النص المفهرس

صفحات 121-140

وابنُه علي بن موسَى الرِّضا : كَبِيرُ الشَّأن ، لهُ علمٌ وبَيَانٌ، ووقْعٌ في
النُّفُوس، صَيِّره المأمونُ وَليَّ عَهْدِه لجلالتِه ، فتوفي سَنة ثلاث ومئتين .
وابنه محمد الجواد: من سَادة قومه ، لم يبلُغْ رتبةَ آبائه في العلم.
والفقه .
وكذلك ولدُه الملقب بالهَادي: شَريفٌ جَليل .
وكذلك ابنُه الحَسَن بن عَلِي العَسْكَرِي . رحِمَهُم الله تعالى .
فأما محمد بن الحَسَن هذا: فَتَقَل أبو محمد بن حَزْم : أن الحَسَن مات
عن غير عقب . قال: وَثَبَتَ جُمْهُور الرَّافضة على أنَّ للحسَن ابناً أخفاه .
وقيل: بل وُلد له بعد موته، من أَمَةٍ اسمُها: نَرْجِسٌ، أو سَوْسَنٌ، والأَظْهَر
عندَهم أنها صقيل ، وادَّعَتِ الحمْلَ بعد سَيِّدها ، فأُوقِفَ ميراتُه لذلك سَبْع
سِنِين ، ونازَعَها في ذلك أخوه جَعْفَرُ بن علي، فَتَعَصَّب لها جماعةٌ، وله
آخرون، ثم انفشَّ ذلك الحملُ، وبطل، فأخذَ ميراثَ الحَسَنِ أخوه جَعْفَرٌ ،
وأخٌ له . وكان موتُ الحَسن سَنة سِتين ومئتين ... إلى أن قال: وزادتْ فتنةٌ
الرَّافضة بصقيل وبِدَعْواها، إلى أن حَسَها المُعْتَضِد بعد نّيِّفٍ وعشرين سَنة من
موت سَيِّدها ، وجُعِلت في قَصْره إلى أن ماتَت في دولة المُقْتَدِر .
قلت: ويَزْعُمون أن محمداً دخل سِرْداباً في بَيْتٍ أبيه، وأُمُّه تَنظرُ إليه،
فَلَمْ يَخرِجْ إلى السَّاعة منه، وكانَ ابنَ تِسْع سِنين . وقيل دون ذلك .
قال ابنُ خَلِّكان : وقيل: بل دَخَل، وله سَبعَ عَشرة سنةً ، في سَنة
خَمس وسَبعين ومئتين، وقيل: بل في سَنة خَمسٍ وسِتين، وانَّهُ حيٌّ (١).
(١) انظر: وفيات الأعيان: ١٧٦/٤.
١٢١

نعوذُ بالله مِن زَوال العَقْلِ. فَلَو فَرَضْنا وقوع ذلك في سَالف الدَّهر،
فَمَن الَّذي رآه ؟ ومن الّذي نَعْتَمد علیه في إخبارِه بحیاته ؟ ومَن الذي نَصِّ لنا
على عِصْمَته، وأنَّه يعلم كلَّ شَيء ؟ هذا هَوَسٌ بَيِّن . إنْ سَلَّطْناه على العُقُول
ضَلَّتْ وَتَحَيَّرتْ ، بَلْ جَوَّزَتْ كلَّ باطل . أعاذنا اللَّهُ وإياكم من الاحتجاج
بالمُحالِ والكَذِب ، أو ردِّ الحقِّ الصَّحيح كما هو دَيْدن الإِمامِيَّة .
وممن قال: إنَّ الحَسَنِ العَسْكري لم يعقب: محمدُ بن جَرِيْرِ الطَّبري ،
ويحيى بنُ صَاعد، وناهيك بهما مَعْرفةً وثِقَةً .
٦١- يوسُف بن بَخْر *
الإِمامُ، الرَّجَالُ، أبو القاسم، التَّميمي، البغدادي، ثم الطّرابلسي،
قاضي حمص، ثم نزل جَبْلَة .
سمع: عليّ بن عَاصم، ويَزِيدَ بن هَارون ، وأبا النَّضر، وحجَّاج بن
محمد، والأَسْوَد بن عامر، ومروان بن محمد .
وعنه : ابنُ صَاعد، ومحمدُ بن المُسَيَّب الأَرْغِياني، ومحمدُ بن
سُلَيْمان، أخو خَيْئَمة، وابنُ أبي حاتم ، وآخرون .
وروى الكثير .
وجاء عن خَيْئمة : أنه ارتحلَ إليه بُعَيد سَنة سَبعين ومئتين إلى جَبْلة ،
فَأَسَرَه الفِرَنْج .
قال ابنُ عَدي: ليسَ هو بالقوي [ رفع أحاديث و]، أتى عن الثِّقات
بمناكير(١) .
* الجرح والتعديل: ٢١٩/٩ - ٢٢٠، تاريخ بغداد: ٣٠٥/١٤ - ٣٠٦، طبقات
الحنابلة: ٤٢٠/١، ميزان الاعتدال: ٤٦٢/٤ - ٤٦٣، لسان الميزان: ٣١٨/٦ - ٣١٩.
(١) الكامل لابن عدي: خ (الظاهرية): ٣٥٩/٤. والزيادة منه .
١٢٢

وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم .
وقال الدَّارَقُطْني: ضعيفٌ . وقالَ مَرَّةً : ليس بالقوي .
٦٢ - الخَصَّاف ﴾
العَلَّمَةُ، شيخُ الحَنَفية، أبو بكر، أحمدُ بن عَمْرو بن مُهَيرِ الشَّيْبَانِ،
الفقيه الحَنَفي، المحدِّث .
حدَّث عن: وَهْبٍ بن جَرِيْر، وأبي عَامِرِ العَقَدي، والواقِدي، وأبي
نُعَيْم، وعَمْرٍو بن عَاصم، وعَارمٍ ، ومُسْلمِ بن إبراهيم ، والقَعْنَبِي، وخَلقٍ
کثیرٍ .
ذكره ابنُ النَّجار في («تاريخه )).
وقال محمدُ بن إسْحاق النَّديم (١) : كانَ فاضلاً صالحاً، فارضاً حاسِباً،
عالِماً بالرَّأْي، مُقَدَّماً عند المُهْتَدِي بالله، حتى قال النَّاس: هو ذا يُحبي دولةً
أحمد بن أبي دُواد(٢). ويُقدم الجَهْمية(٣).
صَنَّف للمهتدي كتاب: ((الخَرَاجِ ))، فلما قُتل المُهْتَدي، نُهِبَت دارُ
الخصَّاف، وذهبتْ بعضُ كُتبه .
* الفهرست : المقالة السادسة : الفن الثاني ، طبقات الفقهاء : ١١٤ ، الوافي بالوفيات :
٢٦٦/٧ - ٢٦٧ .
(١) الفهرست: المقالة السادسة: الفن الثاني: وفيه: ((وكان فقيهاً فارضاً حاسباً ،
عالماً بمذاهب أصحابه ، متقدماً عند المهتدي، حتى قال الناس ... )).
(٢) أبو عبد الله الإِيادي، قاضي القضاة. توفي سنة (٢٤٠هـ). قال الذهبي في
((عبره)): ٤٣١/١: ((كان فصيحاً مغوهاً شاعراً جواداً ممدحاً رأساً في التجهم : وهو الذي شغب
على الإِمام أحمد بن حنبل وأفتى بقتله . وقد مرض بالفالج قبل موته بنحو أربع سنين ، ونكب
وصودر)) .
(٣) أي المعتزلة .
١٢٣

