النص المفهرس
صفحات 41-60
الرحمن ، سمعتُ محمدٌ بن عُبيد اللّه الطَّبَراني يقولُ: قمتُ يوماً في مجلس والدِك رحمه اللّه ، فقلتُ: أيها الشيخُ، فينا جماعةٌ مِّمِّن يدخلُ على هذا المشؤوم - أعني أبا نُعيم الأشعري - فقال : أخرجُوهم . فأخرجْنا من المجلس فلاناً وفلاناً، ثم قال : على الداخلِ عليهم حَرَجٌ أن يدخُلَ مجلسَنا، أو يسمعَ منّا، أو يروي عنّا، فإن فعلَ فليس هو منّا في حِلّ . قلتُ : ربما آل الأمرُ بالمعروف بصاحبه إلى الغضبِ والحِدَّة ، فيقعُ في الهِجْران المُحَرَّم ، وربما أفضى إلى التفكيرِ والسعي في الدَّمِ ، وقد كان أبو عبد اللّه وافرَ الجاهِ والحُرمةِ إلى الغاية ببلده، وشغّب على أحمد بن عبد اللّه الحافظ(١)، بحيث إنَّ أحمد اختفى . ولأبي عبد اللّه كتابٌ كبيرٌ في الإِيمان في مجلد، وكتابٌ في النَّفْس والروح ، وكتاب في الرُّدِّ على اللفظية. وإذا روى الحديثَ وسكت ، أجاد ، وإذا بوَّب أو تكلّم من عنده ، انحرف، وحَرْفَش(٢)، بلى ذَنْبُه وذنبُ أبي نُعيم أنهما يرويان الأحاديثَ الساقطَة والموضوعةَ ، ولا يهتِكَانها، فنسألُ اللّهَ العفو. وقد سمعتُ جملةً من حديث أبي عبد اللّه بإجازةٍ ، ولم يَقَعْ لي شيءٌ متصلاً، وكان القاضي نجمُ الدين بنُ حمدان آخرَ من روى حديثاً عالياً . أخبرنا أبو زكريا يحيى بنُ أبي منصور الفقيه في كتابه سنة أربعٍ (١) يعني أبا نعيم الأصبهاني. (٢) أي : خلَّط . ٤١ وسبعين وست مئة ، أخبرنا عبدُ القادر بن عبد اللّه الحافظُ بحَرَّان سنة خمس وست مئة ، أخبرنا مسعودُ بن الحسن ، أخبرنا عبدُ الوهّاب بن محمد بن إسحاق بن مَنْدة ، أخبرنا والدي ، أخبرنا الهيثمُ بن كُلَيب ، حدثنا عيسى بن أحمد ، حدثنا ابنُ وَهْب ، أخبرني ابنُ جُريج ، عن أيوب بن هانئء، عن مسروق، عن عبد اللّه: أنّ رسولَ اللّه ◌ِو خرج يوماً وخرجتُ معه حتى انتهينا إلى المقابر ، فأمَرَنا ، فجلَسْنا، ثم تخطّى القُبور حتى انتهى إلى قبرٍ منها ، فجلسَ إليه ، فناجاهُ طويلاً ، ثم ارتفعَ نحيبُ رسولِ اللّهِ وَلَل باكياً، فبكينا لبكائه؟ ثم أقبل إلينا، فتلَقّه عُمر، فقال: يا نبيَّ اللّه! ما الذي أبكاكَ؟ فقد أبكانا وأفزعنا . فأخذ بيد عُمر، ثم أومأ إلينا، فأتيناهُ، فقال : ((أَفْزِعَكُم بُكائي؟)). قلنا: نعم. قال: ((إنَّ القبر الذي رأيتموني عنده إنما هو قبر آمنةً بنتِ وهبٍ ، وإني استأذنتُ ربِّي في الاستغفار لها ، فلم يأْذَنْ لي ، ونزلَ عَلَيَّ: ﴿ ما كانَ للَّبِيِّ والذينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِروا للمُشْركين ... ﴾ الآيتين [التوبة: ١١٣، ١١٤] فأخذني ما يأخُذُ الولَدَ لوالِدِه من الرِّقَّةِ ، فذاكَ الذي أبكاني ، إني كُنْتُ نهيتُكُم عن زيارةِ القُبُور، فَزُورُوها ، فإنه يُزَهِّدُ في الدُّنيا ويُذَكَّرُ الآخِرة )). هذا من غرائب الحديث ، أخرجه ابنُ ماجة عن الثقة (٢) ، عن (١) الذي في المطبوع من سنن ابن ماجة (١٥٧١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، وأخرجه أيضاً مختصراً البيهقي ٧٧/٤ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن ابن وهب به . وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه ، عن خالد بن خداش ، عن ابن وهب وأخرجه الحاكم في ((المستدرك )) ٢ / ٣٣٦ من طريق محمد بن يعقوب ، عن بحر بن نصر ، عن ابن وهب به ، وقال : صحيح على شرطهما ، ولم يخرجاه هكذا بهذه السياقة إنما أخرج مسلم حدیث یزید بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة فيه مختصراً ، وتعقبه الذهبي بقوله : أيوب بن هانىء ضعفه ابن معين. وأخرج أحمد في ((المسند)) ٣٥٥/٥، والبيهقي في ((سننه)) = ٤٢ ابنِ وهبٍ مختصراً ، وأيوبُ هذا كوفيٌّ ضعّفه يحيى بنُ مَعِين . ١٤ - عبد اللّه بن أبي زرعة * محمد بن أحمد بن محمد بن الفرج بن مَتَّويه القَزويني الحافظ (١). ذكره الخليلي في ((إرشاده)) فقال: حافظ فقيه عارفٌ بالأنساب والتواريخ ، جامعٌ في العلوم . سمع علي بن مهرويه ، وعلي بن إبراهيم القطان ، وأبا علي الصفّار، وبواسط عبد اللّه بن شَوذب، وبالبصرة محمد بن جعفر الزِّئبقي ، وابن داسة ، وَرَجَعَ إلى قزوين، وارتحل ثانياً إلى العراق ، = ٧٦/٤ من طريق زهير بن معاوية ، عن زبيد بن الحارث اليامي ، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: كنا مع النبي ﴿﴿، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكباً، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان ، فقام إليه عمر بن الخطاب ، فقداه بالأب والأم ، يقول : يا رسول الله مالك؟ قال: ((إني سألت ربي عز وجل في الاستغفار لأمي ، فلم يأذن لي ، فدمعت عيناي رحمة لها من النار ، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث : عن زيارة القبور ، فزوروها لتذكركم زيارتها خيراً ، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، فكلوا وأمسكوا ما شئتم ، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية ، فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكراً)) وإسناده صحيح ، وأخرجه مسلم في صحيحه (٩٧٧) دون قصة أمه من طريق أبي بكر بن أبي شيبة ، عن محمد بن فضيل ، عن ضرار بن مرة ، عن محارب بن دثار به. وقصة أمه أخرجها مسلم أيضاً (٩٧٦) من حديث أبي هريرة قال: زار النبي وَ لقر قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت))وفي الباب عن ابن عباس عند الطبراني في «الكبير» (٤٩ . ١٢) وفي سنده من لا يعرف. * تاريخ الإسلام ٤ / ١٠٣ /٢ ، التدوين في تاريخ قزوين لأبي القاسم الرافعي ورقة ٢٥٨ / ٢ - ١/٢٦٠ . (١) يكنى أبا محمد . ٤٣ وسمع بمكة الفاكهي ، وولي القضاء بخراسان، وأقام بها ست سنين، وکتب وناظر واشتهر فضلُه ثَمَّ . وكان عارفاً بمخارج الأحاديث ، لم يُرَ أجمعُ منه . مات سنة سبع وتسعين وثلاث مئة وهو ابن أربع وسبعين سنة . وابنه: أبُو زُرعة محمد(١) بن عبد الله، سمع بالعراق الدارقطني ، وابنَ شاهين ، وبالأهواز ابنَ عبدان ، قُتل سنة ثمانٍ وأربع مئة . وأبوه أبو زُرعة ذُكر سنة ٣٣٠(٢) . ١٥ - أبو زُرْعَة الْكَنِّي * الإِمامُ الحافظُ الثقة ، أبو زُرْعة ، محمدُ بنُ يوسف بن محمد بن الجُنيد الجُرجاني الكَشِّي ، وَكَشّ من قُرى جُرجان على ثلاثة فراسخ منها ، بشين معجمة ، فأما كِس التي بما وراء النهر، فمدينةٌ صغيرةٌ منها عَبْدُ بن حُميد ، بكسر الكاف وبمهملة . سمع أبا نُعيم عبد الملك بن محمد بن عَدي الجُرجاني ، وأبا (١) ((التدوين في تاريخ قزوين)) ورقة ٨٥ /١. (٢) مرت ترجمته في الجزء الخامس عشر . * تاريخ جرجان ٤١٢ - ٤١٣، تاريخ بغداد ٣ / ٤٠٨ - ٤٠٩، الإكمال ٧ / ١٨٦ ، الأنساب ١٠ / ٤٤٠، المنتظم ٧ / ٢١٣، معجم البلدان ٤ / ٤٦٢، اللباب ٣ / ١٠٠، المشتبه ٢ / ٥٥٣، تاريخ الإِسلام ٤ / ٨١ / ١، العبر ٣ / ٤٧، تذكرة الحفاظ ٣ / ٩٩٧، ٩٩٨، تبصير المنتبه ٣ / ١٢١٨، طبقات الحفاظ: ٣٩٦، شذرات الذهب ٣ / ١٣٤، هدية العارفين ٢ / ٥٦ . ٤٤ العباس الدَّغُولي، وابن أبي حاتم ، ومَكَيُّ بنَ عَبْدان ، وطبقتهم بخراسان والعراق والحجاز . حدّث عنه : عبدُ الغني الحافظ ، وأبو العلاء محمدُ بن علي الواسطي ، وأبو القاسم الأزهري ، وعبدُ العزيز الأزَجي ، وحمزةُ بن يوسف السَّهْميُّ ، وطائفة . قال حمزةُ السهمي(١): جمع أبو زُرعة الكَشِّيُّ الأبوابَ والمشايخ ، وكان يفهم ، أملى علينا بالبصرة ، ثم إنه جاور بمكةً إلى أن تُوفي بها في سنة تسعين وثلاث مئة . أخبرنا عيسى بنُ أبي محمد الصالحي ، أخبرنا جعفرُ بنُ علي ، أخبرنا أبو طاهر السِّلَفي ، أخبرنا أبو طاهر الحِنَّائي ، عن أبي الفضل محمدٍ بن أحمد السعدي ، حدثنا عبدُ الغني بنُ سعيدٍ الحافظ ، حدثني أبو زُرعة محمدُ بنُ يوسف بمكة بعد جُهدٍ وعناء ، أخبرنا محمدُ بنُ عبد الرحمن الدَّغُولي ، حدثنا محمدُ بن مُشْكَان ، حدثنا يزيدُ بن أبي حَكيم ، حدثنا سفيانُ ، حدثنا زائدةُ ، عن عبد الملك بن عُمير ، عن عبدِ الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع النبيِّ وَّ سبعَ غَزَواتٍ نأكلُ الجَرَاد . هذا غريبٌ، وإنما المحفوظ حديثُ سفيان(٢) عن أبي يَعْفُور، عن ابن أبي أوفى . (١) في ((تاريخ جرجان)) ٤١٢ . (٢) أخرجه من طريقه مسلم (١٩٥٢) في الصيد والذبائح : باب إباحة الجراد ، وأخرجه البخاري (٥٤٩٥)، ومسلم (١٩٥٢) من طرق عن شعبة ، عن أبي يعفور ، عن ابن أبي أوفى . ٤٥ ١٦ - أبو زُرعة الرازي * الإِمامُ الحافظُ ، الرحّال الصدوقُّ، أبو زُرعة ، أحمدُ بنُ الحسين ابنِ علي بن إبراهيم بن الحَكَمِ ، الرازيُّ الصغيرُ . سمع عبد الرحمن بن أبي