النص المفهرس
صفحات 41-60
عبد الصَّمد الهَاشِمِيُّ صاحبُ أبي مُصعب الزُّهْرِي، والثُّقةُ محدِّث نَيْسَابور مكيّ بنُ عَبْدَان التَّميمي ، ومقرىءُ بغداد أبو مزاحم الخَاقَانِيُّ ، والمعمِّر أبو بكر أحمدُ بنُ عبدِ الله وكيلُ أبي صَخرة ، وعِدَّة . أخبرتنا زينبُ بنت كندي ببَعْلَبَك ، عن زينب بنتِ عبد الرحمن الشَّعْري ، أخبرنا عبدُ المنعم بنُ أبي القاسم القُشَيْرِيُّ ، أخبرنا أبو سعيد محمدُ بنُ علي الخَشَّاب ، أخبرنا أبو بكر محمدُ بنُ عبد الله بن زکریا الحافظ ، أخبرنا أحمدُ بنُ محمد بنِ الحسنِ الحافظ ، حدثنا عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى بن سعيد ، عن عُبَيدِ اللهِ بن عُمر، عن سُمَيّ ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله مَ﴿ه: ((الحَجُّ المبرورُ ليسَ له جزاءٌ إلَّ الجَنَّةِ(١))). أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عُمر . ٢٣ - ابنُ أبي الأزهر * المحدِّث أبو بكر ، محمدُ بن مَزْيَد بنِ محمود بن منصور ، الخُزَاعِيُّ البغداديُّ، عُرف بابن أبي الأزهر شيخٌ معمِّر تالف . حَدَّثَ عن : لُوَين(٢)، وإسحاقَ بنِ أبي إسرائيل، والحسين الاحتياطي ، وأبي كُرِيب . (١) رقم (١٣٤٩) في الحج : باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ، وأخرجه مالك ١ / ٣٤٦، ومن طريقه البخاري ٣ / ٤٧٦، ومسلم (١٣٤٩) عن سمي بهذا الإسناد . * أخبار الراضي والمتقي : ٨٨، معجم الشعراء: ٤٢٩، تاريخ بغداد: ٣ / ٢٨٨ - ٢٩١، ميزان الاعتدال: ٤ / ٣٥، الوافي بالوفيات: ٥ / ١٨ - ١٩، لسان الميزان: ٥ / ٣٧٧ - ٣٧٨، بغية الوعاة : ١٠٤ . (٢) هو محمد بن سليمان بن حبيب الأسدي ، أبو جعفر ، لقبه : لوين . ٤١ وعنه : الدَّارَقُطْني، وأبو بكر بنُ شَاذان ، والمعافى الجَريريُّ . قال الدَّارَقُطْني: ضعيفٌ، كَتَبْنَا عنه مناكيرَ(١)، وَلَه شِعْر كثير . وقال أبو الفتح عبيدُ الله(٢) بنُ أحمد النَّحْوي: كذَّبوه في السَّماع من أبي كُرِيب، وغيرِه (٣). وقال الخطيب : يَضَعُ الحديثَ على الثِّقات (٤). قلتُ: وَضَعَ في حديث ((لانبيَّ بعدي)) ولو كانَ لكنته يا علي (٦) . توفي سنة خمسٍ وعشرين وثلاث مئة . وله جُزء عن الزُّبير بن بكّار . (١) ((تاريخ بغداد)»: ٣ / ٢٨٨. (٢) في الأصل : عبد الله ، وهو تصحيف . (٣) ((تاريخ بغداد)) ٣ / ٢٨٨. (٤) المصدر السابق . (٥) في الأصل: ((لسكانه)) (٦) حديث ((لا نبي بعدي)) أخرجه البخاري (٤٤١٦) في المغازي : باب غزوة تبوك ، ومسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله## خرج إلى تبوك، واستخلف علياً ، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ((ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه ليس نبي بعدي)) وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري ٦ / ٤٠٨ ومسلم (٢٢٨٦) ولفظه: ((وأنا خاتم النبيين)) وعن جبير بن مطعم عند البخاري ٨ / ٤٩٢، ومسلم (٢٣٥٤) وأخرج البخاري (٦١٩٤) في الأدب من طريق ابن نمير عن محمد بن بشر، عن إسماعيل بن خالد، قلت لابن أبي أوفى: رأيت إبراهيم بن النبي صلها؟ قال: مات صغيراً، ولو قضي أن يكون بعد محمد نبي عاش ابنه ، ولكن لا نبي بعده . وأخرج أحمد ٤ / ١٥٤ ، والترمذي (٣٦٨٦) من طريق أبي عبد الرحمن المقرىء ، عن حيوة عن بكربن عمرو ، عن مشرح ابن هاعان، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ولد: ((لو كان بعدي نبي لكان عمر)) وهذا سند حسن ، وصححه الحاكم ٣ / ٨٥ ، ووافقه الذهبي ، وله شاهدان من حديث أبي سعيد الخدري ، ومن حديث عصمة عند الطبراني، وفيهما ضَعف، انظر(( مجمع الزوائد)) ٩ / ٦٨. ٤٢ ٢٤ - المُقْتَدِر * الخليفةُ المقتدر بالله ، أبو الفَضْل جعفرُ بنُ المعتضِد بالله أحمدَ بنِ أبي أحمد طلحَةَ بنِ المتوكل على الله الهَاشِمِي العَبَّاسي البَغْدَادِي. بُويعَ بعد أخيه المكْتَفي في سنةٍ خمسٍ وتسعينَ ومئتين ، وهو ابنُ ثلاث عشرة سنة . وما وليَ أحدٌ قبله أصغر منه (١)، وانخرم نظامُ الإِمامةِ في أيامه ، وَصَغُر منصِب الخلافة، وقد خُلع في أوائل دَوْلته ، وبايعوا ابنَ المُعْتَزِ ، ثم لمْ يتمَّ ذلك . وقُتل ابنُ المعتز وجماعةٌ ، ثمَّ إنه خُلِع ثانياً في سنة