صنّف كتاب: (الحِيَل))(١)، وكتاب: ((الشُّروط الكبير))، ثم
اختصره، و((الرَّضَاعِ)) و((أدبَ القاضي))، و((العصير وأحكامه))، و((أحكام
الوقوف))، و((ذرع الكَعْبَة والمسجد والقبر)).
ويُذكر عَنه زُهْدٌ وَوَرَع ، وأَنَّه كانَ يأكلُ من صنْعته ، رَحِمَه الله . وقلَّ ما
رَوَى، وكان قد قاربَ الثَّمانين.
مات ببغداد سنة إحدى وستين ومئتين .
٦٣ - ابن المُدَبِّر *
الوزِيرُ الكبير، أبو إسْحَاق، إبراهيمُ بن مُحمَّد، بن عُبَيْد اللّه بن المدَبِّر
الضَّبِّي .
أحدُ الْبُلغاء والشُّعَرَاءِ، وَزَرَ للمُعْتَمِد . وهو أخو أحمد بن المدَبِّر ،
ومحمد .
حكى عنه: عليَّ الأخْفش ، وجَعْفر بن قُدَامة، وأبو بكر الصُّولي،
وغيرهم .
ولم يكن أحدٌ من كتّاب الترسل يُقاربُه في فنِّه وتوسُّعِهِ، ولم يزل عالي
(١) وقد طبع بألمانيا، بعناية المستشرق الهولندي يوسف شخت. والمتأمل في ((الحيل))
التي تضمنها هذا الكتاب يجدها من النوع الذي يحتال به على التوصل إلى الحق ، أو على دفع
الظلم بطريقة مباحة لم توضع موصلة لذلك ولكن قصد بها ذلك التوصل ، وليست من النوع
المذموم الذي يقصد به هدم مقاصد الشارع في التحليل أو التحريم ، وتفويت الغاية السامية التي
يرمي إليها الشرع الإسلامي فيما يشرع من أحكام وتكاليف .
* تاريخ الطبري: ٤٧٢/٩ - ٧٤٣، ٤٧٧، و: ٣١/١٠، الأغاني: ١٥١/٢٢ - ١٨٥
(ط. دار الثقافة - بيروت ١٩٦٠م)، معجم الأدباء: ٢٢٦/١ - ٢٣٢، فوات الوفيات :
٤٥/١ - ٤٧، الوافي بالوفيات: ١٠٧/٦ - ١١٠.
١٢٤

المكانةِ إلى أن نُدب إلى الوزارة ، في سَنة ثلاثٍ وسِتين ومئتين، فاسْتُعفي
لكثرة المُطالبة بالمال .
وكانَ وافرَ الحِشْمَةِ، كثيرَ البَذْل، وفيه يقولُ أبو هِفَّان(١).
يا ابنَ المُدَبِّر أنْتَ عَلَّمتَ الوَرَىْ بَذْلَ النَّوَالِ وَهُمْ بِهِ بُخَلَءُ
لَوْ كَانَ مِثْلَكَ فِي البَرِيَّةِ وَاحِدٌ في الجُوْدِ لَمْ يَكُ فِيْهِمُ فَقُرَاءُ(٢)
وله أخبارٌ طَويلة في ((تاريخ)) ابن النجار .
مات سنة تِسْع وسبعين ومئتين .
وماتَ أخوه أحْمَد بن المدّبِّر(٣)، أبو الحَسن الكاتب السَّامَرِّي سَنة
(١) هو: عبد الله بن أحمد بن حرب المِهزّمي العبدي، راوية ، عالم بالشعر والأدب.
من آثاره المطبوعة كتاب ((أخبار أبي نواس))، وله غيره . توفي سنة ( ٢٥٧هـ )
انظر ترجمته في: تاريخ بغداد: ٣٧٠/٩ - ٣٧١، معجم الأدباء: ٥٤/١٢ - ٥٥، لسان
الميزان : ٢٤٩/٣ - ٢٥٠ .
(٢) البيتان في: الوافي بالوفيات: ١٠٧/٦، وهما في مجلة المورد العراقية: المجلد
التاسع، العدد الأول ص: ١٨٧، حيث جمع شعره فيها هلال ناجي، وفيها :: ((آخر)) بدل:
واحد، و (( بينهم))، بدل : منهم ، وانظر التخريج ثمت .
(٣) ترجمته في: الوافي بالوفيات: ٣٨/٨ - ٤٠، النجوم الزاهرة: ٤٣/٣، تهذيب
بدران : ٢/ ٦٢ - ٦٥.
ومن طريف ما ذكر في ترجمته في ((تهذيب بدران)): ((قال الأبيوردي : كان ابن المدبر إذا
مدحه شاعر ولم يرض شعره ، قال لغلامه نجح : امضٍ به إلى المسجد الجامع ، فلا تفارقه حتى
يصلي مئة ركعة ثم خله . فتجافاه الشعراء إلا المفرد المجيد ، فجاءه الجمل الشاعر ، فاستأذنه في
النشيد ، فقال له : قد عرفت الشرط ؟ قال : نعم . قال : فهات إذاً. فأنشده :
كما بالمدْحِ يُنْتَجَعُ الولاةُ
أردنا في أبي حَسَنِ مَدِيحاً
ومِنْ كَفَّيْهَ دِجْلَةُ والفُراتُ
فقُلْنا: أكرمُ الثَّقْلَيْنِ طُرّاً
جَوَائِزُهُ عَلَيْهِنَّ الصَّلاةُ
وقالوا : يَقْبَلُ المدحات لكنْ
صَلاتي إنما الشَّأْنُ السَزَّكاةُ
فقلتُ لهم : وما يُغْني عِيالي
فَتُصْبِحُ لي الصَّلاةُ هي الصَّلاةُ =
فيأمُرُ لي بكَسْرِ الصَّاد مِنها
١٢٥