حاتم ، والقاضي أبا عبد الله المَحَاملي ، وابنَ مَخْلَد العطّار، وعليَّ بن أحمد الفارسي نزيل بَلْخ ، وأبا حامد بنَ بلال ، وعبد الله بن محمد بنٍ يعقوب البخاريَّ الأستاذ ، وأبا العباس الأصَمَّ ، وأبا الفوارس أحمدَ بن محمد الصابوني المصري ، وأبا الحسين الرازي والد تمّام ، وطبقتهم . وكان واسعَ الرحلة ، جَيِّد المعرفة . حدَّث عنه : تمّامُ الرازيُّ ، والحسينُ بن محمد الفلاكي ، وعبدُ الغني الأزْدي ، وأبو الفضل محمدُ بن أحمد الجارودي ، وأبو زُرعة رَوْحُ بن محمد، وأبو العلاء الواسطي، وعلي بن المُحَسّن التّنُوخي ، وخلق . وصنف التصانيف . وكانت رحلتُهُ إلى بغداد فيما نقله التّنُوخي في سنة أربع وعشرين وثلاث مئة وهو حَدَثٌ له أربع عشرة سنة(١) . قلت : قد سأله حَمْزَة السَّهْمىُّ عن الجرح والتعديل . مات بطريق مكة قديماً في سنة خمس وسبعين وثلاث مئة (٢). * تاريخ بغداد ٤ / ١٠٩، تاريخ الإسلام ٤ / ٢/١٦، تذكرة الحفاظ ٣ / ٩٩٩، ١٠٠٠، العبر ٢ / ٣٦٨، النجوم الزاهرة ٤ / ١٤٧، طبقات الحفاظ ٣٩٦، شذرات الذهب ٣ / ٨٤ ٠ (١) ((تاريخ بغداد)) ٤ / ١٠٩. (٢) المصدر السابق . ٤٦ وكنتُ قد وقفتُ على تأليفٍ كبير في السُّنَن ، وهو ناقصٌ ، فيه أحاديثُ غريبة ، فقيل : إنه تصنيفُه . أخبرنا أبو الحُسين (١) اليُونِيني: أخبرنا جعفرٌ الهَمْداني ، أخبرنا السِّلَفي، أخبرنا المعمَّر بنُ محمد الحبّال بالكوفة ، حدثنا أحمدُ بن علي الجَعْفري ، حدثنا أبو زُرعة أحمدُ بن الحسين ، حدثنا حامدُ بنُ حمّاد بنصيبين ، حدثنا إسحاقُ بن سيّار ، حدثنا محمدُ بنُ عبد الملك بن جابر ، حدثنا أبو الفضل قال : قال لي هشامُ بن ◌ُعُروة : تشربُ النبيذ ؟ قلتُ : نعم ، (١) في الأصل: أبو الحسن، وهو خطأ، والتصويب من ترجمته في ((مشيخة)) المؤلف ورقة ٩٩ قال : علي بن محمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله .... الإمام المحدث الفقيه الأوحد ، بقية السلف ، شرف الدين ، أبو الحسين بن الإمام الرباني الفقيه أبي عبد الله ، اليونيني الحنبلي ، شيخنا ومفيدنا ، ولد في رجب سنة إحدى وعشرين وست مئة ، وسمع من : البهاء عبد الرحمن حضوراً ، ومن ابن الصباح ، وابن الزبيدي ، وابن اللتي ، ومكرم ، وعبد الواحد بن أبي المضاء ، وابن رواج ، وخلق سواهم بمصر والشام ، واستنسخ ((صحيح )) البخاري ، وحرره ، حدثني أنه قابله في سنة واحدة ، وأسمعه إحدى عشرة مرة ، وروى الكثير، وكان شيخاً مهيباً منوراً ، حلو المجالسة ، كثير الإفادة ، قوي المشاركة في العلوم ، حسن النشر ، مليح التواضع ، أکثرت عنه ببعلبك وبدمشق ، دخل في أول رمضان سنة إحدى وسبع مئة خزانة الكتب ببعلبك ، فدخل اليه رجل مضطرب العقل ، فضربه بسكين .. في دماغه ، بقي أياماً ، وتوفي إلى رحمة الله، واليونيني: نسبة إلى قرية من قرى بعلبك اسمها ((يونين)) - بضم الياء وكسر النون الأولى - وسماها ياقوت في ((معجم البلدان)) والفيروز أبادي في ((القاموس)) - يونان - بفتح النون الأولى - وقال الزبيدي في ((تاج العروس )) : ويقال فيها يونين أيضاً وهو المعروف . قلت: ونسخة أبي الحسين اليونيني من ((صحيح)) البخاري والمسماة باليونينية ، هي أعظم أصل يوثق به في نسخ ((صحيح)) البخاري ، وهي التي جعلها الإِمام القسطلاني عمدته في تحقيق متن الكتاب وضبطه حرفاً حرفاً وكلمة كلمة ، وهذه هي أكبر ميزة لشرح القسطلاني المسمى ((إرشاد الساري))، وعن النسخة اليونينية طبعت الطبعة السلطانية التي أمر بطبعها السلطان عبد الحميد رحمه الله طبعت بمصر في المطبعة الأميرية في سني ١٣١١ - ١٣١٣ هـ ثم الطبعة التالية لها طبعت على مثالها في المطبعة الأميرية سنة ١٣١٤ هـ ، وعلى النسخة السلطانية تم طبع صحيح البخاري في مصر في مطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٧٨ هـ ١٩٥٨ م بتقديم العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله . ٢٧ قال: فلا تشربْهُ، فإنَّ أبي حدثني عن عائشة: أنَّ رسولَ الله ◌ِوَلِ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ أوّلُه وَآخِرُه )) . أبو الفضل لا أعرفه ، والخبر مُنكر(١). ١٧ - أبو زُرْعَة الأستَرابَاذي * هو الإِمامُ الحافظُ ، المُجَوِّد ، الجوّال ، أبو زُرعة ، محمدُ بن إبراهيم ابن عبد الله بن