سبع عشرة . وَبَذَلَ خَطَّه بعزلٍ نفسه ، وبايعوا أخاه القاهرَ ، ثم بعد ثلاثٍ ، أُعيد المقتدرُ ، ثم في المَرَّةِ الثَّالثة قُتل . وكانَ ربْعَةٌ ، مليحَ الوجه، أبيضَ بحمرة ، نَزَلَ الشَّيب بعارضَيْه ، وعاش ثمانياً وثلاثين سنةٌ . قال أبو علي التّنُوخي : كان جيِّد العقل، صحيحَ الرَّأي ، ولكنه كان مُؤْثِراً لِلشَّهَوَاتِ ، لقد سمعتُ عليَّ بنَ عيسى الوزير يقول: ما هُوَ إِلَّ أنْ يتَرُكَ هذا الرَّجل - يعني المقتدر - النبيذَ خمسةً أيام ، فكان ربما يكونُ في أصالةٍ الرّأي كالمأمونِ والمعتضِد (٢). قلتُ : كان منهوماً باللَّعِب ، والجَوَاري ، لا يلتفتُ إلى أعباءِ الأمور ، * مروج الذهب: ٢ / ٥٠١، تاريخ بغداد: ٧ / ٢١٣ -٢١٩، المنتظم: ٦ / ٢٤٣ - ٢٤٤ الكامل: ٨ / ٨ وما بعدها، النبراس: ٩٥ - ١٨٣، العبر: ٢ / ١٨١ - ١٨٢ البداية والنهاية: ١١ / ١٦٩ - ١٧٠، النجوم الزاهرة: ٣ / ٢٣٣، ٢٣٤ تاريخ الخلفاء : ٢٧٨ - ٣٨٦، شذرات الذهب: ٢ / ٢٨٤ - ٢٨٥. (١) ((تاريخ بغداد)): ٧ / ٢١٣. (٢) ((تاريخ بغداد)): ٧ / ٢١٨ - ٢١٩ . ٤٣ فَدَخَلَ عليه الدَّاخِلِ، وَوَهَنَ دَسْتُه ، وفارقَه مؤنِسُ الخادم مُغاضِباً إلى المَوْصِل، وَتَمَلْكَها، وَهَزَمَ عسكَرَها في صفر سنةَ عشرين(١). ووصَلَتْ القَرَامِطَةُ إلى الكُوفة ، فهرب أهلُها . ودخَلَت الدَّيْلَمُ، فاستباحوا الدِّينَوَر ، وَوَصَلَ أهلُها (٢) ، فرفعوا المصاحِفَ على القَصَب، وَضَجّوا يومَ الأضحى من سنة تسع عشرة(٣) ، وأقبلَتْ جيوشُ الرُّوم وبدَّعوا وأسروا . ثم تَجَهَّزَ نسيم الخادم في عشرة آلاف فارس ، وعشرة آلاف راجل ، حتى بلغوا عَمُّورية ، فقتلوا وَسَبَوْا، وَتَمَّ ببغداد الوباءُ الكبير، والقَحط حتى سَوَّد الشُّرفاء وجوهُهم ، وصاحوا : الجوعَ الجوعَ(٤). وَقَطَّعَ الجَلْبَ عنهم مؤنسٌ والقَرَامطة . ولَمْ يحُجِّ أحدٌ ، وتسلَّل الجيشُ إلى مؤنس ، فتهيأ لقصد المقْتَدر، فبرَزَ المقتدرُ ، وتخاذَلَ جُندُه . فركِبَ ، وبيده القضيبُ ، وعليه الْبُردُ النَّبويُّ، والمصاحف حولَه، والقُرَّاء . وخلفَه الوزير الفَضْلُ بنُ الفُرَات ، فالتحم القِتال . وصار المقتدرُ في الوَسَط ، فانكشَفَ جمعُه ، فيرميه برْبريٌّ بحربةٍ من خلفِه . فسقَطَ وحُزَّرأسُه ، ورُفِعَ على قَنَاة ، ثم سُلِب ثُمَّ طُمِر في موضعه ، وعُفي أثره كأن لم يكنْ ، لثلاث بقين من شَوَّال سنةً عشرين وثلاث مئة (٥). وكان سَمْحاً مِتلافاً للأموال ، مَحَقَ ما لا يُعدُّ ولا يُحصى . وماتَ صَافي(٦)، وتَفَرَّدَ مؤنس بأعباءِ الأمورِ . (١) ((الكامل)): ٢٣٩/٨ - ٢٤٠ وستأتي ترجمة مؤنس الخادم: رقم / ٢٥/ من هذا الجزء. (٢) يعني : إلى بغداد . (٣) ((النجوم الزاهرة)): ٣ / ٢٠٢٨ - ٢٢٩. (٤) ((النجوم الزاهرة)): ٣ / ٢٣٢. (٥) راجع الخبر مفصلاً في ((الكامل)»: ٨ / ٢٤١ - ٢٤٣. (٦) كان صاحب الدولة كلها، وإليه أمر دار الخليفة ، وقد توفي سنة / ٢٩٨ / هـ ((المنتظم)): ٦ / ١٠٨. ٤٤ قال محمد بن يوسف القاضي : لما تَمَّ أمر المقتدر استصباه الوزير العَبَّاس، وخاض النَّاسُ في صِغَرِهِ، فَعَمِلَ الوزيرُ على خَلْعِه ، وإقامة أخيه محمد(١) .. ثم إنَّ محمّداً، وصاحبَ الشُرْطَة ، تنازعا في مجلسِ الوزير، فاشتطَّ صاحب الشُّرْطَة فاغتاظ محمد كثيراً، فُلِجَ لوقته ، وماتَ بعد أيام . ثم اتفق جماعةٌ على تَوْلِيةِ ابن المُعْتز، فأجابَهم بشَرْطِ أنْ لا يُسفَكَ دمٌ . وكان رأسَهم محمدُ بن داود بن الجَرَّاح ، وأبو المثنى أحمدُ بن يعقوب القاضي والحُسين بنُ حمدان ، واتَّفَقوا على الفَتْك بالمُقْتَدِر ، ووزيرِه ، وفاتك . ففي العشرين من ربيع الأول سنةً ست(٢). رَكِبَ الملأُّ، فَشَدَّ الحُسينُ على الوزير فَقَتَلَه . فأنكرَ فاتك، فَعَطَفَ عليه الحسينُ فقتَلَه، وساق إلى المقتدر ، وهو يلعبُ بالصَّوَالِجَة(٣)، فسَمِعَ (٤) الضَّجَّةَ فَدَخَلَ الدَّارَ، فَرُدِّ ابنُ حمدان إلى المُخَرِّم(٥) ، فَتَزَل بدارٍ سُليمانَ بنِ وهب ، وأتى ابنُ المعتز، وحضَرَ الأمراءُ والْقُضَاةُ سوى حاشيةِ المقتدر ، وابنِ الفُرَات ، وبايعوا عبدَ الله ابنَ المُعْتَزِ، ولقبوه الغالبَ بالله(٦). فَوَزَرَ ابنُ الجَرَّح(٧)، ونُفِّذت الكتب ، (١) كذا في الأصل، وهووهم، والصواب ((ابن عمه محمد)) وهو محمد بن المعتمد .. كما في ((الكامل)): ٨ / ١١ أما أخوه محمد - القاهر بالله - فقد ولي الخلافة بعده كما سيأتي في ترجمته ص / ٩٨ / من هذا الجزء . (٢) وتسعين ومئتين . (٣) الصوالجة : ج، مفردها : صولجان - فارسي معرب - وهو عصاً يعطف طرفها ، يضرب بها الكرة على الدواب . أما العصا التي اعوج طرفاها خلقة في شجرتها فهي المحجن . (((اللسان)): (صلج ) . (٤) أي المقتدر . (٥) محلة كانت ببغداد بين الرصافة ونهر المعلى . (٦) في ((تاريخ الطبري)): ١٠ / ١٤٠، لقبوه: الراضي بالله. (٧) هو محمد بن داود بن الجراح ، أبو عبد الله ، أديب من علماء الكتاب ، وهو عم الوزير علي بن عيسى - الذي ستأتي ترجمته ص / ٢٩٨ / - وكان محمد صديقاً لعبد الله بن المعتز . ((تاريخ بغداد)» : ٥ / ٢٥٥ . ٤٥ وبعثوا إلى المقتدر ، ليتحوَّل من دار الخلافة ، فأجاب ، ولم يبقَ معه سوى غَرِيبٍ خالِهِ ، ومؤنس الخَازن ، وباكِرِ بنِ حمدانَ وطائفةٍ ، وأحاطوا بالدَّار ثم اقتتلوا . فَذَهَبَ ابنُ حمدانَ إلى المَوْصِل ، واستظهر خواصُ المقتدر ، وخارتْ قُوى ابن المعتّز ، وأصحابِهِ ، وانهزموا نحو سَامَرًا . ثم نَزَلَ ابنُ المُعْتَزِ عن فرسه، وأغمد سيفَه، واختفى وزيرُه ، وقاضيه ، ونُهبتْ دورُهما . وَقَتَلَ المقتدر جماعةٌ من الأعيان ، ووزر له أبو الحسن عليُّ بِنُ الفرات، وأُخِذَ ابنُ المعتز، فَقُتِلَ سراً، وصُودِرَ ابنُ الجصَّاص(١) . فقيل: أَخِذَ منه أزيدَ من ستة آلاف ألف دينار. وَتَضَعْضَعَ حالُه(٢) . وساسَ ابنُ الفرات الأمورَ . وَتَمَكِّن، وانصَلَحَ أمُرُ الرَّعية ، والتقى الحسينُ بنُ حمدان وأخوه أبو الهيجاء عبدُ الله، فانكسَرَ أبو الهيجاء ، وقَدِمَ أخوهما إبراهيمُ فأصلَحَ حَالَ الحسين ، وكتب له المقتدر أماناً. وَقَدِمَ فَقُلِّدَ قُمَّ وَقَاشَان(٣). وقَدِمَ صاحِبُ أَقْرِيْقِيَّةَ(٤) زيادةُ الله الأغْلَبِي(٥)، وأخذَهَا منه الشِّيعيُّ(٦)، وبُوبِعِ المَهْدِيُّ بِالمَغْرِب ، وظَهَرَ أمرُهُ وَعَدَل، وَتَحَبَّبَ إلى الرَّعِية أولاً ، ووقع بينَه وبينَ داعييه الأخوين(٧) فوقع بينَهما القِتال، وعظُمَ الخَطْبُ، وقُتِلَ (١) ((الكامل)) لابن الأثير: ٨ / ١٨. (٢) انظر خبر خلع المقتدر وولاية ابن المعتز في ((الكامل)): ٨ /١٤ - ١٩. (٣) ((تاريخ الطبري)): ١٠ / ١٤١ . (٤) في ((الأنساب)) و((تقويم البلدان)): بفتح الألف. وفي ((معجم البلدان)) بكسرها . (٥) انظر خبر خروجه في ((الكامل)): ٨ / ٢٠ - ٢٣. (٦) هو أبو عبد الله، الحسين بن أحمد بن محمد ، المعروف بالشيعي . قام بالدعوة لعبيد الله المهدي جد الفاطميين، مهَّد ملكه في المغرب، قتل سنة / ٢٩٨ / هـ. وستأتي نتف من أخباره في ترجمة المهدي ص / ١٤١ / من هذا الجزء . (٧) هما : أبو عبد الله الحسين ، وأبو العباس أحمد . راجع ترجمة المهدي ص / ١٤٣ / من هذا الجزء . ٤٦ خَلْقٌ ، حتى ظَفِرَ بهما وقَتَلَهما(١). وتَمَكَّنَ، وبنى المَهْدِيَّة(٢). وقدِمَ الحُسین بنُ حمدان من قُمّ فولي ديار بكر . وفي سنة ٢٩٩، أمْسكَ (٣) الوزيرَ بنَ الفرات، وادَّعى عليه أنه كاتبَ الأعرابَ أن يكبِسُوا بغدادَ . ووزر أبو علي الخاقانيُّ(٤). ووردت هدايا من مصر منها: خمس مئة ألف دينار ، وضِلَع آدمي عرضُه شِبر، وطولُه أربعة عشر شِبراً، وَتَيْسُ له بِزِ(٥) يدُرُّ اللَّبن، وقدِمَتْ هدايا صاحب ما وراء النّهر، وهدايا ابن أبي السَّاج منها : بساط رُومِيٌّ ، طُوله سبعينَ ذِراعاً في ستين. نسجّه الصُّنَّاع في عشر سنين(٦) . وفي سنة ثلاث مئة عظمُ الوباء بالعِراق ، ووَزَرَ عليٌّ بنُ عيسى بن الجَرَّاحِ (٧)، وولي القَضاءَ أبو عُمَر القاضي، وفيها ضُرِب الحلّاج، ونوديّ عليه : هذا أحدُ دُعاة القَرامطة (٨)، ثم سجن مُدَّة ، وظَهَرَ عنه أنه حُلولي . وقُلِّد جميعَ المَغْرِب ولدُ المقتدر صغير(٩) ، له أربع سنين ، فاستناب مؤنساً (١٠) الخادم . (١) ((الكامل)): ٨ / ٥٠ - ٥٣. (٢) انظر ((معجم البلدان)»: ٥ / ٢٣٠. (٣) يعني المقتدر . (٤) ((المنتظم)) : ٦ / ١٠٩. (٥) البز: بالكسر، ثدي الإنسان. قال الزبيدي: ((هكذا يستعملونه ولا أدري كيف ذلك)). ((تاج العروس)) (بز) . (٦) ((المنتظم)): ٦ / ١٠٩ - ١١٠. (٧) ترجمته ص / ٢٩٨ / من هذا الجزء . (٨) ((المنتظم)): ٦ / ١١٥، ١١٢. (٩) لقب - بعد - بالراضي بالله، وقد ولي الخلافة بعد القاهر بالله . وستأتي ترجمته ص / ١٠٣/ من هذا الجزء . (١٠) في الأصل : مؤنس - بالرفع - وهو خطأ . ٤٧ وفي سنة إحدى وثلاث مئة أقبل ابنُ المَهْدي صاحبُ المَغْرب في أربعين ألفاً براً وبحراً ليملِكَ مِصر ، ووقع القتال غيرَ مَرَّة ، واستولى العُبيديّ على الإِسكَنْدَرية، ثم رجع إلى بَرْقَه (١) . ومات الرَّاسِيُّ أميرُ فارس(٢)، فخلَّف ألف فرس ، وألفَ جمل ، وألفَ ألفٍ دينار . وفي سنة اثنتين وثلاث مئة أقبل العُبيديُّ ، فالتقاه جيشُ الخليفة فانكسرَ (٣) العُبيديُّ وقُتل مُقَدَّم جيشه حَبَاسَةِ(٤)، وغَرِمَ الخليفةُ على خِتَان أولادِه الخمسة ست مئة ألف دينار(٥). وقلَّد المقتدرُ الجزيرة أبا الهيجاء بنّ حمدان ، وأخذتْ طَيّء رَكْبَ العراق، وهَلكَ الخَلْقُ جُوعاً وعَطَشاً(٦) . وفي سنة ٣٠٣ راسل الوزير ابنُ الجَرَّاحِ القَرَامطة ، وأطلقَ لهم ، وتألَّفَهم(٧). وكان الجيشُ مشغولين مع مؤنس بحرب البربر، فنزَعَ الطَّاعَة الحسين بنُ حمدان(٨)، فسار لحربه رائق ، فكسره ابنُ حمدان ، ثم أقبل مؤنس فالتقى الحسينَ ، فأسرَه ، وأُدخِل بغداد على جمل(٩) ، ثم غزا مؤنسٌ بلاَدَ الرُّوم ، وافتتحَ حصوناً ، وعظُم شأنهُ . (١) ((الكامل)): ٨ / ٨٤ - ٨٥. (٢) ((المنتظم)): ٦ / ١٢٥ - ١٢٦. (٣) ((الكامل)): ٨ / ٨٩. (٤) في ((القاموس)) خُبّاسة - بالخاء - وفي ((تاج العروس)) قال: ((ضبطه الحافظ بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة)). وضم ابن الأثير الحاء. انظر ((ولاة مصر: ٢٨٧ )). (٥) ((المنتظم)): ٦ / ١٢٧. (٦) ((الكامل)): ٨ / ٩٠ - ٩١. (٧) ((المنتظم)): ٦ / ١٣١. (٨) في الأصل : فنزع الطاعة للحسين بن حمدان . (٩) ((الكامل)): ٨ / ٩٢ - ٩٣. ٤٨ وفي سنة أربع عُزِلَ ابن الجَرَّحِ (١) من الوَزَارة، وخَرَجَ بَأَذْرَ بيجانَ يوسفُ بنُ أبي السَّاج ، فأسره مؤنس بعد حروب (٢) . وفي سنة خمس ، قدِمَت رُسلُ طاغية الرُّوم ، يطلبُ الهُدنة ، فَزُيِّنَتْ دُورُ الخِلافة ، وعرَضَ المقتدر جيوشَه مُلْبَنين فكانوا مئةً وستين ألفاً ، وكان الخُدَّام سبعة آلاف ، والحُجَّاب سبعَ مثة ، والسُّتور ثمانيةً وثلاثين ألف سِتْر ، ومئة أسد مُسلسلة، وفي الدَّهاليز عشرةُ آلاف جَوْشَن(٣) مُذْهَبة (٤). وفي سنة ست فُتِحَ مَارَسْتَان(٥) أمِّ المقتدر، أنفقَ عليه سبعَ مئة ألف دينار(٦) . وذُبح الحسينُ بن حمدان في الحَبْس ، وأُطلق أخوه أبو الهيجاء . وكان قد أعيد إلى الوزارة ابنُ الفرات ، فقُبض عليه ، ووزَرَ حامدُ بنُ العَبَّاس، فقدِمَ من واسط وخَلْفَه أربع مئة مملوك في السِّلاح(٧). ووليّ نَظَر مِصر والشَّامِ المَادَرَائِيُّ، وقُرِّر عليه خَراجهما في السّنة سوى رِزق الجُنْد ثلاثة آلاف ألف دينار ، واستقلَّ بالأمر والنَّهي السَّيدةُ أمُّ المقتدر ، وأمرتٍ القَهْر مَانةُ ثملَ أن تجلِس بدار العَدْل ، وتنظر في القِصَص ، فكانت تجلِس ، ويحضُر القُضاةُ والأعيان ، وتوقّع ثمل على المراسم(٨) . وفي سنة سبع ولَى المقتدر نازُوكُ إمرة دمشق ، ودخَلَتِ القَرَامِطة (١) انظر حاشيتنا رقم / ٧ / ص / ٤٧ / من هذا الجزء . (٢) ((الكامل)): ٨ / ٩٨ - ١٠٢. (٣) الجوشن : الدرع . (٤) ((المنتظم)): ٦ / ١٤٣ - ١٤٤، وانظر ((رسوم دار الخلافة)): ١١ - ١٤. (٥) بفتح الراء : دار المرضى . (٦) ((المنتظم)): ٦ / ١٤٦. (٧) ((الكامل)): ٨ / ١١٠ - ١١١. (٨) ((المنتظم)): ٦ / ١٤٨. سير ٤/١٥ ٤٩ البَصْرة . فقتلوا وسَبَوْا(١)، وأخَذَ القائمُ(٢) العُبيديُّ الإِسكَنْدَرية ثانياً. ومَرِضَ ووقَعِ الوَباء في جُنْده(٣) . وتجمّع في سنة ثمانٍ من الغوْغَاءِ ببغداد عشرةُ آلاف ، وفتحوا السّجون، وقاتلوا الوزيرَ وولاة الأمور ، ودامَ القِتال أياماً، وقُتل عِدَّة ، ونُهبتْ أَموال النَّاس، واختلَّتْ أحوالُ الخلافة جداً، ومُحِقَتْ بيوتُ الأموال(٤). واشتدَّ البلاء بالبربر، وكادوا أن يملِكوا إقليمَ مِصر، وضَجَّ الخَلْق بالبكاء ، ثم هزمَهم المسلمون ، وسار ثمل(*) الخادم من طرسوس في البحر فأخذ الإِسكندرية من البرْبر(٦) . وفي سنةٍ تسعٍ قُتل الحَلَّج على الزَّندقة(٧). وفي سنة ٣١١ عُزِل