النص المفهرس

صفحات 161-180

فقال : قد كنتُ أسمع ، قال : فلم أَعُد إليه .
قلتُ : كذا شيوخُ الحديثِ اليوم ، إنْ لم ينْعُسوا تحدَّثُوا ، وإنْ
عُوتبوا ، قالوا : قد كنا نسمع ، وهذه مُكابرة .
توفي ابنُ حُيُّويه في رجب سنةَ ستُّ وستِينَ وثلاث مئة .
١١٦ - السَّرّاج *
الإِمامُ المحدِّثُ القدوة ، شيخُ الإِسلام، أبو الحسن ، محمدُ بنُ
الحسنِ بنِ أحمدَ بنِ إسماعيلَ النَّيْسابوريُّ المُقرىء .
ارتحلّ ، وسمعَ من أبي شُعيب الحَرَّاني ، والحسنِ بنِ المثنّى
العنبري، وموسى بنِ هارون ، ومحمدٍ بن عبد الله مُطَيِّن ، ويوسفَ
القاضي ، وهذه الطَّقة .
حدَّث عنه: الحاكم ، وأبو سعد المالِيني ، وأبو الحسين ابنُ
العالي ، وأبو بكر محمدُ بنُ إبراهيم الفارسيّ المَشّاط ، ومحمدُ بنُ
القاسِم الماوَرْدِيُّ القُلُوسي ، وأبو بكر محمدُ بنُ عبدِ العزيز الجُوري ،
وخلقٌ سواهم .
قال الحاكم : قلَّ ما رأيتُ أكثرَ اجتهاداً وعبادةً منه ، وكان يُعلِّمُ
القُرآن، وما أُشبِّه حالَه إلَّ بحالٍ أبي يونس(١) القوي الزَّاهد، صلَّى حتَّى
-
* المنتظم: ٨٦/٧، العبر: ٣٤٢/٢، البداية والنهاية: ٢٨٨/١١، النجوم الزاهرة:
١٢٨/٤، شذرات الذهب : ٥٧/٣.
(١) في الأصل ((يونس)) بإسقاط أبي، وهو خطأ، ففي ((الأنساب)) ٢٦٦/١٠. القوي:
لقب أبي یونس الحسن بن یزید الضمري ، روی عن سعيد بن جبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، روی
عنه الثوري وسعيد القداح وغيرهما . وإنما لقب بالقوي لقوته على العبادة لأنه قدم مكة فصام حتى =
سير ١١/١٦
١٦١

أُقعد ، وبَکَی حتّى عَمِي .
حدَّث أبو الحسن رحمه اللّهُ من أصول صحيحة ، سمعتُه يقولُ :
رأيتُ النَّيَّ :﴿ في المنام ، فتبعتُهُ حتَّى دخَلَ ، فوقَفَ على قبر يَحْتَى بنِ
يَحْتَّى، وتقدَّم وصفَّ خلفه جماعة من الصَّحابة ، وصلَّى عليه، ثمَّ
التفتَ فقال: هذا القبرُ أمانٌ لأهلِ هذه المَدينةِ(١).
قال الحاكم : توفيَ يوم عاشوراء سنةً ستِّ وستِينَ وثلاث مئة .
قلتُ : هو من أبناء النِّسعين .
وفيها مات ابنُ حيّويهِ النَّيْسابوري بمصر ، والمحدِّثُ أبو الفضل
الشَّرْمَقاني ، وصاحبُ دمشق الحسنُ بنُ أحمد الجنَّابِيُّ القِرِمطيّ، وركنُ
الدَّولةِ الحسنُ بنُ بُوَيِه ملك العجم ، والمستنصرُ باللّهِ حكم صاحبُ
الأندلس، وأبو محمد عبدُ اللّهِ بنُ محمد بنٍ عليّ بن زياد المعدَّل بنيسابور.
١١٧ - ابنُ مَطَر *
الشيخُ الإِمامُ القدوةُ العاملُ المحدِّث ، أبو عَمْرو، محمد بنُ جعفر
ابنِ محمد بن مَطَر النيسابوريُّ المزكي ، شيخ العَدالة .
سمع أبا عَمْرو أحمدَ المُسْتَمْلي ، وإبراهيمَ بنَ علي الذُّهلي ،
ومحمدَ بنَ أَيّوب البَجَلي ، وأبا خليفةَ الجُمَحي، ومحمدَ بنَ جعفر الكوفيَّ
= خوي، وبكى حتى عمي، وطاف، وانظر ((مشتبه النسبة ))٥١٢ للمؤلف، و((طبقات الصوفية))
للسلمي .
(١) رؤيا لا يعول عليها، والأمان لا يكون إلاّ من الله عزّ وجل .
* المنتظم: ٥٦/٧، العبر: ٣١٦/٢ -٣١٧، البداية والنهاية: ٢٧١/١١، النجوم
الزاهرة: ٦٢/٤، شذرات الذهب: ٣١/٣، الرسالة المستطرفة : ١٧.
١٦٢

القّات ، ومحمدَ بنَ يَحْبَى المَرْوزي ، وطبقتهم ، وكان ذا حفظٍ
وإتقان . .
حدَّثَ عنه : أبو علي الحافظ ، وأبو الحسين الحجّاجي ، وأبو عبد
اللّهِ الحاكم ، وأبو بكر محمدُ بنُ إبراهيم الفارسي ، وأبو نصر بن قتادة ،
وآخرون . وحدَّث عنه من القُدماء أبو العبّاس بنُ عقدة .
قال الحاكم : وأعجب من ذلك، حدَّثنا محمدُ بنُ صالح بن
هانىء ، حدثنا أبو الحسن الشَّافعي ، حدثنا أبو عَمْرو بنُ مَطر - وقد ماتا
قبله بدهر-، قال : وهو الذي انتقى الفوائدَ على أبي العبّاس الأَصَمّ ،
فَأَحْيا اللّهُ علمَ الأصمِّ بتلك الفوائد، فإنَّ الأصمَّ أفسدَ أصوله ، واعتمد
على كتاب ابن مطر ... إلى أن قال الحاكم : وقلَّ ما رأيتُ أصبرَ على
الفقر من أبي عَمْرو، وكان يتجمل بدست ثياب للجُمعات وحضور
المجلس ، ويلبس في بيتِهِ فروةً ضعيفة ، ويأكل رغيفاً وبصلةً أو جزرة ،
وبلغني أنَّه كان يُحْبِي اللَّيل، ويأمر بالمعروف ، ويَنْهى عن المنكر ،
ويضرب الَّلِنَ لقبور الفقراء، لم أرَ في مشايخنا له في الاجتهاد نظيراً ،
رحمه الله . توفي في جمادى الآخرة سنةً ستِّينَ وثلاث مئة عن خمسٍ
وتسعين سنة .
١١٨ - المُزَكِّي *
الإِمامُ المحدِّثُ القدوة ، أبو إسحاق ، إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ يَحيى بن
* تاريخ بغداد: ٦ /١٦٨ - ١٦٩، المنتظم: ٦١/٧ - ٦٢، العبر: ٣٢٧/٢، الوافي
بالوفيات: ١٢٣/٦، البداية والنهاية: ٢٧٤/١١ - ٢٧٥، النجوم الزاهرة: ٦٩/٤، شذرات
الذهب: ٤٠/٣ - ٤١، الرسالة المستطرفة : ٩٦ .
١٦٣

