النص المفهرس

صفحات 421-440

قال : وسمعتُ حاشِد بن إسماعيل يقول : سمعتُ إسحاق بن راهويه
يقول : اكتبوا عن هذا الشابّ - يعني: البخاري - فلو كان في زمن الحسنِ
لاحتاجَ إليه الناسُ لمعرفته بالحديث وفقهه(١).
قال : وسمعتُ عليَّ بن حُجْر يقول : أخرجت خراسانُ ثلاثةٌ : أبو
زرعة ، ومحمد بن إسماعيل ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي .
ومحمدُ عندي أبصرُهم وأعلمُهم وأفقهُهم (٢) .
قال : وأوردتُ على عليٍّ بن حُجْر كتابَ أبي عبد الله ، فلما قرأه
قال : كيف خَلَّفْتَ ذلك الكبش ؟ فقلتُ : بخير . فقال: لا أعلمُ مِثْلَه .
وقال أحمدُ بن الضَّوْء : سمعتُ أبا بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد
الله بن نُمير يقولان: ما رأينا مثَل محمد بن إسماعيل(٣).
وعن عبد الله بن أحمد بن حنيل : سمعتُ أبي يقول : ما أخرجتْ
خراسان مثل محمدٍ بن إسماعيل (٤) .
وقال محمدُ بن إبراهيم البُوشَنْجِيَّ: سمعتُ بُنداراً محمد بن بشار
سنةَ ثمانٍ وعشرين ومئتين يقول : ما قدِم علينا مثلُ محمد بن إسماعيل(٥) .
= البخاري أفقه منه، ولو وقف على كلامه، لم يتفوّه بذلك، وانظر الخبر في (تهذيب
الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٣.
(١) ((مقدمة الفتح)): ٣٠٧.
(٢) ((تاريخ بغداد)٢٨/٢٤ .
(٣) ((تهذيب الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٤.
(٤) ((تاريخ بغداد)) ٢١/٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٦٨/١، و((تهذيب
الكمال)) : ١١٧١ .
(٥) ((تاريخ بغداد)) ١٧/٢، و((تهذيب الكمال)»: ١١٧٠، و((مقدمة الفتح)):
٤٨٣.
٤٢١

وقال حاشِد بن إسماعيل : كنتُ بالبصرةِ ، فسمعتُ قُدُوم محمدٍ بن
إسماعيل ، فلما قدِم قال بُندار : اليومَ دخلَ سيِّدُ الفقهاءِ(١) .
وقال محمدٌ : سمعتُ أبا عبد الله . يقول : قال لي محمدُ بن
بشار : إنَّ ثوبي لا يَمَسُ جلدي مَثَلاً، ما لم ترجع إليّ ، أخافُ أن تجد في
حديثي شيئاً يُسَقَّمُني . فإذا رجعت فنظرت في حديثي طابتْ نفسي ،
وأمِنْتُ مما أخافُ .
وقال محمدُ بنُ أبي حاتم : سمعتُ إبراهيمَ بن خالد المروزي ،
يقول : رأيتُ أبا عمّار الحُسين بن حُريث يُثني على أبي عبد الله
البخاري ، ويقول : لا أعلمُ أَنِّي رأيتُ مثله، كأنه لم يُخْلَق إلا
للحدیث(٢) .
وقال محمدٌ : سمعتُ محمود بن النضر أبا سهل الشافعيَّ يقول :
دخلتُ البصرة والشامَ والحجازَ والكوفة ، ورأيتُ علماءها ، كلما جری ذکرُ
محمدِ بن إسماعيل فَضَّلوه على أنفسهم(٣).
وقال : سمعتُ محمد بن يوسف يقولُ : لما دخلتُ البصرة صِرت
إلى بُندارٍ ، فقال لي : من أين أنتَ ؟ قلت : من خراسان . قال : من أيّها ؟
قلت : من بُخارى، قال : تَعرفُ محمدٍ بن إسماعيل ؟ قلت : أنا من
قَرابته . فكان بعد ذلك يَرْفَعُني فوقَ الناس (٤).
(١) (( تاريخ بغداد)) ١٦/٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٦٨/١، و(تهذيب
الكمال)»: ١١٧٠ و((مقدمة الفتح)): ٤٨٣.
(٢) (( مقدمة الفتح)) : ٤٨٤ .
(٣)((تاريخ بغداد)) ١٩/٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٦٩/١، و(تهذيب
الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة الفتح)»: ٤٨٥.
(٤) ((تاريخ بغداد))١٨/٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة الفتح)»: ٤٨٣.
٤٢٢

قال محمدُ : وسمعتُ محمد بن إسماعيل يقول : لما دخلتُ البصرة
صرتُ الى مجلس بُنْدار ، فلما وقع بصرهُ عليَّ ، قال : من أين الفتى ؟
قلتُ : من أهل بُخارى فقال لي : كيف تركتَ أبا عبد الله ؟ فأمسكتُ ،
فقالوا له : يرحمك اللهُ هو أبو عبد الله ، فقام ، وأخذ بيدي ، وعانقني ،
وقال : مرحباً بمن أفتخِرُ به منذ سنين(١) .
قال : وسمعتُ حاشِدَ بن إسماعيل، سمعتُ محمد بن بشّار
يقول : لم يَدخل البصرة رجل أعلمُ بالحديث من أخينا أبي عبد الله .
قال : فلما أراد الخروج ودَّعه محمدُ بن بشار ، وقال : يا أبا عبد الله ،
موعدنا الحَشْرُ أن لا نلتقي بعدُ .
وقال أبو قريش محمدُ بن جمعة الحافظُ : سمعتُ محمد بن بشار :
يقول: حُفّاظ الدنيا أربعةٌ: أبو زُرْعَة بالرَّيِّ، والدارِمِي بسَمَرْقند ، ومحمد
ابن إسماعيل ببخارى ، ومسلم بنيسابور(٢).
وقال محمدُ بن عمر بن الأشعث البِيْكَنْدي : سمعتُ عبدَ الله بن
أحمد بن حنبل ، سمعتُ أبي يقول : انتهى الحفظُ إلى أربعةٍ من أهل
خراسان : أبو زُرْعَةَ الرازي ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ، وعبد الله بن
عبد الرحمن السمرقندي ، والحسن بن شُجاع البَلْخي(٣).
قال ابن الأشعث : فحكيتُ هذا لمحمدٍ بن عقيل البلخي ، فأطرى
ذكر ابن شجاع، فقلتُ له : لمَ لمْ يَشْتَهر؟ قال: لأنه لم يُمَتَّعِ بالعُمر .
(١) ((تاريخ بغداد))١٧/٢، و((تهذيب الكمال)) ١١٧٠.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١٦/٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٦٨/١، و(تهذيب
الكمال)»: ١١٧٠، و«تذكرة الحفاظ)) ٥٨٩/٢، و(تهذيب التهذيب)) ١٢٨/١٠.
(٣) ((تهذيب الكمال)): ١١٧١.
٤٢٣