سَبعين، قبله . وكانَ وَلي مساحة الشَّام للمتَوَكِّل، وكانَ بَليغاً مُتَرَسُّلًا،
صَاحبَ فُنون، يَصْلُح للقَضَاءِ. وللبُخْتُري فيه مَدائح(١) .
ثم ولي خَراج مِصر مع دِمَشق. ثم قَبَضَ عليه أحمدُ بن طُولُون، وسَجَنَه
وعَذَّبه ، ثم طَلَبه ، وقال: كيفَ حالُك ؟ فقال: أخذكَ اللهُ من مأمَنِك يا ◌َدوَّ
اللَّهِ . فأمَرَ بقتله . وقيل: بَلْ هَلَكَ في السِّجْن .
ولإِبراهيم أخبارٌ مع عُرَيْب المُغَنِّية، في تَعَشُّقِهِ لها(٢) ، وأنَّها بعد أن
عَجَزَتِ زَارَتْه يوماً في جَواريها، فَوَصَلها بنحوٍ من ألفي دينار ذلك اليوم .
٦٤ - السُّكِّرِي *
العلَّمَةُ، البارِعِ، شَيْخ الأدبِ، أبو سَعيد، الحَسَنُ بن الحُسَين بن عبد
الله بن عبد الرّحمن بن العَلاَء بن أبي صُفْرة بن الأمير المُهَلَّبِ بن أبي صُفْرة،
الأزْدي المهَلَّبي السُّكَّرِي النَّحْوي، صاحبُ النَّصَانيف .
سمِع من: يحيى بن مَعِين، وجماعةٍ .
وأخَذَ العربيةَ عن أبي حاتم السِّجستاني، والرِّياشِي، وعُمر بن شَبَّة.
فضحك وقال : من أين لك هذا؟ فقلت : من قول أبي تمام :
=
هُنَّ الحَمامُ فإن كَسَرت عيافة
من حائِهِنّ فإنهن حِمام
فاستطرفه ووصله )) .
(١) انظر: ((ديوان البحتري)) (ط. دار المعارف بمصر): ٣٧/١ - ٣٨، و:
٧٧١/٢ - ٧٧٣، و: ١٩٥٨/٣ - ١٩٦١ وهي قصيدة في مدح الأخوين أحمد وإبراهيم ، و:
٢٢٢٨/٤ - ٢٢٣٢ وهي كذلك في مدح الأخوين معاً .
(٢) انظر مثلاً في: الأغاني: ١٥٦/٢٢ - ١٥٧، و: ١٦٠ - ١٦٣.
* طبقات النجويين واللغويين للزبيدي : ١٨٣ ، الفهرست : المقالة الثانية : الفن
الثالث ، تاريخ بغداد: ٢٩٦/٧ - ٢٩٧، المنتظم: ٩٧/٥، معجم الأدباء: ٩٤/٨ - ٩٩،
إنباه الرواة: ٢٩١/١ -٢٩٣، البلغة في تاريخ أئمة اللغة: ٥٦ - ٥٧، بغية الوعاة: ٥٠٢/١.
١٢٦

و
روى عنه: محمدُ بن أحمد الحَكِيْمِي، ومحمدُ بن عبد الملك
التَّاريخي(١)، وأبو سَهْل بن زِياد. وصَنَّف النَّصَانيف.
قال الخطيب: كانَ ثِقة دَيِّناً صادقاً ، يُقرىء القُرْآن، وانتَشَر عنه شَيءٌ
كثيرٌ من كتب الأدَب(٢) .
له كتابُ: ((الوُحُوش))، وكتاب: ((النَّبَات)).
وكانَ عجباً في معرفةٍ أَشْعار العرب، ألَّف لجماعةٍ منهم دَوَاوين ،
فَجَمَعِ شِعْر أبي نُوَاس، وشَرحَهَ في ثَلاَث مُجلدات، ودَوَّن شعر امرىء
القْس، وشِعر النَّابِغَتَّين، ودِيْوان قَيْس بن الخَطِيم، ودِيْوان تَمِيْم، وديوان
هُذَيل، ودِيوان الأَعْشَى، وديوان زُهَير، ودِيوان الأخْطَل ، ودِيوان هُذْبة بن
خَشْرم، وأشياء سوى ذلك(٣).
مولده سنة اثنتي عشرة ومئتين، وتوفي سنة خَمسٍ وسَبعين ومئتين .
٦٥ - سُلَيْمَانُ بنُ وَهْب»
ابنِ سَعيد بن عمرو بن حُصَيْن : الوزيرُ الكبيرُ ، أبو أيُّوب الحَارِثِي ،
الكاتب .
مولده بسواد واسِط .
(١) التاريخي: نسبة إلى التاريخ والعناية به وجمعه . ( اللباب ).
(٢) تاريخ بغداد: ٢٩٦/٧ .
(٣) انظر: الفهرست : المقالة الثانية: الفن الثالث.
* تاريخ الطبري: ١٢٥/٩، ١٢٨، ١٦٩، ٥٣٢، ٥٤٠، ٥٤١، ٥٤٣، و:
٩/١٠، الأغاني: ٣/٢٣ - ١٨ (ط. دار الثقافة - بيروت ١٩٦٠)، المنتظم: ٨٦/٥،
وفيات الأعيان : ٤١٥/٢ - ٤١٨، النجوم الزاهرة: ٣٧/٣.
١٢٧

وتأَدَّبَ في صِغَرِهِ ، وَكَتَبَ للمأمون وهو حَدَثِ . وَتَنْقَّلَت به الأيامُ ، إلى
أن وَزَرَ للمُهْتَدِي سَنة سِتٍ وخَمسين ، ثم وَزَر بعد في سنة (٢٦٣ )
للمعتمد ، فَعُزِلَ بعد سَنة .
وهو أخو الحسن بن وهب(١) ، وكان جَدُّهُما سَعِيدٌ نَصْرانياً ، یکتُبُ في
دواوين الخَرَاجِ ، ثم استَخْدَمَ الفضلُ بنُ سَهْلِ وَهْباً ، وَنَّوَّه بذكره ، وولاه نَظَرَ
فَارس ، فولد سُليمان في سَنة تسْعين ومئة ، وأُخوه أسنُّ منه .
وسَمِع سُليمان حَدِيثاً كثيراً، وَكَتَبَ المنسوبَ .
قال حُسَين بن علي الكاتب : سمعتُ سُلَيمان بن وَهْب يقولُ: اطَّلَعَ
أبو تَمَّام وأنا أكتُب ، فقال لي : يا أبا أيُّوب ! كلامُك ذَوب شِعري .
قال جَرِيْر بن أحمد بن أبي دواد : كُنَّا في مجلس المُهُتَدي بالله ، فَدَفَعَ
إلى سُلَيمان بن وَهْب كتاباً ، وقال : أَجِبْ عنه . فلما قامَ ، قال المهتدي : ما
في صناعته له نَظِير ، غير أنه يُفْسِد نَفْسَه بِشَرَهٍ فيه على المال .
وفي ((تاريخ الوُزَرَاء))، لأبي عبد الله الجَهْشِيَارِي، قال : كان
سُلَيْمان حَسَن الخُلُق، كريمَ الطَّبع، لِيِّن العِشْرةِ(٢).
وقال أبو العبَّاس بن الفُرات : كان سُليمان بن وهْب أكتبَ خلقِ الله يدأ
ولساناً .
قلت : إلا أنه قليلُ الخير ، ذكر محمدُ بنُ الضَّحَّاكِ بنِ الخَصِيب أنَّه
رآه يقرأ في مُصْحفٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيْدُ حَرْثَ الآخرة ﴾ [ الشورى: ١٠ ]
(١) انظر أخباره في: الأغاني: ٥٣٣/٢٢ - ٥٦٣.
(٢) المطبوع من (( الوزراء والكتاب)) للجهشياري ينتهي عند خلافة المأمون ، وقد أشار
الناشر في مقدمته إلى فقدان الجزء الثاني الذي ينتهي بأخبار سنة ( ٢٩٦ هـ).
١٢٨

