النص المفهرس
صفحات 441-460
كذّاب، أو كان يضَعُ الحديث . حتى إنه قال: إذا قلتُ فلان في حديثه نظر، فهو متَّهم واهٍ . وهذا معنى قوله: لا يحاسبُني الله أني اغتَبْت أحداً. وهذا هو واللهِ غايةُ الورع . قال محمدُ بن أبي حاتم الورّاق: سمعتُه - يعني البخاري - يقول : لا يكون لي خصمٌ في الآخرة ، فقلتُ: إنَّ بعضَ الناس ينقِمُون عليك في كتاب ((التاريخ)) ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك روايةً لم نُقْلُهُ من عند أنفسِنا، قال النبيُّ وََّ: ((بِئْسَ مَوْلَى العَشِيرَةِ)) يعني: حديث عائشة(١) . وسمعتُه يقول: ما اغتبْتُ أحداً قطُّ منذ علمتُ أنَّ الغِيبة تَضُرُّ أهلَها . قال: وكان أبو عبد الله يُصَلِّي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعةً ، وكان لا يُوقظني في كلِّ ما يقوم . فقلتُ: أراكَ تحمِلُ على نفسِك، ولم توقظني. قال: أنت شابٌّ، ولا أُحِبُّ أن أُفْسِدَ عليك نومك(٢). وقال غُنْجار: حدثنا أبو عمرو أحمدُ بن المقرىء، سمعتُ بكر بن منير قال: كان محمدُ بن إسماعيل يُصلِّي ذات ليلةٍ، فلسعه الزُّنْبُور سَبَع عشرة مرة . فلما قضى الصلاة، قال: انظروا أيش آذاني(٣). (١) أخرجه مالك ٩٠٣/٢، ٩٠٤ في حسن الخلق، والبخاري ٣٧٨/١٠، ٣٧٩ في الأدب : باب لم يكن النبي لة فاحشاً ولا متفحشاً، ومسلم (٢٥٩١) في البر والصلة: باب مداراة من يتقى فحشه ، وأبو داود ( ٤٧٩١) والترمذي (١٩٩٦) وأحمد ٦ / ٣٨ عن عائشة أن رجلاً استأذن على النبي رَه، فقال: ائذنوا له بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة ، فلما دخل عليه ، ألان له القول ، قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله قلت له الذي قلت ، ثم ألنت له القول ؟ قال: يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره)). (٢) (تاريخ بغداد)) ٢ / ١٣، ١٤،((طبقات السبكي)) ٢ / ٢٢٠، و((مقدمة الفتح)» : ٤٨٢ . (٣) ((طبقات الحنابلة)) ١ / ٢٧٦، و((تاريخ بغداد)) ٢ / ١٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٧٠، و((مقدمة الفتح)) : ٤٨١. ٤٤١ وقال محمدُ بن أبي حاتم : دُعي محمدُ بن إسماعيل إلى بستانٍ بعضٍ أصحابه ، فلما صلَّى بالقومِ الظهر، قام يتطوَّع، فلما فرغ من صلاته ، رفعَ ذيلَ قميصِه، فقال لبعضٍ من معه: انظر هل ترى تحت قميصي شيئاً؟ فإذا زنبورٌ قد أَبْرَهُ في ستة عشر أو سبعة عشر موضعاً . وقد تورم من ذلك جسدُه . فقال له بعضُ القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أَبَرَك ؟ قال: كنتُ فِي سُورةٍ ، فأحببتُ أن أُتِمَّها !! (١). وقال: سمعتُ عبدَ الله بن سعيد بن جعفر يقولُ: سمعتُ العلماء بالبصرة يقولون : ما في الدنيا مثلُ محمد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح(٢) . وقال أبو جعفر محمدُ بن يوسف الوراق : حدثنا عبدُ الله بن حماد الأَمُلي قال: وَدِدْتُ أني شَعْرَةٌ في صدر محمد بن إسماعيل(٣). وقال أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف ، حدثنا محمدُ بن إسماعيل التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أر مثله . أعدتُ هذا للتبويب (٤). وقال الحاكمُ: حدثنا محمدُ بن حامد البزَّاز، سمعتُ الحسن بن محمد بن جابر، سمعتُ محمد بن يحيى الذهلي لما ورد البخاري نيسابور يقول: اذهبوا الى هذا الرجلِ الصالحِ، فاسمعوا منه . (١) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ١٢، ١٣ و((تهذيب الكمال)): ١١٧٠. وانظر ((طبقات السبكي)) ٢ / ٢٢٣، و((مقدمة الفتح)) : ٤٨١. (٢) ((مقدمة الفتح)): ٤٨٦. (٣) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ٢٨، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٦. (٤) سبق الخبر في الصفحة : ٤٣٦. ٤٤٢ وقال ابنُ عدي: سمعتُ عبدَ القُدُّوس بن عبد الجبار السمرقندي، يقولُ: جاء محمدٌ إلى أقربائه بخَرْتَنْك ،فسمعتُه يدعو ليلةً إذ فرغَ من وِرْدِه: اللهمَّ إنه قد ضاقت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت ، فاقِضْني إليك . فما تم الشهر حتى مات . وقد ذكرنا أنَّه لما ألف ((الصحيح)) كان يُصلِّي ركعتين عند كُلِّ ترجمة . وروى الخطيبُ بإسناده عن الفِرَبْرِيِّ، قال: رأيتُ النبيَّ ◌َ﴿ في النوم، فقال لي: أين تُريد ؟ فقلتُ: أُريد محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: اقْرَأْهُ مني السلام(١). وقال محمدُ بن أبي حاتم : ركبنا يوماً إلى الرَّميِ، ونحن بِفِرَبْر ، فخرجنا إلى الدرب الذي يُؤدِّي إلى الفُرْضَةِ (٢) . فجعلنا نَرمي ، وأصاب سهمُ أبي عبد الله وتِدَ القنطرةِ الذي على نهرِ ورَّادة، فانشقَّ الوَتِدُ. فلما رآه أبو عبد الله، نزل عن دابَّته، فأخرج السهمَ من الوَتِد، وتركَ الرميَ. وقال لنا: ارجعوا . ورجَعْنا معه إلى المنزل، فقال لي: يا أبا جعفر، لي إليك حاجةٌ تقضيها؟ قلتُ: أَمْرُكَ طاعةٌ . قال: حاجة مُهِمَّة ، وهو يتنفَّسُ الصُّعَداءَ . فقال لمن معنا : إذهبوا مع أبي جعفر حتى تُعينوه على ما سألتُه، فقلت: أيَّةُ حاجةٍ هي ؟ قال لي: تضمنُ قضاءها؟ قلتُ: نعم، على الرأس والعين، قال: ينبغي أن تَصِيرَ إلى صاحبٍ القنطرة ، فتقول له : إنا قد أخللنا بالوَيِّد ، فنُحِبُّ أن تأذنَ لنا في إقامةٍ بَدَلِهِ ، أو تأخُذَ ثمنَه، (١) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ١٠، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١ / ١/٦٨، و((تهذيب الكمال)): ١١٧٠ و((طبقات السبكي)) ٢٢٣/٢، و((مقدمة الفتح)) : ٤٩٠. (٢) فُرْضَة النهر: مشرب الماء منه أو المشرعة. والفُرْضَةُ: الثُّلْمَةُ التي تكون في النهر . ٤٤٣ وتجعلنا في حِلّ مما كان منا ، وكان صاحبُ القنطرة حُميد بن الأخضر الفِرَبْري . فقال لي: أبلغْ أبا عبد الله السلامَ، وقل له: أنت في حِلٍّ مما كان منكَ . وقال: جميعُ ملكي لك الفداءُ . وإن قلت: نفسي ، أكون قد كذبتُ، غير أنّي لم أكُن أُحِبُّ أن تحتَشِمني في وتدٍ أو في مُلكي. فأبلغتُه رسالَته، فتهلَّل وجهُه، واستنار، وأظهر سروراً، وقرأ في ذلك اليوم على الغُرباء نحواً من خمس مئة حديث، وتصدّق بثلاث مئة درهم . قال وسمعته يقولُ لأبي معشر الضرير: اجعلْني في حلٍّ يا أبا معشر، فقال: من أيِّ شيءٍ ؟ قال: رويتُ يوماً حديثاً، فنظرتُ إليك، وقد أُعْجِبتَ به، وأنت تُحرِّكُ رأسَكَ ويدكَ، فتبسَّمتُ من ذلك . قال: أنتَ في حِلٍّ ، رحمك اللهُ يا أبا عبد الله . قال: ورأيتُه استلقى على قَفَاهُ يوماً، ونحنُ بِفِرَبْر في تصنيفه كتاب ((التفسير)). وأَتْعبَ نَفْسَهُ ذلك اليوم في كَثْرةِ إخراجِ الحديثِ . فقلتُ له: إني أراك تقولُ: إني ما أثبتُ(١) شيئاً، بغير علم قطُّ منذ عَقَلتُ ، فما الفائدة في الاستلقاء؟ قال: أتعبْنا أنفُسَنا اليوم . وهذا ثغرٌ من الثُّغور، خَشِيتُ أن يَحْدُث حَدَثٌ من أمر العدوِّ، فأحببتُ أن استريح، وآخُذَ أهبة ، فإن غافَصَنا(٢) العدو كان بنا حَراكٌ(٣). قال: وكان يركبُ إلى الرمي كثيراً، فما أعلمُني رأيتُه في طولٍ ما صحِبْتُه أخطأ سهمُه الهَدَف إلا مرَّتين، فكان يُصيبُ الهدفَ في كُلِّ ذلك، وكان لا يُسْبَق . (١) في ((تاريخ بغداد)): ما أتيتُ . (٢) أي : فاجأنا ، وأخذنا على غرةٍ منا . (٣) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ١٤، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١ / ١/٧٦، و((تهذيب الكمال)): ١١٧٠، و((طبقات السبكي)): ٢ / ٢٢٦، و((مقدمة الفتح)): ٤٨١. ٤٤٤ قال: وسمعتُه يقولُ: ما أكلت كُرَّاثاً قطُّ، ولا القَنَابَرَى(١)، قلتُ: ولِمَ ذاك ؟ قال: كرِهتُ أن أُوذِيَ من معي من نَتَيِهما . قلتُ: وكذلك البصلُ النِّيءُ ؟ قال: نعم . قال: وحدثني محمدُ بن العبّاس الفِرَبْرِي، قال: كنتُ جالساً مع أبي عبد الله البُخاري بِفَرَبْر في المسجد، فدفعتُ من لحيتِه قَذَاةً مثلَ الذُّرَّةِ أَذْكُرُها، فأردتُ أن أُلقيها في المسجد، فقال: ألقِها خارجاً من المسجد(٢) . قال: وأملى يوماً عليَّ حديثاً كثيراً، فخاف مَلالي ، فقال: طِبْ نفساً، فإنَّ أهلَ الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم. وأنتَ مع النبيِّ وَّهِ وأصحابِهِ . فقلتُ: ليس شيءٌ من هذا، يرحمُكَ اللهُ إلا وأنا أرى الحظّ لنفسي فيه . قال: وسمعته يقولُ: ما أردتُ أن أتكلّم بكلامٍ فيه ذكرُ الدنيا إلا بدأتُ بحمد الله والثناءِ عليه . وقال له بعضُ أصحابه : يقولون: إنَّك تناولتَ فلاناً. قال: سبحانَ الله، ما ذكرتُ أحداً بسوء إلا أن أقولَ ساهياً، وما يَخْرُجُ اسمُ فلانٍ من صحيفتي يوم القيامة . قال: وضيَّفه بعضُ أصحابِه في بستانٍ له، وضيَّفنا معه، فلما جلسنا أعجبَ صاحبَ البستان بستانُه، وذلك أنه كان عمل مجالسَ فيه، وأجرى (١) جمع قُّنْبَرَة وقُنْبُرَة وقُبَّرَة، وهي عصفورة من فصيلة القُبِّرِيات دائمة التغريد. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ١٣، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٢ . ٤٤٥ الماءَ في أنهاره . فقال له: يا أبا عبد الله، كيف ترى؟ فقال: هذه الحياةُ الدُّنيا . قال: وكان لأبي عبد الله غَرِيمٌ قَطَعَ عليه مالاً كثيراً، فبلغه أنَّه قدِم آمُّل، ونحن عنده بفِرَبْر، فقلنا له: ينبغي أن تعبُرَ وتَأْخُذْه بمالك. فقال: ليس لنا أن نُرَوِّعَه . ثم بلغ غريمه مكانه بفرَبْر، فخرج إلى خُوارزم ، فقلنا: ينبغي أن تقول لأبي سلمة الگُشاني عامل آمُل لیکتب إلی خُوارزم في أخذه، واستخراج حقِّك منه ، فقال: إن أخَذْتُ منهم كتاباً طمِعوا مني في كتابٍ، ولستُ أبيعُ ديني بدنياي. فجَهِدْنا، فلم يأخُذ حتى كلمنا السلطان عن غير أمره . فكتب إلى والي خُوارزم . فلما أبلغ أبا عبد الله ذلك ، وَجَدَ وَجْداً شديداً. وقال: لا تكونوا أشفقَ عليّ من نفسي. وكتب كتاباً، وأرْدَف تلكَ الكتبَ بِكُتُبٍ، وكتبَ إلى بعضِ أصحابه بخوارزم أنْ لا يتعرَّض لغريمِه الا بخير. فرجع غريمُه إلى آمُل، وقصد إلى ناحيةٍ مرو. فاجتمع التجار، وأُخْبِر السلطانُ بأنَّ أبا عبد الله خرج في طلب غریمٍ له. فأراد السلطان التشديدَ على غريمه، وكره ذلك أبو عبد الله ، وصالحَ غريمه على أن يُعطيَه كُلَّ سنة عشرة دراهم شيئاً يسيراً . وكان المالُ خمسةً وعشرين ألفاً. ولم يصِلْ من ذلك المال إلى درهم ، ولا إلى أكثر منه(١) . قال: وسمعتُ أبا عبد الله، يقولُ: ما تولَّيْتُ شِراء شيءٍ ولا بيعه قط . فقلتُ له: كيف، وقد أحلَّ اللهُ البيع؟ قال: لما فيه من الزيادةِ والنُّقصان والتخليط، فخشيتُ إن توليتُ أن أستوِي بغيري . قلتُ فمن كان يتولَّى أمركَ في أسفارِك ومبايعتك؟ قال: كنتُ أُكْفَى ذلك(٢). (١) الخبر بطوله في ((طبقات السبكي)) ٢ / ٢٢٧. وهو في ((مقدمة الفتح)): ٤٨٠. (٢) (تاريخ بغداد)) ٢ / ١١ بلفظ مختلف، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١ /١/٦٨، و((طبقات السبكي)) ٢ /٢٢٧. ٤٤٦ قال: وسمعتُ محمد بن خداش يقول: سمعتُ أحمد بن حفص، يقول : دخلتُ على أبي الحسن - يعني : إسماعيل - والد أبي عبد الله عند موته ، فقال : لا أعلمُ من مالي درهماً من حرامٍ ، ولا درهماً من شُبْهة . قال أحمدُ : فتصاغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. ثم قال أبو عبد الله: أصْدَقُ ما يكون الرجلُ عند الموت . قال: وكان أبو عبد الله اكترى منزِلاً، فلبثَ فيه طويلاً، فسمعتُه يقول: لم أمسح ذَكَرِي بالحائط ، ولا بالأرض في ذلك المنزل . فقيل له : لِمَ ؟ قال: لأنَّ المنزل لغيري . قال: وقال لي أبو عبد الله يوماً بِفِرَبْر: بلغني أن نَخَّاساً قدِم بِجَوارِي، فتصير معي ؟ قلتُ: نعم ، فصِرنا إليه، فأخرج جواريَ حساناً صِبَاحاً. ثم خرج من خلالهن جارية خَزَرِيّةً دميمةً عليها شحمٌ، فنظر إليها، فمس ذَقْنَها فقال: اشترِ هذه لنا منه ، فقلتُ: هذه دميمةٌ قبيحةٌ لا تَصْلُح ، واللاتي نظرنا إليهنَّ يُمْكِن شراءهنَّ بثمنٍ هذه. فقال: اشترِ هذه، فإني قد مَسِسْتُ ذَقنها ، ولا أُحبُّ أن أمسَّ جاريةً، ثم لا أشتريها . فاشتراها بغلاء خمس مئة درهمٍ على ما قال أهلُ المعرفة . ثُمَّ لم تزل عنده حتى أخرجها معه إلى نيسابور . وقال غنجار : أنبأنا أبو عمرو أحمدُ بن محمد المقرىء : سمعتُ بكر ابن مُنِير - وقد ذكر معناها محمدُ بن أبي حاتم ، واللفظُ لبَكْرٍ - قال : كان حُمِل إلى البخاري بِضاعَةٌ أنفذها إليه ابنُه أحمدُ ، فاجتمع بعضُ التجار إليه، فطلبوها بربح خمسة آلاف درهم . فقال : انصرفوا الليلةَ . فجاءهُ من الغد تجارٌ آخرون ، فطلبوا منه البضاعةً بربحِ عشرةِ آلاف . فقال : إني ٤٤٧ نَوَيْتُ بِيعَها للذين أَتَوا البارحة (١) . وقال غُنْجار : حدثنا إبراهيمُ بن حمد المُلاحِمي ، سمعتُ محمد بن صابر بن كاتِب ، سمعتُ عمر بن حفص الأشقر قال : كُنّا مع البخاريّ بالبصرة نكتبُ ، ففقدناه أياماً ، ثم وجدناه في بيتٍ وهو عُريان ، وقد نَفِدَ ما عندَه ، فجمعنا له الدراهمَ ، وكسوناه(٢) . وقال محمدُ بن أبي حاتم : سمعتُ أبا عبد الله ، يقول : ما ينبغي للمُسلمِ أن يكون بحالةٍ إذا دَعَا لم يُسْتَجَبْ له . فقالت له امرأةُ أخيه بحضرتي : فهل تبيِّنْتَ ذلك أيها الشيخُ من نفسِك ؛ أو جربتَ ؟ قال : نعم . دعوتُ ربّي عز وجل مرتين ، فاستجابَ لي ، فلن أُحِبَّ أن أدعو بعد ذلك ، فلعلَّهُ يَنْقُصُ من حسناتي، أو يُعَجِّل لي في الدنيا . ثم قال : ما حاجةُ المُسلم إلى الكذِبِ والبخل ؟ !! وقال محمدُ بن أبي حاتم : سمعتُ البخاري يقولُ : خرجتُ إلى آدمَ ابن أبي إياس ، فتخلّفَتْ عني نفقتي ، حتى جعلتُ أتناولُ الحشيشَ ، ولا أُخْبِرْ بذلك أحداً . فلما كان اليوم الثالث ، أتاني آتٍ لم أعرِفْه ، فناولني صُرَّةَ دنانير، وقال: أَنْفِقْ على نفسك(٣). وقال محمدُ بنُ أبي حاتم : سمعتُ الحسين بن محمد السمرقندي يقولُ : كان محمدُ بن إسماعيل مخصوصاً بثلاثٍ خِصالٍ مع ما كان فيه من الخِصالِ المحمودةِ : كان قليلَ الكلام ، وكان لا يطمعُ فيما عند الناس ، (١) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ١١، ١٢، و((طبقات السبكي)) ٢ /٢٢٧، و((مقدمة الفتح)» : ٤٨٠ . (٢) ((تاريخ بغداد)) ٢ /١٣، و((طبقات السبكي)) ٢ / ٢١٧. (٣) ((طبقات السبكي)) ٢ / ٢٢٧، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٠ . ٤٤٨ وكان لا يشتغِلُ بأمورِ الناس، كلُّ شُغْلِهِ كان في العلم . وقال : سمعتُ سُلَيم بن مجاهد يقول : ما بَقِي أحدٌ يُعَلِّمُ الناسَ الحديثَ حِسْبَةً غيرُ محمدٍ بن إسماعيل . ورأيتُ سُليم بن مجاهد يسألُ أبا عبد الله أن يُحدِّثَه كل يوم بثلاثةِ أحاديث، ويبَيِّنَ له معانيها وتفاسيرها وعِلَلَها . فأجابَه إلى ذلك قدر مُقَامِه. وكان أقامَ في تلك الدفعة جُمْعَةٌ . وسمعتُ سليماً يقولُ : ما رأيتُ بعيني منذ ستّين سنةً أفقه ، ولا أورعَ، ولا أزهَد في الدنيا، من محمدٍ بن إسماعيل (١). قال عبدُ المجيدِ بن إبراهيم : ما رأيتُ مثلَ محمدٍ بن إسماعيل ، كان يُسوِّي بين القويِّ والضعيف . ذِكْرُ کرمِهِ وسَمَاحَتِهِ وصفتِه وغیرٍ ذلك قال محمدُ بن أبي حاتم : كانت له قطعةُ أرضٍ يَكْرِيها كُلَّ سنةٍ بسبع مئة درهم . فكان ذلك المُكْتَرِي ربَّما حمل منها إلى أبي عبد الله قِتَّةً أو قِثّتين، لأنَّ أبا عبد الله كان معجباً بالقثّاء النضيج، وكان يُؤْثِره على البطيخ أحياناً ، فكان يَهَبُ للرجلِ مئةَ درهمٍ كُلَّ سنة لحمله القِّاء إليه أحياناً . قال : وسمعته يقول : كنتُ أستغِلُّ كلَّ شهر خمس مئة درهم ، فأنفقتُ كلَّ ذلك في طلبِ العلم . فقلت : كم بين من ينفق على هذا الوجه ، وبين من كان خِلْواً من المال ، فجمع وكسب بالعلم ، حتى اجتمع له . فقال أبو عبد الله: ﴿ ما عِنْدَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [ الشورى: ٣٦]. (١) ((طبقات السبكي)) ٢ / ٢٢٧ من كلام سُلَيم بن مجاهد، وكذا في ((مقدمة الفتح)) : ٤٨٦ . ٤٤٩ قال : وكنا بِفِرَبْر ، وكان أبو عبد الله يبني رِباطاً مما يلي بخارى ، فاجتمع بَشَرٌ كثيرٌ يُعينونه على ذلك ، وكان ينقُلُ اللَّبِنَ، فكنتُ أقول له : إنَّكَ تُكْفَى يا أبا عبد الله، فيقول: هذا الذي يَنْفَعُنا. ثم أخذ ينقل الزَّنْبَرات(١) معه ، وكان ذَبَحَ لهم بقرةً ، فلما أدركتِ القدورُ ، دعا الناسَ إلى الطعامِ ، وكان بها مئةُ نفسٍ أو أكثر، ولم يكن علمَ أنه يجتمعُ ما اجتمع ، وكنا أخرجنا معه من فِرَبْر خُبزاً بثلاثة دراهم أو أقل ، فألقينا بين أيديهم ، فأكل جميعُ مَن حَضَر ، وفضلتْ أرغفةٌ صالحة . وكان الخبزُ إذ ذاك خمسةً أَمْناء(٢) بدرهم(٣) . قال : وكان أبو عبد الله ربما يأتي عليه النهارُ، فلا يأكل فيه رُقَاقَةً ، إنما كان يأكل أحياناً لوزتين أو ثلاثاً . وكان يجتنبُ توابلَ القُدورِ مثل الحمص وغيره ، فقال لي يوماً شبهَ المُتفرِّج بصاحبه : يا أبا جعفر ، نحتاجُ في السنة إلى شيءٍ كثير ، قلتُ له : قَدْرُ كَمْ ؟ قال : أحتاج في السنة إلى أربعة آلاف درهم ، أو خمسة آلاف درهم . قال : وكان يتصدَّق بالكثير ، يأخذ بيده صاحبَ الحاجة مِن أهل الحديث ، فيُناوِلُه ما بين العشرين إلى الثلاثين، وأقلَّ وأكثر، من غير أن يشعر بذلك أحدٌ . وكان لا يُفارِقهُ كِيسُه . ورأيتُهُ ناول رجلاً مراراً صُرَّةً فيها ثلاثُ مئة درهم ، - وذلك أنّ الرجل أخبرني بعَدَدِ ما كان فيها من بعد - فأراد أن يدعوَ، فقال له أبو عبد الله: ارفُقْ ، واشتغلْ بحديثٍ آخر كيلا يعلم بذلك أحدٌ . قال: وكنتُ اشتريتُ منزلاً بتسع مئةٍ وعشرين درهماً، فقال: لي (١) جمع زَنْبَر، وهو الزَّنبيل . فارسية معربة . (٢) في ((مقدمة الفتح)) : أمنان ، بالنون . وكلاهما جمع ( مَن ) ، وهو وزن أو مكيال يَسع مثتي وسبعة وخمسین درهماً . (٣) ((مقدمة الفتح)): ٤٨١ . ٤٥٠ إليك حاجةٌ تَقْضِيها؟ قلتُ: نعم، ونُعْمَى عين، قال: ينبغي أن تصيرَ إلى نوحِ بنِ أبي شَدَّاد الصَّيْرَفي، وتأخُذَ منه ألفَ درهم، وتحملَه إليَّ، ففعلتُ ، فقال لي : خُذه إليك ، فاصرفه في ثمنِ المنزل . فقلتُ : قد قبِلْتُه منك وشكرتُه. وأقبلنا على الكتابة ، وكنا في تصنيفِ ((الجامع)). فلما كان بعد ساعة ، قلتُ : عَرَضَتْ لي حاجة لا أجْتَرِىءُ رفعَها إليك ، فظنّ أني طَمِعتُ في الزيادة ، فقال : لا تحتشمْني ، وأخبرْني بما تحتاجُ ، فإني أخافُ أن أكون مأخوذاً بسببك، قلتُ له: كيف ؟ قال: لأنَّ النبيَّ وَهُ آخَى بين أصحابه . فذكر حديثَ سعد وعبد الرحمن . فقلتُ له : قد جعلتُك في حِلٍّ من جميعِ ما تقول ، ووهبتُ لك المالَ الذي عرضته عليَّ، عَنَّيْتُ المُناصفةَ. وذلك أنه قال: لي جَوَارٍ وامرأةٌ ، وأنت عَزَبٌ ، فالذي يجبُ عليَّ أن أَناصِفَكَ لنستوي في المال وغيرِه ، وأربح عليكَ في ذلك، فقلت له: قد فعلتَ - رحمك الله - أكثرَ من ذلك إذ أَنْزَلْتني من نفسِك ما لم تُنْزِل أحداً، وحللتُ منك محلَّ الولدِ، ثم حَفِظَ عليَّ حديثي الأَوَّل، وقال : ما حاجتُكَ ؟ قلتُ : تَقْضِيها؟. قال : نعم ، وأُسَرُّ بذلك . قلتُ: هذه الألف، تَأْمُرُ بقبوله ، واصْرِفه في بعضِ ما تحتاجُ إليه ، فقبله ، وذلك أَنَّه ضَمِنَ لي قضاءَ حاجتي . ثم جلسْنا بعد ذلك بيومين لتصنيف ((الجامع ))، وكتبنا منه ذلك اليومَ شيئاً كثيراً إلى الظُّهر، ثم صَلَّينا الظهرَ ، وأقبلنا على الكتابة مِن غير أن نكون أكلنا شيئاً ، فرآني لما كان قُرب العصر شِبْه القَلِقِ المستوحش، فتوهَّمَ فيَّ ملالاً. وإنما كان بي الحصر غير أنِّي لم أكن أقدر على القيام ، وكنتُ أَتْلَّوَّى اهتماماً بالحصر . فدخل أبو عبد الله المنزل ، وأخرج إليَّ كاغدَةً فيها ثلاثُ مئة درهم ، وقال : أما إذ لم تقبل ثمنّ المنزلِ ، فينبغي أن تصرِفَ هذا في بعضٍ حوائجك . فجهَدَني ، فلم أقبل . ثم كان بعدَ أيام ، كتبنا إلى الظّهر أيضاً ، فناولني ٤٥١ عشرين درهماً . فقال : ينبغي أن تصرِفَ هذه في شراء الخُضر ونحو ذلك . فاشتريتُ بها ما كنتُ أعلمُ أنّهُ يلائِمُهُ ، وبعثتُ به إليه ، وأتيتُ. فقال لي : بَيِّضَ الله وجهَكَ، ليس فيكَ حيلةٌ ، فلا ينبغي لنا أن نُعَنِّي أنفسنا. فقلتُ له: إنك قد جمعتَ خيرَ الدنيا والآخرة، فأيُّ رجلٍ يَبْرُّ خادِمَه بمثلِ ما تَبَّني إن كنتُ لا أعرف هذا، فلستُ أعرِف أكثر منه . سمعتُ عبد الله بن محمد الصارفي يقول : كنتُ عند أبي عبد الله في منزِلِه، فجاءتهُ جاريةٌ، وأرادت دخولَ المنزل ، فعثَرتْ على محبرةٍ بين يديه ، فقال لها : كيف تمشين ؟ قالت : إذا لم يكن طريق ، كيف أمشي ؟ فبسط يديه ، وقال لها : اذهبي فقد أعتقتُكِ . قال : فقيل له فيما بعد : یا أبا عبد الله ، أغضبتكَ الجاريةُ ؟ قال : إن كانت أغضبتني فإِنِّي أرضيتُ نفسي بما فعلت(١) . وقال عبدُ الله بنُ عدي الحافظُ : سمعتُ الحسن بن الحُسين البَزَّاز يقول : رأيتُ محمدَ بن إسماعيل شيخاً نحيفَ الجسمِ ، ليس بالطويل ولا بالقصير(٢). وقال غُنْجار : حدثنا أحمدُ بن محمد بن حُسين التميمي ، حدثنا أبو يَعلى التميمي ، سمعتُ جبريل بن ميكائيل بمصر يقولُ : سمعتُ البخاري يقولُ : لما بلغتُ خراسان أُصْبْتُ ببعض بصري ، فعَلَّمَني رجلٌ أن أَحلِقَ رأسي ، وأغلفه بالخِطْميِّ. ففعلتُ، فردَّ الله عليّ بصري(٣). (١) ((مقدمة الفتح)) ٤٨٠ . (٢) ((تاريخ بغداد)) ٢ /٦، و(تهذيب الأسماء واللغات)) ١ / ١/٦٨، و«وفيات الأعيان)) ٤ / ١٩٠، و(تهذيب الكمال)): ١١٦٩، و((طبقات السبكي)) ٢ / ٢١٦. (٣) ((طبقات السبكي)) ٢ / ٢١٦. ٤٥٢ وقال محمدٌ الورّاق : دخل أبو عبد الله بِفِرَبْر الحمّام ، وكنت أنا في مَشْلَح الحمام ، أتعاهدُ عليه ثيابه . فلما خرج ناولتُهُ ثيابه ، فلبسها ، ثم ناولتُه الخُفِّ، فقال: مَسِسْتَ شيئاً فيه شعرُ النبيّ ◌َّهِ. فقلتُ: في أيِّ موضِعٍ هو من الخف ؟ فلم يُخبرني. فتوهَّمْت أَنَّه في ساقه بين الظّهارة والبطانة . ذِكْرُ قِصَّتِهِ مع محمَّدٍ بن يحيى الذُّهلي رحمهما الله قال الحاكم أبو عبد الله : سمعتُ محمد بن حامد البزّاز قال : سمعتُ الحسن بن محمد بن جابر يقولُ : سمعتُ محمد بن يحيى قال لنا لمَّا ورد محمدُ بن إسماعيل البخاري نيسابور: اذهبوا إلى هذا الرجلِ الصالح فاسمعُوا منه . فذهب الناسُ إليه ، وأقبلوا على السماعِ منه ، حتى ظهر الخَلَلُ في مجلسٍ محمدٍ بن يحيى، فَحَسَدَهُ بعد ذلك، وتكلّم فيه(١). وقال أبو أحمد بنُ عدي . ذكر لي جماعةٌ من المشايخ أنَّ محمد بن إسماعيل لمَّا ورد نيسابور اجتمع الناسُ عليه، حَسَدَهُ بعضُ من كان في ذلك الوقتِ من مشایخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس إلیه، واجتماعهم عليه، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق، فامتحنوه في المجلس. فلما حضر الناسُ مجلسَ البخاري، قام إليه رجلٌ، فقال: يا أبا عبدِ الله، ما تقولُ في اللفظِ بالقرآن، مخلوقٌ هو أم غيرُ مخلوق ؟ فأعرض عنه البخاريُّ ولم يُجِبْه . فقال الرجلُ : يا أبا عبد الله ، فأعاد عليه القولَ، فأعرض عنه . ثم قال في الثالثة ، فالتفَتَ إليه البخاريُّ ، وقال : (١) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ٣٠، و((طبقات السبكي)) ٢ / ٣٣٠، و((مقدمة الفتح)): ٤٩١ . ٤٥٣ القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوق ، وأفعالُ العباد مخلوقةٌ والامتحانُ بِدْعة . فَشَغَب الرجلُ ، وشَغَبَ الناس ، وتفرّقوا عنه . وقعد البخاريُّ في منزله(١) . أنبأنا المُسلَّم بن محمد القيسي وغيره قالوا : أخبرنا زيدُ بن الحسن ، أخبرنا عبدُ الرحمن بن محمد ، أخبرنا أحمدُ بن علي الخطيب ، أخبرنا أحمدُ بن محمد بن غالب أبو بكر البَرقاني ، أخبرنا أبو بكر الإِسماعيلي ، أخبرنا عبدُ الله بن محمد بن سيّار ، حدثني محمدُ بن مسلم خشنام قال : سُئل محمدُ بن إسماعيل بنيسابور عن اللفظِ ، فقال: حدثني عُبِيدُ الله بن سعيد - يعني أبا قدامة - عن يحيى بن سعيد هو القطّان قال : أعمالُ العبادِ كُلُها مخلوقةٌ . فَمَرِقُوا عليه ، وقالوا له بعد ذلك : ترجِعُ عن هذا القولِ ، حتى نعودَ إليكَ؟ قال : لا أفعلُ إلا أن تجيئوا بحجّة فيما تقولون أقوى من حُجّتي . وأعجبني من محمدٍ بن إسماعيل ثَّبَاتُه(٢). وقال الحاكمُ : حدثنا أبو بكر محمدُ بن أبي الهيثم المُطّوِّعي ببخارى ، حدثنا محمدُ بن پِوسف الفِرَبْرِيُّ ، سمعتُ محمدَ بن إسماعيل يقولُ : أمَّا أفعال العباد فمخلوقٌ . فقد حدثنا عليُّ بن عبد الله ، حدثنا مروانُ بنُ معاوية ، حدثنا أبو مالك ، عن رِبْعِيٍّ، عن حُذيفة قال : قال النبيُّ ◌َ: ((إِنَّ اللَّهَ يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَه))(٣) . وبه قال: وسمعتُ عُبيد الله بن سعيد يقولُ : سمعتُ يحيى بن سعيد (١) ((مقدمة الفتح)): ٤٩٤. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ٣٠. (٣) إسناده صحيح، وهو في ((خلق أفعال العباد)): ١٣٧، و((الأسماء والصفات)) للبيهقي ٣٨٨، وصححه الحاكم ٣١/١، ٣٢ ووافقه الذهبي . وقد تقدم في الصفحة ١٢٨ . ٤٥٤ يقول : ما زلتُ أسمع أصحابنا يقولون: إنَّ أفعالَ العباد مخلوقة(١). قال البخاريُّ : حركاتُهم وأصواتُهم واكتسابُهم وكتابْتُهم مخلوقة . فأما القرآن المَتْلُوُّ، المُبَيِّن المُثْبَتُ في المصاحف ، المسطورُ المكتوبُ ، الموعَى في القلوب ، فهو كلامُ الله ليس بمخلوق(٢). قال الله تعالى : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْم﴾ [العنكبوت: ٤٩]. وقال أبو حامد الأعمَشي : رأيتُ محمدَ بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان ، ومحمدُ بن يحيى يسألُه عن الأسامي والكُنى وعِلَلِ الحديث ، ويمرُّ فيه محمدُ بن إسماعيل مثل السَّهْمِ . فما أتى على هذا شهرٌ حتى قال محمد بنُ يحيى : أَلا مَن يختلِفُ إلى مجلِسِه فلا يختلفْ إلينا ، فإِنَّهم كتبُوا إلينا من بغداد أنه تكلّم في اللفظِ ، ونهيناه ، فلم يَنْتَهِ ، فلا تقربوه ، ومن يقربْه فلا يقربْنا . فأقام محمدُ بن إسماعيل ها هنا مدةٌ ، ثم خرج إلى بخارى(٣) . وقال أبو حامد بنُ الشرقي : سمعتُ محمد بن يحيى الذهليَّ يقولُ : (١) ((طبقات السبكي)) ٢ / ٢٢٨، و((مقدمة الفتح)): ٤٩١، ٤٩٢. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ٣١، و((طبقات السبكي)) ٢ / ٢٢٨، و((مقدمة الفتح)): ٤٩٢، و((خلق أفعال العباد)): ١٣٨ وجاء فيه أيضاً في الصفحة : ١٤٦: قال أبو عبد الله: ومن الدليل على أن الله يتكلم كيف يشاء ، وأن أصوات العباد مؤلفة حرفاً حرفاً ، فيها التطريب والغمز واللحن والترجيع، حديث أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي رسله: حدثنا عبد الله بن صالح ، ويحيى بن بكير ، قالا : حدثنا الليث ، عن ابن أبي ملكية ، عن يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة رضي الله عنها عن قراءة النبي ﴿ وصلاته، فقالت : كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى ، ثم يصلي قدر ما نام ، ثم ينام قدر ما صلى ، حتى الصبح . ونعتت قراءته ، فإذا قراءته حرفاً حرفاً . (٣) سبق الخبر في الصفحة: ٤٣٢، وهو في ((تاريخ بغداد)) ٢ / ٣١، و((طبقات السبكي)) ٢ / ٢٢٩. ٤٥٥ القرآنُ كلامُ اللّه غيرُ مخلوق من جميع جهاته، وحيث تُصُرِّفَ ، فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ وعمّا سواهُ من الكلام في القرآن ، ومن زعم أنَّ القرآنَ مخلوقٌ فقد كفر ، وخرج عن الإِيمان ، وبانت منه امرأتُهُ ، يستتاب ، فإن تاب ، وإلا ضُربت عنقُه، وجُعل مالُه فَيْئاً بين المسلمين ولم يُدْفَن في مقابرهِم ، ومَن وقف ، فقال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق ، فقد ضاهَى الكفر، ومن زعم أنَّ لفظي بالقرآن مخلوق ، فهذا مبتدع، لا يُجالَس ولا يُكَلَّم . ومن ذهب بعد هذا إلى محمدٍ بن إسماعيل البخاريِّ فاتهموه ، فإنه لا يحضُر مجلِسَه إلا مَن كان على مثلِ مذهبه(١) . وقال الحاكم : أخبرنا محمدُ بن أبي الهيثم ببخارى ، أخبرنا الفِرَبْرِي ، حدثنا البخاريُّ ، قال : نظرتُ في كلامِ اليهودِ والنَّصارى والمجوس ، فما رأيتُ أحداً أَضَلَّ في كفرهم من الجهميّة ، وإني لأستجهلُ من لا يُكَفِّرُهم (٢) . وقال غُنْجار : حدثنا محمدُ بن أحمد بن حاضِر العَبْسي ، حدثنا الفِرَبْرِيُّ، سمعتُ البخاريَّ يقولُ : القرآنُ كلامُ الله غير مخلوق . ومن قال مخلوق فهو كافر(٣) . وقال الحاكم : حدثنا طاهرُ بنُ محمد الورّاق ، سمعتُ محمد بن شاذِل يقولُ : لما وقع بين محمد بن يحيى والبخاريِّ ، دخلتُ على البخاريِّ ، فقلتُ : يا أبا عبد الله، أَيْشِ الحِيلةُ لنا فيما بينك وبينَ محمد بن (١) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ٣١، ٣٢. (٢) ذكره في ((خلق أفعال العباد)) ص ٧١، وهو من الغلو والإفراط الذي لا يوافقه عليه جمهور العلماء سلفاً وخلفاً ، وكيف يحكم بكفرهم ، ثم يروي عنهم ، ويخرج أحاديثهم في صحيحه الذي انتقاه وشرط فيه الصحة ؟ ! (٣) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ٣٢، و((مقدمة الفتح)): ٤٩٢. ٤٥٦ يحيى ، كُلُّ من يختلِفُ إليك يُطرَدُ ؟ فقال : كم يَعتري محمد بن يحيى الحسدُ في العلم. والعلمُ رِزقُ اللّه يُعطيه من يشاء . فقلتُ: هذه المسألةُ التي تُحْكَى عنك ؟ قال : يا بني ، هذه مسألةٌ مشؤومةٌ ، رأيتُ أحمدَ بن حنبل ، وما ناله في هذه المسألة ، وجعلتُ على نفسي أن لا أتكلّم فيها . قلتُ : المسألةُ هي أنَّ اللفظَ مخلوقٌ ، سُئل عنها البخاريُّ ، فوقفَ فيها ، فلما وقفَ واحتجَّ بأنَّ أفعالنا مخلوقةٌ ، واستدلَّ لذلك ، فهمَ منه الذهليُّ أنه يُوَجِّه مسألةَ اللفظ ، فتكلَّم فيه، وأخذهُ بلازِم قولِه هو وغيره(١). وقد قال البخاريُّ في الحكاية التي رواها غُنْجار في ((تاريخه)): حدثنا خلَفُ بن محمد بن إسماعيل ، سمعتُ أبا عَمرو أحمدَ بن نصرٍ النيسابوريِّ الخَفَّاف ببخارى يقولُ: كنا يوماً عند أبي إسحاق القيسي ، ومعنا محمدُ بن نصر المَرْوزيُّ ، فجرى ذكرُ محمدٍ بن إسماعيل البخاريِّ ، فقال محمدُ بن نصر : سمعتُه يقول : من زعم أني قلتُ : لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذّاب ، فإِنِّي لم أقُله . فقلتُ له : يا أبا عبد الله ، قد خاض الناسُ في هذا وأكثروا فيه . فقال: ليس إلا ما أقول(٢). قال أبو عمرو الخَفّاف ، فأتيتُ البخاريَّ ، فناظرتُه في شيءٍ من الأحاديثِ حتى طابت نفسُه فقلتُ : يا أبا عبد الله ، ها هنا أحدٌ يَحْكِي عنك أنك قُلتَ هذه المقالَة . فقال: يا أبا عمرو، احفظْ ما أقولُ لك : من زعم من أهل (١) ولازم المذهب ليس بلازم كما هو مذهب جمهور المحققين من العلماء ، ونقل ابن ناصر الدين في مقدمة كتابه (( الرد الوافر)) ٢٠ عن الإمام الذهبي - ووصفه بإمام التعديل والجرح ، والمعتمد عليه في المدح والقدح - كلمة جاء فيها : ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين ، وأن نكفر مسلماً موحداً بلازم قوله ، وهو يفر من ذلك اللازم ، وينزه ويعظّم الرب . (٢) ((طبقات الحنابلة)) ١ / ٢٧٧. ٤٥٧ نيسابور وقُومس والرَّي وهَمَذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أنِّي قلت : لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذّاب . فإني لم أقُله ، إلا أني قلتُ : أفعالُ العبادِ مخلوقة(١) . وقال أبو سعيد حاتم بنُ أحمد الكِنْدي : سمعتُ مُسلم بن الحجّاج يقولُ : لمَّا قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيتُ والياً ولا عالماً فَعَل به أهلُ نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثة . فقال محمد بن يحيى في مجلسه : مَن أراد أنْ يستقبل محمد بن إسماعيل غداً فليستقبله . فاستقبله محمدُ بن يحيى وعامَّةُ العلماء ، فنزل دار البخاريين ، فقال لنا محمدُ بن يحيى : لا تسألوه عن شيءٍ من الكلامِ ، فإنَّه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه ، وقع بيننا وبينه ، ثم شَمِتَ بنا كلُّ حَرُورِيٍّ ، وكلُّ رافضيٍّ ، وكل جَهْمي ، وكل مُرْجِىء بخراسان . قال : فازدحم الناسُ على محمدٍ ابن إسماعيل ، حتى امتلأ السطحُ والدارُ، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث ، قام إليه رجلٌ ، فسأله