بُنْدَار، الأستراباذيُّ، الملقّب باليَمَني لسُكناه مدةً باليمن(٢). سمع أبا العبّاس السّرّاج ، وعليّ بن الحُسين بن مَعْدان الفارسي ، وأبا عَرُوبة الحرّاني ، وأبا القاسم البَغَوي ، وأبا محمد بن صاعد ، وطبقتهم . وله رحلةٌ طويلة ، ومعرفةٌ جليلة ، وجمعٌ وتأليف . حدث عنه : أبو سَعْد الإِدريسي ، وحمزةُ بن يوسف السَّهْميُّ ، وأحمدُ ابنُ عبد الرحمن اليَزْدي ، وآخرون . بقي إلى حدود نيِّف وسبعين وثلاث مئة ، وإنما أخَّرتُه عن طبقته قليلاً (١) أي بزيادة أوله وآخره، أما لفظ ((كل مسكر حرام)) فهو صحيح، فقد أخرجه مالك ٢ / ٨٤٥ في الأشربة باب تحريم الخمر ، والبخاري ١٠ / ٣٥ في الأشربة : باب الخمر من العسل وهو البتع ، ومسلم (٢٠٠١) في الأشربة أيضاً : باب بيان أن كل مسكر خمر، كلهم من حديث عائشة بلفظ (( كل شراب أسكر فهو حرام )) وفي الباب عن أبي موسى الأشعري عند البخاري ٨ / ٥٠، ومسلم ١٥٨٦/٣ رقم الحديث الخاص (٧٠) بلفظ ((كل مسكر حرام)) وعن ابن عمر عند مسلم (٢٠٠٣) بلفظ ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)). * تاريخ جرجان : ٤٩٥، تذكرة الحفاظ ٣ / ٩٩٨، ٩٩٩، طبقات الحفاظ : ٣٩٦. والأستراباذي ضبط في الأصل بفتح التاء ، وهو الموافق لما ضبطه ياقوت في ((معجمه))، وضبطه السمعاني بكسر الهمزة والتاء، وتابعه على ذلك ابن الأثير في ((اللباب))، والسيوطي في ((لب اللباب))، وهذه النسبة إلى إستراباذ: بلدة كبيرة مشهورة أخرجت خلقاً من أهل العلم في كل فن ، وهي من أعمال طبرستان بين سارية وجرجان . (٢) في ((تاريخ جرجان)): ويقال له : العطاري ، لأنه حافد محمد بن بندار العطار . ٤٨ لأجمعَ بين آباء زُرعة رحمهم الله جُمْلَةً . أخبرنا محمدُ بن محمد بن السَّلْم (١)، أخبرنا الحسنُ بنُ أحمد الأوَقي (٢)، أخبرنا أبو طاهر السِّلَفي، أخبرنا محمدُ بن محمد المديني ، حدثنا أبو بكر أحمدُ بن عبد الرحمن ، أخبرنا أبو زُرعة محمدُ بن إبراهيم بإسْتِراباذ ، أخبرنا أبو العبّاس السَّرّاج قال: قلتُ لقُتَبة : أخبركم مالكٌ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عُمر: أنَّ رسول الله وَّم قال: «صلاةُ الجماعة تفضُلُ على صلاةِ الفَذّ بسبعٍ وعشرينَ دَرَجة ))؟ فأَقَرَّ به، وقال: نعم(٣). ١٨ - أبو زُرْعَة الأَسْتِرَاباذي * آخر، هو قاضي إستِرَاباذ ، أبو زُرعة ، أحمدُ بنُ بُنْدَار بن محمد بن (١) ترجمه المؤلف في ((مشيخته)) ورقة ١٥١، فقال: محمد بن محمد بن سالم بن يوسف بن صاعد بن السلم ، القاضي الجليل العالم ، جمال الدين ، أبو المكارم بن القاضي الأوحد نجم الدين بن قاضي القضاة شمس الدين سالم القرشي النابلسي الشافعي ، قاضي القدس ونابلس ، حدثنا عن أبي علي الأوقي ، ولد سنة عشرين وست مئة بنابلس ، وبها توفي في ربيع الأول سنة أربع وتسعين وست مئة . (٢) هذه النسبة الى ((أَوَه)) بفتحتين وفي آخرها هاء. قال ياقوت في ((معجم البلدان)) ١ / ٢٨٣: قرية بين زنجان وهمذان، منها الشيخ الصالح الزاهد أبو علي الحسن بن أحمد بن يوسف الأوقي ، لقيته بالبيت المقدس تاركاً للدنيا ، مقبلاً على قراءة القرآن ، مستقبلاً قبلة المسجد الأقصى ، وسمعت عليه جزءاً، وكتبت عنه ، وسألته عن نسبه ، فقال : أنا من بلد يقال له : أوه ، فقال لي السِّلفي الحافظ : ينبغي أن تزيد فيه قافاً للنسبة ، فلذلك قيل لي الأوقي . وقد علّق العلامة المعلمي اليماني على قول السُّلفي في حواشيه على ((الأنساب)) ١ / ٣٨٨ بقوله: ليست بزيادة ، وإنما هي إبدال الهاء الساكنة في آخر الكلمة الأعجمية قافاً كنظائره . (٣) هو في ((الموطأ)) ١ / ١٢٩ في صلاة الجماعة: باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، ومن طريق مالك أخرجه أحمد ٢ / ١١٢، والبخاري ٢ / ٣٠ في الأذان : باب فضل صلاة الجماعة ، والنسائي ٢ / ١٠٣ وأخرجه الترمذي (٢١٥) وابن ماجة (٧٨٩) وأحمد ٢ / ١٠٢ من طرق عن عبيد الله بن عمر، عن نافع ، عن ابن عمر . * تاريخ جرجان : ٤٧٠، تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٠١ . ٤٩ سير ٤/١٧ مِهْران ، العيشي (١) الفقيهُ الشافعيُّ، من كبار تلامذة أبي عليّ بنِ أبي هُريرة .. يروي عن الحافظ حفصٍ بن عُمر الأرْدَبيلي ونحوه . قال أبو سَعْد الإدريسي : مات في سنة اثنتين وثمانين وثلاث مئة . فهذا