فقال : اللهم ! ائتني حَرْئي في الدّنيا ، ولا تجعل لي في الآخرة من نَصيب .
فأجيب دعاؤه.
وقال مُحْرِز الكاتب : كانَ لسُليمان غلامٌ يُحبُّه ، فاستُهْتِر به (١) ،
فَأَلَحَّتَ عليه امرأتُه ، فأبعده .
قال الصُّولي : نَكَبَه الموقَّقُ وصَادَرَه ، فلم يوجد معه ما ظَنَّ فيه ،
وجَرَت له بعدُ نكبات ، فمات محبوساً في صَفَر سَنَّةَ اثنتين وسبعين ومئتين في
وزَارة صَاعد بن مَخْلَد .
وهو والد الوزير عُبَيْد اللّه، وجَدُّ الوزير القاسم بن عُبَيْد الله ، وأبو جد
الوزير الحُسَين .
٦٦ - الخَبِيْثُ﴾
هو طاغيةُ الزّنْج، عليّ بن محمد بن عبد الرَّحمن(٢) العَبْدي، من عبد
القَّيْس .
افترى، وَزَعَم أنَّه من وَلَد زيد بن علي العَلَوي ، وكانَ مُنجماً طرقياً
ذكياً، حَرُورياً(٣) ماكراً، داهِيَة منحلّاً، على رأي فَجَرَةِ الخَوارِجِ، يَتْسَتُّرُ
(١) استُهتر به: فُتن به . وهو على خلاف المتداول على ألسنة الناس اليوم بمعنى الهزء
والسخرية .
* تاريخ الطبري : ٩/ ٦٢٢ - ٦٢٦، ٦٣٦ - ٦٤٢، ٦٤٥ - ٦٥٢، ٦٥٤ - ٦٦١، الكامل
لابن الأثير: ٢٠٥/٧ - ٢١٥، ٢٣٥ - ٢٣٧، وحتى ٤٠٦، ففي هذه الصفحات أخبار متفرقة
عنه، وعن أعمال الزنج ومحاربة الدولة لهم عبر المؤلف: ٣٤/٢ - ٣٥، ٣٧، ٣٩، ٤١ -
٤٣، البداية والنهاية: ٤١/١١ - ٤٥، شذرات الذهب: ١٥٤/٢ - ١٥٦.
(٢) في ((الكامل)) لابن الأثير: ٢٠٦/٧: ((ابن عبد الرحيم)).
(٣) نسبة إلى الحرورية: وهم الخوارج الذين خالفوا علياً - رضي الله عنه - بعد رجوعه
من صفين الى الكوفة، إذ انحازوا إلى ((حروراء)) موضع بظاهر الكوفة ، وكان أول اجتماعهم به ،
فسموا ((الحرورية)) .
١٢٩

بالانتماءِ إليهم ، وإلاَّ فالرَّجُلِ دَهْرِيُّ فَيلسوفْ زِنْديق .
ظَهَرَ بالبصرة(١)، واستغوى عَبِيْدَ النَّاسِ وأوباشَهم، فَتَجَمَّع له كلُّ
لِصٍّ ومُرِيب، وكثروا، فَشَدَّ بهم على أهلِ البصرة ، وتَمَّ له ذلك،
واستَّبَاحُوا الْبَلَدَ ، واستَرَقُّوا الذُّرية، وملكوا، فانتُدب لحربِهِم عَسْكُرُ
المعتمد ، فالتقى الفريقان ، وانتصَرَ الخبيثُ، واستفحلَ بلاؤه ، وَطَوى
البِلاَدَ، وأبادَ العِباد، وكادَ أن يملكَ بغدادَ ، وجرتْ بينه وبين الجَيْش ◌ِدَّة
مَصَافَّات (٢)، وأنشَأ مدينةً سَمَّاها: المختارة ، في غاية الحَصَانة ، وزادَ
جيشُه على مئة ألف، ولولا زندقّتُه ومروقُه لاستولى على المَمالِك .
وقد سُقْتُ من فتنته في دولةِ المعتمد ، وكانتْ أيامُهُ أربعَ عشرةَ سَنة .
قال نِفْطَوَيْه : كان أولاً بواسط ، وربَّما كَتَبَ العُوَذ، فَأَخَذَه مُحَمَّد بن
أبي عَون ، فَحَبَسَه، ثم أطلَقَه، فما لبثَ أن خَرَج واستغوى الزِّنْج - يعني:
عَبِيْدَ النَّاس والذين يَكْسَحون وَيَزْبِلون(٣) - فَصَار من أمره ما صار ، وخافتْه
الخلفاءُ ، ثم أظفرَهم الله به بعد حُروب تُشَيِّب النَّواصِي .
وقُتل ولله الحمد في سَنَةِ سَبعين ومئتين ، في صَفَر ، وله ثمان وأربعون
سَنَة .
ولو أفردتُ أخباره ووقائعَه لبلغت مُجَلَّداً . وكان مُفْرِط الشَّجاعة ،
(١) كان أول ظهوره سنة (٢٥٥هـ). انظر: ((الكامل)) لابن الأثير: ٢٠٥/٧، وما
بعدها .
(٢) يقال: صف الجيشَ يصفه صفاً، وصافَّه فهو مُصافُّ: إذا رتَّب صفوفه في مقابل
صفوف العدو . والمصاف ، بفتح الميم ، وتشديد الفاء : جمع مصفّ : وهو موضع الحرب
الذي يكون فيه الصفوف .
(٣) الكَسْح: الكنس . والكساحة : الكناسة . ويزبلون ، أي : يصلحون الأرض
بالزِّبْل .
١٣٠

