النص المفهرس
صفحات 201-220
١١٤ - ابنُ سُرَيْج * الإِمامُ، شيخُ الإِسلام، فقيهُ العِراقَين(١)، أبو العبّاس، أحمدُ بنُ عمرَ ابن سُرَيج البغداديّ ، القاضي الشّافعي، صاحبُ المصنَّفات . ولد سنةً بضعٍ وأربعينَ ومئتين، وسمعَ في الحداثة، ولَحِق أصحابَ سفيان بن عُيَيْنَة، ووكيع . فسمع من : الحسنِ بنِ محمد الزَّعْفراني - تلميذٍ الشَّافعي، ومن عليّ بن إشكاب، وأحمدَ بنِ منصور الرَّمَادي، وعباسِ بنِ محمد الدُّوري، وأبي يَحْنَى محمدِ بن سعيد بن غالب العَطَّار، وعبّاسٍ بنِ عبدِ الله التُّرْقُفي، وأبي داودَ السِّجِسْتاني، ومحمدِ بنِ عبد الملك الدَّقِيقي، والحسنِ بنِ مُكرم، وحمدان بنٍ عليِّ الورّاق، ومحمدِ بنِ عمران الصّائغ، وأبي عوفٍ البُزُوري، وعبيدِ بنِ شريك البزَّار، وطبَقَتِهِم. وتفقّه بأبي القاسم عثمانَ بنِ بشار الأنْماطي الشّافعي، صاحب المزني، وبه انتشرَ مذهبُ الشَّافِعيِّ، ببغداد، وتخرَّج به الأصحاب . وحدَّث عنه: أبو القاسم الطَّبَراني، وأبو الوليد حسَّانُ بنُ محمد الفقيه، وأبو أحمد بن الغِطْرِيف الجُرْجاني، وغيرُهم . فهرست ابن النديم : ٢٩٩ - ٣٠٠، طبقات العبادي : ٦٢ ، تاريخ بغداد : ٢٨٧/٤ - ٢٩٠، طبقات الشيرازي: ١٠٨ - ١٠٩، المنتظم: ١٤٩/٦ - ١٥٠، تهذيب الأسماء واللغات: ٢٥١/٢ -٢٥٢، وفيات الأعيان: ٦٦/١ - ٦٧، مختصر طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي: الورقة ١/١٣٩، تذكرة الحفاظ: ٨١١/٣ -٨١٣، العبر: ١٣٢/٢، دول الإسلام: ١٨٥/١ -١٨٦، الوافي بالوفيات: ٢٦٠/٧ - ٢٦١، مرآة الجنان: ٢٤٦/٢ - ٢٤٨، طبقات الشافعية للسبكي: ٢١/٣ - ٣٩، طبقات الإِسنوي: ٢٠/٢ -٢١، البداية والنهاية: ١٢٩/١١، النجوم الزاهرة: ١٩٤/٣، طبقات الحفاظ: ٣٣٨، مفتاح السعادة: ١٧٤/٢، شذرات الذهب: ٢٤٧/٢ - ٢٤٨، طبقلت الأصوليين: ١٦٥/١-١٦٦. (١) يعني : البصرة والكوفة . ٢٠١ يقع لي من عالي روايَتِه في جزء الغِطْريفي . أخبرنا عمرُ بنُ عبد المنعم: أنبأنا أبو اليُمْن الكِنْدي، أخبَرَنا عليُّ بنُ عبد السّلام، أخبَرَنا الإِمامُ أبو إسحاقَ في ((طبقات الفقهاء))(١) قال: كان يُقال لابن سُرَيج: الباز الأشهب. وليَ القَضاءَ بشيراز، وكان يفضَّل على جميع أصحاب الشَّافعيّ، حتى على المُزني . وإنَّ فِهْرستَ كُتُبه كان يشتمل على أربع مئة مصنَّف، وكان الشّيخ أبو حامد الإِسْفراييني يقول: نحنُ نجري مع أبي العبّاس في ظواهر الفِقه دون دقائقه. تفقَّه على أبي القاسم الأنْمَاطي، وأخذ عنه خلق، ومنه انتشرَ المذهب . وقال أبو عليّ بنُ خَيْران: سمعتُ أبا العبّاس بن سُرَيج يقول: رأيتُ كأَنَّمَا مُطِرنا كِبْريتاً أحمر، فملأتُ أكمَامي وحِجْرِي ، فَعُبِّرَ لي: أنْ أُرزقَ عِلماً عزيزاً كعِزَّة الكِبْريت الأحمر . وقال أبو الوليد الفقيه: سمعتُ ابنَ سُرَيج يقول: قَلَّ ما رأيتُ من المتفقُّهَة مَن اشتغلَ بالكلام فأفلح ، يفوتُه الفِقهُ ولا يصل إلى معرفة الكلام . وقال الحاكم(٢): سمعتُ حسّانَ بنَ محمد يقول: كنّا في مجلس ابن سُرَيج سنةً ثلاثٍ وثلاثٍ مئة، فقام إليه شيخٌ من أهل العلم فقال: أَبْشِرْ أيُّها القاضي، فإنَّ اللهَ يبعثُ على رأسٍ كلِّ مئة سنةٍ مَنْ يجدِّد - يعني للأمّة - أمرَ دِينِها(٣) ، وإنَّ اللهَ تعالى بعثَ على رأس المئة عمرَ بنَ عبدِ العزيز، [ وبعث (١) ص ١٠٩. (٢) في ((مستدركه)) ٥٢٢/٤ - ٥٢٣، وما بين حاصرتين منه. والخبر - مع أبياته - أيضاً في ((تاريخ بغداد)) ٢٨٩/٤، و((تذكرة الحفاظ)) ٨١٢/٣ -٨١٣. (٣) أخرجه أبو داود (٤٢٩١) في أول كتاب الملاحم : باب ما يذكر في قرن المئة ، والحاكم: ٥٢٢/٤، والخطيب في ((تاريخه)) ٦١/٢ من طرق عن ابن وهب، عن سعيد بن= ٢٠٢ على رأس المئتين محمد بن إدريس الشافعي ] وبعثَكَ على رأس الثلاث مئة ، ثمَّ أنشأ يقول : اثْنَانٍ قَدْ ذَهَبَا فَبُورِكَ فِيْهِمَا عُمَرُ الخَلِيفَةُ ثمَّ حلفُ السُّؤْدِدِ الشَّافِعْيُّ الأَلْمَعِيُّ(١) محمدٌ إِرْتُ النُّبوَّةِ وابنُ عمِّ مُحَمَّدٍ أَبْشِرْ أبا العبّاسِ إِنَّكَ ثالثٌ مِنْ بَعْدِهِمْ سُقْياً لتُرْبَةِ أحمَدٍ قال : فصاح أبو العبّاس، وبَكى، وقال: لقد نعى إليَّ نَّفْسي. قال حسّان الفقيه: فمات القاضي أبو العبّاس تلكَ السَّنَّة . قلت: وقد كان على رأسِ الأربعِ مئة الشيخُ أبو حامد الإِسْفَراييني، وعلى رأس الخمسِ مئة أبو حامد الغزالي، وعلى رأس الستِّ مئة الحافظُ عبدُ الغني، وعلى رأس السَّبعِ مئة شيخُنا أبو الفتح ابنُ دَقيق العِيد . وإن جعلتَ ((مَنْ يُجَدِّد)) لفظاً يَصْدُقُ على جماعة - وهو أقوى - فيكونُ على رأس المئة عمرُ بنُ عبد العزيز خليفةُ الوقت ، والقاسمُ بنُ محمد، والحسنُ البَصْري، ومحمدُ بنُ سِيْرِين، وأبو قِلابَة، وطائفة . وعلى رأس المئتينِ مع الشَّافعيِّ يزيدُ بنُ هارون، وأبو داودَ الطََّالسي، وأشهبُ الفقيه، وعدّة . وعلى رأس الثلاث مئة مع ابن سُرَيْج أبو عبد الرَّحمن