النص المفهرس

صفحات 361-380

إبراهيم الحربي ، وكانَ وعَدَنا أن يُمِلِّ علينا مسألةً في الاسم والمسمَّى ،
وكان يجتمع في مجلسِه ثلاثون ألفَ مِحْبَرَةٍ، وكان إبراهيم مُقِلاً، وكانتْ له
غرفةٌ ، يصعد ، فيُشْرِفُ منها على النَّاس، فيها كُوَّ إلى الشَّارعِ، فلما
اجتمع النَّاس ، أشرفَ عليها ، فقالَ لهم : قد كنتُ وعدْتُكم أن أُمْلِي عليكم
في الاسم والمسمَّى ، ثم نظرتُ فإذا لم يَتَقَدَّمْني في الكَلام فيها إمامٌ يُقتدى
به ، فرأيتُ الكَلَمَ فيه بدعةً، فقامَ النَّاس، وانصرفوا، فلمَّا كان يوم
الجُمعة، أتاهُ رجلٌ ، وكانَ إبراهيم لا يَقْعُد إلا وَحْدَه، فسألَه عن هذه
المسألَةِ، فقالَ ، ألمْ تَحْضُرْ مَجلِسَنا بالأمسِ ؟ قالَ : بلى . فقال : أتعرفُ
العلمَ كُلَّهُ ؟ قال : لا . قال : فاجعل هذا ممَّا لم تَعْرِف .
وبالإِسناد : قال إبراهيم : ما انتفعتُ من علمي قَطُّ إلَّ بنصفٍ حَبَّةٍ ،
وقفتُ على إنسانٍ ، فدفعتُ إليه قطعةً أشتري حاجةً ، فأصابَ فيها دانقاً ، إلَّ
نصفَ حبَّةٍ ، فَسَألني عن مسألةٍ ، فأجبتُه، ثُمَّ قالَ للغُلام : أعطِ أبا إسحاق
بدانقٍ ، ولا تَحُطُّه بنصف حبةٍ(١) .
وسمعته يقول : أقمتُ ثلاثين سنةً ، كلّ ليلةٍ إذا أويتُ إلى فِراشي ، لو
أعطيت رغيفَيَّ جارتي لاحتجت إليهما (٢) .
ويُروى: أنَّ إبراهيم لما صنَّفَ ((غريب الحديث)) ، وهو كتابٌ نفيسٌ
كاملٌ في معناهٍ . قال ثعلب : ما لإِبراهيم وغريب الحديث؟ ! رجلٌ
محدِّث. ثم حَضَر مجلسَه ، فلمَّا حَضَرَ المجلسَ سجدَ ثعلب ، وقالَ : ما
ظننتُ أنَّ على وجهِ الأرض مثلَ هذا الرَّجل .
(١) انظر: تاريخ بغداد: ٣٣/٦ -٣٤.
(٢) انظر الخبر مفصلاً في: تاريخ بغداد: ٣١/٦.
٣٦١

١
قال أبو ذَرِّ الهَرَوي : حكى لي بعضُ أصْحابنا بيغْداد ، أنَّ إبراهيم
الحَرْبي كانَ سَمِع مسائل ابن القاسم علي بن الحارث بن مِسكين ، وحصل
سماعهُ مع رَجُل ، ثم مالَ إلى طريقَةِ الكلامِ ، فلمْ يستَعِرْها منه إبراهيم ،
وَرَجَعَ ، فَسَمِعَها من الحَسَن بن عبد العَزيزِ الجَرَوي(١) ، عن ابن أبي
الغمر ، عن ابن القاسم .
قلت : نعم ، يظهرُ في تَصَانيف الحربي أنه ينزلُ في أحاديث ، ويكثر
منها ، وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يزل طَلَّبَةٌ للعلم .
وروى المخلِّص ، عن أبيه : أنَّ المعْتَضِد بعثَ إلى إبراهيم الحربي
بمالٍ ، فردَّه عليه أَوْحَشَ رَدٍ ، وقالَ: رُدَّها إلى من أخذتَها منه ، وهو محتاجٌ
إلى فَلْس (٢). وكانَ لا يغسِل ثوبَه إلّ في كلِّ أربعةٍ أَشْهر مَرَّةً. ولقد زَلِقَ مَرَّةً
في الطِّين، فلقد كنتُ أرى عليه أَثْرَ الطّين فِي ثَوْبِه إلى أن غَسَلَه .
قالَ عبد الوهّاب بن عبد العَزيزِ التَّمِيْمي الحَنْبَلي: أخبرنا أبو الحُسَين
العَتَكي ، قالَ : سمعتُ إبراهيم الحربي يقول لجماعةٍ عندَه: مَن تَعُدُّونَ
الغريبَ في زمانكم ؟ فقالَ رجلٌ : الغريبُ: مَن نأى عن وطنه. وقالَ آخَرُ :
الغريبُ : من فارقَ أحبابَه . فقال إبراهيم : الغريبُ في زماننا: رجلٌ صالحٌ ،
عاشَ بينَ قومٍ صَالحين ، إنْ أَمَرَ بمعرفٍ آزروه ، وإن نهى عن مُنْكر أعانوه ،
وإن احتاج إلى سببٍ من الدُّنيا ماتوه ، ثم ماتوا وتَرَكوه(٣) .
قال أحمد بن مَروان الدِّيْنَوَرِي : أَتَيْنَا إبراهيم الحربي ، وهو جالسٌ
(١) انظر ترجمته، والحديث عن نسبته في: الأنساب: ٢٣٧/٣ - ٢٣٩.
(٢) تقدم مثل هذا قبل قليل .
(٣) طبقات الحنابلة: ٨٩/١.
٣٦٢