حامد وأهلِكَ، ووزَرَ ابنُ الفرات الوزارة الثالثة (٨). وأخذتْ في سنة ٣١٢ القرامطة رَكْبَ العراق حامد . وكان فيمن أسروا أبو الهيجاء(٩) بنُ حمدان، وعُمُّ السَّيدة والدة الخليفة(١٠). ثم إنَّ (١) ((المنتظم)): ٦ / ١٥٣. (٢) ستأتي ترجمته رقم / ٦٦ / من هذا الجزء . (٣) ((الكامل)): ٨ / ١١٣ - ١١٤. (٤) ((الكامل)) : ٨ / ١١٦ - ١١٧. (٥) هو طبعاً غير (( ثمل)) القهرمانة التي تقدم خبرها قبل أسطر . (٦) ((الكامل)»: ٨ / ١٢١. (٧) ((الكامل)): ٨ / ١٢٦ - ١٢٩. (٨) ((الكامل)): ٨ / ١٣٩. (٩) في الأصل : أبا الهيجاء ، وهو خطأ . (١٠) (( الكامل)»: ٨ / ١٤٧. المقتدر سلَّم ابنّ الفرات إلى مؤنس فصادَره، وأهلكَه ، وكان جَبَّاراً ظالماً (١)، وافتتحَ عَسْكرُ خُرَاسان فَرْغَانَةٍ(٢). وفي سنة ٣١٣ نهَبَ القِرْمِطي الكوفة ، وعُزل الخاقَانِيُّ مِن الوَزَارة بأحمدَ بنِ الخَصِيب(٣). وفي سنة ٣١٤ استباحَتِ الرُّومِ مَلَظْية بالسَّيف ، وقُبضَ على أحمد بنِ الخَصِيب ، ووَزَرَ عليُّ بنُ عيسى (٤)، وأخذت الرُّومِ سُمَيْسَاط ، وجرت وقعةً كبيرة بين القَرَامطة والعَسْكر ، وأسرت القَرَامطةُ قائد العسكر يوسفَ بن أبي السَّاج . ثم أقبل أبو طاهر القِرْمِطِيُّ (٥) في ألف فارس وسبع مئة راجل ، وقاربَ بغداد ، وكاد أنْ يملِك، وضَجَّ الخَلْقِ بالدُّعاء ، وقُطِعَتِ الجسور مع أنَّ عسكرَ بغداد كانوا أربعينَ ألفاً ، وفيهم مُؤنسٌ، وأبو الهيجاء بنُ حمدان ، وإخوتُهُ ، وقربَ القِرْمِطي حتى بقيَ بينَه وبينَ البَلَدِ فَرْسخين ، ثم أقبل(٦)، وحاذى العسكر ، ونَزَل عَبْدٌ يجُسُّ المخائض ، فبقي كالقُنْفُد من النُّشَّاب، وأقامَت القَرَامطة يومين، وترحَّلوا نحو الأنْبَار، فما جسر العسكر أن يَتْبَعُوهُمْ ، فانظرْ إلى هذا الخذلان(٧) . قال ثابتُ بن سِنان : انهزَم معظمُ عسكر المقتدر إلى بغداد قبل المُعاينة لشدَّة رُعبهم ، ونازل القِرمطي هِيت مُدَّة فَرُدَّ إلى البريَّة . (١) ((الكامل)): ٨ / ١٤٩ - ١٥٠ وأخبار ابن الفرات في ((تحفة الأمراء)): ٨ - ٢٦٠. (٢) (( تاريخ الخلفاء)»: ٣٨٢. (٣) ((الكامل)): ٨ / ١٥٨. (٤) ((الكامل)): ٨ / ١٦٧. (٥) ستأتي ترجمته رقم / ١٦٠ / من هذا الجزء . (٦) أي : القرمطي . (٧) ((الكامل)): ٨ / ١٦٩ - ١٧٥. ٥١ وفي سنة ٣١٦ دَخّلَ أبو طاهر القِرْمِطيُّ الرَّحِبَة بالسيف، ثم قَصَدَ الرَّقَّة ، وبدَّع، وعمِلَ العَظَائم، واستعفى عليّ بنُ عيسى (١) من الوزارة ، فوزَرَ أبو علي بنُ مُقْلة(٢)، وبنى القِرمِطيُّ داراً، سماها دار الهِجرة(٣)، وكَثُرَ أتباعه، وكاتبَه المهديُّ من المغرب ، فدعا إليه ، وتفاقم البَلاءِ(٤). وأقبل الدُمُستق في ثلاث مئة ألف من الرُّوم، فقصَدَ أرْمِينيّة (٥)، فَقْتَّل وسَبَى ، واستولى على خِلاط (٦). وفي سنة ٣١٧ جَرَتْ خَبْطَة ببغداد ، واقتتل الجيشُ ، وتمَّ ما لا يوصف ، وهمُّوا بعَزْل المقتدر ، واتفقَ على ذلك مؤنسٌ ، وأبو الهيجاء ، ونازُوك، وأتوا دارَ الخِلافة، فَهَرب الحاجبُ ، والوزير ابنُ مُقلة، فأُخرِجَ المقتدرُ وأمه وخالته وحرَمُه إلى دار مؤنس ، فأحضروا محمد بنّ المعتضد من الحريم ، وكان محبوساً ، وبايعوه ، ولقُّبوه بالقَاهر . وأشهَدَ المقتدر على نفسه بالخَلْع . وجَلسَ القاهر في دَسْت الخلافة . وكتب إلى الأمصار ، ثم طَلَب الجيش رسمَ البيعة ، ورِزْقَ سنة ، وارتفعت الضَّجَّة، وهجموا فقتلوا نازوك والخادم عجيباً، وصاحوا : المقتدر يا منصور(٧) . فهَرَب الوزيرُ والحُجَّابُ . وصار الجُنْد إلى دار مؤنس، وطلبوا المقتدرَ ليعيدوه . وأرادَ أبو (١) ستأتي ترجمته برقم / ١٤١ / من هذا الجزء . (٢) ستأتي ترجمته رقم / ٨٦ / من هذا الجزء. وانظر ((الكامل): ٨ / ١٨١ - ١٨٣. (٣) في ((الكامل)) : ٨ / ١٨٧، أن الذي بنى دار الهجرة هو حُريث بن مسعود القرمطي . وقد خرج بسواد واسط . (٤) ((المنتظم)): ٦ / ٢١٦ . (٥) في (( معجم البلدان)): بكسر الهمزة . (٦) (( الكامل) : ٨ / ١٩٨. (٧) ((الكامل)): ٨ / ٢٠٠ - ٢٠٧. ٥٢ الهيجاء الخروجَ فتعلَّقَ به القَاهر ، وقال : تسلمُني؟ فأخذتْه الحَمِيَّةُ ، وقال : لا واللّهِ، ودخلا الفِرْدَوْس، وخرجا إلى الرَّحبة. وذَهَب أبو الهيجاء على فَرَسه، فوجد نازوك قتيلاً، وسُدَّت المسالكُ عليه وعلى القاهر ، وأقبلتْ خواصُ المقتدر في السِّلاح ، فدَخَل أبو الهيجاء كالجَمَل ، ثم صاح: يال يخلت أأُقتل بين الحيطان ؟ أين الكُمَّيْت ؟ أين الدَّهْمَاء ؟ فرموه بسهم في ثَذْيه ، وبآخر في تَرْقُوته . فَزَعِ منه الأسْهُم ، وقَتَل واحداً منهم ، ثم قَتَلُوه . وجيء برأسه إلى المقتدر ، فتأسَّفَ عليه ، وجيء إليه بالقاهر فقبّله وقال : یا أخي أنت واللّه لا ذنبَ لك، وهو يبكي ويقول: اللّهَ في دمي يا أميرٌ المؤمنين ، وطيفَ برأس نازُوك ، وأبي الهيجاء . ثم أتى مؤنسٌ والقُوَّاد والقُضاة، وبايعوا المقتدرَ. وأنفقَ في الجُنْد مالاً عظيماً(١) . وحجّ الناس فأقبل أبو طاهر القِرِمِطي ، ووضَع السيفَ بالحَرَم في الوفْد ، واقتلعَ الحجرّ الأسود(٢) . وكانَ في سبع مئة راكب، فقتلوا في المسجد أزيدَ من ألف . ولم يقفْ أحد بعرَفَة ، وصاح قِرْمطيُّ: يا حَمير، أنتم قُلتم: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمناً) (٣) فأينَ الأمن(٤)؟ وأمَّا الرُّومِ فعاثوا في الثُّغُور، وفعلوا العَظَائمَ ، وبذَل لهم المسلمون الإتاوة . ووزر في سنة ثمان عشرة للمقتدر سليمانُ بنُ الحَسن (٥)، ثم قُبض عليه (١) ((الكامل)) ٨ / ٢٠٠، ٢٠٧. (٢) ((الكامل)): ٨ / ٢٠٧ - ٢٠٨. (٣) آل عمران : ٩٧. (٤) قال رجل : فاستسلمت وقلت : إن الله أراد : ومن دخله فأمنوه ، فلوى فرسه وما كلمني. انظر ((المنتظم)): ٦ / ٢٢٣، وسيرد الخبر في ص / ٣٢٢ / من هذا الجزء. (٥) ((الكامل)»: ٨ / ٢١٨. ٥٣ في سنة تسع عشرة ، واستوزر عُبيد الله بن محمد الكَلْوَذَاني(١) . وظهر مَرَداوِيج(٢) في الدَّيْلم، وملكوا الجبلَ بأسره إلى حُلْوان ، وهَزموا العَساكر(٣). ثم عُزِل الكَلْوذَاني بالحسين بن القاسم بن عبيد الله (٤). وقلَّت الأموال على المقتدر، وفسَدَ ما بينه وبينَ مؤنس ، فذهب مغاضباً إلى الموصل(٥) . وقبض الوزيرُ على أمواله، وهَزَمَ مؤنسٌ بني حَمْدان ، وتملَّك المَوْصِل في سنة عشرين وثلاث مئة(٦) . والتقى والي طَرَسُوس الرُّوم، فهزَمهم أوَّلاً ، ثم هَزَموه . وفي سنة عشرين وثلاث مئة عُزِل الوزير الحسينُ بأبي الفَتْح بن الفرات ، ولاطفَ المقتدر الدَّيْلَم ، وبعثَ بولاية أذْرَ بيجان وأَرْمينية والعجم إلى مَرَداوِيجٍ(٧). وتسحَّبَ أمراءً إلى مؤنسٍ ، وخافَ المقتدر، وتهيّا للحَرْب ، فأقبل مؤنس في جَمْعٍ كبير . وقيل للمقتدر : إن جُندكَ لا يقاتِلون إلَّ بالمال، وطُلِبَ منه مئتا ألف دينار ، فتهيّاً للمضيّ إلى واسط ، فقيل له : اتق اللّه ، ولا تسلُّمْ بغداد بلا حَرْبٍ، فتجلَّد وركِبَ في الأمراء والخاصَّة والقُرَّاء ، والمَصَاحِفُ منشورةٌ. فَشَقَّ بغداد، وخَرَجَ الى الشَّمَّاسيَّة ، والخَلْقُ يَدْعُونَ له . وأقبل مؤنسٌ ، والتحم الحَرْب ، ووقَفَ المقتدر على تلِّ، فألحُّوا عليه بالتقَدُّم لينصَحَ جَمْعَه في القِتال فاستدرَجُوه حتى تَوَسَّط ، (١) ((الكامل)): ٨ / ٢٢٥. (٢) ستأتي ترجمته رقم / ٧٩ / من هذا الجزء . (٣) ((الكامل)»: ٨ / ٢٢٧. (٤) ((الكامل)): ٨ / ٢٣٠. (٥) ((الكامل)»: ٨ / ٢٣٧. (٦) ((الكامل)»: ٨ / ٢٣٩. (٧) ((المنتظم)): ٦ / ٢٤١. ٥٤ وهو في طائفةٍ قليلة ، فانكشفَ جمعُه، فيرميه بربريٌ فسقَطَ فذُبِحَ ، ورُفع رأْسُه على رمح وسلَّبُوه، فَسُترت عورتُه بحشيش، ثم طُمَّ وعُفي أثره(١). ونَقَل الصُّوليُّ أنَّ قاتله غلامٌ لُبُلَيقَ(٢)، كان من الأبطال. تعجّبَ النَّاس منه مما عَمِلَ يومئذٍ من فنون الفروسية، ثم شَدَّ على المقتدر بحربته ، أنفذها فيه ، فصَاحِ النَّاسُ عليه ، فساقَ نحو دار الخلافة ليخرِجَ القاهرَ فصادَفَه حِمْل شَوْك، فزحَمَتْه إلى قِنَّارَ(٣) لخَّام فعلَّقَه كُلَّب، وخرج من تحته فَرَسُه في مِشواره ، فحطّه النَّاس وأحرقوه بحمل الشَّوْك(٤). وقيل : كان في دارِ المقتدر أحد عشر ألف غلام خِصيان غيرُ الصَّقَالبه والرُّوم . وكان مُبذِّراً للخزائن حتى احتاجَ ، وأعطى ذلك لِحظاياه ، وأعطى واحدةٌ الدُّرَّةَ اليتيمة التي كان زِنْتُها ثلاثة مثاقيل . وأخَذَتْ قَهْرَمَانة سُبْحَةَ جَوْهر ما سُمِعَ بمثلها(٥) . وفَرِّق ستين حُبَّا(٦) من الصِّيني مملوءةٌ غَالية(٧). قال الصُّولي : كان المقتدر يفرِّق يومَ عَرَفَة من