سختويه النَّيْسَابوري المُزكِّي ، شيخ بلده ومحدِّثُه .
سمعَ أحمدَ بنَ محمد الماسَرْجِسي ، وأبا العبّاس الثَّقفي ، وإمام
الأئمّة ابنَ خُزيمة ، وموسى بنَ العباس الجُوَيني ، وأبا حامد الأَعمَشي ،
وزنجوية الَّلْبَاد، وأبا نُعَيم بنَ عديّ، ومحمدَ بنَ المسيَّب الأرغياني، وأبا
العبّاس الدَّغُولي، وأباحامد محمدَ بنَ هارون الحَضْرَمي ، وعبد الرحمن بن
أبي حاتم وخلقاً سواهم .
قال الحاكم : أملى عدَّةَ سنين ، وكنَّا نعدُّ في مجلسه أربعةً عشَر
محدِّثً، منهم أبو العبّاس الأصمّ ، ومحمد بن يعقوب بن الأخرم .
قلت : روى عنه : الحاكم ، وابنُ رزقويه ، وأبو الفتح بنُ أبي
الفوارس ، وأبو بكر البَرْقاني ، وأبو علي بن شاذان ، وابنُهُ محمدُ بنُ إبراهيمَ
المزِّي، وأبو نُعَيم الأَصْبَهاني، وأبو طالب بن غَيْلان ، وآخرون .
قال الخطيب : كان ثقةً ، ثبتاً ، مكثراً، مواصلا للحج ، انتخب عليه
الدَّراقُطني، وكتب الناسُ عنه علماً كثيراً مثل ((تاريخ السرّاج))، (( تاريخ
البخاري))، وعدة كتب لمسلم ، وكان عند البَرْقانيِّ عنه سَفَطُ أجزاء ، وكُتُب ،
لكن ما روى عنه في صحيحه ، قال : في نفسي منه لكثرة ما يُغْرِب ، ثمَّ إِنَّه
قوّاه ، وقال : عندي عنه أحاديث عالية ، كنتُ أخرجتُها نازلاً إلَّ أَنِّي لا أقدرُ
على إخراجها لكبر السِّن(١).
قال الخطيب : حدثنا الحسينُ بنُ شيطا ، سمعتُ المزِّي يقول :
أنفقتُ على الحديث بِدَراً من الدَّنانير، وقدمتُ بغداد ومعي تجارة(٢).
(١) ((تاريخ بغداد)): ١٦٨/٦.
(٢) ((تاريخ بغلماد)): ١٦٩/٦.
١٦٤

مات في شعبان سنةَ اثنتينٍ وستينَ وثلاث مئة ، وله سبعٌ وستونَ سنة .
وله من الأولاد عليٍّ وأحمدُ ويَحْيِى وعبدُ الرحمن ومحمد ، عاشوا ورَوَوا
الحديث .
١١٩ - ابنُ بَرْزَة *
المعمَّر، المسند ، أبو جعفر، محمدُ بنُ عبدِ اللّهِ بنِ بَرْزَة
الرُّوذَرَاوَرِيُّ(١) الداوودي .
حدَّثَ بِهَمَذَان عن إِسماعيلَ القاضي ، ومحمد بن غالب تَمْتَام ،
وُبيد بن شريك ، وإبراهيمَ بنِ ديزِيل وغيرهم .
قال صالح بنُ أحمد الحافظ : لم يثبت في ابنٍ ديزيل ، وهو شيخ
حضرتُه ، ولم أَحْمَدْ أَمره .
قلت : حدَّث عنه : أبو بكر بنُ لال ، وأبو طاهر بنُ سلمة ، وابنُ
فَنجويه، وعليُّ بن جَهْضَم الصُّوفي ، وأحمد بنُ الحسن الإِمام ، وعبدُ
الرحمن بن شُبَانَة ، وآخرون .
حدث في سنة سبعٍ وخمسينَ وثلاث مئة .
١٢٠ - ابنُ حَارث **
الحافظُ الإِمام ، أبو عبد الله، محمدُ بنُ حارث بن أسد الخُشَيُّ
S
* العبر: ٣٢٣/٢، مشتبه النسبة: ٦١/١، غاية النهاية: ١٧٦/٢، تبصير المنتبه :
١٣٧/١، شذرات الذهب: ٣٨/٣.
(١) الروذراوري: نسبة إلى ((روذراور)): بلدة بنواحي همذان. انظر ((اللباب)): ٤١/٢،
( ومعجم ياقوت)): ٧٨/٣ .
** تاريخ علماء الأندلس: ١١٢/٢ - ١١٣، الإكمال لابن ماكولا: ٢٦١/٣، جذوة =
١٦٥