عن اللفظِ بالقرآن ، فقال : أفعالُنا مخلوقةٌ ، وألفاظنا من أفعالِنا . فوقع بينهم اختلافٌ ، فقال بعضُ الناس : قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال بعضُهم : لم يقل ، حتى تواثبوا ، فاجتمع أهلُ الدار ، وأخرجُوهم(٢). (١) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ٣٢، و((طبقات السبكي)) ٢ / ٢٣٠، و((مقدمة الفتح)): ٤٩٢ . (٢) إن البخاري والكرابيسي وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي متفقون كلهم على أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه ، لا يختلفون في ذلك ، كما هو واضح من أقوالهم المأثورة عنهم . لكنهم اختلفوا في قول الإنسان : لفظي بالقرآن مخلوق ، أو غير مخلوق . فأنكر ذلك الإمام أحمد والذهلي . لأن اللفظ يراد به أمران : أحدهما الملفوظ نفسه ، وهو غير مقدور للعبد، ولا فعل له فيه، والثاني التلفظ به والأداء له ، وهو فعل العبد . فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو = ٤٥٨ وقال الحاكم : أخبرنا أبو عبد الله محمدُ بن يعقوب بن الأُخْرَم ، سمعتُ ابنَ علي المَخْلَدي ، سمعتُ محمد بن يحيى يقول : قد أظهر هذا البخاريُّ قولَ اللفظية واللفظية عندي شرُّ من الجهمية(١). وقال سمعتُ محمد بن صالح بن هانىء : سمعتُ أحمد بن سَلَمة يقول : دخلتُ على البخاري ، فقلتُ: يا أبا عبد الله ، هذا رجلٌ مقبولٌ بخراسان خصوصاً في هذه المدينة ، وقد لَجَّ في هذا الحديث حتى لا يقدِر أحدٌّ منا أن يُكلِّمه فيه، فما ترى؟ فقبضَ على لحيته ، ثم قال: ﴿وَأَفَوِّضُ أَمْرِي إلى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بالعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]. اللهم إنكَ تعلمُ أَنِّي لم أُردِ المقامَ بنيسابور أَشْراً ولا بَطراً، ولا طَلَباً للرئاسة، وإنما أَبَتْ عليَّ نفسي في الرجوع إلى وطني لغَلَبةَ المخالفين ، وقد قَصَدني هذا الرجلُ حَسَداً لما آتاني الله لا غير. ثم قال لي : يا أحمدُ ، إني خارجٌ غداً لتتخلصوا(٢) من حديثه لأجلي (٣). قال : فأَخْبِرْتُ جماعَة أصحابِنا ، فوالله ما شَيَّعهُ غيري . كنتُ معه حين خرج من البلد ، وأقام على باب البلد ثلاثةَ أيامٍ لإِصلاح أمره . قال : وسمعتُ محمدَ بن يعقوب الحافظ يقولُ : لمَّا استوطن = خطأ ، فمنعا الإِطلاقين. فيقولون: التلاوة هي قراءتنا وتلفظنا بالقرآن ، والمتلو هو القرآن المسموع بالآذان بالأداء من فم الرسول #1 ، وهي حروف وكلمات وسور وآيات تلاه جبريل وبلّغه جبريل عن الله تعالى كما سمعه . فهم يميزون بين ما قام بالعبد ، وما قام بالرب فالقرآن عندهم جميعه كلام الله حروفه ومعانيه ، وأصوات العباد وحركاتهم وأداؤهم وتلفظهم كل ذلك مخلوق بائن عن الله ولذلك سوغوا أن يقال : القرآن غير مخلوق ، ولفظي بالقرآن مخلوق . (١) ((مقدمة الفتح)) : ٤٩٤. (٢) في ((مقدمة الفتح)): لتخلصوا . (٣) ((مقدمة الفتح)) : ٤٩٢ . ٤٥٩ البخاريُّ نيسابور أكثر مسلمُ بن الحجّاج الاختلافَ إليه . فلما وقع بين الذُّهلي وبين البُخاريِّ ما وقع في مسألةِ اللفظ ، ونادى عليه ، ومنع الناسَ عنه ، انقطع عنه أكثرُ الناسِ غيرَ مُسلمٍ . فقال الذُّهليُّ يوماً: أَلَا مَنْ قال باللفظ فلا يَحِلُّ له أن يحضُر مجلسنَا. فأخذ مسلمٌ رداءً (١) فوق عِمامتِه ، وقام على رؤوس النَّاس ، وبعثَ إلى الذُّهلي ما كَتب عنه على ظهر جَمَّال(٢) . وكان مسلمٌ يُظهِر القولَ باللفظِ ولا يَكْتُمه(٣). قال : وسمعتُ محمدَ بن يوسف المؤذن ، سمعتُ أبا حامد بنَ الشرقيِّ يقولُ : حضرتُ مجلسَ محمدٍ بن يحيى الذُّهلي، فقال : ألا مَنْ قال : لفظي بالقرآن مخلوقٌ فلا يحضُرْ مجلسَنا . فقام مسلمُ بن الحجّاج من المجلس . رواها أحمدُ بن منصور الشيرازي عن محمدٍ بن يعقوب ، فزاد : وتِبعَه أحمدُ بن سلمة . قال أحمدُ بن منصور الشِّيرازي: سمعتُ محمد بن يعقوب الأخرم ، سمعتُ أصحابنا يقولون : لمَّا قام مسلمٌ وأحمدُ بن سلمة من مجلس الذُّهلي ، قال الذهليُّ : لا يُساكِنني هذا الرجلُ في البلدِ . فَخَشي البخاريُّ وسافر (٤) . وقال محمدُ بن أبي حاتم : أتى رجلٌ أبا عبد الله البخاريّ ، فقال : يا أبا عبد الله، إنَّ فلاناً يُكَفِّرُكَ! فقال: قال النبيُّ مَ: ((إذا قالَ الرَّجُلُ (١) في ((مقدمة الفتح)): رداءه . (٢) ((مقدمة الفتح)): ٤٩٢ وقال ابن حجر معقباً: وقد أنصف مسلم ، فلم يحدَّث في کتابه عن هذا ولا عن هذا . (٣) سيرد هذا الخبر في الصفحة : ٥٧٢ بترجمة مسلم رحمه الله. (٤) ((مقدمة الفتح)) : ٤٩٢. ٤٦٠