النَّسَائي، والحسنُ بنُ سُفيان، وطائفة . وممّن مات في سنةٍ ستِّ مُسنِدُ بغداد أبو عبد اللهِ أحمدُ بنُ الحسن بنٍ عبد الجبّار الصُّوفي، وشيخُ الصُّوفيَّة أبو عبد الله بنُ الجَلَّءُ أحمدُ بنُ يَحْبی = أبي أيوب ، عن شراحيل بن يزيد المعافري ، عن أبي علقمة ، عن أبي هريرة . وإسناده صحيح . (١) رواية ((المستدرك)): الأبطحيّ. ٢٠٣ بالشام ، والمحدِّثُ حاجبُ بن أركين الفَرْغاني، والحافظُ عَبْدان بنُ أحمد بن موسى الأَهْوازي، والمحدِّث عليُّ بن إسحاق بن زاطِيا المخرّمي، والقاضي محمدُ بنُ خلف وكيع الأخباري ، ومحدِّثُ قَزْوين أبو عبد الله محمدُ بنُ مسعود بن الحارث الأسدي، ومفتي الشَّافعيَّة بمصر أبو الحسن منصورُ بنُ إسماعيلَ الضَّرير . أخبَرَنا أبو محمَّد بنُ أبي عمر إذناً: أخبَرَنا عمرُ بنُ محمد، أخبَرَنا أحمدُ ابن محمد، ومحمدُ بنُ عبد الباقي قالا: أخبَرَنا طاهرُ بنُ عبد الله، أخبَرَنا أبو أحمد محمد بنُ أحمد، حدثنا أبو العبّاس بنُ سُرَیج، حدثنا عليُّ بن إشكاب، حدثنا أبو بدر، حدثنا عمرُ بنُ ذرّ، حدثنا أبو الرُّصافة الباهِليُّ من أهل الشامٍ: أنَّ أبا أمَامَةَ حدَّثَ عَنْ رسولِ الله قال: ((مَا مِنِ امْرِىءٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيَتَوَضَّأ عِنْدَهَا، فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي فَيُحْسِنُ الصَّلاةَ إِلَّ غَفَرَ اللهُ لهُ بِها مَا كانَ بَيْنَها وَبَيْنَ الصَّلاةِ التي كانَتْ قَبْلَهَا مِنْ ذُنُوبِه))(١) . وبه: حدثنا ابنُ سُریج: حدثنا الزعفراني، حدثنا وکیع، حدثنا الثَّوري، عن ربيعةَ الرَّأي، عن يزيدَ مولى المُنْبعث، عن زيدِ بنِ خالد قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَه ◌َنِ اللَّقَطَّةِ؟ فقال: ((عَرِّفْهَا سَنَّةً، فإنْ جَاءَ صَاحِبُها وإلّ فَاسْتَنْفِقْها)).(٢). (١) أبو الرصافة الباهليّ مجهول ، وباقي رجاله ثقات . وأبو بدر : هو شجاع بن الوليد ابن قيس السكوني. وأخرجه أحمد في ((مسنده)) ٢٦٠/٥ من طريق روح بهذا الإسناد . وللحديث شاهد من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه عند البخاري: ٢٢٨/١ في الوضوء: باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ومسلم (٢٢٧) في الطهارة : باب فضل الوضوء والصلاة عقبه ، ولفظه : ((لا يتوضأ رجلٌ مسلم فيحسن الوضوء فيصلي صلاة ، إلّ غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها )) . (٢) إسناده صحيح. وأخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢٢٦/٢ في القضاء في اللقطة ، والبخاري: ٦١/٥ في اللقطة: باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها ،= ٢٠٤ ١١٥ - ابنُ مُقبِل * الحافظُ الإِمام، أبو محمد، بكرُ بنُ أحمدَ بنِ مُقبل الهاشميُّ مولاهم البَصْري . يروي عن: عبدِ اللهِ بنِ معاويةَ الجُمَحِي، وأبي حَفْص الفلَّس، وبندار، وعبد الملك بن هَوْذة بنِ خليفة، وطَبَقتِهِم . وعنه: أبو القاسم الطَّبَراني، وجماعة . توفي سنةً إحدى وثلاث مئة في رمضان . ١١٦ - ابنُ الحَدَّاد ** الإِمام ، شيخُ المالكيَّةِ ، أبو عثمان ، سعيدُ بن محمدٍ بنِ صبيح بن الحدَّاد المغربي، صاحبُ سُحْنُون(١) ، وهو أحد المجتهدين ، وكان بحراً في الفروع، ورأساً في لسان العرب ، بصيراً بالسُّنَن . = وباب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه ، وباب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان ، وفي العلم : باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره ، وفي الطلاق : باب حكم المفقود في أهله وماله ، وفي الأدب : باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله . وأخرجه مسلم ( ١٧٢٢) في أول كتاب اللقطة ، كلهم من طريق ربيعة الرأي ، عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى رسول الله له فسأله عن اللقطة؟ فقال: ((اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، ثم عرُّفها سنة، فإن جاء صاحبُها وإلاّ فشأنَك بها)) قال: فضالَّة الغنم؟ قال ((هي لك أو لأخيك أو للذئب)) قال: فضالَّة الإِبل؟ قال: ((مالَكَ ولها ؟! معها سِقاؤها وحِذاؤها ، ترِدُ الماء وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربُّها)). * العبر: ١١٨/٢-١١٩، شذرات الذهب: ٢٣٤/٢. ** طبقات النحويين واللغويين: ٢٣٩ - ٢٤١، إنباه الرواة: ٥٣/٢ -٥٤، معالم الإيمان: ٢٩٥/٢ - ٣١٥، العبر: ١٢٢/٢، الوافي بالوفيات: ١٧٩/١٥ - ١٨٠ و٢٥٦، مرآة الجنان: ٢٤٠/٢، شذرات الذهب: ٢٣٨/٢. (١) بفتح السين المهملة وضمّها، هو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب ... = ٢٠٥ وكان يذُمُّ التَّقليد ويقول : هو من نقص العُقول ، أو دناءَة الهِمَم . ويقول: ما للعالِم وملائَمَة المَضاجِع . وكان يقول : دليلُ الضَّبْطِ الإِقْلال ، ودليلُ التَّقْصير الإِكثار . وكان