قلت : هذا ابنُ شجاع : رحل وسمع مكيَّ بن إبراهيم ، وعُبيدَ الله
ابن موسى ، وأبا مُسْهِر . وتوفي سنة أربع وأربعين .
وقال نصرُ بن زكريا المروزي : سمعتُ قتيبة بن سعيد يقول : شبابُ
خُراسان أربعةٌ : محمدُ بن إسماعيل ، وعبدُ الله بن عبد الرحمن ، يعني
الدارمي ، وزكريا بن يحيى اللؤلؤي(١)، والحسن بن شجاع(٢).
وقال محمدُ بن أبي حاتِم : سمعتُ جعفراً الفِرَبْرِيَّ يقول ، سمعتُ
عبد الله بن مُنير يقول : أنا من تلاميذ محمدٍ بن إسماعيل ، وهو مُعلِّمي
ورأيتُه يكتُب عن محمد(٣) .
وقال محمدٌ : حدثنا حاشدُ بنُ عبد الله بن عبد الواحد ، سمعتُ
يعقوبُ بن إبراهيم الدَّوْرَقِيَّ يقول : محمدُ بنُ إسماعيل فَقِيهُ هذه الأمة (٤).
عن أبي جعفر المُسْنِدي قال : حُفَّاظ زمانِنا ثلاثةٌ : محمدُ بن
إسماعيل ، وحاشدُ بن إسماعيل ، ويحيى بن سهل .
وقال محمد : حدثني جعفرُ بن محمد الفِرَبْرِي قال : خرج رجلٌ من
أصحابٍ عبد الله بن مُنِير، رحمه الله إلى بخاری في حاجةٍ له . فلما رجع
قال له ابنُ منير : لقيتَ أبا عبد الله ؟ قال: لا . فَطَرَدَهُ ، وقال : ما فيكَ
بعد هذا خير . إذْ قدِمتَ بُخارى ولم تَصِرْ إلى أبي عبد الله محمد بن
إسماعيل .
(١) في هامش الأصل ما نصه : هذا اللؤلؤي من شيوخ البخاري . ويروي عن عبد الله
ابن نمير وأبي أسامة . توفي كهلا سنة ثلاثين ومئتين وقد تقدمت ترجمته في الجزء الحادي عشر
من ((سير أعلام النبلاء))، ترجمة رقم ١٠٤.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٢٦/٢.
(٣) سبق الخبر في الصفحة : ٤١٥، التعليق الأول.
(٤) ((طبقات السبكي))٢٢٣/٢، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٣.
٤٢٤

وقال محمد : سمعتُ إبراهيم بن محمد بن سَلامَ يقول : حضرتُ أبا
بكر بن أبي شيبة ، فرأيتُ رجلً يقول في مجلسه : ناظر أبو بكر أبا عبد الله
في أحاديث سفيان ، فعرف كلها ، ثم أقبل محمدٌ عليه ، فأغرب عليه مئتي
حديث . فكان أبو بكر بعد ذلك يقول : ذاك الفتى البازل(١) - والبازل
الجمل المُسِنُّ (٢) - إِلا أنه يُريد هاهنا البصير بالعلم ، الشجاع.
وسمعتُ إبراهيمَ بن محمد بنُ سَلام يقول : إن الرُّتُوتَ(٣) من
أصحاب الحديث مثل سعيد بن أبي مريم ، ونُعيم بن حماد ، والحُميدي ،
وحجّاج بن مِنهال، وإسماعيل بن أبي أويس ، والعَدَنيِّ (٤)، والحسن
الخلال(٥) بمكه ، ومحمد بن ميمون صاحب ابن عُيَيْنَة ، ومحمد بن
العلاء ، والأشجِّ ، وإبراهيم بن المنذر الحزامي ، وإبراهيم بن موسى
الفَرَّاء ، كانوا يهابون محمد بن إسماعيل، ويَقْضُون له على أنفسهم في
المعرفة والنَّظَرِ (٦).
وقال محمدٌ : حدثني حاتِم بنُ مالك الورّاق؟، قال : سمعتُ علماءَ
مكَّة يقولون : محمدُ بن إسماعيل إِمامُنا وفقيهُنا وفقيهُ خراسان .
وقال محمد : سمعتُ أبي رحمه الله يقول : كان محمدُ بن إسماعيل
يختلفُ إلى أبي حفص أحمد بن حفص البخاري وهو صغير ، فسمعتُ أبا
(١)( مقدمة الفتح)) : ٤٨٤.
(٢) أي : الكامل . قال جرير :
لم يستطع صَوْلةَ البُزْلِ القنا عيس
وابن اللُّون إذا ما لُزَّ في قَرٍّ
(٣) أي: الرؤساء .
(٤) يعني محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني. ((مقدمة الفتح)) : ٤٨٣.
(٥) في ((مقدمة الفتح)): ٤٨٣: والخلال، يعني الحسين بن علي الحلواني.
(٦)( تهذيب الأسماء واللغات)) ٧٠/١، ١/٧١، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٣.
٤٢٥