القيرواني ، صاحب التواليف .
روى عن أحمدَ بنِ نصر ، وأحمدَ بنِ زياد ، وقاسم بن أصبغ ، وأحمد
ابنِ عُبادة. واستوطن قُرْطبة، وتمكَّن من صاحبها المستنصر المَرْواني .
له كتاب ((الاتفاق والاختلاف)) في مذهب مالك، وكتاب ((الفتيا ))،
و((تاريخ الأندلس))، و((تاريخ الإفريقيين))، وكتاب ((النسب))، حتى
قيل: إنَّه صنَّف للمُسْتنصر مئةً ديوان .
وكان من أعيان الشعراء ، وكان يتعاطى الكيمياء ، واحتاج بعد موت
مخدومه إلى القعود في حانوت يَبيع الأدهان .
روی عنه أبو بكر بن حوبیل .
توفي سنةً إحدى وستِّين وثلاث مئة . وقيل : توفي سنةً إحدى وسبعين
وثلاث مئة .
١٢١ - المَرْ وَرُّوذِي *
العلَّمة، شيخُ الشَّافعيَّة، أبو حامد، أحمدُ بنُ بشر بن عامر
المَرْوَرُوذي ، مُفتي البَصْرة ، وصاحب النَّصانيف .
= المقتبس: ٥٣، ترتيب المدارك: ٥٣١/٤، الأنساب: ١٣٠/٥، بغية الملتمس: ٧١،
معجم الأدباء: ١١١/٨، العبر: ٣٢٤/٢ - ٣٢٥، تذكرة الحفاظ: ١٠٠١/٣ - ١٠٠٢،
الوافي بالوفيات: ٣١٥/٢، مرآة الجنان: ٣٧٥/٢، الديباج المذهب: ٢١٢/٢ - ٢١٣،
النجوم الزاهرة: ٦٤/٤، طبقات الحفاظ: ٣٩٧، شذرات الذهب: ٣٩/٣.
* الفهرست : ٣٠١، طبقات العبادي: ٧٦، طبقات الفقهاء للشيرازي: ١١٤،
معجم البلدان: ١١٢/٥، وفيات الأعيان: ٦٩/١ - ٧٠، العبر: ٣٢٦/٢، الوافي
بالوفيات: ٢٦٥/٦، مرآة الجنان: ٣٧٥/٢، طبقات السبكي: ١٢/٣ - ١٣، البداية
والنهاية: ٢٠٩/١١، طبقات ابن هداية الله: ٨٦ - ٨٧، شذرات الذهب: ٤٠/٣، هدية
العارفين: ٦٦/١، طبقات الأصوليين: ١٩٩/١ - ٢٠٠.
١٦٦

تفقَّه بأبي إسحاق المَرْوزي، وصنَّف ((الجامع )) في المذهب ، وألّف
شرحاً لمختصر المُزَنِي ، وأَلَّف في الأصول ، وكان إماماً لا يُشقُّ غبارُه .
وعنه أخذ فُقهاء البصرة .
توفي في سنة اثنتينٍ وستِِّنَ وثلاث مئة .
ابنُ عُمَارة *
المحدِّثُ الجليل ، أبو الحارث ، أحمدُ بنُ محمد بن عُمارة ، بنِ
أحمدَ اللَّيْئِيُّ الكِنانِيُّ مولاهم الدِّمشقي .
حدَّث عن أحمدَ بن محمد بن يَحْنَى بن حمزة ، وأظنُّه آخرَ مَنْ روی
عنه ، وأحمد بن إبراهيم البُسري ، وزکریًا خيَّاط السُّنَّة ، ومحمد بن یزید بن
عبد الصَّمد ، وإبراهيم بن دُحيم ، وعدَّة .
وعنه : تمَّام الرَّزي ، وأبو الحُسين بن جُميع ، وعبدُ الرحمن بن أبي
نصر ، وأحمدُ بنُ محمد بن الحاج ، وعبدُ الوهَّاب المَيْداني ، وآخرون .
توفي في ربيع الآخر سنةً اثنتينٍ وستِّينَ وثلاث مئة ، وقد قارب
النِّسعين .
١٢٢ - السَّقَطي **
المحدِّث أبو عَمْرو، عبد الملكِ بنُ الحسن بن يوسف السَّقَطيُّ المعدّل
ببغداد .
انتخب عليه الدَّارقُطني.
* تقدمت ترجمته في هذا الجزء برقم ( ٥٢ ) .
** تاريخ بغداد: ٤٣٠/١٠ - ٤٣١، الأنساب: ٩٢/٧، المنتظم: ٦٣/٧.
١٦٧

سمع الكَجِّي ، وأحمدَ بنَ يَحْتَى الحلواني ، ويوسفَ القاضي .
وعنه : محمدُ بنُ أسد شيخ الكتابة ، وأبو عليٍّ بنُ شاذان ، وأبو
نُعيم .
مات سنةً اثنتينٍ وستِّينَ وثلاث مئة .
١٢٣ - ابن عَلَّكَ *
الحافظُ المجوّد، محدِّث مَرْو، أبو عبد الرحمن عبدُ اللّهِ ابن الحافظ
عمر بن أحمد بن علَّك الجَوْهري المَرْوزي .
سمعَ أباه ، ومحمدَ بنَ أيّوب بن الضُّريس ، والفَضْل بن محمد
الشّعراني ، وعبدَ اللّهِ بنَ أحمد بن حنبل، وأبا عبد الله البُوشَنْجي، وعبدَ
اللّهِ بنَ ناجيّة ، وطبقتهم . ورحلَ به أبوه .
حدَّث عنه: أبو بكر أحمدُ بنُ عبد الرحمن الشِّيرازي في
((الألقاب))، وأبو بكر البَرْقاني، وأبو عبد الله الحاكم ، وجماعة .
قال الخليلي : مات بعد سنة ستينَ وثلاث مئة . ثم قال : هو حافظٌ
متفقٌ عليه .
أخبرنا إسماعيلُ بنُ عبد الرحمن ، أخبرنا أبو محمد بنُ قُدامة، أخبرنا
أبو الفتح بنُ البَطِّي، أخبرنا أبو الفضل بن خَيْرون (ح ) وأخبرنا ابنُ الفَرّاء ،
أخبرنا محمدُ بنُ خَلف الفقيه ، وأخبرنا التاج عبدُ الخالق ،أخبرنا البهاءُ عبدُ
الرحمن ، قالا : أخبرتْنا فخْرُ النِّساء شهدة، وأخبرنا محمدُ بنُ عبد السَّلام،
* تذكرة الحفاظ: ٩٢٩/٣، العبر: ٣٢٢/٢، طبقات الحفاظ: ٣٧٦، شذرات
الذهب : ٣٧/٣ .
١٦٨