من رؤوس السُّنَّة . قال ابنُ حارث : له مَقاماتٌ كريمة ، ومواقفُ مَحْمُودة في الدَّفع عن الإِسلام ، والذَّبِّ عن السُّنَّة ، ناظرَ فيها أبا العبّاس المعجوقي أخا أبي عبد الله الشِّيعيِّ الدَّاعي إلى دولة عبيد الله، فتكلَّم ابنُ الحدّاد ولم يَخَفْ سَطْوة سُلطانهم ، حتَّى قال له ولدُه أبو محمد : يا أَبَة ! اتَّقِ اللهَ في نفسِك ولا تبالغ . قال : حَسْبِي مَنْ له غَضِبتُ ، وعَنْ دِينه ذَبْت . وله مع شَيخ المعتزلة الفرّاء مناظراتٌ بالقَيْروان ، رجع بها عددٌ من المبتدِعَة . وقيل: إنَّه صَّف في الردِّ على ((المدَوَّنة))(١) وأَلَّف أشياء. قال أبو بكر بن اللََّّاد: بَيْنا سعيدُ بنُ الحدّاد جالسٌ أتاه رسولُ عبيد الله - يعني المهدي - قال : فأتيتُهُ وأبو جعفر البغداديُّ واقف ، فتكلَّمتُ بما حَضَرني ، فقال : اجلس . فجلست ، فإذا بكتاب لطيف ، فقال لأبي بے = التنوخي ، من كبار فقهاء المالكية انتهت إليه الرئاسة في العلم بالمغرب في زمانه ، وحصل له من الأصحاب والتلامذة مالم يحصل لأحد من أصحاب مالك مثله ، وعنه انتشر علم مالك في المغرب . توفي سنة أربعين ومثتين . وسحنون : اسم طائر حديد بالمغرب ، لقب به سحنون لحدّته وقد تقدّمت ترجمته في الجزء الثاني عشر رقم الترجمة ( ١٥). (١) قال المؤلف في ((العبر)) ١٢٢/٢ في معرض ترجمته لابن الحداد: ((وأخذ يسمّي (المدونة)): المدوّدة)). وانظر حول تصنيف ((المدونة)) ما كتبه ابن خلكان في ((الوفيات)) ١٨١/٣ - ١٨٢. ٢٠٦ جعفر: اعرضِ الكتابَ على الشَّيخ . فإذا حديثُ غَدِير خُمّ(١) . قلت : وهو صحيح ، وقد رَوَيْناه . فقال عبيدُ الله : فما للنَّاس لا يكونونَ عَبِيْدنا ؟ قلت : أعزَّ اللهُ السَّيِّد ، لم يرد ولاية الرِّق ، بل ولاية الدِّين ، قال : هل من شاهد ؟ قلت : قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ، ثُمِّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُوْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٧٩] فما لم يكنْ لنبيِّ اللهِ لم يكنْ لغيره . قال : انصرفُ لاينالُكَ الحرّ . فتبِعَني البغداديُّ فقال : اكتُمْ هذا المجلس . وقال موسى بنُ عبدِ الرَّحمن القَطَّان: لو سمعتُم سعيدَ بنَ الحدَّاد في تلك المحافل - يعني مناظرته للشِّيعي - وقد اجتمعَ له جَهارةُ الصَّوت ، وفَخامةُ المَنْطِقِ ، وفَصاحةُ اللِّسان ، وصوابُ المعاني، لتَمنَّتم أن لا يسْكُت . وقيل : إنَّ ابن الحدّاد تحوَّل شافعيّاً من غير تقليد ، ولا يعتقدُ مسألةٌ إلّ بحجّة . وكان حسن الِزّة ، لكنَّه کان یتقوّتُ بالیسیر ، ولم یحجّ ، وکان کثیر الردِّ على الكوفِين . (١) أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) ٣٧٢/٢ عن سفيان، ثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن أبي عبيد ، عن ميمون قال : قال زيد بن أرقم - وأنا أسمع : نزلنا مع رسول الله * بوادٍ يقال له : وادي خمّ ، فأمر بالصلاة ، فصلاها بهجير، قال : فخطبنا وظلل لرسول الله * بثوب على شجرة سمرة من الشمس ، فقال: ألستم تعلمون ، أو لستم تشهدون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا : بلى ، قال : فَمن كنتُ مولاه فإنّ علياً مولاه . اللهمّ عادٍ مَنْ عاداه، ووالٍ مَنْ والاه)). وإسناده صحيح، وهو في ((المسند)) أيضاً: ٣٦٤/٤ و ٣٧٠. وفي الباب عن عليّ عند أحمد: ١١٨/١ - ١١٩، وعن البراء عند أحمد: ٢٨١/٤، وابن ماجه (١١٦). وانظر حول غدير خمّ ((معجم البلدان)) ٣٨٩/٢ - ٣٩٠. ٢٠٧ وقيل : إنَّه سار لتلقّي أبي عبدِ اللهِ الشِّيعي ، فقال له : يا شيخ ! بِمَ كنتَ تَقضي ؟ فقال إبراهيمُ بنُ يونس: بالكتاب والسُّنَّة . قال : فما السُّنَّة ؟ قال: السُّنَّةُ السُّنَّة. قال ابنُ الحدّاد : فقلتُ للِّيعي : المجلسُ مشترَك أَمْ خاصّ ؟ قال : مشترك . فقلت : أصلُ السُّنَّة في كلام العرب المثال ، قال الشاعر : تُرِيْكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غيرَ مُفْرِفَةٍ مَلِسَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ ولا نَدَبُ(١) أي صُورة وَجه ومثاله . والسُّنَّة محصورةً في ثلاث : الائتمار بما أمر به النّبِيُّ ◌َ﴿، والانتهاء عما نَهى عنه، والائتساء بما فعل. فقال الشِّيعي: فإن اختلفَ عليكَ النقل ، وجاءتِ السُّنَّةُ من طُرق ؟ قلتُ: أنظرُ إلى أصحِّ الخَبَرَيْن ، كشهودٍ عدولٍ اختلفوا في شهادة ، قال : فلو اسْتَوَوْا في الثَّبات ؟ قلتُ : يكونُ أحدهما ناسخاً للآخر . قال : فمِنْ أينَ قلتُم بالقِياس ؟ قلتُ : من كتاب الله ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] فالصَّيْدُ معلومَةٌ عينُه ، فالجزاءُ أُمرنا أَنْ نمثِّلَهُ بشيءٍ من النَّعَم، ومثلُه في تَثْبيت القِياس : ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِيْنَ يَسْتَنْبِطُونَهِ﴾ [النساء: ٨٣] والاستنباط غير منصوص. ثمَّ عطفَ على موسى القطّان فقال : أينَ وجدتُمْ حدَّ الخَمر في كتاب الله ، تقول : اضرِبُوهُ بِالأرْدِيَة وبالأيْدي ثمَّ بالجَرِيد ؟