على بابٍ داره ، فسلَّمْنا وجَلَسْنَا، فجعَلَ يُقْبِل علينا، فلما أكثرنا عليه ،
حَدَّثَنَا حَديثَيْن ، ثم قَالَ لنا : مَثَلُ أصحابِ الحديث مثل الصَّيَّاد الذي يُلقي
شَبَكَتَه في الماءِ ، فيجتَهِدُ ، فإنْ أخرِجَ سَمَكَةً ، وإلَّ أخرج صَخْرَةً .
قال أحمد بن جَعْفَر بن سَلم : حدثنا شيخٌ لنا ، قال : قيل لإبراهيم
الحربي: هَل كَسَبْتَ بالعلم شيئاً؟ قال : كَسَبْتُ به نصفَ فَلْسٍ : كانت أمي
تُجري عليَّ كلَّ يومٍ رغيفَيْن، وقُطَيْعَة فيها نصفُ دانق ، فخرجتُ في يومٍ
ذي طِين ، وأجمعَ رأيي على أنْ آكلَ شيئاً حُلواً، فلم أَرَ شيئاً أرخصَ من
الدّبسِ ، فأتيتُ بقَّالاً ، فدفعتُ إليه القُطَيْعة، فإذا فيها قِيراط إلَّ نصفَ
فَلْس، وتذاكرنا حديثَ السَّخَاءِ والكرمِ ، فقال البقَّال: يا أبا إسحاق ! أنتَ
تكتب الأخبارَ والحديث ، حدِّثنا في السَّخَاء بحديثٍ ، قلتُ : نعم . حَدَّثني
أبو بكر عبد الله بنُ الزُّبَيْر، حدَّثنا أبي ، عن شيخٍ له ، قال : خَرَجَ عبد الله
ابن جَعْفَر إلى ضِياعه ينظر إليها ، فإذا في حائِطٍ لِنسيبٍ له عبد أسود ، بيدِهِ
رغيفٌ وهو يأكلُ لقمةً، ويُطْرَحُ لكلبٍ لقمةً ، فلمَّا رأى ذلك استَحْسَنَه ،
فقالَ : يا أسود! لمن أنتَ؟ قالَ: لمصعب بن الزُّبير. قالَ: وهذه الضَّيْعَة
لمن ؟ قال : لَهُ . قال : لقد رأيتُ منكَ عجباً ، تأكلُ لقمةً، وتطرحُ للكلبِ
لقمةً! قالَ : إِنِّي لأستحيي من عَيْنٍ تنظرُ إليَّ أن أوثِرَ نفسي عليها . قالَ :
فَرَجَعَ إلى المدنية ، فاشترى الضَّيْعَة والعَبْد، ثم رَجَعَ ، وإذا بالعبد ، فقالَ:
يا أسود! إني قد اشتريتُك من مُصْعَب. فوثَبَ قائماً، وقالَ: جَعَلَني الله
عَليك مَيْمون الطَّلْعَةِ. قالَ: وإنِّي اشتريتُ هذه الضَّيْعَة . فقالَ: أكملَ الله
لك خيرها . قالَ: وإني أُشهد أنَّك حُرِّ لوجْهِ الله . قال : أحسنَ الله جزاءَك .
قال : وأَشْهِدُ الله أنَّ الضَّيْعَة مني هَدِيَّةٌ إليك . قال : جزاك الله بالحسنى . ثم
قال العَبْدُ : فَأَشْهِد الله وأُشْهدك أنَّ هذه الضَّيْعة وَقْفٌ مني على الفقراء.
٣٦٣

فَرَجَع وهو يقول : العبدُ أكرَمُ منَّا(١).
قالَ سُليمان بن إسحاق الجَلَّب: سمعْتُ الحَرْبِي يقولُ : الأبوابُ
تبنى على أرْبَع طبقاتٍ : طبقة المسنّد ، وطبقة الصَّحابة ، وطبقة التَّابعين،
فَيُقَدَّم كبارهم ، كعَلْقَمَة والأسود ، وبعدهم من هو أصْغَر منهم ، وبعدهم
تابعُ التَّابعين، مثل سُفيان، ومالك، والحَسَن بن صَالح ، وعُبيد الله بن
الحَسَن ، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمَة ، والأوزاعي .
وروي عن إبراهيم الحَرْبي ، قال : النَّاس على أربع طبقات: مَليح
يَتملَّحِ، ومَلِيحٌ يَتَبَغَّض، وبَغِيْضٌ يَتَمَلَّحِ، وبغيضٌ يتبغَّض ، فالأول: هو
المُنى، الثَّاني: يحتملُ، وأمَّا بغيض يتملَّح، فإني أرحمه ، وأما
الْبَغِيض ، الذي يتبغض ، فأفِرُّ مِنه .
قال ابن بَشْكُوال في أخبارِ ابراهيم الحَرْبي : نقلتُ من كتابٍ ابن
عتَّاب : كانَ إبراهيم الحَرْبي رجُلًا صَالحاً من أهلِ العِلم ، بَلَغَهُ أن قَوماً من
الذين كانُوا يجالسُونه يُفَضِّلُونه على أحمد بن حَنْبل ، فَوَقَفَهم على ذلك ،
فأقرُّوا به ، فقال : ظلَمْتُموني بتفضيلكم لي على رَجُل لا أُشْبِهُهُ ، ولا ألحقُ
به في حالٍ من أحوالِهِ، فأقسِمُ بالله، لا أُسْمِعُكم شيئاً من العِلم أبداً ، فلا
تأتوني بعد يومكم .
ماتَ الحَرْبي ببغداد ، فدُفِنَ في دارِه يوم الاثنين ، لسبعٍ بقين من ذي
الحجة ، سَنة خمسٍ وثمانين ومئتين ، في أيام المعْتَصِد .
قال المسْعُودي : كانتْ وفاةُ الحربي المحدِّثِ الفقيهِ في الجانِبِ
(١) انظر رواية تاريخ بغداد: ٣٤/٦، ومعجم الأدباء: ١١٩/١ - ١٢٠.
٣٦٤

الغربي ، وله نيفٌ(١) وثمانون سَنةً .... وكانَ صَدوقاً، عالماً، فَصيحاً ،
جواداً، عَفيفاً ، زاهِداً، عابداً، ناسكاً ، وكانَ معَ ذلك ضاحكَ السِّنِّ ،
ظريفَ الطَّبْعِ ... ولم يكن معه تَكَبُّرُ ولا تَجَبُّرٌ، [و] رُبَّما مَزَحَ مع أَصْدِقائِه
بما يُستحسن(٢) منه، ويُسْتَقبح من غيرِهِ ، وكانَ شيخَ البغدادِيين في وقتِه ،
وظريفَهم ، وزاهدَهم ، وناسكَهم ، ومسنِدَهم في الحديثِ ، وكانَ يتفقَّهُ
الأهلِ العِراق، وكانَ له مجلسٌ في [ المسجد ] الجامعِ الغَربي يومَ
الجمعَةِ ، فأخبرَني إبراهيم بن جابر، قالَ : كنتُ أجلِسُ فِي حَلْقة
إبراهيم الحَرْبِي، وكان يَجْلِس إلينا غُلامان في نِهَايَةِ الحُسْن والجَمال من
الصُّورة والبِزَّةِ(٣)، وكأنَّهما رُوحٌ(٤) فِي جَسَدٍ ، إن قاما قاما معاً، وإنْ
حَضَرا ، فكذلك ، فلمَّا كانَ في بعضِ الجمع ، حَضَرَ أحَدُهُما [ و ] قد بان
الاصفرار بوجهه والانكسار [في عينيه] ... ، فلمَّا كانتِ الجمعةُ
[ الثانية]، حَضَرَ الغائِبُ، ولم يحضُر الذي جاءَ في الجمعةِ الاولى منهما ،
وإذِ الصُّفْرةُ والانكسارُ بَيّن(٥) في لونِه ... وقلتُ: إنَّ ذلكَ للفِراق الواقع
بينهما، وذلك للَّلْفَةِ الجامعة لهما، فلم يَزالا يتسابقان في كُلِّ جُمُعَةٍ إلى
الحَلْقة، فأيُّهما سَبَق [صاحبه] إلى الحلْقَة لم يجلس الآخَر ... فلمَّا كانَ
في بعضِ الجُمَعِ، حَضَرَ أحدُهُما فَجَلَسَ [إلينا]، ثم جاء الآخَرُ [ فأشرفَ
على الحلقة ] فوجد صاحبَه قد سَبَقَ، وإذا المسبوق قد أَخَذَتْه(٦)
العَبرة، فَتَبَيِّنْتُ ذلكَ منه في دائِرَةٍ (٧) عَيْنَيْه، وإذا في يُسراه رِقاعٌ صِغَارٌ
(١) في ((مروج الذهب)): ((خمس)).
(٢) في الأصل: ((يستحيى))، وما أثبتناه هو الصواب، والموافق لما في ((المروج)).
(٣) في ((مروج الذهب)) زيادة هنا: ((من أبناء التجار من الكرخيين، وبزتهما واحدة)).
(٤) في ((المروج)): ((روحان)).
(٥) في (المروج)): ((أبين)).
(٦) في ((المروج)): ((خنقته)).
(٧) في ((المروج)): ((حماليق)).
٣٦٥

مكتوبةٌ ، فَقَبَضَ بيمينه رُفْعَة منها ، وحَذَفَ بها فِي وَسَط الحلْقة ، وانسابَ
بينَ النَّاسِ مُسْتَخفياً(١)، وأنا أَرْمُقه، وكان ثَمَّ أبو عُبِيدَة بن حَرْبَوَيْه،
فَتَشَرِ الرُّفْعَة وقَرَأها ... وفيها دعاء ، أنْ يدعُوَ لصاحبها مَرِيضاً كان أو غيرَ
ذلك ، ويُؤَمِّن على الدُّعَاء مَن حَضَر ، فقالَ الشَّيْخُ : اللَّهُمَّ اجمع بينَهُما،
وألّف قلوبهما ، واجعلْ ذلك فيما يُقَرِّبُ منكَ، ويُزْلِف لَدَيْك . وأُمِّنُوا على
دُعائِه .. ثُم طوى الرُّفْعَة وحَذَفَني بها ، فتأملتُ ما فيها ... فإذا فيها
مکتوبٌ :
لِخِلَيْنِ كَأْنَا دَائِمَيْنٍ عَلَى الوُدِّ
عَفَا الله عَنْ عَبْدٍ أَعَانَ بِدَعْوَةٍ
إلى ذَاكَ مِنْ هُذا فَحَالا عَنِ العَهْدِ
إلى أنْ وَشَى وَاشِي الهَوىْ بِنَمِيْمَةٍ
... فلمَّا كانَ في الجمعَةِ الثَّانيةِ حَضَرَا جَميعاً، وإذا الاصْفِرارُ
والانكِسَارُ قد زالَ ، فقلتُ لابن حَرْبَوَيْهِ : إني أرى الدَّعْوَةَ قد أُجِيبتْ، وأنَّ
دُعاء الشَّيخ كانَ على التَّمامِ ... فلمَّا كانَ في تلكَ السَّنَة كنتُ فيمن حَجِّ ،
فكأنِّي أَنظُر الى الغُلامَيْن مُحْرِمَيْن .. بين مِنى وعَرَفَة، فلمْ أَزَلْ أراهُما
مُتَالَفَيْن إلى أن تكهّلا(٢).
قال القِفْطِي في ((تاريخ النُّحَاة)) له : كانَ إبراهيم الحَرْبي رأساً في
الزُّهْد ، عارفاً بالمذاهِبِ ، بصيراً بالحديثِ ، حافظاً له .... له في اللُّغَة
كتابُ: ((غريب الحديث))، وهو من أنفس الكتبِ وأكبرها في هذا
النَّوْع(٣).
(١) في ((المروج)): ((ماراً مستحياً)).
(٢) انظر الخبر مفصلًا في: مروج الذهب: ٤٨٢/٢ -٤٨٣. وتتمة الخبر فيه: ((وأرى
أنهما في صف أصحاب الديباج في الكرخ أو غيره من الصفوف)).
(٣) انظر نص القفطي: ١٥٥/١.
٣٦٦

أبو الحَسَن بن جَهْضَمْ - واهٍ - : حدثنا جَعْفر الخُلْدي ، حدثنا أحمد
ابن عبد الله بن ماهَان : سمعتُ إبراهيم بن إسْحاق يقول : أجْمَع عُقّلاء كلُّ
مِلَّةٍ أَنَّه مَن لم يجرِ مَعَ القَدَرِ لم يتهنّأ بعيشه .
وکان يقول : قميصي أنظفُ قَمیصٍ ، وإزاري أوسَخُ إزارٍ ، ما حَدَّثْتُ
نفسي أنَّهُما يستوِيان قَطَّ، وفرد عَقِي(١) صحيح والآخرُ مَقْطوع، ولا أحدِّث
نفسي أني أُصْلِحَهُما ، ولا شكَوْتُ إلى أهْلي وأقاربي حُمى أجدُها ، لا يغم
الرَّجُل نفسَه وعيالَه ، ولي عَشْرُ سِنين أُبْصِرُ بفرْدِ عَيْنٍ ، ما أخبرتُ به أحداً ،
وأفنيتُ من عُمُري ثلاثينَ سَنةً برغيفَيْن ، إنْ جاءتْني بهما أمي أو أُخْتي، وإلّ
بقيتُ جائعاً إلى اللَّيْلَة الثّانية ، وأفنيتُ ثلاثين سنةً برغيفٍ في اليومِ واللَّيلةِ ،
إنْ جاءتْني امرأتي أو بناتي به ، وإلّ بقيتُ جائعاً، والآنَ آكُلُ نِصْفَ رغِيْفٍ
وأربعَ عشرةَ تمرةً ، وقامَ إِفطاري في رَمَضان هذا بدرهمٍ ودانقَيْن ونصف(٢).
قال أبو القاسم بن بُكير : سمعتُ إبراهيم الحَرْبي يقول : ما كنّا نَعْرِف
من هذه الأطْبِخَةِ شيئاً ، كنتُ أجيء [ من ] عَشي إلى عَشي، وقد هَيأتْ لي
أمي باذِنْجَانَة مشويةً، أو لُعْقَة بِن (٣)، أو باقةَ (٤) فَجْلٍ (٥) .
محمد بن أيُوب العُكْبَري : سمعتُ إبراهيم الحربي يقول : ما تَرَوَّحْتُ
ولا رُوَّحْتُ قَطُّ، ولا أكلتُ من شيءٍ في يوم مَرَّتين(٦).
(١) العقب هنا : النعل ، على سبيل المجاز.
(٢) انظر: تاريخ بغداد: ٣٠/٦ -٣١، وطبقات الحنابلة: ٨٦ -٨٧، معجم الأدباء:
١١٣/١-١١٥.
(٣)البن ، بكسر الباء : الطبقة من الشحم .
(٤) الباقة : الحزمة من البقل ، وكثيراً ما تستخدم خطأ للحزمة من الورد والريحان وغيرهما
من الورد، والصواب في الثانية: ((الطاقة)).
(٦) المصدر السابق .
(٥) تاريخ بغداد: ٣١/٦.
٣٦٧