١
قالا : أخبرنا الإِمام أبو بكر البَرْقاني ، قرأتُ على عبدِ اللهِ بنِ عمر بن
علَّك، حدَّثكم عبدُ اللّهِ بنُ أحمد ، حدثنا عبّاد بن موسى، حدثنا إبراهيمُ
ابنُ سَعْد، أخبرني أبي ، عن الأعرج، عن أبي هريرة ، عن النّبِي وَّرِ، أنَّه
كَانَ يَقْرَأْ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الّم تنزيل﴾ و﴿ هل أتى على الإِنسان ﴾
أخرجه مسلم(١) .
١٢٤ - ابنُ رُمَّيْح *
الإِمامُ الحافظُ الجوّال ، أبو سعيد، أحمدُ بنُ محمد بنٍ رُمَّيْح بن
عصمة النَّخَعِيُّ النَّسَويُّ ثمَّ المَرْوَزيّ ، صاحب التصانيف .
سمع أبا خليفةَ الجُمحي ، وعمرَ بنَ أبي غَيْلان ، وابنَ زَيْدان
البَجَلي، وعبدَ اللّهِ بنَ محمود المَرْوزي، وأبا العبَّاس السَّراج، وعبدَ اللّهِ
ابن شِيرويه ، ومحمدَ بنَ الفَضْلِ السَّمَرْقَنْديَّ الواعظ، وعُمَر بنَ بُجَيْر ،
ومحمدَ بنَ الحسن بن قُتَيْبة ، وطبقَتَهُم .
قال الحاكم: قدمَ نَّيْسابور، فعقدتُ له مجلسَ الإِملاء، وقرأتُ عليه
((صحيح البخاري))، وقد أقام بصَعْدة من اليمن زماناً، ثمَّ قدمَ ،
وأكرموه ، وأكثروا عنه ببغداد . وما المثلُ فيه إلَّ كما قال يَحْتَى بنُ مَعين :
(١) برقم (٨٨٠) في الجمعة: باب ما يقرأ يوم الجمعة، وهو في سنن النسائي ١٥٩/٢
في الافتتاح : باب القراءة في الصبح يوم الجمعة .
وفي الباب عن ابن عباس عند مسلم ( ٨٧٩ )، والترمذي ( ٥٢٠ )، وأبي داود (١٠٧٤ )
وأحمد ٢٢٦/١ و٣٣٤ و٣٤٠.
* تاريخ بغداد: ٦/٥ -٨، تذكرة الحفاظ: ٩٣٠/٣ - ٩٣١، العبر: ٣٠٧/٢،
ميزان الاعتدال: ١٣٥/١، الوافي بالوفيات: ٤٠٠/٧، لسان الميزان: ٢٦١/١، النجوم
الزاهرة: ٢٠/٤، طبقات الحفاظ : ٣٧٧، شذرات الذهب: ٢٢/٣، هدية العارفين :
٦٥/١ .
١٦٩

لو ارتدَّ عبدُ الرزَّاقِ ما تَرَكْنا حديثَه، وقد سألتُه المقامَ بنَيْسَابور، فقال: على
من أقيم ؟ فواللّهِ لو قدرتُ لم أُفارق سُدَّتك، ما الناس اليومَ بخُراسانَ إلّ كما
قيل :
وأنَّ ذوي الألبابِ في النَّاسِ ضُيَّعُ
كَفَى حَزَناً أنَّ المُروءَةَ عُطَّلَت
مِنَ النَّاس إلَّ مَنْ يُغَنِّي ويُصفَعُ
وأنَّ ملوكاً لَيْسَ يَحْظَى لَدَيْهِمُ
قلت : روى عنه الدَّارَقطنيّ، والحاكم ، وابنُ رزقويه ، وأبو علي بنُ
دُوما، وأبو القاسم السَّراج، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي. وقد طَلَبَهُ أميرُ صَعْدة
من بغداد ، فأَدركه الموتُ بالجُحْفَةِ (١).
وثَّقَهُ الحاكم وأبو الفتح بن أبي الفوارس ، وضَعَّفَهُ أبو زرعة الكِّي ،
وأبو نعيم .
قال الخطيب : الأمرُ عندنا بخلافٍ ذلك ، وهو ثقةً ثَبت ، لم
يختلفْ شيوخُنا الذين لَقوه في ذلك(٢).
توفي سنةً سبعٍ وخمسين وثلاث مئة .
أخبرنا محمدُ بنُ عبد الرَّحيم ، وبلالُ الوالي ، قالا : أخبرنا ابنُ رواج ،
وأخبرنا أبو نصر بن مميل ، وسُنْقر الزَّيْني، قالا: أخبرنا عليُّ بنُ محمود ،
قالا : أخبرنا أبو طاهر السِّلَفي، أخبرنا القاسمُ بنُ الفضل، حدثنا أبو عبد
الرحمن السُّلَمي إملاءً ، حدثنا أحمدُ بنُ محمد بن رُمَيْح ، حدثنا عمرُ بنُ
(١) الجُحفة: بالضم ثم السكون والفاء : قرية كبيرة كانت على طريق المدينة من مكة ،
وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمرُّوا على المدينة ، وكان اسمها مهيعة ، وإنما سميت
الجحفة لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام. ((معجم البلدان)): ١١١/٢.
(٢) (تاريخ بغداد)»: ٨/٥.
١٧٠

سعید بن حاتم ، حدثنا إسماعيلُ بنُ مخْلَد ، حدثنا عُبید بن یعیش ، حدثني
منصورُ بنُ وَرْدان ، عن أبي حمزة الثُّمالي ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس
قال: خَطَبَنا رسولُ اللّهِ وَ﴿ه في مسجد الخَيْف، فقال: ((نَضَّرَ اللّهُ امْرَءاً
سَمِعَ مِنَّا حديثاً، وذكر الحديث(١) ...
١٢٥ - ابنُ النّجْم
الإِمامُ الحافظُ المجوِّد، أبو عبد الله، أحمدُ بنُ طاهر بنِ النَّجم
الميانَجي . رحَّالٌ جوَّال .
سمِعَ أبا مسلم الكجِّي ، وعبدَ اللّهِ بنَ أحمد بن حنبل ، وَيَحْيِى بِنَ
محمد الحنّائِي ، وأحمدَ بنَ هارون البرديجي، وطبقتهم، وتَمَهَّر بسعيدِ بنِ
عَمْرو البردعي صاحب أبي زُرْعَة .
روى عنه : عبدُ اللّهِ بنُ أبي زُرْعَة القَزْوِيني، ويعقوبُ بنُ يوسف
الأَرْدُبيلي، وأحمدُ بنُ الحسين التّراسي ، وأحمدُ بنُ فارس اللغوي
وآخرون .
وكان ابنُ فارس يقول : ما رأى ابنُ النَّجم مثلَ نفسِه ، ولا رأيتُ مثلَه
(١) إسناده ضعيف لضعف أبي حمزة الثمالي واسمه ثابت بن أبي صفية ، لكن للحديث
شواهد صحيحة يتقوى بها ، فقد رواه من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح : الشافعي ١٤/١،
والترمذي ( ٢٦٥٩)، وابن ماجة (٢٣٢)، والرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)»: ١٦٥.
ورواه أحمد ١٨٣/٥، والترمذي (٢٦٥٨)، والدارمي ٧٥/١، وابن ماجة ( ٢٣٠ )،
والرامهرمزي : ١٦٤، من حديث زيد بن ثابت، وصححه الحافظ ابن حجر وغيره، ورواه أحمد
٤ / ٨٠و٨٢، وابن ماجة (٢٣١)، والدارمي ٧٤/١، ٧٥، من حديث جبير بن مطعم ، ورواه
الدارمي ٧٥/١، ٧٦، من حديث أبي الدرداء، ورواه أحمد ٢٢٥/٣، من حديث أنس.
* تذكرة الحفاظ: ٩٣١/٣ - ٩٣٢، العبر: ٣٢٠/٢، طبقات الحفاظ : ٣٧٧،
شذرات الذهب : ٣٦/٣ .
١٧١