الضَّحايا تسعين ألفَ رأس . ويقال: إنه أتلفَ من المال ثمانين ألف ألف دينار ، عثَّر نفسَه بيده . (١) (( الكامل: ٨ / ٢٤١ - ٢٤٣. (٢) في بعض كتب التاريخ ((يلبق)) وهو أحد القادة العباسيين ، وممن ساعد على قتل المقتدر وقد قتله القاهر بالله سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة . (٣) القنار ، والقنارة ، بكسرهما : الخشبة يعلق عليها القصاب اللحم ، يقال : إنه ليس من كلام العرب. ((تاج العروس)): (القنور) . (٤) ضعف ابن دحية في ((النبراس)): ١١١ هذه الرواية، وقال: ((فالصحيح أن قتله كان بالسيف في الحرب بينه وبين مؤنس الخادم الملقب بالمظفر » . وقد أورد السيوطي هذا الخبر وكأنه جرى أثناء المعركة. ((تاريخ الخلفاء)) : ٣٨٤ . (٥) ((المنتظم)): ٦ / ٧٠. (٦) الحب ، بالضم : الجرة ، صغيرة كانت أو كبيرة . (٧) الغالية : طيب معروف . ٥٥ وأولادُه: محمد الرَّاضي، وإبراهيم المتَّقي(١)، وإسحاق، و(٢) المطيع فَضْل ، وإسماعيل ، وعيسى ، وعَبَّاس ، وطلحة . وقال ثابت بنُ سِنَان طبيبُه : أتلفَ المقتدرُ نَيَّفاً وسبعين ألف ألف دينار . ولما قُتِلَ قُدِّم رأسُه إلى مؤنس فَنَدِمَ وبَكَى، وقال: واللّه لِنُقْتَلنَّ كلُّنا، وهمَّ بإقامة ولده ، ثمَّ اتفقوا على أخيه القَاهر(٣). ٢٥ - مُؤْنِس * الخادِمُ الأكبر الملقَّب بالمظفَّر المعتضديُّ ، أحد الخُدام الذين بلغوا رُتبة الملوك ، وكان خادِماً أبيضَ فارساً شجاعاً سائساً دَاهِيةً . نُدب لحرب المَغَاربة العُبيدية ، وولي دمشقَ للمقتدر ، ثم جَرَتْ له أمورٌ ، وحارب المقتدرَ ، فقُتِل يومئذٍ المقتدرُ ، فَسُقِطَ في يد مُؤْنِس، وقال : كلُّنا نُقتل(٤). وكان معظمَ جُند مؤنس يومئذٍ البربرُ ، فَرَمَى واحدٌ منهم بحربته الخليفةَ ، فما أخطأه(٥) . ثم نصَبَ مؤنس في الخلافة [القاهر](٦) بالله. فلمّا (١) في الأصل : المكتفي ، وهو وهم . فالمكتفي ابن المعتضد ، وقد توفي سنة / ٢٩٥ / هـ . (٢) وترجمة المطيع ستأتي ص / ١١٣ / من هذا الجزء . (٣) ((الكامل)): ٨ / ٢٤٣. * تاريخ ابن عساكر: ١٧ / ٢١٧ ب، العبر: ٢ / ١٨٨، مرآة الجنان: ٢ / ٢٨٤ النجوم الزاهرة : ٣ / ٢٣٩، شذرات الذهب: ٢ /٢٩١، وكتب التاريخ العامة التي تؤرخ لخلافة المقتدر . (٤) ((الكامل)»: ٨ / ٢٤٣ . (٥) أنظر خبر مقتل المقتدر ص / ٥٤ / من هذا الجزء . (٦) ساقطة في الأصل . ولم يكن من رأي مؤنس تنصيب القاهر بالله ، ولكنه أكره على ذلك. راجع ((الكامل)) : ٨ / ٢٤٤ . ٥٦ تمكّن القاهر ، قَتَلَ مؤنساً وغيرَه في سنة إحدى وعشرين(١) . وبقي مُؤْنِسٌ ستين سنةً أميراً، وعاش تسعين سنة ، وخلّف أموالاً لا تُحصى . ٢٦ - الزُّبِيرُ بنُ أحمد » ابنِ سُليمانَ بنِ عبدِ الله بنِ عَاصم بنِ المُنْذر بنِ حواري رسول اللَّه ◌ِ﴾ الزُّبير بن العَوَّام ، العلَّمة، شيخُ الشَّافعية أبو عبد الله القرشي الأسدي الزبيري البصري الشافعي ، الضَّرير . حدَّث عن : محمد بن سِنَان القَزَّاز، وأبي داود(٢)، وطَائفةٍ . روى عنه: أبو بكر النَّقَّاش ، وعمر بنُ بِشْران ، وعلي بن لؤلؤ الوَرَّاق، وابنُ بُخَيت(٣) الدَّقَّاق. وكان من الثِّقَات الأعلام . وقد تلا على رَوْح بن قُرَّة ، ورُوَيْس(٤)، ومحمد بن يحيى القُطَعي، ولم يختم على القُطَعي(٥) . قرأ عليه : أبو بكر النَّقَّاش، وغيرُه . (١) ((الكامل)): ٨ / ٢٥٢. * الفهرست : ٢٩٩، تاريخ بغداد: ٨ / ٤٧١ - ٤٧٢، طبقات الشيرازي : ١٠٨ الأنساب: ٦ / ٢٥١ - ٢٥٢، وفيات الأعيان: ٢ / ٣١٣، مرآة الجنان: ٢ / ٢٧٨ طبقات الشافعية: ٣ / ٢٩٥ - ٢٩٧، غاية النهاية: ١ / ٢٩٢ - ٢٩٣. (٢) في ((تاريخ بغداد)): داود بن سليمان المؤدب . أنظر ((تاريخ بغداد)): ٨ / ٣٦٩. (٣) في الأصل : نجيب ، وهو تصحيف . (٤) هو محمد بن المتوكل ، أبو عبد الله ، اللؤلؤي البصري المعروف : برويس ، توفي بالبصرة سنة ثمان وثلاثين ومثتين . ((غاية النهاية)): ٢ / ٢٣٤ - ٢٣٥. (٥) ((طبقات الشافعية)): ٣ / ٢٩٥ وفيه ((القطيعي)) وهو تصحيف. ٥٧ وتفقّه به طائفةٌ ، وهو صاحبُ وجهٍ فِي المَذْهب . قال الشيخُ أبو إسحاق : كان أعمى ، وله مُصَنَّفَات كثيرة مليحة . منها: ((الكافي))، وكتاب ((النّة))، وكتاب ((ستر العورة))، وكتاب ((الهدية))(١)، وكتاب ((الاستشارة والاستخارة))، وكتاب (( رياضة المتعلُّم))، وكتاب ((الإمارة))(٢). قلت : مات سنة سبع عشرة وثلاث مئة ، وذكرتُه في مَوْضعٍ آخر ، أنَّه ماتَ بالبصرة في صفر سنة عشرين وثلاث مئة . وصلَّى عليه ولدُه أبو عاصم . ٢٧ - ابنُ خیران * الإِمامُ شيخُ الشّافعية ، أبو علي الحسينُ بنُ صالح بن خَيْران ، البغداديُّ الشَّافعيُّ . قال القاضي أبو الطيب(٣): كان أبو علي بنُ خَيْران ، يُعاتب ابن سُريج على القَضَاء ، ويقول : هذا الأمرُ لم يكنْ في أصحابنا ، إنما كان في أصحاب أبي حنيفة(٤) (١) في ((وفيات الأعيان)): ٢ / ٣١٣ ((الهداية)). (٢) ((طبقات الشيرازي)): ١٠٨. * تاريخ بغداد: ٨ / ٥٣ - ٥٤، طبقات الشيرازي: ١١٠، المنتظم: ٦ / ٢٤٤ -٢٤٥ وفيات الأعيان: ٢ / ١٣٣ - ١٣٤، العبر: ٢ / ١٨٤، الوافي بالوفيات: ١٢ / ٣٧٨ -٣٧٩ مرآة الجنان: ٢ / ٢٨٠، طبقات الشافعية: ٣ / ٢٧١ - ٢٧٤، البداية والنهاية: ١١ / ١٧١ النجوم الزاهرة : ٣ / ٢٣٥، شذرات الذهب: ٢ / ٢٨٧. (٣) هو طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري ، شيخ الإمام أبي إسحاق الشيرازي ، توفي سنة / ٤٥٠ / هـ ((طبقات الشيرازي)): ١٢٧. (٤) ((طبقات الشيرازي)): ١١٠. وقد علق السبكي بقوله: (( يعني بالعراق ، وإلّ فلم يكن القضاء بمصر والشام في أصحاب= ٥٨ قال الشّيخ أبو اسحاق : عُرض على ابن خَيْران القَضَاء ، فلم يتقلَّذه ، وكان بعضُ وزراء المقتدر [ وأظن انه أبو الحسن علي بن عيسى ](١) وكل بداره ليلي القَضَاء ، فلم يتقلَّد . وخُوطِبَ الوزير في ذلك فقال : إنما قَصَدْنَا [ التوكيل بداره ] ليقال: [ كان] في زماننا: من وكّل بداره ليتقلَّد القَضَاء فلم يَفْعَل(٢) . وقال ابن زُوْلاق(٣): شاهَد أبو بكر بن الحدّاد الشَّافعي ببغداد سنة عشر وثلاث مئة باب أبي علي بن خَيْران مسموراً لامتناعه من القَضَاء ، وقد استَتَّر . قال: فكان النَّاسُ يأتونَ بأولادِهم الصِّغَار، فيقولون لهم: انظروا حتى تُحدِّثوا بهذا (٤). قلتُ : كان ابنُ الحَدَّاد(٥) قد سار إلى بغداد يَسعى لأبي عُبيد بن حَرْبُويه في أن يُعفى من قَضَاء مِصر . ولم يبلُغْني على مَن اشتَغَل ، ولا مَنْ رَوَى عنه . توفي لثلاث عشرة بقيت من ذي الحِجَّة سنة عشرين وثلاث مئة(٦). - = أبي حنيفة قط إلّ أيام بكار في مصر ، وإنما كان في مصر المالكية ، وفي الشام الأوزاعية ، إلى أن ظهر مذهب الشافعي في الاقليمين ، فصار فيه » . (((طبقات الشافعية)): ٣ / ٢٧٢. (١) في ((شذرات الذهب)): ٢ / ٢٨٧، الوزير ابن الفرات . (٢) ما بين حاصرتين من ((طبقات الشيرازي)): ١١٠. (٣) هو الحسن بن إبراهيم بن الحسين ، أبو محمد ، مؤرخ مصري ، كان يظهر التشيع ، وقد ولي المظالم أيام العبيديين بمصر. من كتبه («أخبار قضاة مصر » جعله ذيلاً لكتاب الكندي ((قضاة مصر)) توفي ابن زولاق سنة / ٣٨٧ / هـ ((وفيات الأعيان ) ٢ /٩١ - ٩٢. (٤) ((طبقات الشافعية)) ٣ / ٢٧٣. (٥) ستأتي ترجمته رقم / ٢٥٨ / من هذا الجزء . (٦) في ((طبقات الشافعية)): ٢ / ٢٧٣ - ٢٧٤ مناقشة حول سنة وفاته . فانظرها . ٥٩ وقيل : خُتم بابه بضعة عشر يوماً ، ثم أعفي ، رحمه اللّه . ٢٨ - تبوك * ابنُ أحمدَ بنِ تبوك بن خالد المعمَّر ، أبو محمد السُّلميُّ . الدمشقيُّ . سَمِعَ هِشام بنَ عَمَّر ، ووالده . وعنه : أبو الحُسين الرَّازيُّ، والحسنُ بن محمد بن دَرَستَوَيه . قال الرَّازي : ماتَ سنةً ثلاثينَ وثلاث مئة . ٢٩ - محمَّد بنُ حَمْدُون ** ابنِ خالد ، الحافظ الثُّبْتُ المجوِّد ، أبو بكر النَّيْسَابوريُّ . سمع محمدَ بنَ يحيى الذُّهْلي، وعيسى بنَ أحمد العَسْقَلاني ، والربيع بنَ سُليمان ، ومحمد بنَ مُسلم بن وَارَة ، وأبا حاتم ، وأبا زُرعة ، وسُليمان بن سيف الحَرَّاني ، وعبَّاساً الدُّوري، وطبقَتُهُم ، فأكثَرَ وأتقنَ ، وَجَمَعَ فأوْعى . حَدَّثَ عنه : محمدُ بن صالح بنِ هانىء ، وأبو علي الحافظُ ، وأبو محمد المَخْلَدِيُّ ، وأبو بكر بن مهران المقرىء ، ومحمد بنُ الفضلِ بن خُزيمة ، وعددٌ كثير. * تاريخ ابن عساكر: ٣ / ٢٥٧ أ، العبر: ٢ / ٢٢١، شذرات الذهب: ٢ / ٣٢٦ تهذيب ابن عساكر : ٣ / ٣٣٨ . * * تاريخ ابن عساكر: ١٥ /١٣٥ ب - ١٣٦أ، تذكرة الحفاظ: ٣ /٨٠٧ - ٨٠٨ طبقات الحفاظ: ٣٣٦، شذرات الذهب: ٢ / ٢٨٦ . ٦٠