.
قال أبو الحُسَين بن سَمْعُون : حدثنا أحمد بن سُليمان القَطِيعي قالَ :
أَضَفْتُ إِضاقَةً، فأتيتُ إبراهيمَ الحرْبِي لَأَبَّهُ(١)، فقال لي : ، لا يضيقِ
صدرك ، فإنَّ الله من وراء المعُوْنَة ، فإني أضقتُ مرَّةً ، حتى انتهى أمري إلى
أنْ عدم عيالي قوتَهم ، فقالتِ الزَّوْجَة : هبْ أنّي أنا وأنت نَصْبِرُ ، فكيف
بالصبيتين؟ هاتِ شيئاً من كُتُبِك نَبِيعُه أونرهنُه. فَضَيْتُ بذلك، وقلتُ :
أَقْتَرِضُ غَداً ، فلمَّا كانَ اللَّيل ، دُقَّ البابُ ، فقلتُ : مَن ذا؟ قال : رجلٌ من
الجيران [ فقلت: ادخل. فقال: ]، فأطفىء السِّراج حتى أدخلَ . فكبيتُ
شيئاً على السِّرَاجِ، فدخَل ، وتركَ شيئاً ، وقامَ ، فإذا هو مِنديل فيه أنواعٌ من
المآكِل، وكاغَدٌ(٢) فيه خَمسُ مئة دِرْهَمٍ ، فأنبهْنا الصِّغار وأكُلُوا ، ثم من
الغد (٣)، إذا جمَّال يقود جَمَلين، عليهما حملان ورقاً، وهو يسأل عن
منزلي ، فقالَ : هذان الجملان أنفذَهما لك رجُل من خُراسان ، واستحلَّفَني
أنْ لا أقولَ مَن هو (٤).
إسنادُها مُرْسَل .
قال الخُسَين بن فهْم الحافظُ : لا ترى عَيناك مثل إبراهيم الحربي ،
إمام الدُّنيا ، لقد رأيتُ ، وجالستُ العلماء ، فما رأيتُ رجلًا أكملَ منه .
قال الحاكم : سمعتُ محمد بن صَالح القاضي يقول : لا نعلم بغداد
أخرجتْ مثلَ إبراهيم الحربي في الأدب والفِقْه والحدِيث والزّهد .
قلت : يريد من اجْتَمَع فيه هذه الأمورُ الأربعةُ .
(١ ) البث : شدة الحزن ، كأنه من شدته يبثه صاحبه .
(٢) الكاغد : القرطاس . لفظ فارسي معرب.
(٣) في: تاريخ بغداد: ((ولما كان من الغد)).
(٤) انظر: تاريخ بغداد: ٣١/٦ -٣٢، والزيادة منه.
٣٦٨

قال سُلَيمان بن الخليل : سمعتُ الحربي يقول : في [كتاب أبي عُبيد]
((غريبِ الحديثِ)) ثلاثةٌ وخمسونَ حديثاً ليس لها أصل(١) .
قال أبو الحَسَن الدَّارَقُطْني : الحربي إمامٌ ، مصنَّف ، عالمٌ بكل
شيء ، بارّع في كل علمٍ ، صدوقٌ .
قالَ أبو بكر الشَّافِعي : سمعتُ إبراهيم الحربي يقول : عندي عن علي
ابن المديني قِمَطْر ، ولا أحدِّث عنه بشيء ، لأني رأيته المغربَ وبيدِه نعله
مبادِراً، فقلتُ : إلى أين ؟ قال : ألحق الصَّلاة مع أبي عبد الله . فظننتُه
يعني أحمد بن حَنْبل ، ثم قلتُ : من أبو عبد الله ؟ قال : ابن أبي دؤاد(٢).
وقيل : إنَّ المعتَضِدَ لما نَفَّذَ إلى الحربي بالعَشَرةِ آلاف فردِّها ، فقيل
له : فَفَرِّقْها ، فأبى ، ثم لما مرِض، سَيَّر إليه المعتضدُ ألفَ دينارٍ ، فلم
يقبلها، فخاصَمتْه بنتُه ، فقال : أتخشَيْن إذا مِتُّ الفقرَ؟ قالت : نعم .
قال : في تلك الزَّاوية اثنا عَشَر ألفَ جُزءٍ حديثيةٍ ولُغَويةٍ وغير ذلك كتبتُها
(١) تاريخ بغداد: ٣٥/٦ -٣٦، والزيادة منه، وتتمة الخبر فيه: ((قد علّمتُ عليها في
كتاب السروي)) . ولهذا لا يجوز لطالب العلم أن يعتمد على الأحاديث المنثورة في كتب الغريب
جميعاً دونما بحثٍ عن من خرّجها ، وفحص لأسانيدها .
(٢) انظر الخبر في: تاريخ بغداد: ٣٧/٦، وميزان الاعتدال: ١٣٨/٣.
وعدُّ صلته بابن أبي دؤاد وقبول الجائزة منه قدحاً في حقه ، من التهور البالغ الذي يستوجب
قائله الذم والتوبيخ والتقريع ، ونسبة تضعيف قيس بن أبي حازم إليه ، ردها الخطيب في
(تاريخه)). وقد قال المؤلف - رحمه الله - في ((ميزانه)): ١٤١/٣، وهو بصدد الرد على
العقيلي : ثم ما كل أحد فيه بدعة ، أوله هفوة أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه ، ولا من شرط
الثقة أن يكون معصوماً من الخطايا والخطأ ، بل فائدة ذكرنا كثيراً من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة
أولهم أوهام يسيرة في سعة علمهم أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق إذا عارضهم أوخالفهم .
وأما علي بن المديني ، فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي ، مع كمال المعرفة
بنقد الرجال ، وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن ، بل لعله فرد زمانه في معناه .
٣٦٩