حكى ذلك سعدُ بنُ عليٍّ الحافظ .
وقال الخَلِيلي : توفيَ بعدَ الخمسينَ وثلاث مئة .
أخبرنا أحمدُ بنُ عبد الكريم المحتَسب، أخبرنا نصرُ بنُ جرْو ، أخبرنا
السِّلَفي، أخبرنا سعدُ بنُ عليَّ المصري، وعليُّ بنُ هبةِ الله، قالا: أخبرنا أحمدُ
ابنُ الحُسين بن علي التّراسي ، حدثنا أحمدُ بنُ طاهر الميانَجِي، أخبرنا يَحْتَى
ابنُ محمد الحنّائي ، حدَّثنا عُبَيدُ اللّهِ بنُ معاذ، حدثنا معتمرُ بنُ سُليمان،
قال: قال أبي: حدَّثنا أنسُ بنُ مالك: أَنَّ رَجُلَيْنِ عَطَسَا عِندَ النَّبِيِّ وَل
فسمَّت أو فشمَّتَ أحدَهُما، وَتَرَكَ الآخَر ، فقال رجل: يا رسولَ اللّهِ، تَرَكْتَ
الآخر؟ قال: ((لَأَنَّ هذا حَمِدَ الله، وأَنَّ هُذَا لَهْ يَحْمَدِ اللّه)) (١) أو كما قال.
١٢٦ - عُمَرُ البَصْري *
الإِمامُ المحدِّث ، مفيدُ بغداد أبو حفص ، عمرُ بنُ جعفر بنِ عبدِ اللّهِ
ابن أبي السَّريّ البَصْرِيُّ الورَّاق .
حمل الناس بانتخابه على الشُّيوخِ كثيراً .
(١) صحيح، وأخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٩٦٧٨ ) من طريق معمر ، عن
سليمان التيمي ، عن أنس بن مالك ، وأخرجه البخاري ٥٠٤/١٠ في الأدب : باب لا يشمت
العاطس إذا لم يحمد الله ، من طريق آدم بن أبي إياس ، عن شعبة ، ومسلم (٢٩٩١ ) في
الزهد : باب تشميت العاطس وكراهية التثاؤب من طريق محمد بن عبدالله بن نمير ، عن حفص
ابن غياث ، كلاهما عن سليمان التيمي .
وهو في البخاري ٤٩٥/١٠، وسنن أبي داود (٥٠٣٩)، والترمذي (٢٧٤٣) من طريق
سفيان الثوري ، عن سليمان التيمي ، عن أنس .
* تاريخ بغداد: ٢٤٤/١١ - ٢٤٩، المنتظم : ٤٤/٧ - ٤٥، تذكرة الحفاظ: ٩٣٤/٣ -
٩٣٥، العبر: ٣٠٩/٢، ميزان الاعتدال: ١٨٤/٣، البداية والنهاية: ٢٦٥/١١ - ٢٦٦،
لسان الميزان: ٢٨٧/٤ - ٢٨٩، طبقات الحفاظ: ٣٧٨، شذرات الذهب: ٢٦/٣.
١٧٢

وحدَّث عن : أبي خليفة ، والحسنِ بنِ المثنّى ، وعَبْدان ، ومحمدِ بنِ
جرير ، وطبقتهم .
وعنه : الحاكم ، وابنُ رزقويه ، وعليُّ بنُ داود الرَّزاز ، وجماعة .
وكان الدَّارقطنيُّ يتَبعُ خطاهُ في انتخابه على الشَّافعي ، وعملَ في ذلكَ
رسالةً في خمسٍ كراريس ، وبيَّن أغاليطَهُ في أشياء عديدةٍ يخالفُ فيها أصولَ
أبي بكر الشّافعي ، فتأمَّلتُها ، فرأيتُ فعلَه فعلَ تغفُّل ، لا يعي ما ينتخب ،
فيصحِّفُ، ويُسقِطُ من الإِسناد ، وبدون ذلك يضعّف المحدِّث .
وكان أبو محمد السَّبيعي يُكَذِّبُه .
وقال ابنُ أبي الفوارس : كانت كتُبُه رديئة .
وحكى الحاكم عن عمرَ، قال: ذاكرتُ ابنَ عُقدة، فأغربتُ عليه حديثاً .
١
توفي سنةً سبعٍ وخمسين وثلاث مئة ، ومولدُهُ سنةَ ثمانينَ ومثتين.
*
١٢٧ - مُنْذِرُ بنُ سَعيد البَلَّوطي
أبو الحكم الأندلسيّ ، قاضي الجماعة بقُرطبة ، يُنسَبُ إلى قبيلةٍ يقال
لها : كُزْنة ، وهو من موضع قريب من قرطبة ، يقال له: فحص البلُّوط (١).
* طبقات النحويين واللغويين: ٣١٩ - ٣٢٠، تاريخ علماء الأندلس: ١٤٤/٢ - ١٤٥،
جذوة المقتبس : ٣٤٨ - ٣٤٩، فهرسة ابن خير : ص ٥٤ ، بغية الملتمس : ٤٦٥ - ٤٦٦،
معجم الأدباء: ١٧٤/١٩ - ١٨٥، معجم البلدان: ٤٩٢/١، إنباه الرواة: ٣٢٥/٣، الكامل
لابن الأثير: ٦٧٤/٨ - ٦٧٥، اللباب: ١٧٦/١، العبر: ٣٠٢/٢ - ٣٠٣، تلخيص ابن
مكتوم: ٢٥٦، البداية والنهاية: ٢٨٨/١١ - ٢٨٩، تاريخ قضاة الأندلس : ٦٦ - ٧٥، البلغة
في تاريخ أئمة اللغة: ٢٦٤ - ٢٦٥، بغية الوعاة: ٣٠١/٢، نفح الطيب: ٣٧٢/١ - ٣٧٦
و١٦/٢ - ٢٢، شذرات الذهب: ١٧/٣، مطمح الأنفس: ٢٣٧ - ٢٥٩، هدية العارفين:
٤٧٢/٢ ٠
(١) انظر ((معجم ياقوت)): ٤٩٢/١، و((اللباب)): ١٧٦/١
١٧٣