(٢). فقلت أنا: إنَّما حُدَّ قِياساً على حدِّ القاذف ، لأَنَّه إذا شرِبَ سَكِر، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتُرى (٣)، (١) البيت الذي الرمّة، وهو في ديوانه ص٨ من قصيدته التي مطلعها: كأنَّه من كُلى مَفرِيّةٍ سَرِبُ ما بالُ عينك منها الماءُ ينسكبُ وقوله : سنة وجه : أي صورة وجه . والنَّدب : الأثر من الجراح . (٢) ثبت ذلك من حديث أنس عند البخاري: ٥٤/١٢ في الحدود: باب ما جاء في ضرب شارب الخمر ، ومسلم ( ١٧٠٦ ) في الحدود : باب حد الخمر ، من طريق شعبة ، عن قتادة ، عن أنسٍ ((أن النبي﴾ ضرب في الخمر بالجريد والنّعال، وجلد أبو بكر أربعين)). (٣) أخرجه مالك: ٥٥/٢ في الأشربة: باب الحد في الخمر، وعنه الشافعي : = ٢٠٨ فأوجبَ عليه ما يؤول إليه أمرُه. قال: أوَلمْ يقلْ رسولُ اللهِ وَهِ: ((وَأَقْضَاكُمْ عَلَيّ .. )) فساق له موسى تمامَه وهو: ((وَأَعْلَمُكُمْ بِالحَلالِ وَالحَرَامِ مُعَاذ ، وأَرْأَفُكُمْ أبو بَكْر، وأَشَدُكُمْ فِي دِينِ اللهِ عُمَر ))(١) . قال : كيفَ يكونُ أشدَّهُم وقد هرَب بالرَّاية يوم خَيْبَر(٢)؟ قال موسى: ما سمعنا بهذا . فقلتُ : إِنَّما تحيَّز إلى فئةٍ فليس بِفَارٌ . = ٣٠٤/٢ من طريق ثور بن زيد الدِّيلي ((أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له عليّ : نرى أن نجلده ثمانين ، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى - أو كما قال ــ فجلدَ عمرُ في الخمر ثمانين)). قال الحافظ في ((تلخيص الحبير)) ٧٥/٤: وهو منقطع ، لأن ثوراً لم يلحق عمر بلا خلاف ، لكن وصله النسائي في (( الكبرى )) ، والحاکم : ٣٧٥/٤ من وجه آخر عن ثور ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . ورواه عبد الرزاق (١٣٥٤٢ ) عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة ولم يذكر ابن عباس. وفي صحته نظر لما ثبت في ((الصحيحين)) عن أنس أن النبي وَّ جلد في الخمر بالجريد والنعال ، وجلد أبو بكر أربعين ، فلما كان عمر استشار الناس ، فقال عبد الرحمن : أخف الحدود ثمانون ، فأمر به عمر . ولا يقال : يحتمل أن يكون عبد الرحمن وعليّ أشارا بذلك جميعاً، لما ثبت في صحيح مسلم (١٧٠٧ ) (٣٨) من طريق حضين بن المنذر - أبي ساسان - قال : شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال : أزيدكم ؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حُمران : أنه شرب الخمر ، وشهد آخر : أنه رآه يتقيأ . فقال عثمان : إنه لم يتقيّأ حتى شربها . فقال: يا عليّ قم فاجلده . فقال عليّ: قم يا حسنُ فاجلده . فقال الحسن: ولِّ حارَّها مَنْ تولَّى قارَّها - كأنه وجد عليه - فقال: يا عبد الله ابن جعفر قم فاجلده ، فجلده وعليُّ يعدُّ حتى بلغ أربعين . فقال: أَمسك. ثم قال : جلد النبي * أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمرُ ثمانين. وكلُّ سنة، وهذا أحبُّ إلَيّ)). (١) قطعة من حديث أخرجه الترمذي ( ٣٧٩١) وابن ماجه (١٥٤) من طريق عبد الوهاب الثقفي ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان ، وأقضاهم عليّ ، وأقرؤهم لكتاب الله أبيُّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، ألا وإن لكل أمة أميناً، وإنّ أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)). وقال الترمذي: حسن صحيح ، وصححه ابن حبان (٢٢١٨) والحاكم: ٤٢٢/٣ ووافقه الذهبي ، وهو كما قالوا . (٢) كذا الأصل، وفي ((معالم الإِيمان)) حنين . ٢٠٩ وقال في: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] إنَّما نهاهُ النَّبِيُّ ◌َو عن حُزْنِهِ لأَنَّه كان مسخوطاً . قلتُ : لمْ يكُنْ قولُه إلاَّ تَبْشِيراً بأنَّه آمنٌ على رسول الله وعلى نفسه، فقال أينَ نظيرُ ما قلتَ؟ قلت: قولُهُ لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا إنني معَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه: ٤٦] فلم يكنْ خَوْفُهُما من فِرعون خوفاً بسخط الله . ثم قال : يا أهل البلدة: إِنَّكم تبغضُون عليّاً؟ قلتُ : على مُبْغِضِه لعنةُ الله . فقال : صلّى اللهُ عَلَيه. قلتُ: نَعَمْ ، ورفعتُ صَوْتِي: صلَّى اللهُ عليه وسلّم، لأَنَّ الصَّلاةَ في خطاب العرب الرحمةُ والدُّعاء ، قال : ألم يقلْ رسولُ الله ◌ِوَ﴾: ((أنتَ مِنِّي بمَنْزِلَةٍ هارونَ مِنْ مُوسى)»؟ قلتُ: نعم، إلاّ أنَّه قال: ((إلَّ أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدي))(١) . وهارون كان حجّة في حياة موسى ، وعليّ لم يكن حجَّةً في حياة النَّبِيّ ، وهارونُ فكان شَرِيكاً ، أفكان عليّ شريكاً لِلنَّبِيِّينَ﴿ فِي النَّبَوَّة؟! وإنَّما أراد التقريب والوزارة والولاية . قال: أوليس هو أفضلَ ؟ قلتُ : أليسَ الحقُّ مُتَّفقاً عليه ؟ قال : نعم . قلتُ : قد ملكتَ مدائن قبلَ مدينتنا ، وهي أعظمُ مدينة ، واستفاضَ عنكَ أنَّك لم تُكرِهْ أحداً على مذهَبِك ، فاسلُكْ بنا مسلَكَ غيرِنا ونَهَضْنا . قال ابنُ الحدَّاد : ودخلتُ يوماً على أبي العبّاس ، فأجلسَني معهُ في مكانِهِ وهو يقول لرجل : أليسَ المتعلِّم محتاجاً إلى المعلّم أَبَداً ؟ فعرفتُ أنَّه (١) أخرجه البخاري: ٨٦/٨ في المغازي : باب غزوة تبوك ، وفي فضائل أصحاب النبي ◌َّل: باب مناقب عليّ بن أبي طالب، ومسلم (٢٤٠٤ ) في فضائل الصحابة : باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه من طريق شعبة ، عن الحكم ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: خلّف رسول الله # علي بن أبي طالب في غزوة تبوك. فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصَّبيان؟ فقال: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟! غير أنّه لا نبيَّ بعدي)). ٢١٠ يريدُ الَّعن على الصِّدِّيق في سؤاله عن فرض الجَدَّة (١)، فبدرتُ وقلت : المتعلِّم قد يكونُ أعلمَ من المعلِّم وأفقَهَ وأفضَلَ لقوله عليه السَّلام: ((رُبَّ حامِلٍ فِقْهٍ إِلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْه .. ))(٢). ثمَّ معلِّم الصِّغار القرآنَ يَكبرُ أحدُهُم ثمّ يصير أعلمَ منَ المعلِّم . قال : فاذكرْ مِن عامِّ القرآنِ وخاصِّه شَيْئاً ؟ قلتُ : قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكات﴾ [البقرة: ٢٢١] فاحتمل المرادُ بها العام ، فقال تعالى: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ [المائدة: ٥] فعلمنا أنَّ مُرادَه بالآية الأولى خاص ، أراد : ولا (١) إشارة إلى الحديث الذي رواه مالك في ((الموطأ)) ٥٤/٢ في الفرائض: باب ميراث الجدّة ، وأبو داود (٢٨٩٤) في الفرائض: باب في الجدّة، والترمذي (٢١٠٢) فيه أيضاً : باب ميراث الجدّة وابن ماجه ( ٢٧٢٤ ) في الفرائض : باب ميراث الجدّة ، من حديث قبيصة بن ذؤيب أنه قال : جاءت الجدّة إلى أبي بكر تسأله ميراثها ، فقال : مالكِ في كتاب الله من شيء، وما علمتُ لكِ في سنة رسول الله صليغير شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس ، فسأل الناس ، فقال المغيرة بن شعبة: حضرتُ رسول الله ﴿ أعطاها السدس، فقال: هل معك غيرُك ؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة ، فأنفذ لها أبو بكر السدس . ثم جاءت الجدّة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها ، فقال : ما لكِ في كتاب الله من شيء ، وما كان القضاء الذي قضي به إلّ لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض شيئاً ، ولكن هو ذلك السدس ، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما ، وأيتكما خلت به فهو لها)). قال الترمذي : حسن صحيح ، وصححه الحاكم : ٣٣٨/٤ ، وابن حبان ( ١٢٢٤ ) وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٨٢/٣: وإسناده صحيح لثقة رجاله إلّ أن صورته مرسل، فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصدّيق ، ولا يمكن شهوده للقصة . (٢) قطعة من حديث صحيح، أخرجه الشافعي: ١٤/١، والترمذي (٢٦٥٨) في العلم : باب في الحث على تبليغ السماع، من حديث ابن مسعود: أن رسول الله صل﴿ قال: (( نضَّر الله عبداً سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأدّاها ، فربَّ حامل فقه غير فقيه ، وربَّ حامل فقه إلى مَن هو أفقهُ منه)). قال الترمذي : وهذا حديث حسن صحيح . وفي الباب عن زيد بن ثابت عند أحمد : ١٨٣/٥، وأبي داود (٣٦٦٠) والترمذي (٢٦٥٦) وابن ماجه (٢٣٠) والدارمي) ٧٥/١، وقد صححه الحافظ ابن حجر وغيره . وعن جبير بن مطعم عند أحمد: ٨٠/٤، وابن ماجه (٢٣١) والدارمي: ٧٤/١ و ٧٥ . وعن أبي الدرداء عند الدارمي: ٧٥/١ - ٧٦، وعن أنس عند أحمد: ٢٢٥/٣. ٢١١ تُنْكِحُوا الْمُشْركاتِ غيرَ الكِتابَيّاتِ مِنْ قَبْلِكم حتى يُؤْمِنٌ ، قال : ومَن هنّ المحصَّنات ؟ قلتُ : العفائف ، قال : بل المتزوِّجات . قلتُ : الإِحصانُ في اللُّغة : الإِحراز، فَمَن أحرزَ شيئاً فقد أحْصَنَه ، والعِتَقُ يحصِّنُ المملوكَ لأنَّه يحرزُهُ عن أن يجري عليه ما على المماليك ، والتزويجُ يحصِنُ الفرجَ لأَنَّه أحرزَهُ عن أن يكونَ مُباحاً، والعفافُ إحصانٌ للفَرْج . قال : ما عندي الإِحصان إلَّ التَّزْويج. قلتُ له : منزلُ القرآن يأبى ذلك، قال: ﴿وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] أَيْ أَعَقَّتْه وقال: ﴿مُحْصَناتٍ غيرَ مُسَافِحات﴾ [النساء: ٢٥] عفائف، قال: فقد قال في الإِماء: ﴿فإذا أَحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] وهنَّ عندَكَ قد يكنَّ عفائف. قلت: سمَّاهُنَّ بمتقدِّم إحصائِهِنَّ قبل زِناهُنّ، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُم﴾ [النساء: ١٢]. وقد انقطعتِ العِصمةُ بالمَوْت، يريدُ اللَّتِي كُنَّ أزواجكم ، قال : يا شَيخ ! أنتَ تلوذ قلتُ : لستُ ألوذ ، أنا المجيب لك ، وأنتَ الذي تلوذُّ بمسألة أخرى، وصِحتُ : ألا أحدٌّ يكتبُ ما أقولُ وتقول . قال : فوقى اللهُ شرَّه. وقال: كأنَّك تقول : أنا أعلمُ الناس . قلتُ: أمَّا بدِيني فَنَعم . قال : فما تحتاجُ إلى زيادةٍ فيه ؟ قلتُ : لا ، قال : فأنتَ إذاً أعلمُ من موسى إذ يقول: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَني﴾ [الكهف: ٦٦] قال: هذا طعنٌ على نبوَّة موسى ، موسى ما كان مُحتاجاً إليه في دِينه ، كلّ ، إنما كان العلمُ الذي عند الخَضرِ دُنياويّاً: سفينةً خَرَقَها، وغلاماً قَتْلَه ، وجِداراً أقامَه، وذلك كلُّه لا يزيدُ في دِين موسى ، قال : فأنا أسألك . قلتُ : أَوْرِدْ وعليَّ الإِصْدارُ بالحق بلا مَثْنَويَّة(١) ، قال : ما تفسيرُ الله ؟ قلتُ : ذو الإِلهية ، قال : وما هي ؟ قلتُ : الرُّبوبيَّة ، قال: وما الرُّبوبيَّة ؟ قلتُ : المالكُ الأشياء كلّها ، (١) أي : بلا استثناء . ٢١٢ قال : فقريشَ في جاهليَّتها كانت تعرفُ الله ؟ قلتُ : لا ، قال : فقد أخبرَ اللهُ تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّ لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] قلت : لما أشَرَكوا معه غيرَه، قالوا ، وإنَّما يعرفُ اللهَ مَن قال: إنَّه لا شريكَ له . وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الکافِرُون * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون﴾ [الكافرون: ١ - ٢] فلو كانوا يعبدونَه ما قال: ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدون﴾. إلى أن قال: فقلتُ: المشركونَ عَبَدة الأصنام الَّذين بعثَ النبيُّ ◌َّه إليهم عليًّا ليقرأ عليهم سورة براءة(١)، قال: وما الأصْنام؟ قلتُ: الحجارة ، قال: والحجارةُ أَتعبّد ؟ قلتُ : نعم ، والعُزَّى كانت تُعبد وهي شجرة ، والشِّعْرى كانت تُعبد وهي نجم. قال: فالله يقول: ﴿أَمِّنْ لَا يَهِدِّي(٢) إلَّ أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥] فكيف تقول : إنَّها الحجارة ؟ والحجارةُ لا تهتدي إذا هُديت ، لأنَّها ليسَتْ من ذواتِ العقول . قلتُ : أخبرَنا اللهُ أنَّ الجُلودَ تْطِقُ وليست بذواتٍ عقول ، قال : نسب إليها النُّطْقَ مَجازاً. قلتُ : مُنزلُ القرآنِ يأبى ذلك فقال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَقْوَاهِهِمْ وَتُكَلَّمُنَا أَيْدِيْهِمْ﴾ [يس: ٦٥] إلى أن قال: ﴿قالوا: أَنْطَقْنَا اللهُ الذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] وما الفرقُ (١) أخرج البخاري: ٢٣٨/٨ - ٢٤٠ في أول سورة براءة ، من حديث حميد بن عبد الرحمن : أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : ألّ يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان . قال حميد : ثم أردف رسول الله له بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة . قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة ، وأن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ». وانظر ((المسند)) ٢٩٩/٢، والنسائي: ٢٣٤/٥، والطبري ( ١٦٣٧٠) و ( ١٦٣٧١) و (١٦٣٧٣) و (١٦٣٧٥) و((المستدرك)) ٣٣١/٢، وابن كثير في ((تفسيره)) ٣٣١/٢ -٣٣٢، والبداية: ٣٦/٥ -٣٩. (٢) بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال المكسورة ، وفي آخرها ياء ، وهي قراءة حفص. ولها أيضاً قراءات متعددة انظرها في ((النشر)) ٢٨٣/٢. ٢١٣ بينَ جِسْمِنا والحجارة ؟ ولو لم يُعقِّنا لم نَعِل، وكذا الحجارةُ إذا شاءَ أنْ تعقلَ عَقَّلت . وقيل : لم يُرَ أغزر دَمْعَةً مِن سعيدٍ بن الحدَّاد ، وكان قد صَحِبَ النُّسّاك، وكان مُقلًا حتى ماتَ أخْ له بصِقِلَّيَّة ، فورِثَ منه أربع مئة دينار ، فَبَنِى منها دارَهُ بمئتي دينار ، واكتسى بخمسين ديناراً . وكان كريماً حليماً . روی عنه ولده ، أبو محمد ، عبدُ الله شیخُ ابن أبي زيد . وكان يقول : القُرْبُ من السُّلطان في غيرِ هذا الوقت حتفُ من الخُتوف ، فكيفَ اليوم ؟ وقال : مَن طالَتْ صُحْبتُهُ للدّنيا وللنَّاس فقد ثَقُل ظهرُه. خابَ السَّالون عن الله، المتنعِّمُون بالدُّنيا. مَنْ تحبَّبَ إلى العِبَاد بالمعاصي بَغَّضَهُ اللهُ إليهم . وقال : لا تعدٍ لَنَّ بالوَحدةِ شَيْئاً ، فقد صارَ الناسُ ذئاباً . وقال : ما صَدَّ عَنِ اللهِ مثلُ طلب المحامِد ، وطلب الرِّفعة . وله : قَدْ تَوَفَّيْتُها مِنَ الأَزْمَانِ بَعْدَ سَبْعِيْنَ حِجَّةً وَثَمَانٍ فابْكِيَاني - هُدِيْتُما - وانْعَياني يا خَلِيْلَيَّ قَدْ ذَنَا الموتُ مِنِّي قال القاضي عياض : ماتَ أبو عثمان سَنَّة اثنتينٍ وثلاث مئة ، وله ثلاثٌ وثمانون سنة ، رحمَهُ الله . ٢١٤ ١١٧ - حِمَاس * العَلَّمَةُ المفتي القاضي ، أبو القاسم ، حِمَاسُ بنُ مروان بنِ سماك الهَمْداني