بخطِّي ، فبيعي منها كلَّ يوم جُزءاً بدرهَمٍ وأنفقيه .
نقل الخطيب(١) ، وطائفةً : أن الحربي توفي لسبعٍ بقين من ذي
الحجة ، سَنة خمسٍ وثمانين ومائتين ، وكانتْ جِنازتُه مشهودةً ، صلَّى عليه
يوسُف القاضي، صاحبُ كتاب ((السُّنن))، وقبرُه يُزَارُ ببغداد .
وفيها ماتَ : إسحاق الدَّبَري(٢)، صاحبُ عبد الرَّزَّاق، وعُبَيْد بن عبد
الواحد البَزَّار(٣)، وأبو العبَّاس محمد بن يَزِيد المَبَرِّد(٤).
أخبرتنا أُمّ عبد الله (٥)، زينبُ بنتُ علي الصَّالحية سنةً ثلاثٍ وتسعين
وستِّ مئة ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن قُدامة ، في سَنة إحدى عشرةَ وستٍّ
مئة ، أخبرنا محمد بن عبد الباقي ، أخبرنا أبو الفضل بن خَيرون ، أخبرنا
أحمد بن عبد الله المَحَامِلي ، أخبرنا عُمر بن جَعْفر الخُتَّلِي ، أخبرنا إبراهيم
ابن إِسْحاق الحَرْبِي، حدثنا مُسَدَّد، حدثنا سفيان ، عن الزُّهري ، عن عطاء
ابن يَزِيد، عن أبي أُيُوب: أن النبي - ◌َ﴿ - قال: ((لَ يَهْجُرْ أَحَدُكُمْ أَحَاهُ فَوْقَ
ثَلاَثٍ، يَلْتَقِيَانِ: فَيَصُدُّ هذا، ويَصُدُّ هَذا، وخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ
بالسَّلاَمِ))(٦) .
(١) تاريخ بغداد: ٤٠/٦ .
(٢) ستأتي ترجمته في الصفحة: (٤١٦)، برقم: (٢٠٣).
(٣) ستأتي ترجمته في الصفحة: (٣٨٥)، برقم : (١٨٥ ).
(٤ ) ستأتي ترجمته في الصفحة : (٥٧٦)، برقم : ( ٢٩٩).
(٥) كناها المؤلف في ((مشيخته)): خ: ق: ٥٠: ((أم محمد))، فقال: (( زينب بنت
علي بن أحمد بن فضل ، أم محمد بنت الواسطي . امرأة عابدة صّوامة قوّامة خاشعة قانتة . كان
أخوها الامام تقي الدين بن الواسطي يقصد زيارتها والتبرك بها ، وهي والدة المسند المعمر أبي
عبد الله بن الزراد ... وتوفيت في المحرم سنة خمس وتسعين وستمئة وقد قاربت التسعين أو
كملتها » .
(٦) إسناده صحيح، وأخرجه مالك ٢ /٩٠٦، ٩٠٧ في حسن الخلق : باب ما جاء في =
٣٧٠

وبه : قالَ الحرْبي : حدَّثَنَاه [أبو](١) مُصْعَب ، أخبرنا مالك ، عن ابن
شِهاب، عن أَنْسَ بن مالك: أنَّ رسول الله - مَ ◌ّه - قال: ((لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ
أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوَقَ ثَلاثٍ)).
أخبرنا عيسى بن عبد المنعم(٢)، أخبرنا عبد الغفَّار بن شُجاع، (ح) :
وأخبرنا محمد بن أبي العِزِّ ، والحَسَن بن علي القلانسي(٣)، قالا: أخبرنا
أبو الوفاء عبد الملك بن الحَنْبلي ، وأخبرنا علي بن محمد الجُذامي (٤)،
أخبرنا يوسُف بن عبد المعْطي ، وأخبرنا عُمر بن نَصير السَّهْمي(٥)،
= المهاجرة، ومن طريقه البخاري ٤١٣/١٠ في الأدب: باب الهجرة ، ومسلم (٢٥٦٠ ) في
البر : باب تحريم الهجر فوق ثلاث ، وأبو داود (٤٩١١ ) عن الزهري بهذا الإِسناد ، وأخرجه
البخاري ١٨/١١ في الاستئذان : باب السلام للمعرفة وغير المعرفة ، ومسلم ، والترمذي
(١٩٣٢) من طرق عن سفيان به .
وفي الباب عن ابن عمر عند مسلم ( ٢٥٦١ )، وعن أبي هريرة عند أبي داود ( ٤٩١٢) و
(٤٩١٤) وعن عائشة عند أبي داود أيضاً (٤٩١٣) وعن أنس عند مالك ٩٠٧/٢ ، والبخاري
٤٠٣/١٠، ومسلم (٢٥٥٩) وأبي داود ( ٤٩١٠) والترمذي ( ١٩٣٥).
(١) سقطت من الأصل .
(٢) عيسى بن عبد المنعم بن شهاب بن ناصر، أبو الرُّوح القاهري الشافعي المؤدب.
ويعرف بابن الحداد. ترجمه المؤلف في مشيخته)) : خ: ق: ١١٠.
(٣) تقدمت الاشارة إليه في الصفحة: (٨٥)، ت: ٢. عن ((مشيخة)) المؤلف.
(٤) الجذامي ، بالجيم المضمومة والذال : نسبة إلى قبيلة جُذام ، وقد ترجمه المؤلف في
((مشيخته)): خ ١٠٢، فقال، هو علي بن محمد بن منصور بن أبي القاسم ، الامام المبجل ،
القاضي ، زين الدين ، أبو الحسن بن أبي المعالي الجذامي ، الثغري المالكي ، المعروف بابن
المنير . ولي قضاء الإِسكندرية مدة ، كان من أحسن الرجال صورة ، وأملحهم شكلاً. ولد في
ربيع الأول سنة ( ٦٢٩) . روى لنا الأربعين السلفية عن يوسف بن عبد المعطي . وتوفي في يوم
عيد النحر ، سنة ( ٧٩٧هـ).
(٥) ترجمة المؤلف في ((المشيخة)): خ ١٠٧٠ ، فقال: عمر بن عبد النصير بن محمد
ابن هشام بن عز العرب ، الزاهد العابد الأديب ، أبو حفص القرشي القوصي المالكي . ولد سنة
(٦١٥)، وسمع بقوص من: ابن المقيِّر، وابن الجُميزي وغيرهما، وله نظم كثير، وديوان. وقدم
علينا مع ركب الحاج ، وانصرف بعد أيام ، توفي بالاسكندرية في منتصف محرم سنة ( ٧١١هـ)
عن ست وتسعين سنة . وكان على قدم من التقوى .
٣٧١