حفص يقول : هذا شابٌ كَيِّس ، أرجو أن يكون له صِيتُ وذِكْرٌ .
وقال محمدٌ : سمعتُ أبا سهل محموداً الشافعيَّ يقولُ : سمعتُ أكثر
من ثلاثين عالماً من علماء مصر، يقولون : حاجَتُنا من الدنيا النظرُ في
(( تاريخ )) محمد بن إسماعيل .
وقال محمدٌ : حدثني صالحُ بن يونس ، قال: سُئِل عبدُ الله بن عبد
الرحمن - يعني: الدارمي - عن حديثٍ سالم بن أبي حَقْصة (١)، فقال:
كتبناهُ مع محمَّد، ومحمد يقولُ: سالمٌ ضعيف . فقيل له : ما تقول
أنتَ؟ قال : محمدٌ أَبْصَرُ مني .
قال : وسُئل عبدُ الله بنُ عبد الرحمن عن حديثٍ محمدٍ بن كعب :
لا يَكْذِبُ الكاذِبُ إِلا من مَهَانَةِ نَفْسِه عليه(٢). وقيل له: محمدٌ يزعُمُ أنَّ
هذا صحيح ، فقال : محمدٌ أبصرُ مني ، لأَنَّ همَّهُ النظَرُ في الحديث ، وأنا
مشغولٌ مريض ، ثم قال: محمدٌ أَكْيَسُ خلقِ الله، إِنه عَقَّل عن الله ما أمره
به ، ونهى عنه في كتابه ، وعلى لسان نبيِّه . إذا قرأ محمدٌ القرآن ، شَغَل
قَلبَه وبصره وسمْعَه ، وَتَفَكَّر في أمثالهِ ، وعرف حلاله وحرامه(٣).
وقال : كتب إِليَّ سليمانُ بن مُجالد ، إِني سألتُ عبد الله بن عبد
الرحمن السمرقندي عن محمدٍ ، فقال : محمدُ بن إسماعيل أعلمُنا وأفقهُنْا
(١) في ((التقريب)) : سالم بن أبي حفصة العجلي أبو يونس الكوفي صدوق في الحديث
إلا أنه شيعي غالٍ، مات في حدود ١٤٠ هـ وقد أخرج حديثه البخاري في ((الأدب المفرد))
والترمذي في ((سننه)» وانظر ترجمته في ميزان المؤلف ١١٠/٢.
(٢) أورده السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ٤٧٢، وقال: رواه الديلمي عن أبي هريرة
به مرفوعاً، قلت : انفراد الديلمي بروايته مؤذنٌ بضعفه ، كما نبه عليه السيوطي في مقدمة
(( الجامع الكبير)).
(٣) ((مقدمة الفتح)» : ٤٨٥.
٤٢٦

وأَغْوَصُنا ، وأكثرنا طلباً .
وقال : سمعتُ أبا سعيد المؤذِّب يقول : سمعتُ عبد الله بن عبد
الرحمن يقول : لم يكن يُشْبِه طلبُ محمدٍ للحديثِ طلبَنا ، كان إذا نظرَ في
حديثٍ رجلٍ أَنْزَفَهُ .
وقال : حدثني إِسحاقُ ورَّاقُ عبدِ الله بن عبد الرحمن ، قال : سألني
عبدُ الله عن كتاب ((الأدب)) من تصنيفٍ محمدٍ بن إسماعيل ، فقال :
احمِله لُأَنْظُر فيه ، فأخذَ الكتابَ مني ، وحبسهُ ثلاثة أشهر ، فلما أخذتُ
منه ، قلتُ : هل رَأَيتَ فيه حَشْواً، أو حديثاً ضعيفاً؟ فقال: ابنُ
إسماعيل لا يقرأ على الناس إلا الحديث الصحيح(١)، وهل يُنكر لى
محمد ؟!
وقال : سمعتُ أبا الطَّيِّب حاتِمَ بنَ منصور الكِسِّي يقول : محمدُ بن
إسماعيلَ آيةٌ من آياتِ الله في بصرِهِ ونفاذِه من العلم .
قال : وسمعتُ أبا عمرو المستنير بن عَتِيق يقول : سمعتُ رجاء
الحافظ يقول : فَضْلُ محمدٍ بن إسماعيل على العلماء كفضلِ الرجالِ
على النساء . فقال له رجلٌ : يا أبا محمد ، كُلُّ ذلك بِمَرّة ؟! فقال : هو
آيةٌ من آيات الله يمشي على ظهر الأرض (٢).
قال : وسمعتُ محمدَ بن يوسف يقول : سأل أبو عبد الله أبا رجاء
(١) كتاب الأدب المفرد كتاب جيد في بابه ، ضمنه المؤلف رحمه الله الأحاديث النبوية
التي تعنى بتهذيب الخلق ، وتصحيح النية ، وتقويم السلوك ، والآداب العامة ولم يتحرّ فيه
الصحة كما فعل في كتابه ((الجامع الصحيح)) بل فيه الصحيح والحسن وهو الغالب والضعيف وهو
قليل كما هو معلوم لكل من درس أسانيده ، وبحث فيها .
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٢٥/٢، و((مقدمة الفتح)) : ٤٨٤.
٤٢٧

البَغْلانِي - يعني: قُتَيِبة - إخراجَ أحاديثِ ابنِ عُيَيْنَة ، فقال: منذ كتبتُها ما
عرضتُها على أحدٍ ، فإن احتسبتَ ونظرتَ فيها ، وعلَّمتَ على الخطأ منها
فعلتُ ، وإلا لم أُحدِّث بها ، لأني لا آمن أن يكون فيها بعضُ الخطأ ،
وذلكَ أَنَّ الزِّحام كان كثيراً، وكان الناس يُعارِضون كُبهم ، فيُصحِّحُ
بعضُهم من بعض ، وتركتُ كتابي كما هو ، فسُرَّ البخاريُّ بذلك ، وقال :
وُقِّقْتَ. ثم أخذ يختلفُ إليه كلَّ يومٍ صلاةَ الغداة ، فينظُر فيه الى
وقتٍ خروجه إلى المجلس ، وَيُعلِّم على الخطأ منه . فسمعتُ البخاري ردًّ
على أبي رجاء يوماً حديثاً ، فقال : يا أبا عبد الله ، هذا مما كَتَبَ عني
أهلُ بغداد ، وعليه علامةُ يحيى بن مَعِين ، وأحمدَ بنِ حنبل ، فلا أقدِرُ
أُغيِّرُه . فقال له أبو عبد الله: إِنما كتب أولئك عنكَ لَأَنَّكَ كُنت مُجْتازاً ،
وأنا قد كتبتُ هذا عن عدَّةٍ على ما أقولُ لكَ ، كتبتهُ عن يحيى بن بُکَیر ،
وابنِ أبي مريم ، وكاتبِ الليث عن الليث . فرجع أبو رجاء ، وَفَهِمَ قولَه ،
وخضع له .
قال : وسمعتُ محمد بن يوسف يقول : كان زكريا اللُّؤلؤي
والخسنُ بن شُجاع ببلخ يمشيان مع أبي عبد الله إلى المشايخ إجلالاً له
وإكراماً .
قال : وسمعتُ حاشِدَ بن إسماعيل يقولُ : رأيتُ إسحاق بن راهويه
جالساً على السرير، ومحمد بن إسماعيل معه ، وإسحاقُ يقولُ : حدثنا
عبدُ الرزاق حتى مرَّ على حديثٍ ، فأنكر عليه محمدٌ ، فرجع إلى قولٍ
محمد(١).
(١) ((تاريخ بغداد)) ٢٧/٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)): ٦٩/١ و((مقدمة
الفتح)» : ٤٨٤
٤٢٨