المغربي . اختلفَ في صِغره إلى سُحْنُون ، وكان عادلاً في حُكمه ، بصيراً بالفقه ، علَّمة ، وكان الإِمامُ يَحْيَى بنُ عمر يُثْني على حِماس ويُطْرِيه . وقال ابن حارث : كان معدوداً في العبّاد ، صاحبَ تهجّد وصِيام ، ولبس صوف ، مع الفِقه البارع . وقال أبو العرب : سمع من سُحْنون ، وابنِ عَبْدوس وغيرهما . قيل : إنَّه قام من اللّيل، فوجد وَلَدَيْهِ والعجوزَ والخادمَ يتهجِّدونَ ، فَسُرَّ بذلك . ويؤثر عنه حكاياتٌ في زُهْده وقنوعه . تُوفي سنةَ اثنتين وثلاث مئة أيضاً بإفريقية. ١١٨ - ابن البَرْدُون * * الإِمامُ الشهيدُ المفتي ، أبو إسحاق ، إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ البَرْدُون الضَّي مولاهم الإفريقيُّ المالكيّ ، تلميذُ أبي عثمان بن الحدَّاد . قال القاضي عياض : كان يقول: إنِّي أتكلّم في تسعة أعشار قياس العلم(١) . * معالم الإيمان: ٣٢٠/٢ -٣٣٠، الديباج المذهب: ٣٤٢/١ -٣٤٤. ** معالم الإيمان: ٢٦١/٢ - ٢٦٥، الديباج المذهب: ٢٦٦/١ - ٢٦٧. (١) في ((معالم الإيمان)) و((الديباج المذهب)): إني أتكلم في تسعة عشر فناً من العلم . ٢١٥ وكان مناقضاً للعراقيّين ، فدارت عليه دوائر في أيام عبيد الله ، وضُرِبَ بالسِّياط ، ثم سَعَوا به عند دخول الشِّيعيِّ إلى القَيْرَوان، وكانت الشِّيعةُ تَميلُ إلى العراقيِّين لموافقتِهِم لهم في مسألةِ التفضيل ورخصة مذهبهم ، فرفَعُوا إلى أبي عبد الله الشِّيعِيّ: أنَّ ابنَ البَرْدون وأبا بكر بنَ هُذَيل يطعنان في دولتهم، ولا يفضِّلان عليّاً. فَحَبَسَهُما، ثم أمرَ متولي القَيْروان أنْ يضربَ ابن هذيل خمسَ مئةٍ سَوْط ، ويضربَ عنق ابنِ البَرْدُون ، فَغَلِطَ المتولّي فقتلَ ابنَ هُذيل ، وضربَ ابنَ البَّرْدون ، ثمَّ قتلَه من الغد . وقيل لابن البَّرْدون لما جرِّد للقتل : أترجعُ عن مذهبِك ؟ قال : أعنٍ الإِسلام أرجع ؟ ثم صُلبَا في سنةٍ تسعٍ وتسعينَ ومئتين . وأمر الشيعيُّ الخبيثُ أن لا يُفتى بمذهب مالك ، ولا يُفتى إلاّ بمذهب أهل البيت ، ويَرَوْن إسقاط طلاق البتّة ، فَبَقِيَ مَنْ يتفقَّه لمالك إنَّما يتفقَّهُ خِفية . قال الحسينُ بنُ سعيد الخرَّاط : كان ابنُ البَرْدُون بارعاً في العلم ، يذهبُ مذهبَ النَّظَر، لم يكن في شباب عصره أقوى على الجَدَل وإقامة الحجّة منه . سمعَ من عيسى بن مِسْكين ، ويَحْنَى بنِ عُمر ، وجماعة . ولمًّا أتيَ به إلى ابن أبي خِنزير، وقفَ ، فقال له : يا خِنْزِير . فقال ابنُ البَرُدُون : الخنازيرُ معروفةٌ بأنيابها . فغضِبَ وضَرَبَ عُنْقَه . وقال محمد بن خراسان : لمَّا وصلَ عبيدُ اللهِ إلى رَقَّادة(١) ، طلبَ من القَيْرَوان ابنَ البَردون ، وابنَ هذيل ، فأتياه وهو على السَّرِير ، وعن يمينِهِ أبو عبد الله الشِّيعيّ، وأخوه أبو العَبَّاس عن يساره ، فقال: أتشهدانٍ أنَّ هذا (١) كذا ضبطها ياقوت في ((معجمه)) ٥٥/٣، وقال: ((بلدة كانت بإفريقية ، بينها وبين القيروان أربعة أيام ، وأكثرها بساتين ، ولم يكن بإفريقية أطيب هواء ، ولا أعدل نسيماً، وأرق تربة منها)) . ٢١٦ رسولُ الله؟ فقالا بلفظٍ واحد: واللهِ لوجاءَنا هذا والشمسُ عن يمينِهِ والقمرُ عن يَسَاره يقولان: إنَّه رسولُ الله، ما قلنا ذلك. فأمَرَ بِذَبْحِهِما. ١١٩ - ابنُ خَيْرون * الإِمامُ أبو جعفر، محمدُ بنُ خَيْرون المَعَافريُّ مولاهم القُرْطبيّ . قال بعضُهُم : كنتُ جالساً عند ابن أبي خِنزير فدخل شيخٌ ذو هيئة وخشوع، فبكى ابنُ أبي خنزير وقال: السُّلطان - يعني عبيد الله - وجَّه إليَّ يأمرُني بدَوْس هذا حتى يموت. ثمَّ بطَحَه، وقفَزَ عليه السُّودانُ حتى مات، لِچِهادِهِ وبُغْضِهِ لعبيد الله وجُنْده . وكان سعى به المروذي اللَّعين ، ولمَّا رأى ابنُ أبي خِنزير كثرةَ أذاهُ للعلماء ، تحيَّل وسعى به ، ختى قَتَلَه عبيدُ اللهِ سنةَ ثلاث مئة، أو بعدها . فيا ما لَقِيَ الإِسلامُ وأهلُهُ من عبيدِ اللهِ المَهْدِيِّ(١) الزِّنْديق ! ١٢٠ - الحَصِيْري * * الحافظ الحجّةُ القُدوة ، أبو محمد، جعفرُ بنُ أحمدَ بنِ نصر النَّيْسَأُبُورِيُّ المعروف بالحَصيري ، أحدُ الأعلام . سمع من : إسحاقَ بنِ راهويه ، وأبي مصعب الزّهري ، وإسماعيلَ بنِ موسى السُّدِّي ، وأبي مروان العُثْماني ، وأبي كُرَيْب ، وابنٍ أبي عمر * جذوة المقتبس : ٥٤ ، بغية الملتمس : ٩٣ - ٩٤. (١) سبق التعريف به في الحاشية (٢) من الصفحة (٥٨) * * الأنساب: ١٦٩/ب، وهو فيه ( الحُصْري)، مختصر طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي: الورقة ١/١٢٢، تذكرة الحفاظ: ٧٠٢/٢ -٧٠٣، العبر: ١٢٦/٢، النجوم الزاهرة : ١٨٨/٣، طبقات الحفاظ: ٣٠٤ -٣٠٥، شذرات الذهب: ٢٤٢/٢. ٢١٧ العَدني ، ومحمدِ بنِ رافع ، والذّهْليّ ، وخلائق . روى عنه الحفّاظ : أبو عليّ، وعبدُ اللهِ بنُ سعد، ومحمدُ بنُ إبراهيم، وأبو حامد ابن الشَّرْقي، وأحمدُ بنُ الخضر ، وإسماعيلُ بنُ نُجَيد ، وآخرون خاتمتُهُم أبو عمرو بن حَمْدان. قرأتُ على محمدِ بنِ عبد السَّلام التَّميمي ، عن عبد المعزِّ بنِ محمد : أخبَرَنا أبو القاسم المُسْتَمْلِي ، وتميمُ بنُ أبي سعيد قالا : أخبَرَنا محمدُ بنُ عبد الرَّحمن الأديب ، أخبَرَنا محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ حَمْدان ، أخبَرَنا جعفرُ بنُ أحمدَ الحافظ، حدثنا محمد بنُ رافِع، حدثنا شبابة، حَدَّثَنِي وَرْقاء، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، عن النّبِّنَّه قال: (( لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يُبْعَثَ دَجَالُونَ كَذَّابُونَ، قريبٌ مِنْ ثَلَاثِين، كلُّهُم يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّه))(١). قال الحاكم في « تاريخه )) : الحصیريُّ ركن من أركان الحدیث في الحفظ ، والإِتقان ، والوَرَع. سمعَ منهُ أخي محمدُ الكثيرَ ، وهو جَدُّه . وسمعتُ أحمدَ بنِ الخضر الشَّافعيَّ يقول : لمّا وَرَدَ أبو عليٍّ عبد الله بن : 1 (١) أخرجه البخاري : ٧٢/١٣ -٧٨ في الفتن، من طريق أبي اليمان ، عن شعيب: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم: ٢٢٣٩/٤ - ٢٢٤٠ رقم الحديث الخاص (٨٤) من طريقين عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة . وأخرجه البخاري : ٤٥٤/٦ في علامات النبوة في الإِسلام ، والترمذي (٢٢١٨ ) من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام · ابن منبه، عن أبي هريرة . وأخرجه أبو داود (٤٣٣٣ ) من طريق عبد العزيز بن محمد ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، وأخرجه أيضاً (٤٣٣٤ ) من طريق عبيد الله بن معاذ، عن أبيه ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ١ ٢١٨ محمد البَلْخي، عجزَ الناسُ عن مُذَاكَرَته لحِفْظِهِ، فذاكَرَ جعفر بنَ أحمدَ بأحاديثِ التَّمتُّع والحجِّ ، والإِفراد ، والقِران ، فكانَ يسرُد ، فقال له جعفر : تحفظُ عن سليمانَ الَّيميّ، عن أنس: ((أنَّ النَّبِيِّ وَ لَبِّى بحِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعاً))(١)؟ قال : فبقي [واقفاً] وجَعَلَ يقول: التَّيميُّ عن أنس ... فقال جعفر : حدَّثَنَاهُ يَحْيَى بنُ حبيب بنِ عربي : حدثنا مُعتمر، عن أبيه. قال الحاكم: قال لي محمدُ بنُ أحمدَ السُّكريُّ - سبطُ جعفر : كان جَدِّي قد جزّأ الليل ثلاثة أجزاء ثلثاً يصلي، وثلثاً يصنف وثلثاً ينام، وكان مرضُهُ ثلاثة أيَّام، لا يفتُرُ عن قراءة القرآن. وسمعتُ أبا الحسن الشَّافعيَّ يقول: كان أبو عَمْرو الخفَّافُ حِفظُهُ أكثرُ مِن فَهْمه ، وكان لا يقبلُ مِمَّن يُرُدُّ عليه غير جعفر الحافظ ، فإنَّه کان یرجُ إلی قوله . وسمعتُ أحمدَ بنَّ الخضر : سمعتُ جعفرَ بنَ أحمدَ يقول : كنَّا في مجلس محمد بن رافع تحت شجرةٍ يقرأ علینا ، وكان إذا رفع أحدٌ صَوْته ، أو تبسَّمَ قام ولا يُراجَع ، فوقَعَ ذرقُ طَير على يدي وكتابي ، فضحِكَ خادمٌ لأولاد طاهِرِ بنِ عبدِ الله الأمير ، فنظرَ إليْه ابنُ رافع ، فوضع الكتاب ، فانتهى الخَبرُ الى السُّلطان، فجاءني الخادمُ ومعهُ حمَّالٌ على ظهره نَّبْت سامان ، فقال : واللهِ ما أملكُ إلَّ هذا، وهو هديَّةٌ لك، فإن سُئلت عنّي فقل : لا أدري مَنْ تبسَّم . فقلتُ : أفعل . فلمَّا كان الغد حملتُ إلى باب السُّلطان ، فبرَّأتُ الخادم ، ثم بِعتُ السَّامان بثلاثينَ ديناراً ، واستعنتُ بذلك على (١) ذكره ابن القيم في ((زاد المعاد ))١١٦/٢، ونسبه للبزار، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من طرق أخرى عن أنس. انظر ((زاد المعاد)) ١١٧/٢ وما بعدها . ٢١٩ الخروج إلى العراق ، فلُقِّبتُ بالحُصْري ، وما بِعتُ حُصْراً ولا آبائي(١). قال الحاكم : توفيَ الحَصِیري سنةَ ثلاثٍ وثلاثٍ مئة . ١٢١ - الخَيَّاط * شيخُ المعتزلةِ البغداديِّين ، له الذكاء المُفرط ، والتَّصانيفُ المهذَّبة ، وكان قد طلب الحديث ، وكتبَ عن يوسفَ بنِ موسى القطّان وطبقته . وهو أبو الحسين ، عبدُ الرَّحيم بنُ محمدِ بنِ عثمان. وكان من بحورِ العِلم ، له جلالةٌ عجيبةٌ عند المعتزلة ، وهو من نُظراء الجُبَّائي(٢) . صنَّفَ كتاب (( الاستدلال )) ، ونقض كتاب ابن الرَّاوندي في فضائح المعتزلة، وكتاب ((نقض نعت الحكمة))، وكتاب: ((الرَّد على من قال بالأسباب )) ، وغير ذلك . لا أعرف وفاته . ١٢٢ - محمَّدُ بنُ محمّدٍ بنِ عُقْبَة * * ابن الوليد ، الإِمامُ الأوْحَد ، أبو جعفر الشَّيْبانيُّ الكوفيّ . سمع أبا كُرَيب ، والحسَن بنَ عليَّ الحُلْواني، وطبقَتَهُما . (١) الخبر بطوله في ((أنساب السمعاني)، ص ٦٩. ·الفرق بين الفرق : ١٦٣ - ١٦٥، تاريخ بغداد: ٨٧/١١، الملل والنحل : ٧٦/١، الأنساب : ٢١٤/ب، طبقات المعتزلة لابن المرتضى: ٨٥ - ٨٨، لسان الميزان: ٨/٤ -٩. (٢) سبقت ترجمته في الصفحة ١٨٣ من هذا الجزء. * * الوافي بالوفيات : ٩٩/١. ٢٢٠