جرِيّاً داهِيَةً ، قد استوعبَ ابنُ النَّجَّار سيرَتَه .
رُئي أبوه أنه بالَ في مسجدٍ رسولِ الله - نَّ - بولةً أَحرَقَت نصفَ
الدُّنيا .
٠
وكانتْ أُمُّ الخَبِيثِ تقولُ : لَم يَدْعِ ابني أحداً عنده عِلْمُ بالرِّي حتى
خالَطَهم ، ثم خَرَجَ إلى خُراسان ، فغابَ عني سَنَّتَين، وجاءَ ، ثُمَّ غابَ عني
غيّبْتَه التي خَرَجَ فيها ، فَوَرَدَ عليَّ كتابُه من البصرة ، وبعثَ إليَّ بمالٍ ، فلم
أقبَلْه، لِمَا صَحَّ عندي من سفْكِه للدِّماء، وخرابِه للمُدن .
قلتُ : وكان أبوه داهِيَةً شيطاناً كَوَلَدِهِ . فقالَ عليّ: مرضتُ وأنا
غلامٌ ، فجلسَ أبي يعودُني ، وقالَ لأمي : ما خبرُه ؟ قالتْ : يموتُ . قالَ :
فإذا ماتَ ، من يَخْرِبُ البَصرة؟ قالَ : فبقي ذاك في قَلبي .
وقيل : مات أبوه بسَامَرَّاء سنَةَ إحدى وثلاثين ومئتين . فقالَ عَليّ
الشِّعْرَ، وَمَدَحَ به، وصَار كاتباً، ودخل في ادِّعاءِ الإِمامَة وعلمِ المُغَيِّبَات ،
وَخَافَ، فَزَحَ من سَامَرَّاء إلى الرَّي لميراثٍ فِي سَنَّة تسعٍ وأربعين .
قلت : بعد مَصْرَع المتوكل وابنه ، وأولئك الخُلَفَاءِ المستَضْعَفِيْن
المقتولين ، نقضَ أمرُ الخلافة جداً ، وطَمِع كلُّ شَيطان في التَّوَتُّب ، وخَرَجَ
الصَّفَّارِ بِخُراسان(١)، واتَّسَعَت ممالكُه، وخرجَ هذا الخبيثُ بالبصرةِ ،
وفعلَ ما فعلَ . وهاجت الرُّومُ، وعَظُمَ الخَطْبُ .
ثم بعد سنواتٍ ثارت القَرامِطَة(٢) والأعْراب، وظَهَرَ بالمغربِ عُبَيْدُ
(١) كان خروج الصفار سنة (٢٥٣ هـ) في سجستان، وقضي عليه سنة (٢٦٥ هـ) وهو :
يعقوب بن الليث الصفار. انظر أخباره في: ((الكامل)) لابن الأثير: ١٨٤/٧ - ٣٢٦.
(٢) كان ابتداء أمر القرامطة سنة (٢٧٨ هـ) في الكوفة ، وسنة (٢٨٦ هـ) في البحرين =
١٣١

الله ، المُلَقَّب بالمَهْدِي ، وَتَمَلَّكَ. ثم دامَت الدولةُ في ذُرِّيَّةِ الباطِيَّة إلى دولة
نور الدِّين ، رَحِمَهُ الله .
فادَّعى بعد الخمسين هذا الخبيثُ بهَجَر (١) أنه عليُّ بن محمد بن
الفضل بن حُسَين بن عبد الله (٢) بن عبَّاس بن علي بن أبي طَالب. ودعا إلى
نفسِه ، فَمَالَ إليه رئيسُ هَجَر ، ونابَذَه قومٌ، فاقتَتَلُوا ، فَتَحَوَّلَ إلى الأحساء ،
واعتَصَمَ ببني الشَّمَّاس، وإنما قَصَدَ البحرين لغباوَةِ أهلِها ، ورَوَاجِ
المَخَاريقِ عليهم، فحلَّ منهم محلَّ نَبِيٍّ ، وَصَدَّقوه بِمَرةٍ، ثم تنكّرُوا له
لدبره ، فَشَخَصَ إلى البادية يَسْتَغْوِي الأعاريب(٣) بنفوذ حِيَلِه، وشَعْوَذَتِه،
واعتَقَدُوا فيه أنه يعلمُ مَنْطِقِ الطَّيْرِ، وَجَعَلَ يُغير على النَّواحِي، ثم تمّتْ له
وقعةٌ كبيرةٌ ، هُزِم فيها وقُتل كُبراءُ أتباعه ، وكرهَتْه العرب ، فَقَصَدَ البصرةَ ،
فنزل في بني ضُبَيْعَة ، والتَفَّ عليه جماعةٌ في سنة أربع وخمسين ، وطَمِع في
مَيْل البصْرِيِين إليه ، فَأَمَرَ أربعةً ، فدخلوا الجامعَ يدعونَهم إلى طاعته ، فلم
يُجِبْه أحد ، بل وَثَبَ الجُنْدُ إليهم، فهربَ، وأَخِذَ أتباعُهُ وابنه الكبير وأمُّه
وبنته ، فَحُبِسُوا .
وَذَهَبَ إلى بغداد فأقامَ سَنة يستغوي النَّاسَ ويُضِلُّهم ، فاستمالَ عدَّة من
الحاكَة بمخارِيقه ، والجَهَلَّةُ أسبقُ شيءٍ إلى أربابِ الأحوالِ الشَّيطانية ،
= على يد أبي سعيد الجنابي، وسنة (٢٨٩ هـ) بالشام. انظر أخبارهم في ((الكامل)) لابن الأثير:
٤٤٤/٧ - ٤٤٩، ٤٩٣ - ٤٩٥، ٤٩٨ - ٥٠٠، ٥١١ - ٥١٣، ٥٢٣ - ٢٥٢٦، ٥٤١ - ٥٤٦،
٥٤٨ - ٥٥٢: و: ٨٣/٨ - ٨٤، ١٤٣ - ١٤٤، ١٤٧ - ١٤٩، ١٥٥ - ١٥٦، ١٧٠ - ١٧٥،
١٨١ - ١٨٢، ١٨٦ - ١٨٧، ٢٠٧ -٢٠٨، ٣١١، ٤٨٦، و: ٤٢/٩ -٤٣، و: ٣١٣/١٠-
٣٢٣ .
(١) هجر: مدينة في البحرين. ( انظر ياقوت).
(٢) في ((الكامل)) لابن الأثير: ٢٠٦/٧: ((ابن الحسن بن عبيد الله ... ((
(٣) انظر: الكامل: ٢٠٦/٧ - ٢٠٧.
١٣٢