ثم رأيتُ عمرو بن زرارة ومحمد بن رافع عند محمد بن إسماعيل
يسألانه عن عِللِ الحديث ، فلما قاما قالا لمن حضر: لا تُخْدَعُوا(١) عن
أبي عبد الله، فإِنه أفقهُ مِنّا وأعلمُ وأبصر(٢).
قال : وسمعتُ حاشِدَ بن عبد الله يقول : كنّا عند إسحاق وعمرو بن
زُرارة ثَمَّ ، وهو يستملي على البخاري ، وأصحابُ الحديث يكتبون عنه ،
وإسحاقُ يقول: هو أبصرُ مني. وكان محمد يومئذ شاباً (٣).
وقال : حدثني محمدُ بن يوسف قال : كنّا مع أبي عبد الله عند
محمد بنٍ بشّار ، فسأله محمدُ بن بشار عن حديثٍ ، فأجابه ، فقال : هذا
أفقهُ خلقِ الله في زماننا . وأشارَ إلى محمدٍ بن إسماعيل .
قال : وسمعتُ سُليم بن مُجاهد يقولُ: لو أنَّ وكيعاً وابنَ عُيينة وابنَ
المُبارك كانوا في الأحياء، لاحتاجوا إلى محمد بن إسماعيل .
قال : وسمعتُ أبا عبد الله يقولُ : قال لي إسماعيلُ بن أبي أويس :
انظرْ في كتبي وما أملِكُه لك ، وأنا شاكرٌ لك ما دمتُ حياً .
وقال : قال لي أبو عَمرو الكرْماني : سمعتُ عَمرو بن علي الصَّيْرفي
يقولُ : أبو عبد الله صديقي ، ليس بخراسان مثله .
فحكيتُ لمهيار بالبصرة عن قتيبة بن سعيد أنه قال : رُحِل إليَّ من
شرق الأرضِ وغربها ، فما رحلَ إِلَيّ مثلُ محمد بن إسماعيل ، فقال
مهيار : صدق . أنا رأيتُه مع يحيى بن مَعِين ، وهما يختلفان جميعاً إلى
(١) أي لا تتركوه يفوتكم .
(٢) ((تاريخ بغداد))٢٧/٢، و((مقدمة الفتح)»: ٤٨٥
(٣) ((مقدمة الفتح)) : ٤٥٤
٤٢٩

محمدٍ بن إسماعيل ، فرأيْتُ يحيى ينقادُ له في المعرفة .
وقال : سمعتُ أبا سعيدِ الأشجِّ ، وخرج إِلينا في غَداةٍ باردةٍ ، وهو
يرتعدُ من البَّرْدِ ، فقال : أيكونُ عندكم مثلُ ذا البَرْدِ ؟ فقلتُ : مثل ذا يكون
في الخريفِ والربيعِ ، وربما نُمسي والنهرُ جارٍ ، فُتُصبح ونَحتاجُ إِلى
الفأسِ فِي نَقْب الجَمَدِ . فقال لي : من أي خُراسان أنتَ ؟ قلتُ : من
بُخارى . فقال له ابنُه : هو من وطنٍ محمدٍ بن إسماعيل ، فقال له : إِذا
قَدِمَ عليكَ مَن يُتوسَّلُ به فاعرفْ له حقّه، فإِنَّه إِمامٌ .
وقال: سمعتُ أحمدَ بن عبد الله بن ثابت الشاشي ، سمعتُ
إسماعيلَ بن أبي أُويس يقول : ما أخذ عني أحدٌ ما أخذ عني محمدٌ ، نظر
إلى كتبي ، فرآها دارسةٌ ، فقال لي : أتأذنُ لي أن أُجدِّدها ؟ فقلتُ :
نعم . فاستخرج عامَّةَ حديثي بهذه العِلّة .
وقال : سمعتُ أبا إِسحاق المَرْوزي يقولُ : دخلتُ على عليٍّ بن
حُجرٍ ساعةَ ودَّعَه عبد الله بن عبد الرحمن ، فسمعتُه يقول : قُلْ في أدبٍ
عبد الله بن عبد الرحمن ما شئتَ ، وقل في علم محمدٍ ما شئتَ .
وقال : سمعتُ محمد بن الليث يقولُ : وذُكر عنده عبدُ الله ومحمدٌ ،
فسمع بعضَ الجماعة يُفضِّلُ عبدَ الله على محمدٍ ، فقال : إذا قدمتوه
فقدّموه في الشعر والعربية ، ولا تقدموه عليه في العلم .
وقال : سمعتُ حاشِدَ بن إسماعيل يقول : كان عبدُ الله بن عبد
الرحمن يَدُسُ إِليَّ أحاديثَ من أحاديثهِ الْمُشْكِلة عليه ، يسألُني أن أعرِضَها
على محمدٍ ، وكان يَشتهي أن لا يعلم محمد ، فكنتُ إذا عَرضتُ عليه شيئاً
يقول : مِنْ ثَمَّ جاءت؟ .
٤٣٠

وعن قُتَيبة قال: لو كانَ محمدٌ في الصحابةِ لكان آيةً(١).
وقال محمدُ بن يوسف الهَمَذاني : كنا عند قتيبة بن سعيد ، فجاء
رجلٌ شَعْراني يقال له : أبو يعقوب ، فسأله عن محمدٍ بن إسماعيل ،
فنكس رأسَه، ثم رفعهُ إلى السَّماء، فقال: يا هؤلاء ، نظرْتُ في
الحديث ، ونظرتُ في الرأي ، وجالستُ الفُقهاء والزّهاد والعُبّاد ، ما رأيتُ
منذ عقلتُ مثلَ محمدٍ بن إسماعيل(٢).
وقال حاشِدُ بنُ إسماعيل : سمعتُ قُتيبة يقول : مَثَلُ محمدُ بن
إسماعيل عند الصحابة في صدقهِ وورعه كما كان عُمر في الصحابة(٣).
وقال حاشِدُ بن إسماعيل : سمعتُ أحمد بن حنبل يقولُ : لم يَجِثْنا
من خُراسان مثلُ محمدٍ بن إسماعيل .
وروينا عن أبي حاتِمٍ الرازي قال : محمدُ بن إسماعيل أعلمُ مَنْ
دخل العراقَ .
وقال أبو عبد الله الحاكمُ : محمدُ بن إسماعيل البخاري إِمامُ أهلِ
الحديث ، سمع بيُخارى هارونَ بنَ الأشعث ، ومحمد بن سَلَام ، وسمَّى
خلقاً من شيوخه .
ثم قال : سمعتُ أبا الطَّيِّب محمد بن أحمد المُذَكِّر ، سمعتُ أبا بكر
محمدَ بن إسحاق بن خُزيمة يقولُ : ما رأيتُ تحتَ أديمِ السماء أعلمَ
بحديثٍ رسولِ الله وَّ وأحفظَ له من محمدٍ بن إسماعيل(٤).
(١) (( مقدمة الفتح)) : ٤٨٣
(٢) ( مقدمة الفتح)»: ٤٨٣
(٣) (( مقدمة الفتح)) : ٤٨٣
(٤)((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٧٠/١، و((طبقات السبكي)) ٢١٨/٢، و((مقدمة
الفتح )» : ٤٨٦
٤٣١