أبو زُرعة الأستِرَاباذي الصغير . ١٩ - أبو زُرْعَة الدِّمَشْقي الصغير * هو الإِمامُ المحدثُ ، محمدُ بنُ عبد الله بن أبي دجانة عمرو بن عبد الله بن صفوان ، النصريُّ الدمشقيُّ ابنُ ابن أخي الحافظ أبي زرعة الدمشقيِّ الكبير . حدث عن : الحُسين بن محمد بن جُمعة ، وإبراهيم بن دُخَیم ، وجماعة . روى عنه : تمَّامُ الرازيُّ ، وأبو علي بن مهنا ، وغيرهما . مات قبل الستين وثلاث مئة . أما أبو زُرعة النَّصْري الدمشقي فمشهور(٢) ، مات بعد الثمانين ومثتين . (١) في الأصل: ((العبسي)) بالباء الموحدة، والسين المهملة، والصواب ما أثبتناه، كما في ((مشتبه)) المؤلف ٤٣٦/٢، وتوضيح ابن ناصر الدمشقي ١٣٧/٢، وتبصير ابن جحر ٩٨٦/٣، والعيشي : نسبة إلى عايش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة ، ويقال : العايشي . * تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٠١ . (٢) مرت ترجمته في الجزء الثالث عشر رقم (١٤٦). ٥٠ ٢٠ - أبو زُرْعَة الرازي * ثلاثة : فالكبير من أقران البخاري مرّ (١)، والأوسط ذكرتُهُ الآن(٢)، والأصغرُ هو العَلَّمة قاضي أصْبَهَان، أبو زُرْعة رَوْحُ بنُ محمدٍ سبطِ الحافظِ أبي بكر بنِ السُّنِّي(٣). سمع من : إسحاق بن سعدٍ النِّسَوي ، وجعفرٍ(٤) بن فَنّكي ، وأبي زُرعة أحمدَ بن الحُسين الرازي ، وأبي الحسين بن فارس اللغوي ، وعدة . قال الخطيب(٥): قدم علينا ، فحدث ببغداد وبالكرج أيضاً ، وكان صدُوقاً فهماً ، أديباً شاعراً ، ولي قضاءَ أصْبَهَان . ثم قال : وبلغني موتُهُ في سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة بالكرج . قلتُ : سمع أبو طاهر السُّلَفي من أصحاب هذا، وهو مُتَأَخِّرٌ عن هذه الطبقة ، كتبناه للتمييز . قرأتُ على سُليمان بن قُدامة الفقيه : أخبرنا جعفرُ بن علي ، أخبرنا السِّلَفي ، حدثنا محمدُ بنُ عبد الواحد المصري ، أخبرنا القاضي أبو زُرْعَة تاريخ بغداد ٨ / ٤١٠، المنتظم ٨ / ٧٠، طبقات ابن الصلاح ورقة ٤٨، تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٠٠، طبقات السبكي ٤ / ٣٧٩، طبقات الإسنوي ١ / ٥٨١، البداية والنهاية ١٢ / ٣٤ . (١) في الجزء الثالث عشر، برقم (٤٨) وهو عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولاهم الرازي (٢) برقم (١٦) . (٣) هو أحمد بن محمد بن إسحاق ، أبو بكر بن السني الدينوري ، المتوفى سنة ٣٦٤ هـ ، مرت ترجمته في الجزء السادس عشر . (٤) هو جعفر بن عبد الله بن فتّاكي ، أبو القاسم الرازي ، الراوي عن محمد بن هارون الروياني ((مسنده)). انظر ((العبر)) ٢ / ٢٣ . (٥) في ((تاريخ بغداد)) ٨ / ٤١٠. ٥١ رَوْحُ بن محمد السُّنِّي ، أخبرنا أبو سهل أحمدُ بن محمد الجواليقي ، حدثنا أبو بكر أحمدُ بن مدرك بن زَنْجَلَة إملاءً ، حدثنا عبدُ الأعلى بن حَمّاد ، أخبرنا عبدُ الجبّار بن الورد ، سمعتُ ابنَ أبي مليكة ، سمعتُ عُبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابنُ عبّاس: قال رسولُ اللهِ وَه: «لَيْسَ ليومٍ فَضْلٌ على يوم. في الصيامِ إلا شهر رمضان، ويوم عاشوراء))(١). هذا حديثٌ غریب فيه نكارة ، وابنُ الورد صدوق(٢) ، وهو أخو ۇُهيب الزاهد . ٢١ - الزَّكي * أبو عبد الله ، محمدُ بن أحمد بن محمد بن يعقوب النيسابوري ، الأديب (٣) . (١) وأخرجه أبو سهل الجواليقي في ((أحاديث ابن الضريس)) ٢/١٨٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١ / ٣٣٧، والطبراني في «الكبير » (١١٢٥٢) و(١١٢٥٣) وهو منكر كما قال الإمام الذهبي ، وبيان ذلك في التعليق الآتي . (٢) لكن قال البخاري فيه : يخالف في بعض أحاديثه ، وقال ابن حبان : يخطىء ويهم ، وقد أخطأ في هذا الحدیث فجعله مرفوعاً ، وغیر واحد من الثقات رواه عن عبد الله بن أبي یزید عن ابن عباس قوله ، ولفظه: ما رأيت النبي #يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني رمضان . أخرجه البخاري (٢٠٠٦) في آخر الصوم ، ومسلم (١١٣٢) وأحمد (١٩٣٨) و(٢٨٥٦) و(٣٤٧٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار ١ / ٣٣٧ والطبراني في ((الكبير)) (١١٢٥٢) و(١١٢٥٤) و(١١٢٥٥) و(١١٢٥٦) و(١١٢٥٧) من طرق عن عبيد الله به. قال الحافظ في ((الفتح)) ٤ / ٢٤٩: وهذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان ، لکن ابن عباس أسند ذلك إلی علمه ، فليس فيه ما یرد علم غيره ، وقد روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعاً ((إن صوم يوم عاشوراء يكفر سنة، وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين)) وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء . (*) تاريخ الإسلام ٤ / ٩٠ / ١ وهو فيه ((المزكي، شيخ التزكية)) . وقد قال ابن الأثير في (((اللباب)) في ترجمة ((المزكي)): يقال هذا لمن يزكي الشهود ، ويبحث عن حالهم ، ويعرفه القاضي ، واشتهر بهذا بيت كبير بنيسابور منهم جماعة من العلماء . قلت : فعلى هذا يكون الصواب في نسبه ((المزكي)) وليس ((الزكي)) كما في الأصل . (٣) قال المؤلف في التاريخ : كان محدثاً نحوياً أديباً ، صلى بالناس التراويح ثلاثاً وستين = ٥٢ ٢ سمع : ابنَ بلال ، ومحمد بن الحسين القطان ، وابن قُوهيار ، وعمرو بن عبد الله البصري ، وعبد الله بن يعقوب الكَرْمَاني ، وأبا طاهر المحمَّداباذي ، وعدة . روى عنه: أبو عبد الله الحاكم، وأحمدُ بن عبد الرحيم الإسماعيلي . توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة(١) رحمه الله . ٢٢ - جيش بن محمد * ابنِ صمصامة ، الأميرُ الكبيرُ ، نائبُ دمشق ، أبو الفتح المغربي . ولي البلدَ من قِبَلِ خاله الأمير أبي محمود الكُتَامي في سنة ثلاث وستين وثلاث مئة ، ثم وليها مستقلاً بعد موت خاله سنة سبعين ، ثم صرف بعد عامين ، ثم وليها سنة تسع وثمانين . وكان ظلوماً مُتجبراً سفّاكاً للدماء ، مُصادراً، خبيثَ العقيدة ، عجّ الخلقُ فيه إلى الله حتى هلك بالجُذام . وكان قدم الشامَ في جيشٍ ، فنزل الرملةَ ، وبادَرَ إلى خدمته نُوَّابُ الشام ، فقبض على سُليمان بن فلاح الأمير ، وجهّز طائفةٌ لمنازلة صور لأنهم عَصَوْا ، وأمّروا عليهم علاقة الملاح ، فاستنجد بالروم ، فأمدهُ بَسيل المَلِكُ = سنة بالختمة ، وكان يعرف بابن أخت أبي محمد الجلاب . (١) عن خمس وسبعين سنة، كما في ((تاريخ الإسلام)) ٤ / ٩٠ / ١. * الكامل لابن الأثير ٨ / ٦٤٢ و٩ / ٧ و١٢٠، ١٢١، تاريخ الإسلام ٤ / ٧٨ / ١ - ١/٧٩، العبر ٣ / ٤٦ وفيه حنش، دول الإسلام ١ / ٢٣٥، شذرات الذهب ٣ / ١٣٣ وفيه حبيش ، تهذيب تاريخ دمشق ٣ / ٤٢١، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة ٤٤ . ٥٣ بعدة مراكبَ ، فالتقوا هم وأسطولُ جيشٍ ، فأخذت مراكبُ الرُّوم ، وهربَ من نجا، ثم أخذت صور، وأُسر علاقة ، وسُلخ بمصر حياً ، وولّي على صور حسينُ بن صاحب الموصل ناصرِ الدولة . وهرب مُفرج(١) أميرُ العرب من جيشٍ إلى جبال طيءٍ(٢). وأقبل جيشٌ طالباً لجموع الروم النازلين على فامية(٣)، وأقبل على أحداثٍ دمشق واحترمهم ، وخلع على أعيانهم(٤) ، وسار إلى حمص ، وأتته الأمدادُ والمُطَوِّعة ، فالتقاه الذُّوفس(٥) لعنه الله، وحملت الرومُ ، فطحنت القلبَ ، ثم انهزمت ميسرةُ جَيْشٍ وعليها ميسورٌ نائبُ طرابُلُس ، وهرب جَيْشٌ في الميمنة ، فركبت الرومُ أقفيتهم ، وقتلوا نحو الألفين ، وأخذوا الخيام ، فثبتَ بشارةُ الإِخشيدي في خمس مئة فارس ، فضج الخلقُ من داخل فاميَة إلى الله بالدعاء ، وكان طاغيةُ الرومِ الذُّوفسُ على رابيةٍ بين يديه ابناه وعشرةُ فوارس، فقصده أحمدُ بن ضحّاكِ الكُرْدِي على جواده ، فظنّه مُستأمناً، فلما قرب طعنه أحمد، قَتَلَه، فصاح أهلُ فامية: ألا إنّ عَدُوَّ اللهِ قُتل ، فانهزمت الملاعين ثم تراجعت المصريون وركبوا أقفية العدو وألجؤ وهم إلى مضيقِ الجبل ، إلى جانب بحيرة (٦) فامية ، وأُسر ولد الطاغية ، وحُمل إلى مصر من رؤوسهم نحو عشرين ألف رأس ، وألفا (١) هو مفرج بن دغفل بن الجراح . (٢) انظر ((الكامل)) لابن الأثير ٩ / ١٢٠، و«تاريخ الإسلام)) ٤ / ٧٨ /٢. (٣) ويقال أفامية بالهمزة في أوله : وهي مدينة حصينة من سواحل الشام وكورة من كور حمص . (٤) انظر ((الكامل)) ٩ / ١٢١، و((تاريخ الإسلام)) ٤ / ٧٨ /٢. (٥) في ((الكامل)) : الدوقس بالدال المهملة والقاف . (٦) هو اليوم مستنقع الغاب ، وقد استصلح . ٥٤ أسير، وسار جيشٌ إلى أنطاكية(١) فسبى وغنم(٢). وقدم دمشقَ وقد عظُمت سطوتُهُ ، ونزل بظاهرها ، وزُينت دمشقُ ، فأظهر العدلَ ، وشرع يُلَاطِفُ الأحداثَ حتى طَمِّنَهم، وأمر قُوّاده بالأهبة ، وهيّا رِفاعاً مختومةً، وقسّم