1
وماتَ مُتولِّي البصرة ، وهاجَت الأعرابُ بها، وفَتَحوا السُّجون ، فتخلَّص
قومُهُ(١) فبادَرَ إلى البصرةِ فِي رَمَضان سَنَةً خمسٍ ، وحوله جماعةٌ ،
واستجابَ له عَبِيدٌ زُنُوج للنَّاس، فأفْسَدَهم وجَسَّرهم، وعَمَدَ إلى جَريدةٍ ،
فكتبَ على خِرقةٍ عليها ﴿ إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِيْنَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بأنَّ
لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. وكتبَ اسمه، وخرج بهم في السَّحَر لليلتين
بقيتا من رَمضان في ألف نفسٍ ، فَخَطَبَهم ، وقال: أنتم الأمراء
وَسَتَملكون .... وَوَعَدَهُم، ومَنَّاهم ، ثم طَلب أستاذيهم، وقال : أردتُ
ضربَ أعناقِكم لأذَّتِكم لهؤلاء الغِلمان . قالوا : هؤلاء أَبْقُوا(٢) ولا يُبقون
عليك ولا عَلينا . فَأَمَرَ غلمانَهم ، فَبَطَحُوهم ، وضَرَبُوا كلَّ واحدٍ خمسَ مئة ،
وحلَّفهم بالطّلاق أن لا يُعلموا أحداً بموضعه .
وقيل : كان ثَمَّ خمسةَ عشرَ ألف عبدٍ يعملون في أموالٍ مواليهم ،
فَأَنْذَروا ساداتِهم بما جَرى، فقيدوهم ، فَأَقْبَل حزْبُه ، فَكَسَرُوا قيودَهم ،
وضَمُّوهم إليه ، فلما كانَ يومُ الفِطْرِ رَكَز علمه(٣) ، وصلى بهم العِيْد،
وخطبهم، وأعلمَهم أنَّ الله يُريدُ أن يُمَكِّنَ لهم ويُملكَهم، وَحَلَفَ لهم على
ذلك(٤)، ثم نَزَلَ ، فصلّى بهم .
ثم لم يزلْ يَنْهَبُ ويُغير، ويكثُر جَمعُه من كل مائةٍ(٥) وقاطع طريق ،
حتى استفحل أمرُه، وعظُمَتْ فتنتُه ، وَغَنِمَ الخُيول والسِّلاح، والأمْتَعَةَ
والأموالَ والمواشي . وصَارَ من الملوك . وصار كلَّما حار به عَسكرٌ وانهزموا ،
(١) انظر: الكامل: ٢٠٨/٧.
(٢) أبق العبد : هرب .
(٣) ركز علمه : غرزه في الأرض .
.(٤) انظر: الكامل: ٢٠٩/٧.
(٥ ) مائق : حاقد ، والماقة : الحقد .
١٣٣

فَرَّ إليه غِلمانُ العَسْكر . فَحَشَدَ له أهلُ البصرة في ذي القعدة من العَام ،
والتَّقَوا ، فَهَزَمَهُم، وَقَتَلَ منهم مَقْتَلَة ، وَوَقِعَ رعبُه في النُّفوس ، فَوَجَّه الخليفةُ
جَيْشاً ، فما نفعوا .
ثم أَوْقَعَ بأهل الأُبُلَّة (١) في سَنة سِتٍّ، وأُحرقَها، فسَلم أهلُ عَبَّادان(٢)
بأيديهم ، وسَالموه ، فأخذ عَبِيْدهم وسلاحَهم .
ثم أَخَذَ الأهوازَ ، فَخافَه أهلُ البصرة ، وانجفلوا ، فأخذَها بالسَّيْفِ في
شَوَّال ، سنة سَبع وخمسين ، وقتَ صَلاة الجُمعة ، وهَرَبَ جُنْدُها فأحرَقَ
الجامعَ بَمَن حوى ، ولم تزل الحربُ بينه وبين المُوَفَّق سِجَالاً (٣).
واستباح واسطَ في سنة أربعٍ وستين ، وحَصَلَ للخبيثِ جواهِرُ
وأموالٌ ، فاستأثَر بها ، فأنكر عليه المُتقشِّفون من أصْحابه ، وذكروا له سِيرَةً
أبي بكرٍ وعُمَر ، فقال : ليسَ فيهِما قُدوةٌ .
وادعى أنّه هو عبدُ الله المذكور في: ﴿قُلْ أَوْحِيَ﴾ [ الجن: ١]،
وزَعَم أنَّ النَّبِيَّ - ◌ََّ - ما يمتازُ عليه إلا بالنُّبْوَة.
وَزَعَمَ أنه تكلم في المَهْد ، صيح به : يا علي ! فقالَ : يا لَبَيْكَ .
وكان يجمعُ اليهودَ والنَّصارى ، يسألهم عما في التَّوراة والإِنْجيل من
ذكرِه، وهم يَسْخَرون منه، ويقْرَؤون له فصولاً، فَيَدَّعِي أنها فيه . وزادَ من
(١) الأُبُلَّة: بلدة على شاطىء دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى
مدينة البصرة . وهي أقدم من البصرة . ( انظر ياقوت ) .
(٢ ) عبادان ، بفتح العين ، وتشديد الباء المفتوحة : موضع تحت البصرة ، قرب البحر
الملح . ( انظر ياقوت ) .
(٣) في الأصل: ((سجالٌ)).
١٣٤
:

الإِفك ، فنفرت منه قلوبُ خلقٍ من أتباعه ومَقْتُوْه .
ولم يَجِدْ لجيشِهِ لمَّا كثروا بُدأ من أَرْزاق ، فَقَرَّرَ للجُنْدِي فِي الشَّهْرِ
عَشْرَة دنانير، فَحَسَدَ قوادَه الفُرْسان ، وشُغِلَ بإنشاء الأبنية ، وفَتَّرَ عن
الزِّنج ، فَهَمُّوا بالفتكِ به .
وأنشأ القائد الشعراني مَدينةً منيعة ، فأُخِذَت ، وهرب الشعراني .
وأنشأ سليمان بن جامع مدينةً سَمَّاها: ((المنْصُورة))، وحصَّنها
بخمسة خَنَادق(١)، وطولُها فَرْسَخ، فَأُخذَت، ونَجَا ابنُ جامع .
وبقي المَوَفَّق يُكْرِمِ كلَّ من فَرَّ إليه، ويخلَعُ عليهم . وكتبَ إلى الخبيث
يدعوه إلى التَّوبة من ادعاء مخاطبة الملائكة ، ومِنْ تحريفِه القُرآن وَضَلالته ،
فما أجَابَ بشيءٍ، وحصَّنَ مدينَتَه ((المُخْتَارِة)) التي بِنَهْر أبي الخَصِيب،
حتى بقيتْ يُضرب بها المثل ، ونَصَب فيها المجانيق والأسْلحة بما بَهَرَ
العُقُول، وبها نحو مئتي ألف مُقاتل، فما قَدَر عليها الجَيْش إلا بالمُطَاولة ،
وأنشأ تِلقاءَها الموفَّق مدينةً وَسَكَنَها، ولم يَزْل إلى أن أخَذَ ((المُختارة)) فَهَرَبَ
الخبيثُ إلى مَضَائق في نهر أبي الخَصِيب ، لا تصل إليها سفينةٌ ولا فارس ،
ثم بَرَزَ في أبطالِهِ ، وقاتَلَ أشدَ قِتال ، وَهُوَ يقول :
نَفْسٌ أَصُوْلُ بِهَا كَنَفْسِ القَسْوَرِ
وَغَزِيْمَتِي مِثْلُ الحُسَامِ ، وَهِمَّتِيْ
قَتْلٌ يُرِيْحُكِ أَوْ صُعُوْدُ المِنْبَرِ (٢)
وَإِذَا تُنَازِعُنِيْ أَقُولُ لَهَاْ اسْكُتِيْ
(١) في الأصل، ((بخمس)).
(٢) البيتان في مجلة ((المورد)) العراقية، المجلد الثالث، العدد الثالث (١٩٧٤م)،
ص ١٧٠ ، وقد جمع فيها الأستاذ أحمد جاسم صاحب النجدي أشعار صاحب الزنج بين
الصفحات : ١٦٧ - ١٧٤ . فلينظر تخريج شعره هناك .
١٣٥