كانَ فقيهاً محقّقاً ، وخطيباً بليغاً مُفوّهاً ، له اليومُ المشهورُ الذي ملَّ فيه
الآذان ، وبهر العقول ، وذلكَ أنَّ المستنصر بالله ، كانَ مشغوفاً بأبي عليّ
القالي، يؤهِّلُهُ لكلِّ مهم ، فلما وَرَدَ رسولُ الرُّومِ أَمَرَهُ أن يقومَ خطيباً على
العادة الجارية ، فلما شاهد أبو عليِّ الجمعَ العظيم جَبُن فلم تَحْمِلْهُ رجلاه ،
ولا ساعَدَهُ لسانُه ، وفطِن له منذر بنُ سعيد ، فوثَبَ في الحال ، وقام مقامَه ،
وارتجَلَ خطبةٌ بديعة ، فَأَبِهَتَ الخَلْق ، وأنشدَ في آخرها لنفسه :
لَكِنَّ صَاحِبَهُ أَزْرى به البَلَدُ
هذا المَقَالُ الذي ما عابَه فَنَدُ
لكِنَّنِي مِنْهُمُ فاغتالني النِّكَدُ
لَوْ كُنْتُ فِيهِمْ غَريباً كُنْتُ مُطَرِفاً
ما كُنْتُ أبقىَ بأَرضٍ ما بِها أَحَدُ
لَوْلاَ الخِلَافَةُ أَبقَى اللّهُ بَهْجَتَها
فاستَحْسَنُوا ذلك، وصلَّب الرّسول، وقال: هذا كبشُ رجال
الدَّولة(١).
ومن تصانيفه: كتاب (( الإِنباه عن الأحكام من كتاب الله)) وكتاب
(( الإِبانة عن حقائق أصول الدِّيانة)).
قال ابنُ بشكوال في بعض كتبه : مُنذرُ بنُ سعيد خطيبٌ بليغٌ
مِصْفَع(٢)، لم يكن بالأندلس أخطب منه، مع العِلْمِ البارِعِ، والمعرفَةِ
الكامِلَة ، واليقينِ في العلوم ، والدِّين ، والوَرَع، وكثرة الصِّيام ، والتَّهُجُّد ،
والصَّدْعِ بالحقّ . كان لا تأخُذُهُ في اللّهِ لومة لائم، وقد اسْتَسْقى غِيرَ مرَّةٍ ،
فسُقي .
ذكر أمير المؤمنين الحكم ، فقال : كان فقيهاً ، فصيحاً ، خطيباً ، لم
(١) الخبر بنحوه في ((معجم الأدباء)): ١٧٥/١٩، و«نفح الطيب)): ٣٧٢/١ - ٣٧٤.
(٢) الخطيب المصقع: البليغ الماهر في خطبته، وهو ((مِفعَل)) من الصقع ، ومعناه :
رفع الصوت ومتابعته، ومِفعَل: من أبنية المبالغة. ((لسان العرب)) مادة: صقع .
:
١٧٤

يُسمع بالأندلس أخطبُ منه، وكان أعلمَ الناسِ باختلاف العلماء ، شاعراً
لبيباً أديباً ، له تصانيف حسان جداً، وكانَ مَذهبهُ النظر والجدل ، يميل إلى
مذهب داود بن عليّ .
وذكرَهُ محمدُ بنُ حارث القَرَوي ، فقال : كانَ من أهلِ النفاذ
والتَّحصيل ، متدرباً للمناظرة ، متخلِّقاً بالإنصاف ، جيِّد الفهم ، طويلَ
العِلم، بليغاً موجزاً ، يَميلُ إلى طرق الفضائل ، ويُوالي أهلَهَا ، ويلهَجُ
بأخبار الصَّالحين .
حجَّ سنةً ثمانٍ وثلاث مئة، فأقامَ في رحلتِهِ أربعينَ شهراً ، وانصرف ،
فأدخل الأندلس من علم النَّظَر ومن علم اللغة كتباً كثيرة. وامتَحَنَهُ الناصرُ بغيرما
أمانة ، وأخرجه رسولاً إلى غير ما وجه ، فخلص محموداً ، وأقام بما حمل
مشكوراً ، ثمّ ولّه قضاءَ كورة ما رِدَة(١)، ثم ولَه قضاءَ الثُّغور الشرقيّة كلِّها،
ثمّ نقلَه إلى قضاء القضاة ، والصلاة بجامع الزَّهراء .
قال أبو محمد بن حَزْم : أخبرني حَكْمُ بنُ منذر بن سَعيد ، أخبرني أبي
أنَّه حجَّ راجلاً مع قومٍ رجّالة ، فانقطَّعُوا وأَعوَزَهُمُ الماء في الحجاز وتأهُوا .
قال : فَأَوَيْنا إلى غارٍ نْتَظِرُ الموتَ، فَوَضَعْت رأسي مُلْصقاً بالجَبَل ، فإذا
حجرٌ كان في قُبالتِه ، فعالَجْتُهُ ، فَتَزَعْتُه، فانْبَعَثَ الماءِ ، فَشَرِبْنا وَتَزَوَّدْنا.
وقال ابنُ عبد البَر : حُدِّثْتُ أنَّ رجلاً وجدَ القاضي منذرَ بنَ سعيد في
بعضِ الأسحار على دكان المسجد ، فعرفَه ، فجلس إليه ، وقال : یا
(١) ماردة: قال ياقوت : هي كورة واسعة من نواحي الأندلس ، من أعمال قرطبة ، وهي
إحدى القواعد التي تخيرتها الملوك للسكن من القياصرة والروم ، وهي مدينة رائقة ، كثيرة
الرخام، عالية البنيان، فيها آثار قديمة حسنة، تقصد للفرجة والتعجب. ((معجم البلدان)):
٣٨/٥ - ٣٩.
١٧٥