ثم قال الحاكمُ : سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول : سمعتُ
أبي يقولُ : رأيتُ مُسلمَ بن الحجّاجِ بين يدي البخاري يسألُهُ سؤالَ
الصَّبِيِّ (١).
ثم قال : سمعتُ الحسن بن أحمد الشيباني المُعدَّل ، سمعتُ أحمد
ابن حمدون يقول : رأيتُ محمدَ بن إسماعيل في جنازة سعيدٍ بن مروان ،
ومحمدٍ بن يحيى الذهلي يسألُه عن الأسامي والكُنى والعِلل ، ومحمدُ بن
إسماعيل يمرُّ فيه مثلَ السَّهم(٢)، كأنه يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
أخبرنا محمدُ بن خالد المُطوعي ببخارى، حدثنا مُسَبِّح بنُ سعيد
البخاري ، سمعتُ عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي يقولُ : قد رأيتُ
العلماءَ بالحجازِ والعراقين ، فما رأيتُ فيهم أجمعَ من محمدِ بن
إسماعيل (٣).
وقال محمد بن حمدون بن رُسْتُم : سمعتُ مسلمَ بن الحجّاج ،
وجاء إلى البخاري فقال : دَعْنِي أُقْبِّلْ رجليك يا أستاذ الأستاذِين ، وسَيِّد
المُحدثين ، وطبيب الحديث في عِلَلِهِ (٤).
وقال أبو عيسى الترمذي : لم أَرَ بالعراقِ ولا بخُراسان في معنى
العلل والتاريخ ومعرفةِ الأسانيدِ أعلمَ من محمدٍ بن إسماعيل(٥).
(١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٧٠/١، و((تاريخ بغداد)) ٢٩/٢.
(٢) سيرد في الصفحة: ٤٥٥ وهو في ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٦٩/١/، و (( تاريخ
بغداد )) ٣١/٢ .
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٢٨/٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٦٩/١، و«مقدمة
الفتح)» : ٤٨٥.
(٤) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٧٠/١، و((طبقات السبكي)) ٢٢٣/٢، و((مقدمة
الفتح)» : ٤٨٩.
(٥) ((تهذيب الأسماء واللغات))١/٧٠/١، و((طبقات السبكي)) ٢٢٠/٢.
٤٣٢

وقال أبو عيسى الترمذيُّ : كان محمدُ بن إسماعيل عند عبد الله بن
منير ، فلما قام من عنده قال له : يا أبا عبد اللّه، جَعَلَكَ اللهُ زَيْنَ هذه
الََّمّة . قال الترمذيُّ : استُجيبَ له فيه(١).
... (٢) قيل: إنَّ
قلتُ : ابنُ منيرٍ من كبار الزُّهَّاد ، قال ..
البخاريَّ لمَّا قدم من العِراق ، قَدْمَتَه الآخِرة ، وتلقّاه الناسُ ، وازدحموا
عليه ، وبالغُوا في بِّه . قيل له في ذلك ، فقال : كيف لو رأيتُم يومَ دخولنا
البصرة(٣)؟.
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة : كان محمدُ بن إسماعيل
يجلِسُ ببغداد ، وكنتُ أستملي له ، ويجتمع في مجلسِه أكثرُ من عشرين
ألفاً .
وقال عبدُ المؤمن بن خَلَف النَّسَفِي : سألتُ أبا علي صالح بن
محمد ، عن الدارميَّ ومحمدٍ بن إسماعيل وأبي زرعة ، فقال : أعلمهُم
بالحديث محمدٌ ، وأحفظُهم أبو زرعة .
وقال إِسحاقُ بن زبرك (٤): سمعتُ محمد بن إدريس الرازي يقولُ في
سنة سبع وأربعين ومئتين : يقدَم عليكُم رجلٌ من خُراسان لم يَخرُجْ منها
أحفظُ منه ، ولا قدم العراقَ أعلمُ منه . فقدم علينا البخاري(٥).
(١) ((تاريخ بغداد)) ٢٦/٢، و((طبقات السبكي)) ٢٢١/٢، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٤.
(٢) بياض في كلا الأصلين قدر ثلث سطر، وجاء في ((مقدمة الفتح)): وقال حمدويه بن
الخطاب : لما قدم البخاري قدمته الأخيرة ...
(٣) ((تهذيب الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٨، وانظر ما قاله ابن حجر في
ذلك .
(٤) في ((تاريخ بغداد)) ٢٣/٢ زُيْرَك وهو تصحيف.
(٥) ((تاريخ بغداد)) ٢٣/٢ وتتمته فيه: ((بعد ذلك بأشهر)). وهو في ((تهذيب
الكمال)» : ١١٧١.
٤٣٣