قال أحمد بن داود بن الجَرَّاح الكاتِب : وصاحبُ الزّنج: هُو علي بن
محمد بن عبد الرَّحيم بن رَجَب ، من أهل الرَّي، له حَظّ من الأدب ، وهو
القائل :
أَمَا وَالَّذِيْ أَسْرَى إلى رُكْنٍ بَيْتِهِ حَرَاجِيْجِ بالرُّكْبَانِ مُقْوَرَّة حُدْبًا(١)
قَضَيْتَ ذِمَامَ الحَرْبِ فاعْتَجِرِ الحَرْبَا(٢)
لُأَدَّرِعَنَّ الحَرْبَ حَتَّى يُقَالَ لي
وله إلى الخليفة :
تَضَمَّنَهَا مِنْ رَاحَتَيْهَا عُقُودُهَا
بَنِي عَمِّنَا إِنَّا وَأَنْتُمْ أَنَامِل
بَطيءٌ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ خُمُوْدُها
بَنِي عَمِّنَا لَا تُوْقِدُوا نَارَ فِتْنَةٍ
وَنَحْنُ قُدِيْماً أَصْلُهَا وَعَدِيْدُهَا(٣)
بَنِي عَمِّنَا وَلَيْتُمُ التُّرْكَ أَمْرَنَا
٦٧ - الزَّيْدي *
الأميرُ ، صَاحب جُرْجَان، الحَسَن بن زَيْد بن محمد بن إسْماعيل بن
الحَسَن بن زَيْد بن الحَسَن بن الإِمام علي بن أبي طَالب العَلَوي. فَجَدُّه
إسماعيل هو أخو الستِّ نَفِيْسَة .
ظَهَرَ هذا في سَنة خمسين ومئتين، وكَثُر جَيْشُه ، واستولى على جُرْجان
(١) حراجيج: ج. حرجوج: وهي الناقة الجسيمة الطويلة. مقورة ، من الاقوار وهو:
الاسترخاء في الجلد . والحدب : جمع حدباء ، وهي الناقة التي بدت حراقفها وعظم ظهرها .
(٢) اعتجر بالعمامة : لفها على رأسه ورد طرفها على وجهه . والبيتان في مجلة
((المورد)): مجلد ٣/عدد ٣ / ص ١٦٨.
(٣) الأبيات في مجلة ((المورد)): مجلد ٣/ عدد ٣/ ص ١٦٩. وانظرها في : زهر
الآداب : ٢٨٨/١ .
* تاريخ الطبري: ٢٧١/٩ - ٢٧٦، ٦٦٦، الكامل لابن الأثير: ١٣٠/٧ - ١٣٤،
٤٠٧ - ٤٠٨، عبر المؤلف: ١٩/٢ - ٢٠، البداية والنهاية: ٦/١١، أخبار سنة (١٥٠) وما
بعدها .
١٫٠٠
١٣٦

وتلكَ النَّاحيةِ، واستفحل أمرُه ، وهَزَم جيوشَ الخُلَفاء، ثم أخذ الرِّي،
وصَاهَرَ الدَّيْلَم، وتَمَكَّن ، وعظم، وامتدتْ أيامه، إلى أن توفي في شَهر
شعبان، سَنة سبعين ومئتين .
فَتَمَلَّكَ بعدَه أخوه محمد بن زَيْد، فَطَالَت أيامُه، وظَلَمَ وعَسَفَ، إلى أن
قُبِل - رحمه الله - قبل التِّسْعين ومئتين(١) .
٦٨ - خَالد بنُ أحْمَد *
الأميرُ، أبو الهيثم الذُّهْلِي(٢)، صاحبُ مَا وَرَاءِ النَّهْر: لهُ آثارٌ حميدة
بُيُخَارى أكرمَ بها المحدِّثين وأعْطَاهم ، وطَلب من البُخاري أن يحدِّث بقصره
((بالصَّحيح )) ليسمَعَه أولادُه، فَأَبَى، فَتَأَلَّم، وأخرجهَ من بُخَارى.
ثم إنَّه والى يعقوب الصَّفَّار، وخَرَج على ابن طاهر، ثم حج سنة تِسعِ
وستين، فأُخِذ وسُجن ببغداد حتى مات .
روى عن: ابن رَاهَوَيْهِ، وعُبَيْد الله القَوَارِيْرِي، وجماعةٍ .
روى عنه: سَهْل بن شَاذَويه، وابن أبي حاتم، وابن عُقْدة، وأحمد بن
محمد المُنْكَدِرِي، وجماعةٌ آخرهُم عبد الرَّحمن بن حَمْدان الجَلَّب.
وكان يمشي في الطَّلَب ولا يَرْكب، وأنْفَق في ذلك ألف ألف درهم .
مات سنةً سبعين ومثتين .
(١) كان مقتله سنة ( ٢٨٧ هـ). انظر سبب ذلك في: ((الكامل)) لابن الأثير:
٥٠٤/٧ - ٥٠٥ ٠
* الجرح والتعديل: ٣٢٢/٣، تاريخ بغداد: ٣١٤/٨ - ٣١٦، المنتظم: ٦٨/٥،
اللباب : ٥٣٦/١.
(٢) الذهلي ، بضم الذال، وسكون الهاء : نسبة إلى ذهل بن شيبان . ( اللباب ).
١٣٧