سيِّدِي إِنَّكَ لتغرر بخروجك ، وأنتَ أعظمُ الحكّام ، وفي الناس المحكومُ
عليه والرقيق الدِّين ، فقال: يا أخي وأنَّى لي بمثل هذه المنزلة ؟ وأنَّى لي
بالشَّهادة، ما أخرج تَعرُّضاً للتغرّر، بل أخرج متوكِّلاً على الله إذا أنا في ذِمَّتِهِ .
فاعلَمْ أَنَّ قَدَره لا محيد عنه ، ولا وَزَر دونَه .
قال الحسَنُ بنُ محمد : قحطَ الناسُ في بعض السِّنين آخر مدَّةٍ
الناصِر ، فأمَرَ القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاسْتِسْقاء بالنَّاس ، فصامَ
أَيّاماً وتأهَّب ؛ واجتمع الخلقُ في مصلَّى الرَّبَض، وصعِد النَّاصر في أعلى
قصره ليشاهد الجمع ، فأبطاً منذر، ثمَّ خرجَ راجلًا مُتخشِّعاً، وقامَ
ليخطُب ، فلمَّا رأى الحالَ بَكَى ونَشَج وافتتح خُطَبَتَهُ بأن قال : سلامٌ
عليكم ، ثمَّ سكتَ شبهَ الحَسير ، ولم يكنْ من عادته ، فنظرَ الناسُ بعضُهُم
إلى بعضٍ لا يدرونَ ما عَرَاه ، ثم اندفع، فقال: (سلامٌ عليكم، كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةِ) الآية [الأنعام : ٥٤ ] استغفروا ربّكم وتُوبوا إليه ،
وتقرَّبوا بالأعمال الصالحة لديه، فَضَجَّ الناسُ بالبكاء ، وجارُوا بالدُّعاء
والتَّضرُّع، وخطبَ فَأَبلغ، فلم يَنْفَضّ القومُ حتَّى نَزَل غيث عظيم.
واسْتَسْقى مرَّة، فقال يهتفُ بالخلق: ﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إِلَى
الله﴾ الآيتين [فاطر: ١٥ - ١٦] فهيَّجَ الخلقَ على البكاء.
قال : وسمعت مَنْ يَذكُر أنَّ رسولَ النَّاصِرِ جاءَه للاسْتِسْقاء ، فقال
للرّسول : ها أنا سائر، فليت شعري ما الذي يصنعُه الخليفةُ في يومنا هذا ؟
فقال: ما رأيته قطُّ أخشعَ منه في يومه هذا، إنه منفرد بنفسه ، لابسٌ أَخشنَ
الثِّياب ، مفترش التُّراب، قد علا نحيبُه واعترافُه بذنوبه ، يقول : ربِّ هذه
ناصِيَتي بيدك ، أتراك تعذِّب الرعيَّة وأنتَ أحكمُ الحاكمين وأعدلُهُم ، أنْ
١٧٦

يفوتك مني شيء . فتهلَّلَ منذرُ بنُ سعيد، وقال : يا غلام احمل المِمْطَرَة(١)
معك ، إذا خَشَعَ جَبَّارُ الأرضِ رَحم جَبَّارُ السَّماءِ .
قال ابنُ عفيف : من أخباره المحفوظة : أنَّ أميرَ المؤمنين عملَ في
بعض سطوح الزَّهراء قبةً بالذَّهب والفضّة ، وجلسَ فيها ، ودخل الأعيان ،
فجاء منذرُ بنُ سعيد ، فقال له الخليفة كما قال لمن قبلَه : هل رأيتَ أو سمعتَ
أنَّ أحداً من الخلفاء قَبْلي فعلَ مثلَ هذا؟ فأقبلتْ دموعُ القاضي تتحدَّر ، ثمَّ
قال : واللّهِ ما ظننتُ يا أميرَ المؤمنينَ أَنَّ الشيطانَ يبلغُ منكَ هذا المبلَغ ، أن
أَنزَلَكَ منازل الكفّار ، قال: لِمَ ؟ فقال: قال اللّهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ
يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بالرَّحِمْنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةِ ﴾
إلى قوله: ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلمُتَّقِين﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥] فنكس
الناصرُ رأسَهُ طويلاً، ثم قال: جَزَاك اللّهُ عنَّا خيراً وعن المسلمين ، الذي
قُلتَ هو الحقّ ، وأمرَ بنقضِ سَقفِ القبّة .
وخطَبَ يوماً فأعجَبتْهُ نفسُه، فقال: حتَّى متى أَعظُ ولا أنَّعِظ ، وأَزْجُر
ولا أَزْدَجِر ، أدلُّ على الطريق المُسْتَدِلِين، وأبقى مُقيماً مع الحائرين ، كلًّ
إِنَّ هذا لَهُو البلَاءِ المُبين. اللهُمَّ فَرَغِّبْنِي لِمَا خَلَقْتَني له، ولا تَشْغَلْني بما
تكفَّلْتَ لي به .
وقد استغرقَ مرَّة في خطبته بجامع الزهراء فأدخل فيها﴿ أُتْنُونَ بِكلِّرِبعِ
آيَةً تَعْبُئُون، وتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لعلَّكُمْ تَخْلُدون، وإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارین﴾
[الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠] فتخيَّر الناصرُ لخطابة الزَّهراء أحمدَ بنَ مطرّف إذا
حضر النَّاصر .
(١) الممطرة والْمِمطَرُ: ثوب من صوف يلبس في المطر يُتوقى به من المطر، وعبارة ((نفح
الطيب)): احمل المطر .
١٧٧
سير ١٢/١٦

توفيَ منذر في انسلاخ ذي الحِجَّة سنةً خمسٍ وخمسين وثلاث مئة .
وقد سمع من عبيد الله بن يحيى بن يحيى ، وأخذ عن ابن المنذر ((كتاب
الإشراف))(١) .
ومن خطبته إذ أُرتِج على أبي عليَّ القالي: أمّا بعد: فإنَّ لكلِّ حادثة
مَقاماً ، ولكلٍّ مقام مقالًاً ، وليس بعدَ الحقِّ إلاّ الضَّلال ، وإني قد قمتُ في
مَقام كريم بين يَدَيْ ملكٍ عظيم ، فَأَصغُوا إليّ [ معشر الملأ] بأَسْماعكم إنَّ من
الحقِّ أن يُقال للمُحِقِّ: صدقتَ، وللمُبطل : كذبت . وإنَّ الجليلَ تعالى في
سمائِهِ، وتقدَّس بأسمائِه ، أمرَكليمَهُ موسى أن يذكِّر قومه بِنعَم الله عندَهم ،
وأنا أُذكِّرُكُم نعمَ اللّهِ عليكم . وتلافيه لكم بولاية أميركم التي آمنتْ سِرْبكم ،
ورفعتْ خوفَكم ، وكنتم قليلاً فكثِّركم ، ومستضعَفِين فقوًّاكم ، ومستَذلِين
فنصَركم ، ولَّه اللّهُ أياماً(٢) ضربت الفتنةُ سُرادقَها على الآفاق، وأحاطت
بكم شُعَلُ النِّفاق ، حتى صِرتُم مثلَ حدقة البعير ، مع ضيق الحال والتغيير ،
فاستُبدلتم [بخلافته] من الشدة بالرّخاء ... إلى أن قال: فناشدتُّكُمُ الله، أَلَمْ
تكن الدِّماءُ مسفوكةً فَحَقَنَها؟ والسُّبُلُ مخوفةً فَآمَنَها، والأموالُ منْتَهَبَةً
فَأَحْرَزَها(٣) ، والبلادُ خراباً فَعَمِّرها، والثغورُ مهتضمةً فَحَمَاها ونَصَرَها .
فاذكروا آلاءَ اللّهِ عليكم . وذكر باقي الخطبة .
وذكر بعضُهُم أنَّ مولِدَه سنةً خمسٍ وستينَ ومئتين ، فيكون عمرُهُ
تسعينَ سنة . كاملة ، رحمه الله تعالى .
(١) قال القفطي : وكانت له رحلة إلى المشرق ، لقي فيها جماعة من علماء الفقه واللغة ،
وجلب كتاب ((الإشراف في اختلاف العلماء)) رواية عن مؤلفه محمد بن المنذر.((إنباه الرواة)):
٣٢٥/٣.
(٢) في ((معجم الأدباء)): ولاء الله إمامتكم أيام ضربت ... ، وفي ((المطمح)): ولاه
الله رعايتكم، وأسند إليه إمامتكم أيام ...
(٣) أي : جعلها في حرز حريز .
i
١٧٨