[و](١) عبد الرحمن بن سُليمان: أخبرنا أبو الحسن بن الجُمَّيْزِي(٢) ، وأخبرنا
سُنْقُر الزَّيْنِي (٣)، وعبد الرَّحمن ومحمد ابنا سُلَيمان، قالوا : أخبرنا علي بن
مَحْمود ، وأخبرنا محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن الصَّوَّاف(٤)،
أخبرنا جَدِّي ، وأخبرنا عبد الولي بن رافع(٥) ، وعُثْمان بن موسى (٦)،
وفاطمة بنت إبراهيم (٧) ، قالوا : أخبرنا أبو القَاسِم بن رَوَاحة ، وأخبرنا عبد
الواحد بن كَثير (٨)، وجَمَاعةٌ ، قالوا : أخبرنا علي بن محمد المفَسِّر ، قالُوا
جميعاً: أخبرنا أبو طاهر السِّلَفي ، أخبرنا حَمْد بن إسْماعيل الزَّكي بمكة ،
(ح) : وأخبرنا ابن قُدامة، وعِدَّة إجازةً، قالُوا: أخبرنا عُمر بن طَبَرْزَد ،
أخبرنا أبو القاسم بن الحُصَين ، قالا : أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد
البَزَّاز ، أخبرنا محمد بن عبد الله الشَّافعي ، حدثنا إبراهيم الحربي ، حدثنا
سُليمان بن داود الهاشِمي ، حدثنا إبراهيم بن سَعْد ، عن ابن شهاب ، عن
القاسم، عن عائشة، قالت: ((كُنْتُ أَغْتَسِلُ مَعَهُ - مَ﴿ِ -مِنَ الإِنَاءِ الوَاحِدِ))(٩).
(١) سقطت من الأصل، ولابد منها. وهو مترجم في ((مشيخة)) الذهبي: خ ق : ٧٣.
(٢) الجميزي ، بضم الجيم، وفتح الميم المشددة ، وآخره زاي: نسبة إلى بيع
الجميز ، وهو شبيه بالتين ، واسمه : علي بن هبة الله بن سلامة بن المسلم اللخمي المصري
الشافعي المقرىء الخطيب وفاته سنة ( ٦٤٩هـ). وهو مترجم في ((العبر)»: ٢٠٣/٥.
(٣) ترجمه الذهبي في ((مشيخته)): خ: ق : ٥٥
(٤) هو في ((مشيخة)) الذهبي : : خ: ق : ١٢٣.
(٥) هو: عبد الولي بن عبد الرحمن بن رافع الخطيب ، أبو نصر الحنبلي الزاهد .
ترجمه الذهبي في ((مشيخته)): خ: ق : ٨٨ .
(٦) هو: عثمان بن موسى بن رافع بن منهال ، أبو عمر اليونيني . وفاته
سنة (٦٩٦هـ). ترجمه الذهبي في ((مشيخته)): خ: ق : ٦٠
(٧) فاطمة بنت إبراهيم بن محمود بن جوهر، أم محمد. وفاتها سنة (٧١١هـ). وهي
مترجمة في ((مشيخة))الذهبي: خ : ق : ١١٣ .
(٨) ترجمته في ((مشيخة)) المؤلف: خ: ق : ٨٧.
(٩) إسناده صحيح ، وأخرجه من حديث عائشة البخاري ٢١٣/١ في الغسل : باب غسل =
٣٧٢

١٧٤ - أَحْمَدُ بنُ سَلَمَة *
ابن عبد الله : الحافظُ ، الحجَّةُ ، العدلُ، المأمون ، المجوِّد ، أبو
الفَضْلِ النَّيْسَابُوري البَزَّاز، رفيقُ مُسْلم في الرِّحْلة .
سمعَ : قُتَيْبَة ، وإسحاق بنَ راهوَيْه ، ومحمد بن مِهران الجَّمَّال، وعبد
الله بن مُعاوية ، وعُثْمان بن أبي شَيْبة ، وأبا كُرَيْب ، وابنَ حُمَيْد ، وأحمد بن
مَنِيع ، وخلقاً كثيراً، وجمع وصَنَّف .
حدَّث عنه : ابنُ وارَة ، وأبو زُرْعَة ، وأبو حاتم - وهو من صِغار
شيوخه - وأبو حامد بن الشِّرْقي ، ويحيى بن مَنْصور القاضي ، وسُليمان بن
محمد بن ناجِيّة ، وعلي بن عيسى ، وأبو الفضل محمد بن إبراهيم ، وعدَّةٌ .
قال أبو القاسم النَّصْر آباذي : رأيتُ أبا علي الثَّتَفي في النَّوْم ، وهو
يقول: عليكَ (( بصحيح)) أحمد بن سَلَمَة .
قال أبو الفضل الهاشِمي : توفي ابنُ سَلَمة في غرة جمادى الآخرة ،
سَنة ستٍّ وثمانين ومئتين ، رَحِمه الله .
١٧٥ - المُسْتَملي **
الحافظُ ، العالم ، الزَّاهد ، العابد ، المجاب الدَّعوة ، أبو عَمْرو ،
= الرجل مع امرأته و ٣٢٠، ٣٢١: باب هل يدخل الجنب يده في الإِناء قبل أن يغسلها ، ومسلم
(٣١٩) و (٣٢١) في الحيض: باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة ، وأبو داود
(٧٧) والنسائي ١٢٧/١ و١٢٨ و١٢٩ .
* الجرح والتعديل: ٥٤/٢، تاريخ بغداد: ١٨٦/٤ - ١٨٧، تذكرة الحفاظ :
٦٣٧/٢ - ٦٣٨، عبر المؤلف: ٧٦/٢ - ٧٧، طبقات الحفاظ: ٢٧٩، شذرات الذهب:
١٩٢/٢.
* * المنتظم: ١٧٣/٥، تذكرة الحفاظ: ٦٤٤/٢، عبر المؤلف: ٧٣/٢، الوافي =
٣٧٣

أحمد بن المُبارك ، المُسْتَمْلِي النَّيْسَابُوري ، عُرِف بحمكوَيْه .
سمعَ : يزيد بن صالح الفرَّاء ، وأحمد بن حَنْبل ، وقُتَيبة بن سَعيد ،
وسَهل بن عُثمان العَسْكري ، وعُبَيد الله القَواريري ، وإسحاق بن راهويه ،
وأبا مُصْعَب ، وسُرَيج بن يونس ، وطبقتَهم ، ومن بعدهم .
وكتبَ الكثير ، وما زالَ يعالج هذا الفنَّ حتى تُوفي .
حدَّث عنه : أبو عمرو أحمد بن نَصْر الخَقَّاف ، وجَعْفر بن محمد بن
سوَّار، وأبو عُثمان سَعيد بن إسماعيل الحِيري ، وأبو حامد بن الشَّرْقِي ،
وزنجویه بن محمد ، ومحمد بن صالح بن هانیء ، ومحمد بن يعقوب بن
الأخرم ، وأبو الطَِّب بن المبارك ، ومحمد بن داود الزَّاهد ، وغيرُهم .
قال الحاكم : كان مجابَ الدَّعْوة ، راهبَ عصرِه ، حدثنا محمد بن
صَالحِ ، قالَ : كُنَّا عند أبي عَمرو المسْتَملي ، فسمع جَلَبَةٌ ، فقالَ : ما هذا؟
قالوا : أحمد بن عبد الله(١) - يعني الخُجُسْتَاني فِي عَسْكره - فقالَ: اللَّهمَّ
مزُّق بطنَه . فما تَمَّ الأسبوع حتى قُتل .
وسمعتُ علي بن محمد الفَامي يقول : حضرتُ مجلسَ أبي عُثْمان
الزَّاهد ، ودخل أبو عَمْرو المُسْتَملي ، وعليه أثوابٌ رَّةٌ ، فبكى أبو عُثمان ،
فلما كان يوم مجلس الذّكر ، قال : دخل عليه(٢) رجل من مشايخ العِلم ،
فاشتغل قلبي برثَاثة حاله ، ولولا أني أُجِلُّه لسمِّيته . قال: فرمى النَّاس
= بالوفيات: ٣٠٢/٧، البداية والنهاية: ٧٧/١١ - ٧٨، طبقات الحفاظ: ٢٨٣، شذرات
الذهب : ١٨٦/٢ .
(١) تقدمت ترجمته في الصفحة : (٩٦)، برقم : (٥٤)
(٢) في ((المنتظم)): ((عليّ)).
٣٧٤