وقال أبو سعيد حاتِمُ بن محمد : قال موسى بنُ هارون الحافظ : لو
أنَّ أهل الإِسلام اجتمعوا على أن يُنَصِّبوا آخر مثلَ محمدٍ بن إسماعيل ما
قدَروا عليه .
وقال أبو العباس محمدُ بن عبد الرحمن الفقيه الدَّغُولي : كتب أهلُ
بغداد إِلى البخاري :
المُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ ما بَقِيتَ لَّهُم:
وليسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ(١)
وقال أبو بكر الخطيب : سُئل أبو زرعة عن ابنٍ لَهِيعة ، فقال : تركه
أبو عبد الله محمدُ بنُ إِسماعيل . وسُئل عن محمد بن حُميد ، فقال : تركه
أبو عبد الله . فذُكر ذلك لأبي عبد الله ، فقال: بِرُّهُ لنا قديم(٢).
قال الخطيب : وسُئل العبّاسُ بن الفضلِ الرازي الصائغ : أيُّهما
أفضل ، أبو زرعة أو محمدُ بنُ إسماعيل ؟ فقال : التقيتُ مع محمدٍ بن
إِسماعيل بين حلوان وبغداد ، فرجعتُ معه مرحلةً ، وجَهِدْتُ أن أَجيءَ
بحديثٍ لا يعرفُه ، فما أمكنني ، وأنا أُغْرِب على أبي زرعة عدد شَعْرِهِ(٣).
وقال أحمدُ بنُ سَيَّر في ((تاريخه)): محمدُ بن إِسماعيل الجُعْفي
طَلَبَ العلم، وجالسَ الناسَ ، ورحلَ في الحديثِ، ومَهَر فيه وَأَبْصَرَ ، "
(١) هذا من المبالغات الشعرية المنبعثة من العواطف فإن الخير في أمة محمد وَطاهر مستمر
وباق إلى يوم القيامة كما قال رسول الله صل#: ((الخير في أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم
آخره)). وقال : : (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي
أمر الله)). والبيت في ((تاريخ بغداد)) ٢٢/٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة
الفتح )» : ٤٨٦.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٢٣/٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة الفتح » ٤٨٥.
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٢٣/٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة الفتح)) ٤٨٦.
٤٣٤

وكان حَسَنَ المعرفةِ ، والحفظِ ، وكان يتفقّه(١).
قال عبدُ الرحمن بنُ أبي حاتم : رأيتُ أبي يُطنب في مدحِ أحمدَ بنِ
سيَّار ، ويذكرهُ بالعِلم والفِقه .
وذَكَر عُمرُ بنُ حفصٍ الأشقرُ، قال : لما قدم رجاءُ بن مُرَجَّى بُخارى
يريدُ الخروجَ إِلى الشاش ، نزلَ الرباط ، وسارَ إِليه مشايخنا ، وسِرْتُ فيمن
سار إِليه ، فسألني عن أبي عبد الله محمدٍ بن إسماعيل ، فأخبرتُه بسلامته ،
وقلتُ : لعلَّه يجيئُك الساعةَ ، فأملى علينا ، وانقضى المجلسُ ، ولم
يجىءُ . فلما كان اليومُ الثاني لم يجِئْهُ . فلما كمان اليوم الثالث قال رجاء :
إن أبا عبد الله لم يرنا أهلًا للزيارة ، فَمُرُّوا بنا إِليه نقض حقّه ، فإِنِي على
الخروج - وكان كالمُتَرَغْم عليه - فَجِئنا بجماعتِنا إليه ، فقال رجاء : يا أبا
عبد الله ، كنتُ بالأشواقِ إِليكَ ، وأَشتهي أَن تذكرُ شيئاً من الحديث ، فإِنِّي
على الخروج . قال : ما شِئتَ . فألقى عليه رجاءُ شيئاً من حديث أيوب ،
وأبو عبد الله يُجيبُ إِلى أن سكت رجاءُ عن الإِلقاء . فقال لأبي عبد الله :
ترى بَقِيَ شيءٌ لم نذكره، فأخذ محمدٌ يُلْقي، ويقولُ رجاء: مَنْ روى هذا؟
وأبو عبد الله يجيءُ بإِسنادِه إِلى أن ألقى قريباً من بضعة عشر حديثاً . وتغيّر
رجاءُ تغيُّراً شديداً، وحانت من أبي عبد الله نظرةً إِلى وجهِه ، فعرف التَّغَيُّرَ
فيه ، فقطَع الحديثَ . فلما خرج رجاء قال محمدٌ : أردتُ أن أبلغَ به
ضِعْفَ ما ألقيتُه ، إِلا أني خشيتُ أن يدخُلَه شيءٌ، فأمسكتُ(٢) ..
وقال خلفُ بن محمد: سمعتُ أبا عمرو أحمدَ بن نصرِ الخَفَّف
يقولُ: محمدُ بن إسماعيلُ أعلمُ بالحديثِ من إسحاقَ بنِ راهويه وأحمدَ بنِ
(١) ((مقدمة الفتح)) : ٤٨٦.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٢٦/٢.
٤٣٥

حنبل وغيرهما بعشرين درجة؛ ومن قال فيه شيئاً، فمنِّ عليه ألفُ لعنةٍ (١).
ثم قال: حدثنا محمدُ بن إسماعيل التقيُّ النقي العالمُ الذي لم أرَ
مثله(٢) .
ورُوِيَ عن الحُسين بن محمد المعروفِ بُعُبيد العجل، قال: ما رأيتُ
مثلَ محمدٍ بن إسماعيل ، ولم يكن مُسلمُ بنُ الحجّاج يبلغ محمد بن
إسماعيل. ورأيتُ أبا زُرْعَة وأبا حاتِمٍ يستمعان إلى محمدٍ أيَّ شيء يقول،
يجلسونَ إلى جنبه، فَذُكر لعُبيد العجل قصةُ محمدٍ بن يحيى، فقال: ما له
ولمحمدٍ بن إسماعيل ؟ كان محمدُ بن إسماعيل أُمَّةً من الأمم ، وكان أعلمَ
من محمدٍ بن يحيى بكذا وكذا ، وكان دَيِّناً فاضلاً يُحسِنُ كُلَّ شيءٍ(٣).
وقال أبو حامد أحمدُ بن حمدون القصّار: سمعتُ مُسلمَ بن
الحجّاج، وجاء إلى البخاري، فقبَّل بين عينيه، وقال : دعني أَقَبِّل
رجليك . ثم قال: حدّثك محمدُ بن سَلَام، حدثنا مَخْلدُ بن يزيد
الحراني، أخبرنا ابنُ جُريج عن موسى بن عُقبة عن سُهيل، عن ابيه عن أبي
هريرة، عن النبيِّ وَّهُ فِي كَفَّارة المجلس (٤)، فما عِلْتُه؟ قال محمدُ بن
(١) ((طبقات السبكي)) ٢ / ٢٢١ و٢٢٥، و((مقدمة الفتح)) ٤٨٦.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ٢٨، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١ / ١/٦٩، و((طبقات
السبكي)) ٢ / ٢٢٥، و((مقدمة الفتح)) ٤٨٦. وسيذكره المصنف في الصفحة ٤٤٢ أيضاً.
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ٣٠.
(٤) وتمامه: إذا قام العبد أن يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ،
أستغفرك وأتوب إليك)) أخرجه الترمذي (٣٤٣٣)، وأحمد ٢ / ٤٩٤. كلاهما من طريق
حجّاج بن محمد ، عن ابن جريج ، أخبرني موسى بن عقبة . وقال الترمذي : حسن غريب
صحيح ، وصححه ابن حبان (٢٣٦٦) والحاكم ١ / ٥٣٦، ٥٣٧، ووافقه الذهبي، وله
شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود (٤٨٥٧ )، وصححه ابن حبان (٢٣٣٧ ) ،
وعن جبير بن مطعم عند الحاكم ١ / ٥٣٧ ، وصححه على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، =
٤٣٦