١٢٨ - حَمْزَةُ بنُ مُحَمّد*
ابن عليٍّ بنِ العبّاس، الإِمامُ الحافظُ القدوة، محدِّثُ الدِّيار
المصريَّة ، أبو القاسم الكِنَانيُّ المصريّ ، صاحب مجلس البطاقة(١) .
ولدَ سنّةً خمسٍ وسبعينَ ومئتين .
ـى
وسمع عمرانَ بنَ موسى الطّبيب ، ومحمدَ بنَ سعيد السَّراج ، وأبا عبد
الرحمن النسائي ، والحسن بن أحمد بن الصَّيقل، وسعيد بن عثمان
الحرّاني، وأبا يعقوب المنجنيقي ، وداود بن شيبة ، وعبدان
الأهوازي ، وأبا يعلى الموصلي، ومحمد بن المعافا الصَّيداوي ، وجُماهر
ابن محمد الزَّمْلَكاني ، وأبا خليفة الجمحي ، لحقه بالبصرة .
وجمع وصَنَّفَ، وكان متقناً مجوِّداً ، ذا تَأَلَّه وتعبُّد .
حدَّث عنه: الدَّارِقُطْني، وابنُ مَنْدَة ، وعبدُ الغني بنُ سعيد ، وتمّام
ابنُ محمد الرّازي ، وشعيبُ بنُ المنهال ، وعبدُ الرحمن بنُ عمر بن نصر ،
وعليُّ بِنُ حِمِّصَة الحَرَّاني، وإسماعيل بنُ عبد الرحمن بن عمر بن النحّاس،
وأحمدُ بنُ فتح القُرْطبي ابن الرسان ، ومحمدُ بنُ ابراهيم المُشْكَيالي
الطُّلَيْطِلي ، وأبو الحسن القابِسي ، وخلقٌ سواهم .
: تذكرة الحفاظ: ٩٣٢/٣ - ٩٣٤، العبر: ٣٠٨/٢، دول الإسلام: ٢٢١/١،
النجوم الزاهرة: ٢٠/٤، طبقات الحفاظ: ٣٧٧ - ٣٧٨، حسن المحاضرة: ٣٥١/١،
شذرات الذهب : ٢٣/٣ - ٢٤، هدية العارفين: ٣٣٦/١، الرسالة المستطرفة : ٩٠ ، تهذيب
ابن عساكر : ٤٥٤/٤ - ٤٥٥.
(١) مجلس البطاقة: هو الجزء الحديثي المعروف بـ ((جزء البطاقة)). رواه عن أبي
القاسم - صاحب الترجمة - أبو الحسن علي بن عمر بن محمد الحراني المصري الصواف ،
المتوفى سنة إحدى وأربعين وأربع مئة. انظر ((حسن المحاضرة)): ٣٥١/١، ٣٧٣ - ٣٧٤،
و((الرسالة المستطرفة)) ص: ٩٠.
١٧٩

قال أبو عبدِ اللّهِ الحاكم : حمزةُ المصري هو على تقدُّمِهِ في معرفةٍ
الحديثِ أحدُ مَنْ يُذكر بالزُّهدِ والورعِ والعِبادة . سمع النَّسائيَّ، وأبا خليفَةَ ،
وأقرانَهُما بالحجاز والعراقَيْن .
قال محمدُ بنُ علي الصُّوري : سمعتُ عبدَ الغني الحافظ ، يقول ،
وجرى ذكر حمزة بن محمد ، فقال : كلُّ شيءٍ له في سنة خمس : ولد سنةً
خمسٍ وسبعينَ ، وأولُ سماعِهِ في سنة خمس وتسعين ، ورحلَ إلى العِراق
سنةَ خمسٍ وثلاث مئة .
قال الصُّوري : كان حمزةُ حافظاً ثبتاً .
قال ابنُ زُولاق: حدَّثني الحافظ ، قال : رحلتُ سنةً خمس ،
فدخلتُ حلبَ وقاضيها أبو عبد الله بنُ عَبْدة ، فكتبتُ عنه ، فكان يقول لي :
لو عرفتُكَ بمصر لملأت ركائبك ذهباً ، فيقال : أعطاه مئتي دينار ترحّل بها
إلى العراق .
قال أبو عمر بنُ عبد البرّ : سمعتُ عبدَ اللّهِ بنَ محمد بن أسد ، سمعتُ
حمزةَ الكِنَانِيَّ يقول: خرَّجتُ حديثاً واحداً عن النبيِّ ◌َ﴿ من نحو مئتي طريق،
فداخلني لذلك من الفَرح غيرُ قليل، وأُعجبتُ بذلك، فرأيْتُ يَحْتَى بن مَعين
في المنام ، فقلت : يا أبا زكريّا، خرَّجتُ حديثاً من مئتي طريق، فسكتَ عنِّي
ساعة ، ثم قال : أخشى أن تدخلَ هذه تحتَ ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكاثُر ﴾ [التكاثر:
١] .
قال أبو عبدِ اللّهِ بنُ مَنْدَة : سمعتُ حمزةَ بنَ محمد الحافظ يقول :
كنتُ أكتبُ الحديثَ ، فلا أكتب ( وسلَّم ) بعدَ صلَّى اللهُ عليه. فرأيتُ
النَّبِّ ◌َ﴿ في المَنام ، فقال لي : أما تختِمُ الصلاةَ عليَّ في كتابك ؟ !
أنبأنا الخَضِرُ بنُ حمويه، عن القاسم بن عليّ، حدَّثنا أبي، أخبرنا ابنُ
١٨٠