بالخواتيم والدَّراهم والتِّياب [بين يديه]، فقامَ أبو عَمْرو على رؤوس
النَّاس ، وقال: أنا الذي عَنى أبو عُثمان ، ولولا أني کرِهْتُ أن يُتَّهم به غيري
لسكتُ . ثم إنه أخذَ جميع ذلك ، وحمل معه ، فما بلغ باب الجامع حتى
وهب جميعَه للفقراء(١) .
قد استملی أبو عمرو علی جماعةٍ عاشوا بعده ، وأول ما استملی كان
في سَنة ثمانٍ وعشرين ومئتين .
قال الحاكم : وسمعتُ أبا بكر الصِّبْغي يقول : كان أبو عَمرو يصوم
النّهار، ويُحبي الليل (٢). ثم قال الصِّبْغِي: فأخبرني غير واحدٍ أنَّ الليلة
التي قُتل فيها أحمد بن عبد الله - يعني الظَّالم الذي استولى على نَيْسَابور -
صلى أبو عَمْرو العَتَمَة ، ثم صلَّى طول ليله ، وهو يدعو على أحمد بصوتٍ
عالٍ : اللَّهم شُقَّ بطنَه ، اللَّهم شُق بطنه .
مات محدِّث نيسابور أبو عَمْرو في جمادى الآخرة ، سنة أربعٍ وثمانين
ومئتين .
١٧٦ - ابن عاصم *
الإِمامُ ، الحافظ ، المصنّف ، الثِّقة ، أبو العبَّاس ، أحمد بن محمد
ابن عاصم الرَّازي .
سمع: أباه ، أحدَ من رَحَلَ إلى عبد الرُّزَّاق ، وسمِع : علي بن
المديني ، وإبراهيم بن الحجّاجِ السَّامي ، وأبا الرَّبيع الزَّهْرَاني ، وهُذْبَة بن
(١) انظر: المنتظم: ١٧٣/٥. والزيادة منه ...
(٢) تذكرة الحفاظ: ٦٤٤/٢.
* تاريخ ابن عساكر: خ: ٩٢/٢ أ، تهذيب بدران: ٦٠/٢.
٣٧٥

خَالد ، وقُتَيَّة بن سَعيد ، وإسحاق بن راهَوَيه ، وطبقتَهم .
وهو من أقران أبي عيسى التِّرْمذي .
حدَّث عنه: عبد الرَّحمن بن أبي حاتم ، وعلي بن إبراهيم بن سَلَمة
القَطَّان، وعُمر بن إسحاق ؛ والقاضي أبو أحمد العَسَّال ، وأبو جَعْفر
النَّفيَلي .
توفي سنة تسعٍ وثمانين ومئتين .
١٧٧ - الحَمَّار *
الإِمام ، المحدث ، الصَّدوق ، أبو جَعْفر ، أحمد بن موسى بن
إسحاق التَّميمي ، الكوفي ، الحَمَّار البَزَّز .
حدَّث عن : أبي نُعَيْم، وقُطْبَة بن العَلاء ، ووضَّاح بن يحيى ،
ومَخْبُول بن إبراهيم ، والحسن بن الرّبيع ، وعلي بن ثابت الدَّهَّان ،
وطائفةٍ .
حدَّث عنه : أحمد بن عَمْرو بن جابر الرَّمْلي ، وأبو الحسن بن سَلَمة
القَزْوْيني القَطَّان ، ومحمد بن أحمد بن يوسف ، وأبو العبّاس بن عُقْدة ،
وابن أبي دارٍم ، وآخرون كثيرون .
وما علمت به بأساً .
مات في شهر رمضان ، سنة ستٍّ وثمانين ومئتين ، وهو في عشر
النِّسعين .
* الأنساب : ٢٠٣/٤، اللباب: ٣٨٤/١.
والحمار ، بفتح الحاء ، وتشديد الميم : نسبة إلى بيع الحمير .
٣٧٦

وقال الخَليلي في ((إرشاده)): سنة خمسٍ . والأول أصح ،
وللخليلي أوهامٌ كثيرةٌ في كتابه ، كأنه أملاه من حفظه .
١٧٨ - العَنْبَرِي *
الإِمامُ ، القُدوة ، الرَّبَّاني، الحافظ ، المجوِّد ، أبو إسحاق ، إبراهيمُ
ابن إسماعيل العَنْبَري الطُّوسي : محدِّث طوس ، وأزهدُهم بعد محمد بن
أُسْلم، وأخصُّهم بصحبته ، وأكثرهم رحلة .
سمع : يحيى بن يحيى التَّميمي، وابنَ راهَوَيه ، وعلي بن حُجْر ، وابن
حُميد ، والحُسَين بن حُرَيث ، وعُبَيْد الله القَواريري ، وهَنَّاد بن السَّرِي ، وأبا
مُصْعَب، ومحمد بن رُمْح ، وهشام بن عمَّر، وقُتَيْبة بن سعيد ، وإبراهيم
ابن يُوسف الفقيه ، ومحمد بن أَسْلم ، وطبقتَهم .
حدَّث عنه: أبو النَّضْر الفقيه، وأبو الحسن بن زُهَير ، ومحمد بن
صَالح بن هانىء ، وآخرون .
ذكره الحاكم ، ولم يذكر تاريخاً لموته ، وكذلك مؤ رخ حلب الصَّاحب
كمال الدِّين العُقَيلي .
قال أبو النَّضر الفقيه: كتبتُ عنه ((مسنده)) بخطّ ، في مئتين وتسعين
جزءاً .
قلت : موته تخميناً بعد الثمانين ومئتين ، وكان من أبناء الثَّمانين ، أو
دونها بِيَسِير، وهو من أئمة الهدى ، رضي الله عنه .
* تذكرة الحفاظ: ٦٧٩/٢، عبر المؤلف: ٦٧/٢، وفيات سنة (٢٨٢)،
طبقات الحفاظ: ٢٩٥، شذرات الذهب: ٢٠٥/٢، تهذيب بدران: ٢٠٠/٢ - ٢٠١.
٣٧٧