٦٩ - كُرْبُزَان(١) *
المحدّث، المُعَمَّر، البقيَّة، أبو سَعيد، عبد الرّحمن بن محمد بن
مَنْصور الحارثي، البصري، ثم البَغْدادي، ولقبه كُرْبُزَان، بتقديم الراء .
سمع: يحيى بن سَعيد القَطَّان ، ومُعاذَ بن هِشام، وسَالم بن نُوح،
ووَهْب بن جَرِيْرِ، وطائفةً .
حدَّث عنه: ابنُ صَاعد، ومحمدُ بن مَخْلَد، وإسْماعيل الصَّفَّار،
وحَمْزة الهَاشمي، وأبو جَعْفر بن البَخْتَرِي ، وعبد الله بن إسحاق
الخُرَاسَاني ، وعدَّةٌ .
قال ابن أبي حاتم : كتبتُ عنه مع أبي، تكلموا فيه، وسألتُ أبي عنه
فقالَ: شيخ(٢) .
وقال الدَّارِقُطْني : ليس بالقوي .
قلت: مات يوم الأضحى سَنة إحدى وسبعين ومئتين، من أبناء
التِّسعين .
وكُرْبُزَان: بضم الكاف، ثم راء ساكنة، ثم موحّدة مَضمومة، ثم
زاي(٣) .
* الجرح والتعديل: ٢٨٣/٥، تاريخ بغداد: ٢٧٣/١٠ - ٢٧٤، ميزان الاعتدال :
٥٨٦/٢ - ٥٨٧، عبر المؤلف: ٤٨/٢، طبقات القراء لابن الجزري: ٣٧٩/١، شذرات
الذهب : ١٦١/٢ .
(١) كُتب في الجانب الأيسر من الأصل ما نصه: ((بكاف مشوبة بقاف)). وعلى الهامش
ما نصه : (( فائدة : إذا كانت الكاف مشوبة بقاف أو غيرها من الحروف إذا كان مشوباً بغيره ،
فالأمثل أن ننقط تحته ثلاث نقط ليعلم ذلك)) .
(٢) الجرح والتعديل: ٢٨٣/٥.
(٣) وقد ضبط خطأ بالقلم بفتح الباء، في المطبوع من ((مشتبه)) المؤلف، و((تبصير)) =
١٣٨

وقع لي من عواليه. وقد روى عنه أبو عوانة في ((صحيحه)).
أخبرنا عز الدِّين إسْماعيل بن عبد الرَّحمن المَرْداوي(١)، أخبرنا الإِمام
عبد الله بن أحْمَد سَنة سِتَّ عَشْرَةَ وستٍ مئة، أخبرنا هِبَة الله بن الحسن
الدَّقَّق، أخبرنا عبد الله بن علي الدَّقَّاق، أخبرنا أبو الحُسَين بن بِشْران، أخبرنا
أبو جَعْفر محمد بن عَمْرو الرَّزَّاز، أخبرنا عبد الرَّحمن بن محمد بن مَنْصور،
حدثنا يحيى بن سَعيد القَطَّان، حدثنا سُلَيمان التَّيْمي، عن أبي العَلاء - أراه
عن مُطَرِّف - عن عمران بن حُصَينَ: أَنَّ النَّبِي - وَّ ـ قال له ، أو لغيره :
((هَلْ صُمْتَ مِنْ سِرَارِ هَذَا الشَّهْرِ))؟ قالَ: لا. قال: ((فَإِذَا أَفْطَرَ النَّاسُ، أَوْ
أَقْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَّيْنِ ))(٢) .
٧٠ - مُحَمَّد بنُ أحْمَدَ بنِ أبي المُثَنَى *
يحيى بن عيسى بن هِلال : الحافظُ ، المُفيد، شَيخُ الموصِل، أبو
= ابن حجر. وتصحف إلى ((كريزان)) بالياء، في المطبوع من: ((تاريخ بغداد)): ٢٧٣/١٠، و
((ميزان الاعتدال)): ٥٨٦/٢.
(١) ترجمه الذهبي في (مشيخته)): خ: ق : ٣٦.
(٢) إسناده ضعيف لضعف صاحب الترجمة عبد الرحمن بن محمد . لكنه متابع ، فقد
أخرجه مسلم : (١١٦١) (٢٠٠) في الصوم : باب صوم سرر شعبان من طريق أبي بكر بن أبي
شيبة ، عن يزيد بن هارون ، عن الجريري ، عن أبي العلاء بهذا الإسناد وأخرجه البخاري
٢٠٠/٤، في الصوم : باب الصوم من آخر الشهر ، : من طريقين عن غيلان بن جرير ، عن
مطرف، عن عمران بن حصين، عن النبي لة أنه سأله أو سأل رجلاً وعمران يسمع فقال: (( یا
فلان أما صمت سرر هذا الشهر ... ))وسرر الشهر: آخره . وأخرجه مسلم : (١١٦١ ) في
الصيام : باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، من طريق غيلان بن جرير ، عن مطرف ،
عن عمران بن حصين مرفوعاً بلفظ: ((أصمت من سُرة هذا الشهر ... )) . وسرة الشهر: وسطه ،
وأخرجه أيضاً : (١١٦١ ) (١٩٩) من طريق هداب بن خالد ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ،
عن مطرف بن عمران بلفظ: ((أصمت من سرر شعبان ... )) .
* طبقات الحنابلة : ٢٦٣/١.
١٣٩

جَعْفر ، التَّمِيْمِي المَوْصِلي، نَسِيبُ أبي يَعلى الموصلي، وخاله .
وُلِد سَنة نيفٍ وثمانين ومئة .
وسمِع : أبا بكر السَّكُوني، وعبد الوهّاب بن عَطَاء، وجَعْفر بن عَون،
ومحمد بن عُبَيْد، وأخاه يَعلى بن عُبيد، وأبا النَّضْرِ، ومحمد بن القاسم
الأسدي ، ويَنْزِلُ إلى أحمد بن حَنْبل، ونحوه .
حدَّث عنه: ابنُ أخته أبو يَعلى، ومحمدُ بن العبّاسِ بَيَّاعِ الطَّعَام، ويزيدُ
ابن محمد بن إياس الحافظ، وعبد الله بن جَعْفر بن إسحاق الجابري،
وآخرون .
وعامة ((جزء)» الجابري عنه .
قال ابنُ إِيَاس: كانَ من أهلِ الفضلِ والفقهِ ، ومن آدب من رأينا من
المحدِّثين. كان أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين يكرمونه ... إلى أن
قالَ: وكانتِ الرِّحلة إليه بالمَوصل بعد علي بن حَرْب ، سَمِعتُه يقول: خَرج
أحمد بن حنبل يوماً، فقمتُ، فقال: أما علمتَ أن النَِّي - وَ﴾ - قال: ((مَنْ
أَحَبَّ أنْ يَتَمثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَاماً فَلْيَتْبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))(١). فَقُلْتُ: إِنَّما قمتُ
إليك، ولم أقم لك، فاستحسن ذلك .
توفي في شَوال سنة سَبعٍ وسبعين ومثتين .
أخبرنا ابنُ الخَلَّل(٢): أخبرنا ابنُ المُقَيّر، أخبرنا عبد الحق، أخبرنا.
(١) حديث صحيح أخرجه أبو داود (٥٢٢٩) والترمذي (٢٧٧٥)، والبخاري في
((الأدب المفرد)) (٩٧٧) وأحمد ٩٣/٤ ١٠٠، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) ٤٠/٢، وأبو
نعيم في تاريخ أصبهان ٢١٩/١ من طرق عن حبيب بن الشهيد ، عن أبي مجلز لاحق بن حميد ،
عن معاوية ، وهذا سند صحيح .
(٢) تقدمت الإشارة إليه في الصفحة، (٨٥)، ت: ٢، عن ((مشيخة)) المؤلف.
١٤٠