إسماعيل: هذا حديثٌ مَلِيح ، ولا أعلم بهذا الإِسناد في الدنيا حديثاً غيرَ
هذا الحديثِ الواحدِ في هذا الباب، إلا أنَّه معلولٌ حدثنا به موسى بنُ
إسماعيل، حدثنا وُهيب، حدثنا سُهيلٌ، عن عون بن عبد الله قَوْلَه ، قال
محمد: وهذا أولى، فإنَّه لا يُذكر لموسى بنُ عقبة سماٌ من سُهيل. فقال له
مسلمٌ: لا يُبْغِضُك إلا حاسدٌ، وأشهد أنَّه ليس في الدنيا مثلُك(١).
وقال محمدُ بن يعقوب بن الأَخْرَم: سمعتُ أصحابنا يقولون : لما
قدِمِ البخاريُّ نيسابور استقبَله أربعةُ آلاف رَجُلٍ رُكْباناً على الخيل، سوى
من ركب بغلاً أو حماراً وسوى الرَّجَّالة .
وقال عبدُ الله بن حماد الأمُلي: وددت أني شَعْرَةً في صدرِ محمدِ بن
إسماعيل.
وقال محمدُ بنُ أبي حاتِم : سمعتُ حاشدَ بن إسماعيل وآخر
يقولان : كان أهلُ المعرفةِ بالبصرة يَعْدُونَ خَلْفَ البخاريِّ في طلب
الحديث، وهو شابٌ حتى يغلُوه على نفسِه، ويُجلِسُوه(٢) في بعضِ
الطريق، فيجتمعُ عليه ألوف أكثرهُم ممن يكتب عنه. قالا : وكان أبو عبد الله
عند ذلك شاباً، لم يخرج وجهُهُ(٣) .
= وهو كما قالا. وعن رافع بن خديج عند النسائي في ((عمل اليوم والليلة))، والحاكم
١ / ٥٣٧، وحسنه العراقي، وقال: الهيثمي في ((المجمع)) ١٠ / ١٤١ بعد أن نسبه
للطبراني في ((معاجمه)) الثلاث: ورجاله ثقات. وعن ابن مسعود عند الطبراني في « الكبير))
و((الأوسط)) كما في ((المجمع)) ١٠ / ١٤١.
(١) أورد القصة الحافظ في ((المقدمة)) عن البيهقي في ((المدخل )) عن شيخه الحاكم
أبي عبد الله ، عن أبي نصر أحمد بن محمد الوراق ، سمعت أحمد بن حمدون القصار ..
(٢) في الأصل : ويجلسونه .
(٣) تقدم الخبر في الصفحة : ٤٠٨ .
٤٣٧

أخبرني الحسنُ بن علي، أخبرنا عبدُ الله بن عُمر، أخبرنا عبدُ الأوّل
ابن عيسى، أخبرنا عبدُ الله بن محمد الأنصاري، أخبرنا أحمدُ بن محمد بن
إسماعيل المهدوي ، سمعتُ خالد بن عبد الله المَرْوزِيَّ ، سمعتُ أبا سهلٍ
محمد بن أحمد المروزي، سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقولُ: كنتُ
نائماً بين الرُّكْن والمقام، فرأيتُ النبيَّ وَّةُ ، فقال لي: يا أبا زيد، إلى متى
تدرسُ كتابَ الشافعيِّ، ولا تدرُسُ كتابي ؟ فقلتُ: يا رسول الله، وما
كتابكُ؟ قال: ((جامع)) محمد بن إسماعيل (١) .
وجدت فائدةً منقولةً عن أبي الخطّاب بن دِحْيَة(٢)، أنَّ الرمليَّ الكذَّابةَ
قال: البخاريُّ مجهولٌ، لم يروِ عنه سوى الفِرَبْرِيّ . قال أبو الخطاب:
واللهِ كذبَ في هذا وفَجَر، والتقم الحَجَرِ، بل البخاريُّ مشهورٌ بالعلم
وحَمْلِه؛ مجمعٌ على حفظِهِ ونُبلِه، جاب البلادَ، وطلب الروايةَ والإِسناد .
روى عنه جماعةٌ من العلماء إلى أن قال: وأما كتابُه فقد عرضَه على حافظٍ
زمانهِ أبي زرعة، فقال: كتابُك كُلُّه صحيحٌ إلا ثلاثة أحاديث(٣).
ذِكْرُ عِبادَتِهِ وفَضْلِه ووَرَعِه وصَلاحِه
قال الحاكم: حدثنا محمدُ بن خالد المُطَوِّعي، حدثنا مُسبِّح بنُ سعيد
(١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١ / ١/٧٥، و((مقدمة الفتح)): ٢٩٠.
(٢) هو عمر بن الحسن بن علي الكلبي الأندلسي المتوفى سنة ٦٣٣ هـ ، وسترد ترجمته
عند المؤلف في الجزء الثاني والعشرين .
(٣) جاء في الأصل حاشية بخط مغاير ما نصُّه : هذه من غلطات ابن دحية ووهْمِه ، فإن
الذي عرض كتابه على أبي زرعة مسلم لا البخاري، ثم إن البخاري أحفظ من أبي زرعة بكثير
وأعلم ، فهو أولى منه بأن يكون حافظ زمانه . قلت : وما في هذه الحاشية هو الصواب كما
سيذكره المؤلف في ترجمة مسلم في الصفحة ٤٢٣ ، وعجب من المصنف رحمه الله كيف فاته
التنبيه هنا على هذا الوهم .
٤٣٨