١٧٩ - الجَلاجِلي *
المحدّث ، المقرىء، أبو السَّري ، موسى بن الحسن بن عبَّاد
النَّسَائي ، ثم البغدادي ، الملقَّب بالجَلاجِلي لِطيب صوته .
سمع : رَوْحِ بن عُبَادة ، وعبدَ الله بن بكر السَّهْمي، ومحمد بن
مُصْعَب القَرْقَساني ، وأبا نُعَيم ، وعدةً .
وعنه : ابن البَخْتَرِي ، والنَّجَاد ، وابن قَانع ، وعُمر بن سَلْم ، وعبد
الصَّمد الطَّسْتي .
قال الدَّارَقُطْني : لا بأس به .
قال ابن المُنادي : قيل : إن القَعْنَبِي قَدَّم الجَلاجِلي في التَّراويح ،
فأعجبَه صَوتهُ ، وقال : كأنه صَوت جَلاجِل .
قلت : توفي سنة سبعٍ وثمانين ومئتين .
١٨٠ - عُثْمان بن خُرَّزَاذ ** [س](١)
هو : الحافظُ، الثَّبْت ، شيخُ الإسلام ، أبو عمرو بن أبي أحمد ،
وهو : عثمان بن عبد الله بن محمد بن خُرِّزاذِ الطَّري ، ثم البَصْري ، نزيل
أنطاكية وعالمها .
تاريخ بغداد: ١٣ / ٤٩ - ٥٠، تاريخ ابن عساكر: خ: ١٣٣/١٧ أ - ب،
٠
المنتظم : ٢٦/٦.
* * تاريخ ابن عساكر: خ: ٦٤/١١ - ٦٥ ب، تهذيب الكمال: خ : ٩١٤ - ٩١٥،
تذهيب التهذيب: خ : ٣١/٣، تذكرة الحفاظ: ٦٢٣/٢ - ٦٢٤، عبر المؤلف: ٦٦/٢،
طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧، تهذيب التهذيب: ١٣١/٧ - ١٣٢،
طبقات الحفاظ : ٢٦٥، خلاصة تذهيب الكمال: ٢٦٠، شذرات الذهب: ١٧٧/٢
(١) زيادة من ((تهذيب التهذيب))
٣٧٨

وُلد قبل المئتين .
وسمع من: عَفَّن بن مُسْلم ، وقُرَّة بن حَبيب ، وعَمْرو بن مَرْزوق ،
وعَمْرو بن خالد الحَرَّاني ، وفَرْوة بن أبي المَغْراء ، وأبي الوليد الطَّيالسي ،
وسعيد بن منصور، وعبد السَّلام بن مُطَهَّر ، وموسى بن إسماعيل ، ويحيى
ابن بُكير، ويحيى الحِمَّاني، وإبراهيم بن الحجّاجِ السَّامي ، وإبراهيم بن
محمَّد بن عَرْعَرة، وأحمد بن جَناب ، وأحمد بن يونُس ، وأمِيَّة بن بِسْطَام ،
وبَكَّار بن محمد السّيرِيني(١) ، والحكم بن موسى ، وسعيدبن كثيربن ◌ُفير ،
وسَهل بن بِكَّار، وشَيْبان بن فَرُّوخِ ، وسُليمان بن بنت شُرَحْبِيل ، وأبي مَعْمَر
المُقْعَد ، وعُبَيْد الله بن عائشة ، وعمرو بن عون الواسِطي ، ومحمد بن سِنان
العَوَقي، ومسَدَّد، وعدةٍ . وجَمَع وصَنَّفَ .
حدَّث عنه: النَّسَائي ، وأبو حاتم الرَّازي - مع تقدمه - وأبو عَوَانة في
((صَحيحه))، ومحمد بنِ المُنذر شَكَّر، وحاجِب بن أرْكين ، وأحمد بن عمرو
ابن جابر الرَّمْلي، وأبو الحسن بن جَوْصًا، وخَيْئمة الأطْرابلسي ، وعلي بن
الحسن بن العبد البصري، صاحبُ أبي داود ، وأبو بكر محمد بن أحمد بن
مَحْمَوَيِه الأهْوازي ، ومحمد بن إسْماعيل الفارسي ، ومحمد بن علي بن
حَمْزة الأنطاكي ، وهشام بن محمد بن جَعْفر الكِنْدي ، وأبو القاسِم الطََّراني
بالإِجازة ، وخلقٌ كثيرٌ .
قال عبد الغني بن سَعيد الحافظ : عُثمان بن خُرَّزاذ هو عثمان بن عبد
الله. كذا يقول أبو عبد الرَّحمن - وهو عثمان بن صَالح - كما حدَّثني أبو
(١) السيريني، بكسر السين ، وسكون الياء، وكسر الراء: نسبة إلى سيرين والد محمد
ابن سيرين . ( اللباب ) .
٣٧٩

طاهر السَّدُوسي : حدثنا أبي ، حدَّثَنِي عُثْمان بن صالح ، ويُعرف صالح
بخُرَّزاذ(١) .
وقال ابن أبي حاتم : كان رفيق أبي في كتابةِ الحديث ، في بعض
الجزيرة والشَّام ، وهو صَدوق، أدركتُه ولم أسمعْ منه .
وقال أبو بكر بن مَحْمَوبه الأهْوازي : أحفظُ من رأيتُ عُثمان بن
خرَّزاذ(٢) .
قال ابن مَنْدَة : كانَ أحد الحفاظ .
وقال الحاكم : ثقةٌ مأمونٌ .
قال محمد بن بَرَكة الحلبي : سمعتُ عُثمان بن خرَّزاذ يقول : يحتاجُ
صاحب الحديثِ إلى خمسٍ ، فإن عَدِمَتْ واحدةٌ ، فهي نقصٌ ، يحتاجُ إلى
عقلٍ جيدٍ ، ودِينٍ وضَبطٍ وحذاقةٍ بالصِّناعة ، مع أمانةٍ تُعرف منه(٣).
قلتُ : الأمانةُ جُزءٍ مِن الدِّين، والضَّبْطُ داخلٌ في الحِذْق ، فالذي
يَحْتاج إليه الحافظُ أن يكونَ تقياً ذكياً ، نَحْوِياً لُغَوياً، زكياً حَيّاً، سَلَفياً،
يكفيه أن يكتبَ بيده مئتي مُجَلَّد، ويُحَصِّل من الدَّواوين المعتبرَة خمسَ مئة
مجلد، وأن لا يَقْتُر من طَلَب العِلم إلى المماتِ، بنّةٍ خالصةٍ وتواضُعٍ ،
وإلا فلا يَتَعَنّ .
قال سُليمان بن أحمد الطَّبراني : أخبرنا عُثمان بن خرِّزاذ في كتابه -
وقد رأيته - : دخلنا عليه بأنطاكية وهو عَليل مَسْبوت، فلم أسمَع منه شيئاً ،
(١) تاريخ ابن عساكر: خ: ١٦٥/١١
(٢) المصدر السابق .
(٣) المصدر السابق : ٦٥/١١ أ- ب.
٣٨٠