البلد ، وعيّن كُلَّ دربِ لقائد، وأن يَبْذُلُوا السَّيفَ، وهيَّ في حمَّام داره التي ببيت لهيا مئتين بالسيوف، ومَدّ السِّمَاطَ للأحداثِ ، فلما قاموا لغسلِ الأيدي أغلقَ عليهم ، وكان كل مُقَدَّم من الأحداثِ يركب في جمعه بالسلاح ، وكان الذين أغلق عليهم اثني عشر مُقَدّماً، فقُتلوا ، ومالت أعوانُهُ على أصحابهم قتلاً، ودخلت المصريون دمشقَ بالسيف ، فكان يوماً عصيباً ، نسألُ الله العافيةَ ، ثم جهّز إلى قُرى الغوطة والمرج نصرون القائدَ ، فقَتَل نحو الألف ، واستغاثَ أهلُ البلد إلى جَيْشٍ : العفوَ العفوَ. فكفّ، وطلبَ الأكابِرَ، فلما اجتمعوا ، أخرج رؤوسَ الأحداث قد ضَرب أعناقهم ، ثم شَرَعَ في المُصَادرة والعذاب ، ووضع عليهم خمس مئة ألف دينار، فقيل : عدةُ من قُتل من الأحداث والشُّطَّار ثلاثةُ آلاف نفس ، فَاسْتَأْصَلَهُ اللهُ بعد أشهر، في ربيع الآخر سنة تسعين وثلاث مئة(٣). ولقد لقي المسلمون من العُبيديَّة والمغاربة أعظمَ البلاء في النفس والمال والدين ، فالأمرُ لله ، وابتُلي جَيْشٌ بما لا مزيد عليه، حتى ألقى ما في بطنِهِ ، وكان يقولُ لأصحابه ، اقتُلُوني، ويلكم! أريحُوني من الحياة . (١) في الأصل : أنكاكية . (٢) انظر ((الكامل)) ٩ / ١٢١. (٣) ((الكامل) ٩ / ١٢١، ١٢٢، و«تاريخ الإسلام)) ٤ / ٧٨ / ٢، ٧٩ /٠٠١ ٥٥ ويقال : نفذت فيه دعوةُ أبي بكر بن الحرمي الزاهد ، وأراقَ له خُموراً فما سلّطه اللهُ عليه(١). ٢٣ - ابن ضَيْفُون * الشيخُ المحدثُ المُعمَّر، أبو عبد الله ، محمدُ بنُ عبد الملك بن ضيفون اللخمي القُرطبي الحدّاد(٢). سمع عبد الله بن يونُس القَبْري ، وأحمد بن زياد ، وقاسم بن أصبغ ، ثم حج في سنة تسعٍ وثلاثين ، فشهد رَدَّ الحجر الأسودِ إلى مكانه ، وسمع من أبي سعيد بن الأعرابي ، وعبدِ الكريم بن النَّسَائِي ، وأبي جعفر محمدٍ بن يحيى بن دحمان المِصِّيصي ، لقيه بطرابلس ، وعبد الله بن محمد بن مسرور القَيْرواني . وكان صالحاً مُعَدّلاً ، آخرُ أصحابه موتاً أبو عمر بنُ عبد البَرِّ . قال أبو الوليد بنُ الفَرَضي (٣): علتْ سِنُّه، واضطربَ في أشياء قُرئت عليه لم يسْمَعْها ، ولم يكن ضابطاً ، قال لي : إنه ولد سنة ثلاث وثلاث مئة . وتُوفي في شوال سنة أربع وتسعين وثلاث مئة . قلت : هو آخر من حدث عن القبري ، وابن الأعرابي بالأندلس . (١) ((تاريخ الإسلام) ٤ / ٧٩ / ١. * تاريخ علماء الأندلس ٢ / ١٠٨، ١٠٩، جذوة المقتبس : ٦٨، بغية الملتمس: ١٠٢، العبر ٣ / ٥٧، دول الإسلام ١ / ٢٣٧، المغني في الضعفاء ٢ / ٦٠٩، ميزان الاعتدال ٣ / ٦٣٣ وتحرف فيه ((ضيفون)) إلى ((صفوان))، نفح الطيب ٢ / ٢٣٧، شذرات الذهب ٣ / ١٤٤، ١٤٥، وتصحف فيه إلى ((صيفون)) بالمهملة . (٢) في ((نفح الطيب)) زيادة نسبة ((الرصافي)) وهي النسبة الموجودة في ((الجذوة)) و («البغية)). (٣) في ((تاريخ علماء الأندلس)) ٢ / ١٠٩. ٥٦ ٢٤ - ابن بَرْطَال * القاضي أبو عبد الله ، محمدُ بن يحيى بن زكريا بن يحيى ، التميمي القُرطُبيُّ المالكي ، ابنُ بَرْطَال . ولد سنة تسع وتسعين ومئتين . وسمع من : أحمد بن خالد الجبّاب الحافظ ، ومحمدٍ بن عيسى ، وقاسِمِ بنِ أَصْبَغ ، وإبراهيم بن فِراس المكي ، وإسماعيل بن الجِرَاب(١)، وعثمانَ بن محمد بن أحمد السَّمَرْقَنْدي ، ومحمدٍ بن محمد بن الخَيّاش ، وعدة . وولي الخطابةَ وقضاءَ الجماعة إلى أن علت سنّه ، وتفلّت ذِهْنُه ، فصرفه أبو عامرٍ الحاجبُ عن القضاء إلى الوزارة(٢). روى عنه : الفَرَضِي ، وَسِراج بنُ عبد الله ، وعُمر دهراً. وكان حجّه في سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة ، وتفرّد بأشياء عالية . توفي سنة أربع وتسعين وثلاث مئة ، عن خمس وتسعين سنة . ٢٥ - ابن عَبْدُوس * * الإِمامُ أبو بكر محمدُ بنُ أحمد بن عَبْدُوس بن أحمد ، النيسابُوريُّ النحويُّ الفقيه . * تاريخ علماء الأندلس ٢ / ١٠٥ - ١٠٧، تاريخ الإسلام ٤ / ٩٦ / ٢، تاريخ قضاة الأندلس : ٨٤ . (١) هو إسماعيل بن يعقوب بن إبراهيم بن الجراب ، الجرابي ، سمع الكديمي ، ومات سنة ٣٤٥، وقد تصحف لفظ ((الجراب)) في تاريخ علماء الأندلس إلى ((الحراب)) بالحاء المهملة. انظر (تبصير المنتبه)) ٢ / ٤٩٣. (٢) انظر ((تاريخ علماء الأندلس)) ٢ / ١٠٦. * * إنباه الرواة ٣ / ٥٦، تاريخ الإسلام ٤ / ١٠٢ / ٢، ١٠٣ / ١. ٥٧ سمع مكيَّ بن عَبْدان، وأبا عمروِ الحِيْري ، وأبا حامد بنَ الشَّرقي ، وعمَّه إبراهيمَ بن عَبْدُوس . وعنه : أبو عبد الله الحاكمُ، وقال : عقدتُ له مجلسَ الإِملاء سنة ثمانٍ وثمانين ، وروى عنه أبو القاسم القُشَيري ، وأبو يعلى بن الصابوني ، وآخرون . تُوُفِّيَ في شعبان سنةً ست وتسعين وثلاث مئة . ومن طبقته : الحافظ الرحّال : ٢٦ - أبو بكر أحمد بن محمد بن عبدوس * النَّسَوِيُّ ، محدثُ مرو . حدث عن : عليّ بن أبي العَقَب ، وبُكير بن الحسن الحدّاد ، وطائفة . ٠٦ حدث عنه : الفقيهُ أبو محمد عبدُ الله بنُ يوسف الجُويني ، والحسنُ ابن القاسم المَرْوَزيُّ ، ومحمدُ بن الحسن الفقيه المَرْوَزِيُّ . كان بعد الأربع مئة . ومن طبقته : ٢٧ - أبو الحسن أحمد بن محمد بن عَبْدوس * * الحاتمِيُّ النيسابوريُّ ، الفقيه الشافعي . * تاريخ الإسلام ٤ / ١/١٠٣ . * * تاريخ الإسلام ٤ / ١٠٣ / ١، ومكان ترجمته من ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي = ٥٨ سمع أبا العبّاس الأصمَّ ، وجماعة . ومات في حياةٍ والده سنة خمسٍ وثمانين وثلاث مئة . ومن طبقة شيوخه : ٢٨ - أبو الحسن أحمد بن محمد بن عَبْدوس * العَتَزِيُّ الطرائفي ، صاحبُ عثمانَ بن سعيد الدارميِّ ، المُتوفى سنة ست وأربعين وثلاث مئة . ٢٩ - ابن الحجّاج * * شاعر العصر، وسَفِيهُ الأدباء ، وأميرُ الفُحش ، وديوانُهُ مشهورٌ في خمس مجلّدات(١)، وهو أبو عبد الله ، الحسينُ بن أحمد بن الحجّاج البغداديُّ، المُحتسِبُ ، الكاتبُ . وقد هجا المُتَنّي(٢)، ومدح الملوكَ، مثلَ عَضُدِ الدولة وبنيه = ٣ / ٤٦ بياض، قال محققه: لعله أحمد بن محمد بن عبدوس أبو الحسن العنزي الطرائفي ، وقوله هذا خطأ ، فالذي ذكره آخر ، وهو الذي سترد ترجمته عقب هذه الترجمة مباشرة . ثم أورد محقق ((الطبقات)) ترجمة ابن عبدوس الحاتمي من ((الطبقات الوسطى)) للسبكي . * العبر ٢ / ٢٧٠، ٢٧١، شذرات الذهب ٢ / ٣٧٢. ٠ ٠ الإمتاع والمؤانسة ١ / ١٣٧ - ١٣٩، يتيمة الدهر ٣ / ٣٠ - ٩٩ وهو فيه (((الحسن))، تاريخ بغداد ٨ / ١٤، المنتظم ٧ / ٢١٦ - ٢١٨، معجم الأدباء ٩ / ٢٠٦، الكامل في التاريخ ٩ / ١٦٨، وفيات الأعيان ٢ / ١٦٨ - ١٧٢، تاريخ الإسلام ٤ / ٢/٨٥، ٨٦ / ١، العبر ٣ / ٥٠، الوافي بالوفيات ١٢ / ٣٣١، مرآة الجنان ٢ / ٤٤٤، البداية والنهاية ١١ / ٣٢٩، ٣٣٠، النجوم الزاهرة ٤ / ٢٠٤، ٢٠٥، معاهد التنصيص ٣ / ١٨٨ - ٢٠١ وهو فيه الحسن بن أحمد البغدادي ، شذرات الذهب ٣ / ١٣٦، ١٣٧، مطالع البدور ١ / ٣٩، روضات الجنات: ٢٣٨، أعيان الشيعة ٨١/٢٥ - ١٦٠، دائرة المعارف الإسلامية ١٣٠/١. (١) انظر ((تاريخ الأدب العربي)) لبروكلمان ((النسخة العربية)) ٢ / ٦٠، ٦١. (٢) انظر بعض هجائه له في ((الوافي)) ١٢ / ٣٣٤. ٥٩ والوزراء(١) . وله باعَ أطول في الغزل . وأما الزَّطاطةُ والتفحُّش، فهو حامِلُ لوائها ، والقائِمُ بأعبائها (٢). وخدم بالكتابة في جهات ، وأخذَ الجوائزَ ، وولي حِسْبَةَ بغداد مدة(٣) وعُزل ، وله معانٍ مُبتكرةً ما سُبق إليها(٤). ٫٠ وكان شيعياً رقيعاً، ماجناً، مَزَّاحاً، هجّاءً، أمةً وحدَهُ في نظم القبائح ، وخفّة الرُّوحِ ، وله معرفةٌ بفُنوٍ من التاريخ والأخبار واللغات . ورأيتُ له أنَّه قال: كُلُّ ما قُلتُّهُ من المُجُون فاللهُ يشهد أنني ما قصدتُ به إلا بَسْطَ النفس، وأنا أستغفرُ اللّهَ من هذه العَثْرة. وقيل : إنه بعثَ ديوانه بخط منسوبٍ إلى صاحب مصر ، فأجازه بألف دینار . (١) انظر ((معجم الأدباء)) ٩ / ٢١٠ وما بعدها . (٢) فمن شعره : ـهِ فَضِيحةٌ بَيْنَ المَلَا شِعري الذي أصبَحْتُ فيـ إذا دَخَلَ الخَلاَ إلا لا يستجيبُ لِخَاطِرِي ومنه : وتحت الفِضَّة انحرف اللِّحامُ أيا مولاي هزلي تحت جدي وشِعري سخفه لا بُدَّ منه فقد طِبنا وزال الاحتشامُ يكون لعاقل فيها مقام وهل دارٌ تكون بلا كنيف وحضر في دعوة ، وأُخِّر الطعام ، ونظر إلى صاحب الدار يذهب ويجيء في داره ، فقال : بغير معنىّ وبِلا فائده يا ذاهباً في داره جائياً فاقرأ عليهم سُورةً المائده قد جُنّ أضيافُك مِن جوعهم (٣) وليها لعزِّ الدولة بختيار بن بويه. انظر ((النجوم الزاهرة)» ٤ / ٢٠٤. (٤) انظر فنون شعره في ((يتيمة الدهر» ٣ / ٣١ -٩٩، و((الوافي بالوفيات)) ١٢ /٣٣٤ - ٣٣٧ . ٦٠