قال: كان محمدُ بن إسماعيل يختمُ في رمضان في النهار كُلَّ يومٍ خَتْمة ،
ويقومُ بعد التروايح كل ثلاث ليالٍ بِخَتْمَةٍ (١).
وقال بَكر بن منير: سمعتُ أبا عبد الله البخاري يقولُ: أرجو أن ألقى
الله ولا يحاسبني أنِّي اغتبتُ أحداً (٢).
قلت: صَدَق رحمه الله، ومن نظر في كلامِهِ في الجرحِ والتعديل
علم وَرَعه في الكلامِ في الناس، وإنصافَه فيمن يُضَعِّفُهِ، فإنه أكثر ما يقولُ:
منكر الحديث، سكتُوا عنه، فيه نظر(٣)، ونحوهذا. وقلَّ أن يقول: فلانٌ
(١) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ١٢، و((تهذيب الكمال)) ١١٧٠، و((طبقات السبكي))
٢ /٢٢٣، ٢٢٤، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٢ .
(٢) ((طبقات الحنابلة)) ١ / ٢٧٦، و((تاريخ بغداد)) ٢ / ١٣، و((تهذيب الأسماء
واللغات)) ١ / ١/٦٨، و((تهذيب الكمال)) لوحة ١١٧٠، و((طبقات السبكي))
٢ / ٢٢٣ و٢٢٤، و((مقدمة الفتح)) ٤٨١ .
(٣) قال العراقي في ((شرح الألفية)) ٢ / ١١: فلان فيه نظر، وفلان سكتوا عنه :
يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه. وقال الذهبي في مقدمة ((ميزان الاعتدال)) ١ / ٣، ٤ :
قوله : فيه نظر، وفي حديثه نظر ، لا يقوله البخاري إلا فيمن يتهمه غالباً . قال الشيخ المحدث
حبيب الرحمن الأعظمي تعليقاً على قول العراقي والذهبي : لا ينقضي عجبي حين أقرأ كلام
العراقي والذهبي هذا، ثم أرى أئمة هذا الشأن لا يعبأون بهذا ، فيوثقون من قال فيه
البخاري : فيه نظر ، أو يُدخلونه في الصحيح ، وإليك أمثلته :
١ - تمام بن نجيح ، قال فيه البخاري : فيه نظر . ووثّقه ابن معين . وقال البزار في
موضع : هو صالح الحديث . وروى له البخاري نفسه أثراً موقوفاً معلقاً في رفع عمر بن عبد
العزيز يديه حين يركع - أعني فلم يتركه البخاري نفسه - ولم يتركه أبو داود ولا الترمذي .
٢ - راشد بن داود الصنعاني، قال فيه البخاري: فيه نظر. لكن وثقه إمام هذا الشأن
يحيى بن معين وقال : ليس به بأس ثقة . وقال دحيم : هو ثقة عندي . وذكره ابن حبان في
((الثقات)). وروى له النسائي . وقال فيه الحافظ ابن حجر : صدوق له أوهام .
٣ - ثعلبة بن يزيد الحمّاني، قال فيه البخاري : في حديثه نظر، لا يُتابع في حديثه.
وقال النسائي : ثقة . وقال ابن عدي : لم أر له حديثاً منكراً في مقدار ما يرويه . وقال الحافظ
ابن حجر : صدوق شيعي .
٤ - جَعْدَة المخزومي : قال البخاري: لا أعرف له إلا هذا الحديث وفيه نظر . وروى له
٤٣٩

= الترمذي . وقال فيه الحافظ ابن حجر : مقبول. ومعلوم أن الحافظ ابن حجر يقول هذا فيمن
ليس له من الحديث إلا القليل ، ولم يثبت فيه ما يُترك به حديثُه .
٥ - جُميع بن عُمير التيمي ، قال البخاري: في أحاديثه نظر . وقال أبو حاتم : محله
الصدق صالح الحديث . وقال الساجي : صدوق . وقال العجلي : تابعي ثقة . وقال ابن
حجر: صدوق يخطىء ويتشيع. وروى له الأربعة. وحسِّن الترمذي حديثه في ((سننه)) في
مناقب أبي بكر الصديق في الباب الرابع .
٦ - حبيب بن سالم ، قال البخاري : فيه نظر . وقال ابن عدي : ليس في متون أحاديثه
حديث منكر ، بل قد اضطُرِبَ في أسانيد ما يُروى عنه . وقال الآجري عن أبي داود : ثقة . وذكره
ابن حبان في ((الثقات)) . وروى له مسلم والأربعة . وقال ابن حجر : لا بأس به .
٧ - حَرِيش بن خِرِّيت ، قال البخاري: فيه نظر. وقال أيضاً: أرجو. قال اليماني
المعلّمي في تعليقه عليه في ((التاريخ الكبير)): كأنه يريد: أرجو أنه لا بأس به . وفي ((تهذيب
التهذيب)): قال البخاري في ((تاريخه)): أرجو أن يكون صالحاً. وقال أبو حاتم : لا بأس
به .
٨ - سليمان بن داود الخولاني ، قال البخاري: فيه نظر . وقد أثنى عليه أبو زرعة ، وأبو
حاتم ، وعثمان بن سعيد ، وجماعة من الحفاظ . قال ابن حجر : لا ريب في أنه صدوق .
٩ - طالب بن حبيب المدني الأنصاري ، قال البخاري : فيه نظر . وروی له أبو داود ،
وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ووثّقه الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) ٥ / ١٠٦ .
١٠ - صعصعة بن ناجية ، قال البخاري : فيه نظر . وهو صحابي ذكره ابن حجر في
((تهذيب التهذيب))، و((الإصابة)).
١١ - عبد الرحمن بن سلمان الرَّعيني، قال البخاري: فيه نظر . وقد وثقه ابن يونس.
وقال أبو حاتم : ما رأيت من حديثه منكراً ، وهو صالح الحديث . وله عند مسلم في مَبيت ابن
عباس عند ميمونة. وقال النسائي: ليس به بأس، كما في ((تهذيب التهذيب)) ٦ / ١٨٨ .
وقال ابن حجر: لا بأس به. وأدخله البخاري في ((الضعفاء)). فقال أبو حاتم: يُحوّل من
هناك .
والصواب عندي : أن ما قاله العراقي ليس بمطرد ولا صحيح على إطلاقه ، بل كثيراً ما
يقوله البخاري ولا يوافقه عليه الجهابذة ، وكثيراً ما يقوله ويريد به إسناداً خاصاً كما قال في
((التاريخ الكبير)) ٣ / ١ / ١٨٣ في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد رائي الأذان :
فيه نظر، لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض. وكما في ترجمته في ((تهذيب التهذيب))
٦ / ١٠ . وكثيراً ما يقوله ولا يعني الراوي، بل حديث الراوي ، فعليك بالتثبت والتأني. انظر
((قواعد في علوم الحديث)) ص ٢٥٤ - ٢٥٧ .
٤٤٠