لكنه عللها بعبارة مختصرة. ((كشف الظنون)) ٤٨٩/١ . (٣) يعني الخط المنسوب ، ويقال : وضع قواعده وبرع فيه ابن مقلة المترجم في الجزء الخامس عشر برقم (٨٦ )، وأتم تنسيقه وتهذيبه علي بن هلال ابن البواب المترجم في الجزء السابع عشر برقم (١٩٢) . ٣٠١ وله السيرةُ الحسنةُ ، والطريقةُ الحميدةُ ، خَشِنُ العيش ، تاركٌ للتكلُّف ، على طريقة السَّلَفِ ، حِلْسُ (١) مسجِدِهِ الذي بالرَّحبة . وُلد سنة خمس وسبعين وأربع مئة ، ومات في المحرم سنةً اثنتين وخمسين وخمس مئة ، وقع لي الجزء الأول من (( مشيخته)). ومات معه في العام أخوه أبو الحُسين أحمدُ(٢) الشاعرُ المشهورُ عن سبعين سنة ، وقيل : اسم أبي الحُسين : الحسن ، كذا سماه ابنُ النجار . أخبرنا عليُّ بنُ أحمد الهاشميُّ ، أخبرنا محمدُ بنُ أحمد المؤرخ ، أخبرنا محمدُ بنُ المباركِ الفقيهُ سنَةً إحدى وخمسين وخمس مئة ، أخبرنا الحسينُ بنُ علي ، أخبرنا عبدُ الله بنُ يحيى السُّكري ، أخبرنا إسماعيلُ بنُ محمد الصفّار، حدثنا عباسُ بنُ عبد الله التَّرْقُفي ، حدثنا محمدُ بنُ یوسف ، عن سفيان ، عن سُهیل بن أبي صالح ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینار ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((الإِيمانُ بِضْعٌ وستَّون ، أو بِضعٌ وسبعون باباً ، أفضلُها شهادةُ أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق ، والحياءُ شُعْبَةٌ من الإِيمان )) . هذا حديثٌ صحيح عال(٣) . (١) أي ملازم له، وقد تحرفت في ((طبقات)) السبكي ١٧٧/٦ إلى ((جليس)). (٢) مترجم في وفيات الأعيان ٢٢٧/٤، ٢٢٨، الوافي ٣٠٣/٧، طبقات الإِسنوي ٤٨٨/١، وشذرات الذهب ١٦٥/٤ . (٣) وأخرجه البخاري (٩) ومسلم (٣٥) وأبو داود ( ٤٦٧٦) والترمذي (٢٦١٤ ) والنسائي ١١٠/٨، وابن ماجه ( ٥٧ ). ٣٠٢ ٢٠٥ - بَكْبَرَة * الشيخُ الفاضلُ العابدُ الخِّر، أبو الفتح ، عبدُ السلام بنُ أحمد بن إسماعيل الهَرَوِيُّ الإِسكافُ المُقرىء . سمع أبا عاصم الفُضَيلَ بنَ يحيى ، ومحمدَ بنَ عبد العزيز الفارسي ، وشيخَ الإِسلام ، وروى (( جامع )) أبي عيسى عن أبي الظفر عبد الله بن عطاء . وعنه : السمعاني وابنُهُ عبدُ الرحيم ، وأبو الضوء شهابُ الشَّذَّباني(١)، وعبدُ المُعز الصوفيُّ، وحمّادٌ الحرّاني ، ونصرُ بنُ عبد الجامع الفامي . وطال عُمره ، وتفرّد ، وبقي إلى قريب سنة خمسين وخمس مئة . وكان مولده في سنة إحدى وستين وأربع مئة . ٢٠٦ - أبو الوقت ** الشيخُ الإِمامُ الزاهدُ الخيّرِ الصوفيُّ، شيخُ الإِسلام ، مُسند الآفاق ، أبو الوقت ، عبدُ الأول بنُ الشيخِ المحدثِ المعمّر أبي عبدِ الله عيسى بنٍ شُعيب بنِ إبراهيم بن إسحاق ، السِّجْزِيُّ ، ثم الهَرَويُّ الماليني . (*) التحبير ٤٤٧/١، ٤٤٨، الاستدراك لابن نقطة: باب بَكْبَرة وبِلِّيزة وتَليزة، المشتبه ٩٠/١، تبصير المنتبه ١٠٢/١. (١) لم أعرف هذه النسبة . ( ** ) الأنساب ٤٧/٧، المنتظم ١٨٣،١٨٢/١٠، الاستدراك لابن نقطة: باب السجزي والشجري .. الكامل في التاريخ ٢٣٩/١١، اللباب ١٠٥/٢، وفيات الأعيان ٢٢٦/٣، ٢٢٧، دول الإسلام ٢/ ٧٠، العبر ١٥١/٤، ١٥٢، تذكرة الحفاظ ١٣١٥/٤، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد: ١٥٠ - ١٥٢، مرآة الجنان ٣٠٤/٣، البداية والنهاية ٢٣٨/١٢، النجوم الزاهرة ٥ / ٣٢٨، شذرات الذهب ١٦٦/٤. ٣٠٣ مولدُه في سنة ثمانٍ وخمسين وأربع مئة . وسمع في سنة خمس وستين وأربع مئة من جمال الإِسلام أبي الحسن عبد الرحمن بنِ محمد الداووديِّ ((الصحيحَ)) وكتابَ الدارميِّ ، ومُنتخب مسند عَبْدِ بنِ حُميد ببُوشَنْج ، وسمع من أبي عاصم الفُضيلِ بنِ يحيى ، ومحمدِ بنِ أبي مسعودٍ الفارسيِّ ، وأبي يعلى صاعدِ بنِ هبة الله ، وبِيَْى بنتِ عبد الصمد ، وعبد الرحمن بن محمد بنِ عفيف حدَّثوه عن عبد الرحمن بنِ أبي شُريح ، وسمع من أحمَد بنِ أبي نصر كاكو، وعبدِ الوهّاب بن أحمد الثَّقَفي ، وأحمدَ بنِ محمد العاصميِّ ، ومحمدٍ بنِ الحُسين الفضلُوبي ، وعبد الرحمن بنٍ أبي عاصم الجوهري ، وشيخِ الإِسلام أبي إسماعيل الأنصاريِّ وكان من مُريديه ، وأبي عامرٍ محمودِ بنِ القاسم الأزدي ، وعبدِ الله ابنِ عطاء البغاورداني ، وحكيم بنٍ أحمد الإِسفراييني ، وأبي عدنان القاسمِ ابن علي القُرشي ، وأبي القاسم عبدِ الله بنِ عُمر الكُلْوذاني ، ونصرِ بنِ أحمد الحنفيِّ ، وطائفة . وحدث بخُراسانَ وأَصْبهان وَرْمان وهَمَذان وبغداد ، وتكاثر عليه الطلبةُ ، واشتهر حديثُه، وبَعُدَ صيتُه ، وانتهى إليه علوُّ الإِسناد . حدث عنه : ابنُ عساكر(١) ، والسمعانيُّ ، وابنُ الجوزي ، ويوسفُ ابن أحمد الشِّيرازيُّ ، وارتحل إليه إِلى كرمان ، وسفيانُ بنُ إبراهيم بن مَنْدة ، وأبو ذر سُهيلُ بنُ محمد البُوشَنْجيُّ ، وأبو الضوء شهابٌ الشَّذَباني ، وعبدُ المُعزِّ بنُ محمد الهَرَويُّ، والقاضي عبدُ الجبار بنُ بُنْدار الهَمَذاني، وعبدُ الجليل بنُ مَنْدويه ، وأحمدُ بنُ عبد اللَّه السُّلَمي العطَّار ، وعثمانُ بنُ علي (١) انظر ((مشيخة)) ابن عساكر: ق ١/٩٨. ٣٠٤ الوَرْكاني ، وعثمانُ بنُ محمودٍ الأصبهانيُّ، ومحمدُ بنُ عبد اللَّه الفتاح الْبُوشَنْجِيُّ ، ومحمدُ بنُ عطية الله الهَمَذانُّ ، ومحمدُ بنُ محمد بن سرایا الموصلي ، ومحمودُ بنُ وائق البيهقيُّ ، ومُقَرّبُ بنُ علي الهَمَذانيُّ ، والفقيهُ يحيى بنُ سعدٍ الرازيُّ ، ويوسفُ بنُ عمر بن محمد بن ◌ُبيد الله بن نظام الملك، وحَمّادُ بنُ هبة اللَّه الحرّاني ، وعُمر بنُ طَبَرزد ، وسعيدُ بنُ محمد الرزّازُ، وعُمر بنُ محمد الدِّينَوَرِيُّ الصوفيُّ، ويحيى بنُ عبد الله بن السُّهْرَ ورديِّ، ومحمدُ بنُ أحمد بن هبة اللَّه الرُّوذراوري، وأحمدُ بنُ ظَفَر بن هُبيرة ، ومحمدُ بنُ هبة الله بن مُكرّم ، ومُظَفِّرُ بنُ حرِّكْها، وعليُّ بن يوسف ابن صَبُوخا، وأحمدُ بنُ يوسف بن صِرما ، ومحمدُ بنُ أبي القاسم المَيْنُدي ، وزيدُ بنُ يحيى البَيِّع ، وعبدُ اللطيف بنُ عسكر ، وعمرُ بنُ محمد بن أبي الريّان ، وأسعدُ بن صعلوك ، والنفيسُ بن كَرم ، وأبو جعفر عبدُ اللَّه بن شَريف الرحبة ، ومحمدُ بنُ عمر بن خليفة الرُّوباني - بموحدة - ، ومحمدُ بنُ هبة اللَّه البِّع، وعبدُ الله بنُ إبراهيم الهَمَذاني الخطيبُ ، وأبو الحسن عليُّ ابنُ بُورْنداز(١)، وعُمرُ بنُ أعزّ السُّهْرَ وَرْديُّ، وأبو هريرة محمدُ بنُ ليث الوسطاني ، وصاعدُ بنُ علي الواعظُ ، ومحمدُ بنُ المبارك المُستعمِل ، وأبو علي بنُ الجواليقي ، ومحمدُ بنُ النفيس بنِ عطاء ، والمهذبُ بنُ قُنَيدة ، وعبدُ السلام بنُ سُكينة ، وعبدُ الرحمن بنُ عتيق بن صيلا ، وأبو الرضى محمدُ بنُ عَصِيَّة ، وعبدُ السلام الداهريُّ، وأبو نصر أحمدُ بنُ الحُسين التّرْسيُّ، وعُمر بنُ كرم ، والحُسينُ بنُ الزبيدي ، وأخوه الحسنُ ، وظَفَرُ بنُ سالم البيطار ، وعبدُ البَرِّ بنُ أبي العلاء العطّار ، وإبراهيمُ بنُ عبد الرحمن القَطِيعِي ، وعبدُ الرحمن مولى ابنِ باقا ، وزكريا العُلبي ، وعليُّ بنُ رُوزبه ، (١) ستأتي ترجمته في الجزء الثاني والعشرين . وفي الأصل : نورنداز ، مجودة . ٣٠٥ سير ٢٠/٢٠ ومحمدُ بنُ عبد الواحد المديني ، وأبو الحسن محمدُ بنُ أحمد القَطِيعِي ، وأبو المُنَجِّى عبدُ اللَّه بنُ اللَّتِّي، وأبو بكر محمدُ بنُ مسعود بن بهروز ، وأبو سعد ثابتُ بنُ أحمد الخُجَنديُّ نزيلُ شيراز وهو آخر من سمع منه موتاً بقي إلى سنة ٦٣٧ وسماعُه في الخامسة ، وروى عنه بالإِجازة أبو الكرم محمدُ بنُ عبد الواحد المُتوكِّلي ، وكريمةُ بنتُ عبدِ الوهّاب القُرشية . قال السمعاني : شيخٌ صالح ، حسنُ السمتِ والأخلاق ، متودِّدٌ متواضعٌ ، سليمُ الجانب ، استسعد بصحبةِ الإِمام عبدِ اللَّه الأنصاريِّ ، وخدمه مُدَّة ، وسافر إلى العراق وخُوزستان والبصرة ، نزل بغداد برباط الْبِسْطامي فيما حكاه لي ، وسمعتُ منه بهَراة ومالين ، وكان صَبُوراً على القراءة، محبّاً للرواية، حدث بـ ((الصحيح))، و((مُسند)) عَبْدٍ، والدارميِّ عدّة نُوب، وسمعتُ أن أباه سماه محمداً ، فسمّاه عبدُ اللَّه الأنصاريُّ عبدَ الأول ، وكنّاه بأبي الوقت ، ثم قال : الصوفيُّ ابنُ وقته . وقال السمعاني في ((التحبير)) (١): إن والد أبي الوقت أجاز له ، وإنَّ مولدَهُ(٢) بسِجِسْتان سنةَ عشرٍ وأربع مئة ، وإنه سمع من عليٍّ بنِ بُشرى الليثي ((مناقبَ الشافعي)) للأبُري بفَوتٍ، ثم سكن هَرَاة، وإنَّه شيخٌ صالح مَعُمَّر ، حرصَ على سماعِ الحديث ، وحملَ ولدَه أبا الوقت على عاتقِه إلى بُوشَنْج ، وكان عبدُ اللَّه الأنصاريُّ يُكرمه ويُراعيه ، مات بمالين في شوال سنة اثنتي عشرة وخمس مئة ، عاش مئة وثلاث سنين . (١) ٦١١/١، ٦١٣ في ترجمة والد أبي الوقت، وقد ترجمه المؤلف الذهبي في الجزء التاسع عشر برقم (٢٣١). (٢) يعني مولد والد أبي الوقت . ٣٠٦ وقال زكيُّ الدين البِرْزَالي(١): طاف أبو الوقت العراقَ وخُوزستان، وحدَّث بهَرَاة ومالين وبُوشنج وكِرمان ويَزْدَ وأَصْبَهان والكَرْجِ وفارس وهَمَذان ، وقعد بين يديه الحُفّاظُ والوزراءُ، وكان عنده كُتُبٌ وأجزاء ، سمع عليه مَن لا يُحصى ولا يُحصر . وقال ابنُ الجوزي (٢): كان صَبُوراً على القراءة ، وكان صالحاً ، كثير الذّكر والتهجّد والبُكاءِ ، على سَمْتِ السَّلَفِ ، وعزمَ عامَ موتِه على الحج ، وهیّا ما يحتاج إليه ، فمات . وقال يوسفُ بنُ أحمد الشيرازيُّ في ((أربعين البلدان)) له : لما رحلتُ إلى شيخنا رحْلةِ الدنيا ومُسندِ العصرِ أبي الوقت، قدَّر اللَّهُ لي الوصولَ إليه في آخر بلاد كرمان ، فسلمتُ عليه ، وقبلتُه ، وجلستُ بين يديه ، فقال لي : ما أقدمكَ هذه البلاد ؟ قلتُ : كان قصدي إليك ، ومُعوَّلي بعد اللَّه عليك ، وقد كتبتُ ما وقع إليَّ من حديثك بقلمي ، وسعيتُ إليك بقدمي ، لأدرِكَ بركةً أنفاسِك ، وأحظى بعُلوِّ إسنادِك . فقال: وفقك اللَّهُ وإيّانا لمرضاتِه ، وجعل سَعْيَنا له ، وقَصْدَنا إليه ، لو كُنتَ عَرَفْتَني حقَّ معرفتي ، لما سلَّمْتَ عليَّ ، ولا جلستَ بين يديَّ، ثم بكى بُكاءً طويلاً ، وأبكى من حضرهُ ، ثم قال : اللهم استُرنا بستركَ الجميلِ ، واجعل تحت السترِ ما ترضى به عنّا ، يا ولدي ، تعلمُ أني رحلتُ أيضاً لسماع ((الصحيح)) ماشياً مع والدي من هَرَاة إلى الداووديِّ بُبُوشَنْج ولي دون عشرِ سنين ، فكان والدي يضعُ على يديّ حَجَرين ، ويقول : احملْهما . فكنتُ من خوفِه أحفظهُما بيديّ ، وأمشي وهو يتأمُّلُني ، فإذا رآني قد عييتُ أَمَرني أن أُلقي حجراً واحداً ، فأُلقي ، وَيَخِفُّ (١) في الأصل : الرزالي ، والصواب ما أثبتناه . (٢) في ((المنتظم)) ١٨٣/١٠. ٣٠٧ عني ، فأمشي إلى أن يتبيَّنَ له تعبي ، فيقول لي : هل عييتَ ؟ فأخافُه ، وأقولُ : لا . فيقول : لم تُقصِّر في المشي؟ فأسرع بين يديه ساعةً ، ثم أعجِزُ ، فيأخُذ الآخرَ ، فيُلقيه ، فأمشي حتى أعطَبَ ، فحينئذٍ كان يأخذُني ويحملُني ، وكنا نلتقي جماعةَ الفلاحين وغيرهم ، فيقولون : يا شيخٌ عيسى ، ادفع إلينا هذا الطفلَ نُركبُه وإياكَ إلى بُوشَتْج ، فيقول : معاذَ اللّه أن نركب في طلبٍ أحاديثِ رسول اللّهُ وَّهَ، بل نمشي، وإذا عجز أركبتُه على رأسي إجلالاً لحديثِ رسولِ الله ورجاءَ ثوابِه . فكان ثمرة ذلك من حُسن نَّته أني انتفعتُ بسماعٍ هذا الكتاب وغيره ، ولم يبق من أقراني أحدٌ سواي ، حتى صارت الوفودُ ترحلُ إليَّ من الأمصار . ثم أشارَ إلى صاحبِنا عبدِ الباقي بنِ عبد الجبار الهَرَويِّ أن يُقدِّم لي حَلْواء ، فقلت : يا سيِّدي ، قراءتي لُجُزء أبي الجَهْمِ أحبُّ إليَّ من أكل الحلواء . فتبسَّم ، وقال : إذا دخل الطعامُ خرج الكلام . وقدم لنا صحناً فيه حَلْواءُ الفانيذ ، فأكلنا ، وأخرجتُ الجُزء، وسألتُه إحضارَ الأصلِ ، فأحضرهُ ، وقال : لا تخف ولا تحرِص ، فإني قد قبرتُ ممن سمع عليَّ خلقاً كثيراً، فسل اللَّه السلامةَ. فقرأتُ الجُزء، وسُررتُ به ، ويسَّر اللَّهُ سماع ((الصحيح)) وغيرَه مراراً ، ولم أزل في صُحبتِه وخدمته إلى أن تُوفي ببغداد في ليلة الثلاثاء من ذي الحجة(١) - قلت : وبيَّض لليوم وهو سادس الشهر - قال: ودفنّاه بالشُّونيزيَّة . قال لي : تدفنني تحتَ أقدامِ مشايخنا بالشُّونيزيَّة. ولما احتُضِرَ سَنَدْتُه إلى صدري ، وكان مُسْتَهْتَراً(٢) بالذِّكرِ ، فدخل عليه محمدُ بنُ القاسم الصوفيُّ ، وأكبَّ (١) سيذكر المؤلف قولاً آخر في وفاته، وهو سادس ذي القعدة، وهو المذكور في ((العبر)) و (( وفيات الأعيان)) و((ذيل تاريخ بغداد )) لابن النجار. (٢) أي: مُولَعٌ به ، يقال: أُهْتِرَ فلان بكذا ، واستُهْترَ ، فهو مُهْتَرٌ ومستهتر ، أي : مولع به لا يتحدث بغيره، ولا يفعل غيره، وفي سنن الترمذي (٣٥٩٦) من حديث أبي هريرة (( سبق = ٣٠٨ عليه ، وقال: يا سيِّدي، قال النبيُّ وََّ: «مَنْ كَانَ آخِرَ كَلامِهِ لا إلهَ الّ اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ))(١) فرفع طرفه إليه، وتلا: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمونَ بما غَفَرَ لي رَبِّي وَجَعَلني من المُكْرَمِين﴾ [ يس : ٢٦ و ٢٧ ] فدهش إليه هو ومن حضر من الأصحاب ، ولم يزل يقرأُ حتى ختمَ السورةَ ، وقال : اللَّه اللَّه اللَّه ، وتُوفي وهو جالسٌ على السجّادة . وقال أبو الفرج بنُ الجوزي(٢): حدثني محمدُ بنُ الحُسين التكريتي الصوفيُّ قال : أسندتُه إليَّ، وكان آخر كلمة قالها: ﴿يا لَيْتَ قومي يعلمونَ بما غَفَرَ لي ربّي وَجَعَلني من المُكْرَمين ﴾ ، ومات . قلت : قدم بغداد في شوال ، فأقام بها سنةً وشهراً ، وكان معه أصولُه ، فحدَّث منها . قال ابنُ النجّار : كان الوزيرُ أبو المُظفَّر بنُ هُبيرة قد استدعاه ، ونفَّذ إليه نفقةً، ثم أنزلَه عنده ، وأكرمَه ، وأحضرهُ في مجلسه ، وسمع عليه ((الصحيحَ )) في مجلس عامّ أَذِنَ فيه للناس ، فكان الجمعُ يفوتُ الإِحصاء ، ثم قرأَه عليه أبو محمد بنُ الخشّاب بالنِّظَامِيَّة ، وحضر خلقٌ كثيرٌ دون هؤلاء ، = المفرِّدون)) قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون في ذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافاً)) وصححه الحاكم ٤٩٥/١، ووافقه الذهبي ، من طريق آخر بلفظ «سبق المفردون قالوا يا رسول الله : ومن المفردون ؟ قال الذين يهترون في ذكر الله عز وجل)) ورواه مسلم (٢٦٧٦). من طريق آخر عنه بلفظ ((سبق المفردون))، قالوا : وما المفردون يا رسول الله قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات )) (١) أخرجه أبو داود (٣١١٦) وأحمد ٥/ ٢٣٣ من حديث معاذ بن حنبل ، وصححه الحاكم ١/ ٣٥١، ووافقه الذهبي وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن حبان ( ٧١٩ ) ولفظه ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه )». (٢) في ((المنتظم)) ١٨٣/١٠. ٣٠٩ وقُرىء عليه بجامع المنصور، وسمعهُ جمعٌ جمٌّ ، وآخرُ من قرأهُ عليه شيخُنا ابنُ الأخضر ، وكان شيخاً صَدُوقاً أميناً ، من مشايخ الصُّوفَّة ومحاسِنهم ، ذا ورعٍ وعبادةٍ مع علوِّ سنِّه، وله أصولٌ حسنة ، وسماعاتٌ صحيحة(١). ثم قال : قرأتُ في كتاب أحمدَ بنِ صالح الجيلي : تُوفي شيخُنا أبو الوقت ليلةَ الأحد سادسَ ذي القعدة سنةً ثلاثٍ وخمسين وخمس مئة نصف الليل ، وصُلِّي عليه ضاحي نهارٍ اليوم بِرباط فيروز الذي كان نازلاً فيه ، ثم صُلِّي عليه بالجامع ، وأمَّنا الشيخُ عبدُ القادر الجيلي (٢)، وكان الجمع متوفراً، وكنتُ يومَ خامس الشهر عنده ، وقرأتُ عليه الحديثَ إلى وقتٍ الظُّهر ، وكان مستقيمَ الرأيِ ، حاضرَ الذهنِ ، ولم نر في سنِّه مثلَ سندِه ، وكان شيخاً صالحاً سنّاً ، قارئاً للقُرآن ، قد صحبَ الأشياخَ ، وعاشَ حتى ألحق الصغارَ بالكبارِ ، ورأى من رئاسة التحديثِ ما لم يرهُ أحدٌ من أبناءٍ جنسِه ، وسمع منه من لم يرغب في الرواية قبلَه ، وكان آخرَ من روى في الدنيا عن الداووديِّ وبقيةِ أشياخه، وقُرئت الكُتُب التي معه كُلُّها عليه والأجزاءُ مراتٍ في عدة مواضع ، وسمعها منه ألوفٌ من الناس ، وصل بغدادَ في حادي عشر شوال سنة اثنتين وخمسين ، صحب شيخَ الإِسلام نَّيِّفاً وعشرين سنة . أنبأنا طائفةٌ عن ابنِ النجار قال : أنشدنا داودُ بنُ مَعْمَر بأصبهان ، أنشدنا محمدُ بنُ الفضل العُقيلي لنفسِه في سنةٍ إحدى وخمسين : أَتاكُمُ الشيخُ أبو الوقتِ بأحسنِ الأخبارِ عن ثَبْتِ (١) انظر ((المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)) ١٥١. (٢) سترد ترجمته برقم (٢٨٦). ٣١٠ طَوَى إليكُم نَاشِراً عِلْمَهُ مَرَاحِلَ الأَبْرَقِ والخَبْتِ(١) وقَدْ رَمى الحَاسِدَ بِالكَبْتِ أَلْحَقِ بالأَشْيَاخِ أَطْفَالكُم كَمِنَّةِ الغَيْثِ على النَّبْتِ فمِنَّةُ الشَّيْخِ بما قَدْ رَوَى خُلاصَةَ الفِقْهِ إلى المُفْتي بَارَكَ فِيهِ اللَّهُ مِن حَامِلٍ وحصِّلُوا الإِسْنَادَ في الوَقْتِ انتهِزُوا الفُرْصَةَ يَا سَادَتي يَصِيرُ ذا الحَسْرةِ والمَقْتِ فإِنَّ مَنْ فَوَّتَ ما عِنْدَهُ وفيها مات الحافظُ عبدُ الجليل بنُ محمد كوتاه الأصبهاني (٢) ، وعليُّ ابن عساكر بن سرور الخشّاب(٣) بدمشق، والإِمامُ أبو حفص عُمر بنُ أحمد بن الصّفّار النيسابوري (٤)، وأبو الفتح المُباركُ بنُ أحمد بن زُريق الواسطيُّ الحدَّاد المُقرىء(٥) ، وأبو المحاسن مسعودُ بنُ محمد الغانمي الهَرَوي(٦). ٢٠٧ - المُشْكاني * الشيخُ الإِمامُ الخطيبُ ، أبو الحسن ، عليُّ بنُ محمد بن أحمد الرُّوذراوريُّ الْمُشْكانِيُّ الشافعي ، خطيبُ مُشْكان ، وهي قريةٌ من عملٍ رُوذْرَاور على ستٍّ فراسخَ من هَمَذان . وُلد سنةَ ستّ وستين وأربع مئة بمُشْكان . (١) الأبرق : الأرض المتسعة الغليظة مختلطة بحجارة ورمل . والخبت : ما اطمأن من الأرض واتسع ، وقيل : هو الوادي العميق الوطيء . (٢) سترد ترجمته برقم (٢٢٣) . (٣) سترد ترجمته برقم (٢٤٥). (٤) سترد ترجمته برقم (٢٢٩). (٥) مترجم في ((معرفة القراء الكبار)) ٤٣٢/٢، و((غاية النهاية)) ٣٧/٢، ٣٨. (٦) سترد ترجمته برقم (٢٥٠) . (*) الأنساب: (المشكاني)، اللباب ٢١٧/٣، ٢١٨ . ٣١١ فقدم عليهم الشيخُ المُعمَّر أبو منصور محمدُ بنُ الحسن بن محمد بن يونس الثُّهاونديُّ سنةَ نَيِّفٍ وسبعين، فسمع هذا منه ((التاريخَ الصغير)) للبُخاري بسماعِه من القاضي أبي العباس بنِ زَنْبِيل النَّهاوندي ، عن القاضي عبد الله بن محمد بن الأشقر ، عن البُخاري ، فتفرَّد الخطيبُ بعلُوِّ هذا الكتاب مُدَّةً ، ولكن قلَّ مَنْ سَمِعَه منه لُبُعد الديار . قال أبو سَعْدٍ السَّمعانيُّ : قدم هذا بغدادَ سنةً اثنتين وثلاثين ، فقصدتُه وهو مريضٌ، فأخرج إليَّ ((التاريخ)) وقد سمعه بقراءة الحافظ حمزةً الرُّوذْراوريٌّ، وقد قرأهُ عليه أبو العلاء العطَّار المُقرىء ، ففرحتُ به لعُلو السندِ وعِزَّةِ الكتاب ، فأعلمتُ جماعةٌ ، وقرأتُه عليه ، ورد إلى بلده ، ورحل الحافظُ أبو القاسم بنُ عساكر إلى مُشْكان ، فسمعه منه ، وكان شيخاً بهيّاً ، حَسَنَ المنظر ، مطبوعاً ، متودِّداً ، صدوقاً . قلتُ : وروى عنه هذا الكتابَ بالإِجازةِ قاضي دمشق أبو القاسم بنُ الحرستاني ، وطال عُمُرُ أبي الحسن هذا إلى أن أدركه الحافظُ يوسفُ بنُ أحمد الشِّيرازيُّ ، فارتحل إلى مُشْكان ، وسمع منه في سنةٍ خمسين وخمس مئة ، قال: وفي هذه السَّنةِ تُوفي، وتاريخُ سماعِه ((للتاريخ)) كان في سنة ستٍّ وسبعين وأربع مئة . قلتُ : آخرُ من روى عنه بالسماع عبدُ البَرِّبنُ أبي العلاء ، وعاش أربعاً وثمانين سنةً . ٢٠٨ - محمدُ بن يحيى * ابن منصور، الإِمامُ العلَّمةُ، شيخُ الشافعية ، أبو (*) تهذيب الأسماء واللغات ٩٥/١، وفيات الأعيان ٢٢٣/٤، ٢٢٤، العبر ١٣٣/٤، = ٣١٢ سَعْد(١) النيسابوريُّ، صاحبُ الغزَّالي وأبي المُظَفَّرِ أحمدَ بنِ محمد الخَوّافي (٢)، تفقَّه بهما، وبرعَ في المذهب ، وصنَّف التصانيفَ في الفقهِ والخلافِ ، وتخرَّج به الأصحابُ ، وانتهت إليه رئاسةُ المذهب بنيسابور ، وقصدَهُ الفقهاءُ من النواحي ، وبَعُدَ صيتُه . أَلَّف كتاب ((المُحيط في شرح الوسيط))(٣)، وله كتاب ((الانتصاف في مسائل الخلاف )) . ودرَّس بنظاميَّةِ بلدِه ، وهو أستاذُ الفُقهاء المتأخِّرين مع الزُّهد والديانة وسعة العلم . مولدُه بطُرَيثيث من خُراسان في سنة ستٍّ وسبعين وأربع مئة . وسمع من نصرِ اللَّه بنِ أحمد الخُشْناميِّ، وعبدِ الغفّار بنِ محمد الشِّيروي ، وأبي حامد أحمدَ بنِ علي بن عَبْدُوس الحذّاء ، والحافظِ أبي الفتيان عُمر بنِ أبي الحسنِ الرَّوَّاسيِّ، وإسماعيلَ بنِ أبي عبد الرحمن البَحيريِّ ، وجماعة . حدث عنه : السمعانيُّ وولدُه ، ومنصورُ بنُ أبي الحسن الطَّبَرِيُّ ، والفقيهُ يحيى بنُ الربيع بن سُليمان الواسطيُّ ، وغيرُهم . = ١٣٤، دول الإِسلام ٦٤/٢، الوافي ١٩٧/٥، مرآة الجنان ٢٩٠/٣، طبقات السبكي ٢٥/٧ - ٢٨، طبقات الإِسنوي ٥٥٩/٢، ٥٦٠، النجوم الزاهرة ٣٠٥/٥، طبقات ابن هداية الله: ٢٠٥، ٢٠٦، كشف الظنون ١٧٤/١ و٢٠٠٨/٢، شذرات الذهب ١٥١/٤، روضات الجنات : ١٨٦ ، هدية العارفين ٢ /٩١ . (١) في ((تهذيب الأسماء واللغات)) و((طبقات)) السبكي و((كشف الظنون)) ١٧٤ : أبو سعيد . (٢) انظر حواشي الترجمة (١٩٤) ص : ٢٨٧. (٣) و ((الوسيط)) لشيخه أبي حامد الغزالي. ٣١٣ أخبرنا(١) يوسفُ بنُ عبد الرحمن الحافظ ، أخبرنا عبدُ العزيز بنُ الصَّيقل ، أخبرنا يحيى بنُ الربيع سنةً ستّ مئة ببغداد ، أخبرنا أبو سَعْد محمدُ ابنُ يحيى الشافعي، أخبرنا أبو سعيد بنُ أبي عبد الرحمن المُلْقاباذي إملاءً ، حدثنا أبو حسان محمدُ بنُ أحمد بن جعفر ، أخبرنا أبو عمرو بنُ مَطَر ، أخبرنا حامدُ بنُ شُعيب ، حدثنا سُريج ، حدثنا رَوْحُ بنُ عبادة ، حدثنا سعيدٌ ، عن قَتَادة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى ، أنَّ رجلينٍ اختصَمَا فِي بَعِيرٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ، فَجَعَلَه رَسُولُ اللهِ وَه بينهما نِصْفَيْنِ(٢) . قتلتْه الغُّ - لا بُورِكَ فيهم - حين فتكُوا بنيسابُورَ في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وخمس مئة ، فرثاهُ عليُّ بنُ أبي القاسم البيهقي ، فقال : قَدْ طارَ في أقصى المَمَالِكِ صِيتُهُ يا سَافِكاً دَمَ عَالِمٍ مُتَبِحٍِّ باللّهِ قُلْ لي يا ظَلُومُ ولا تَخَفْ مَنْ كَانَ مُحِي الدِّينِ كَيْفَ تُمِيتُهُ(٣) وقال آخرُ في محيي الدين ابن يحيى رحمه اللّه : رُفَاتُ(٤) الدِّينِ والإِسلامِ تُحيى بمُحيي الدينِ مولانا ابنٍ يحيى عليهِ حِينَ يُلْقي الدَّرْسَ وَحْيا(٥) كأنَّ اللَّهَ ربَّ العَرْشِ يُلقي (١) في الأصل : أخبر . (٢) صحيح وأخرجه أبو داود (٣٦١٣) و (٣٦١٤) والنسائي ٢٤٨/٨ من طرق عن سعيد ابن أبي عروبة بهذا الإِسناد ، وأخرجه أبو داود ( ٣٦١٥) من طريق محمد بن بشار ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا همام ، عن قتادة به . (٣) البيتان في ((وفيات الأعيان)) ٢٢٤/٤، و((الوافي)) ١٩٧/٥، و((طبقات)) السبكي ٢٧/٧، و ((شذرات الذهب)) ٤ /١٥١. (٤) في الأصل : وفاة ، والمثبت من مصادر الترجمة . (٥) البيتان في ((وفيات الأعيان)) ٢٢٣/٤، و((الوافي)) ١٩٧/٥، و((طبقات)) السبكي ٢٧/٧ . ٣١٤ ومما قيل إنه لابنٍ يحيى (١) : إِذَا الشَّمْسُ لاقَتْهُ فما خِلْتُهُ حَقًا (٢) وقالُوا يَصِيرُ الشَّعْرُ فِي المَاءِ حَيَّةً وقد لَسَعا قَلْبِي تَيَقَّْتُهُ صِدْقا فلمَّا الْتَوَىْ صُدِغَاهُ فِي مَاءِ وَجْهِهِ ٢٠٩ - ابن ناجِيَة * العلامة أبو القاسم ، أحمدُ بنُ أبي المعالي(٣) عبدِ الله بن بَرَكة، الحربيُّ الفقيهُ الواعظُ ، عُرف بابن ناجية ، وهي أمُّه(٤) . سمع أبا عبد الله بنَ البُسري ، وأبا الحسين بنَ الطيوري . روى عنه : ابْنُ سُكينة ، وابن الأخضر ، وأحمدُ بنُ يحيى بن هبة الله . قال السَّمعاني : فقيهٌ دَيِّنٌ، حُلوُ الوعظِ ، تفقَّه على أبي الخطّاب ، ثم تحول حنفيّاً ، ثم شافعياً ، وقال لي : أنا اليوم مُتَبعٌ للدليل ، ما أَقُلِّد أحداً ، كتبتُ عنه ، مات في جمادى الأولى سنةَ أربعٍ وخمسين وخمس مئة وله تسع وسبعون سنة . (١) البيتان في ((وفيات الأعيان)) ٢٢٤/٤، و((الوافي)) ١٩٧/٥، و((طبقات)) السبكي ٢٦/٧، و((شذرات الذهب)) ٤ /١٥١. (٢) في ((الوفيات)) و((الوافي)) و((الشذرات)): فما خلته صدقاً. وجاءت كلمة ((حقاً)) فيها في نهاية البيت الثاني بدل كلمة ((صدقاً)). (*) المنتظم ١٩٠/١٠، الوافي ١١٢/٧ وتصحف فيه إلى باجيه بالباء الموحدة ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٤٠، ذيل طبقات الحنابلة ٢٣٢/١، ٢٣٣. (٣) في ((المنتظم)) و((ذيل طبقات الحنابلة)) و((البداية)): أحمد بن معالي. وفي ((الوافي)): ابو القاسم أحمد ابن أبي المعالي ثم قال : يعرف بأحمد بن معالي بن ناجية . (٤) في (( الوافي)): وهي أمُّ والده . ٣١٥ ٢١٠ - أحمد بن وقشي * مُؤَلِّف كتاب (( خلع النعلين))(١) فيه مصائبُ وبدع . وكان أولًا يدَّعي الولاية ، وكان ذا مكرٍ وفصاحة وبلاغةٍ وحِيلٍ وَشَعْبذةٍ ، فالتفَّ عليه خلقٌ، ثم خرج بحصن مارْتُلة(٢) ، ودعا إلى نفسِهِ، وبايعوهُ ، ثم اختلف عليه أصحابُهُ ، ودسَّ عليه الدولةُ من أخرجه من الحصن بحيلةٍ ، فَقَبَضَ عليه أعوانُ عبدِ المؤمن ، وأتوهُ به ، فقال له : بلغني أنه دعوتَ إلى الهداية ؟ ! فكان من جوابه أن قال : أليس الفجرُ فجرَين كاذب وصادق ؟ قال : بلى . قال : فأنا كنتُ الفَجرَ الكاذبَ. فضحكَ ، وعفا عنه ، وبقي في حضرة السلطان عبدِ المُؤْمِن ، ثم لم ينشب أن قتله صاحبٌ لهُ على شيءٍ رآهُ منه(٣) . ٢١١ - الزَّبِيْدِيُّ * الإِمامُ القدوةُ العابدُ الواعظ ، أبو عبد الله ، محمدُ بنُ يحيى بن علي ابن مسلم (٤) بن موسى بن عمران القُرشي اليمني الزَّبيدي ، نزيلُ بغداد ، وَجَدُّ المشايخ الرواة . (*) المعجب : ٣٠٩، كشف الظنون ٧٢٢/١ واسمه فيهما : أحمد بن قسي . (١) في الوصول إلى حضرة الجمعين كما في ((كشف الظنون)): ٧٢٢ . (٢) وهو من حصون باجة، وهو معقل جليل. ((المغرب)) ٤٠٦/١. (٣) انظر ((المعجب)): ٣٠٩. ( ** ) الأنساب ٢٤٧/٦، ٢٤٨، المنتظم ١٩٧/١٠، ١٩٨، معجم الأدباء ١٠٦/١٩، ١٠٨، الكامل في التاريخ ٢٦٤/١١، مرآة الزمان ١٤٤/٨، ١٤٥، الوافي بالوفيات ١٩٨/٥، البداية والنهاية ٢٤٣/١٢، الجواهر المضية ١٤٢/٢، تبصير المنتبه ٦٥٤/٢، بغية الوعاة ٢٦٣/١، ٢٦٤، هدية العارفين ٩٣/٢، بروكلمان الذيل ٧٦٤/١ . (٤) في ((الجواهر المضية)) مسلمة . ٣١٦ مولدُهُ سنة ستِّين وأربع مئة . وقدم دمشق بعد الخمس مئة ، فوعَظَ بها ، وأخذ يأمُرُ بالمعروف ، فلم يحتمل له الملك ◌ُغْتِكين ، وكان نحويّاً فقيراً قانعاً مُتألَّهاً ، ثم قدم دمشق رسولاً من المُسترشد في شأن الباطنية ، وكان حنفيّاً سلفيّاً . قال ابنُ هُبيرة : جلستُ معه من بكرة إلى قريب الظهر وهو يَلُوكُ شيئاً ، فسألتُهُ ، فقال : نواةٌ أتعلّل بها لم أجد شيئاً(١) . قال ابنُ الجوزي (٢): كان يقولُ الحقَّ وإن كان مُرّاً ، لا تأخُذُهُ في الله لومة لائم ، قيل : دخل على الوزيرِ الزَّينبيِّ وعليه خِلْعَةُ الوزارة ، وهم يُهَنِّئُونِه، فقال: هو ذا يومُ عَزَاءٍ ، لا يومُ هَنَاء، فقيل: ولم؟ قال: أُهَنِّىءُ على لبس الحرير ؟ ! قال ابنُ الجوزي (٣): حدثني الفقيهُ عبدُ الرحمن بنُ عيسى ، سمعتُ الزَّبيديّ قال : خرجت إلى المدينة على الوحدة ، فَآواني الليلُ إلى جبلٍ ، فصعدتُ ، وناديتُ : اللهم إنّي الليلةَ ضيفُك . ثم نُوديت : مرحباً بضيفٍ اللهِ ، إِنَّكَ مع طلوع الشمس تمرُّ بقومٍ على بئرٍ يأكلونَ خُبزاً وتمراً ، فإذا دعوكَ فَأجبْ ، فسِرْتُ من الغد ، فلاحَتْ لي أهدافُ بئر ، فجئتُهَا ، فوجدتُ عندها قوماً يأكُلُون خُبزاً وتمراً ، فَدَعَوني ، فأجبتُ . قال السمعانيُّ : كان يعرفُ النحو، ويعظُ ، ويسمعُ معنا من غيرِ قصدٍ من القاضي أبي بكر وغيرِهِ ، وكان فنّاً عجيباً ، وكان في أيام المسترشِد (١) انظر ((المنتظم)) ١٩٨/١٠ و((معجم الأدباء)) ١٠٧/١٩ و((بغية الوعاة)) ٢٦٣/١. (٢) في ((المنتظم)) ١٩٨/١٠. (٣) في ((المنتظم)) ١٩٨/١٠. ٣١٧ يخضبُ بالحِنّاءِ ، ويركب حماراً مخضُوباً بالحِنّاء ، وكان يجلسُ ويجتمعُ عنده العوامُّ ، ثم فتر سوقُهُ ، ثم إنّ الوزير ابنَ هُبيرة رغب فيه ، ونَفَقَ عليه ، وسمعتُ جماعةً يحكُون عنه أشياءَ السكوتُ عنها أولى ، وقيل : كان يذهَبُ إلى مذهب السالمية ، ويقول : إنَّ الأموات يأكُلُون ويشربُونَ وينكحون في قبورهم ، وإنَّ الشاربَ والزاني لا يُلامُ ، لأنه يفعلُ بقضاء اللهِ وَقَدَرِهِ(١). قلتُ : يحتجُّ بقصةِ آدمَ وموسى عليهما السلام ، وبقول آدم : أتلومُني؟ وأنه حجّ موسى(٢)، ولو سلَّمنا أن الزاني لا يُلام، فعلينا أن نحدَّهُ ونُغَرِّبه ، ونَذُمَّ فعلَه، ونردَّ شهادته ، ونكرهَه ، فإنْ تاب واتقى أحببناه واحترمناه ، فالنزاعُ لفظيِّ . قال : وسمعتُ عليَّ بنَ عبد الملك يقول : زاد الزَّبيديُّ في أسماء الله أسامي : الزارع ، والمُتمم ، والمُبهم ، والمُظْهِر . قال ابنُ عساكر : قال ولدُهُ إسماعيلُ : كان أبي في كل يوم وليلة من أيام مرضِهِ يقولُ : الله الله، نحواً من خمسة عشر ألف مرة ، فما زال يقولها حتى طُفِىء(٣) . وقال ابنُ شافع ، كان له في علمِ العربيّة والأصولِ حظٍّ وافر ، وصنَّف في فُنُون العلم نحواً من مئة مُصنَّف(٤) ، ولم يُضَيِّع شيئاً من عُمُره ، وكان (١) انظر ((الوافي)) ١٩٨/٥. (٢) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري ( ٣٤٠٩) و (٤٧٣٦) و (٤٧٣٨) و(٦٦١٤) و (٧٥١٥)، ومسلم (٢٦٥٢) وقد أفاض الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ١١ /٥٠٥ - ٥١٢ في شرح هذا الحديث ، فراجعه . (٣) وانظر ((الجواهر المضية)) ١٤٢/٢. (٤) انظر ((الوافي)) ١٩٨/٥ و((الجواهر المضية)) ١٤٢/٢ و((بغية الوعاة)) ٢٦٤/١ و «هدية العارفين)) ٩٣/٢. ٣١٨ يخضِبُ بالحنّاءِ ، ويَعتمُّ مُلتحياً دائماً، حُكِيَتْ لي عنه من جهاتٍ صحيحةٍ غيرُ كرامة ، منها رؤ يتُهُ للخَضرِ ، تُوفي في ربيع الآخر سنةً خمسٍ وخمسين وخمس مئة رحمه الله . ٢١٢ - البُرُوجِرْديّ * الحافظُ المفيدُ ، أبو الفضل ، محمدُ بنُ هِبةِ الله بن العلاء الْبُروجِرديُّ، تلميذُ ابنِ طاهر(١) . سمع أبا محمد الدُّوني ، ومكيَّ بنَ بنجير، ويحيى بنَ مَنْدة . قالِ السمعاني(٢): كنتُ أنسخُ بجامع بُرُوجِرد، فقال شيخٌ رثُّ الهيئة : ما تكتبُ ؟ فكرهتُ جوابَه ، وقلتُ : الحديث . فقال : كأنكَ طالبٌ ؟ قلتُ : نعم . قال : من أينَ أنتَ؟ قلتُ : من مرو. قال : عمَّن روى البخاريُّ من أهل مرو؟ قلتُ : عن عبدِ الله بنِ عُثمان وَصَدَقَةَ بنِ الفَضْلِ . قال: لم لُقِّبَ عبد الله بعَبْدان؟ فَتَوَقَفْتُ ، فتبسَّم ، فنظرتُ إليه بعينٍ أُخرى ، وقلتُ : يُفيد الشيخُ . قال : كنيتُهُ أبو عبد الرحمن ، واسمُهُ عبدُ الله، فاجتمَعَ فيه العَبْدَان ، فقيل : عَبْدان . فقُلْتُ : عمن هذا؟ قال : سمعتُهُ من محمد بن طاهر(٣) . (*) التحبير ٢٤٧/٢ - ٢٤٩، معجم البلدان ٤٠٤/١، ٤٠٥، والبروجردي بضم الباء كما في الأصل و (( الأنساب)) وبفتحها عند ياقوت وضم الراء بعدها الواو وكسر الجيم وسكون الراء في آخرها الدال المهملة ، نسبة إلى بروجرد ، وهي بلدة حسنة كثيرة الأشجار والأنهار من بلاد الجبل على ثمانية عشر فرسخاً من همذان . (١) المقدسي المتوفى سنة ٥٠٧هـ، مرت ترجمته في الجزء التاسع عشر برقم (٢١٣). (٢) في ((التحبير)) ٢٤٨/٢، ٢٤٩، ونقلها ياقوت في ((معجم البلدان)) ٤٠٤/١، ٤٠٥. (٣) أورد المؤلف هذه القصة في ترجمة ((عَبْدان)) في الجزء العاشر برقم (٧١) ، وسيوردها أيضاً في هذا الجزء في ترجمة السمعاني برقم (٢٩٢). ٣١٩ ٢١٣ - الحَصْكَفي * الإِمامُ العلامةُ الخطيب ، ذو الفنون ، معينُ الدين ، أبو الفضل ، يحيى بنُ سلامةَ بنِ حسين بن أبي محمد عبد الله الديار بكرُّ الطَنْزِيُّ الحَصْكَفي ، نزيلُ مَّافارقين . تأذَّب ببغداد على الخطيب أبي زكريا التِّبريزيِّ ، وبرع في مذهب الشافعي ، وفي الفضائل . مولدُهُ في سنة ستّين وأربع مئة تقريباً . وولي خطابة ميّافارقين ، وتصدَّر للفتوى ، وصنّف التصانيف ، وله ديوانُ خُطب ، وديوانُ نظمٍ وترسُّل . ذكره العمادُ في (( الخريدة ))، فقال: كان علََّّمَةَ الزمانِ في علمه ، وَمَعَرِّيّ العصرِ في نثِهِ ونظمِهِ ، له الترصيعُ البديعُ ، والتجنيسُ النفيسُ ، والتطبيقُ والتحقيق ، واللفظُ الجزلُ الرقيقُ ، والمعنى السهلُ العميق ، والتقسيمُ المستقيم(١) . قلتُ : مولدُهُ بَطْزَة : بُليدةٌ من ديار بكر بقُرب من جزيرة ابنِ عُمر ، (*) الأنساب ١٥٤/٤ (الحصكفي) و٢٥٦/٨، ٢٥٧ (الطنزي ) ، خريدة القصر ( قسم الشام) ٢/ ٤٧١ - ٥٤٠، المنتظم ١٨٣/١٠ - ١٨٨ (وفيات ٥٥٣ )، معجم البلدان ٤٤/٤، معجم الأدباء ١٨/٢٠، ١٩، اللباب ٣٦٩/١ و٢٨٦/٢، الكامل في التاريخ ٢٣٩/١١، مرآة الزمان ١٤٢/٨، وفيات الأعيان ٢٠٥/٦ - ٢١٠، المختصر ٣٤/٣، البدر السافر: ق ٢٢٢، تتمة المختصر ٩٣/٢، ٩٤، طبقات السبكي ٣٣٠/٧ - ٣٣٢، طبقات الإِسنوي ٤٣٨/١، ٤٣٩، البداية والنهاية ٢٣٨/١٢ - ٢٤٠، النجوم الزاهرة ٣٢٨/٥، شذرات الذهب ٤ /١٦٨، ١٦٩ . والحَصْكفي : نسبة إلى حصن كيفا ، وهي قلعة حصينة شاهقة بين جزيرة ابن عمر وميافارقين . (١) ونقله عن العماد ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) ٢٠٥/٦، ٢٠٦. ٣٢٠