النص المفهرس

صفحات 81-100

أحمدَ قال: ما أحوجه إلى أن يُضْرَب، وشَتَمَه(١) .
قال حُسينٌ في القرآن : لفظي به مخلوقٌ، فبلغ قولُه أحمدَ فأنكره،
وقال: هذه بدعةً، فأوضح حسينُ المسألةَ، وقال: تلفّظك بالقرآن يعني:
غير الملفوظ . وقال في أحمدَ : أي شيءٍ نعملُ بهذا الصبيِّ ؟ إنْ قلنا :
مخلوق : قال : بِدْعةٌ ، وإن قلنا : غيرُ مخلوق . قال : بِدْعة . فغضبَ
لأحمدَ أصحابُه ، ونالُوا من حُسين(٢).
= والشكر لله، وهو غير الله، فكما يؤجر في الحمد والشكر والتهليل والتكبير ، فكذلك يؤجر في
التلاوة .
وهجرت الحنبلية أصحاب أحمد بن حنبل حسيناً الكرابيسي وبَدِّعوه ، وطعنوا عليه وعلى
كل من قال بقوله في ذلك .
وقال الإمام الذهبي رحمه الله في ((الميزان)) ٥٤٤/١ في ترجمة الكرابيسي : فإنْ عنى
بقوله: القرآن كلام الله غير مخلوق، ولفظي به مخلوق، التََّفَّظَ، فهذا جيد، فإنَّ أفعالنا
مخلوقة . وإنْ قصد الملفوظ بأنه مخلوق، فهذا الذي أنكره أحمد والسلف، وعدّوه تجهّماً .
كما وضح المسألة الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ٥١٠/١١ في ترجمة علي بن
حجر ، وبين مذهب الكرابيسي والبخاري. وفيه: وبالغ الإِمام في الحط عليهم، أي : على
القائلين : لفظنا بالقرآن مخلوق.
وقال عن البخاري : وأما البخاري فكان من كبار الأذكياء، فقال : ما قلتُ : ألفاظنا
بالقرآن مخلوقة ، وإنما حركاتهم وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ
المكتوب في المصاحف كلامُ الله غير مخلوق، وصنف في ذلك كتاب ((أفعال العباد)) مجلد،
فأنكر عليه طائفة، وما فهموا مرامه كالذهلي وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي بكر الأعين وغيرهم.
وجاء في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٩١/١١ عن فوران صاحب أحمد، قال: سألني الأثرم
وأبو عبد الله المعيطي أنْ أطلب من أبي عبد الله خلوةً ، فأسأله فيها عن أصحابنا الذين يفرقون
بين اللفظ والمحكي. فسألته، فقال: القرآن كيف تُصُرِّفَ في أقواله وأفعاله فغير مخلوق، فأما
أفعالنا فمخلوقة. قلت : فاللفظية تعدهم ، يا أبا عبد الله، في جملة الجهمية؟ فقال : لا،
الجهمية الذين قالوا القرآن المخلوق. وراجع ((طبقات الشافعية)) للسبكي ١٩٩/٢ وما بعدها،
و(( تاريخ بغداد)» ٦٥/٨ .
(١) ((تاريخ بغداد)) ٦٤/٨
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٦٥/٨
٨١

:
وقال أحمد: إنما بلاؤُهم من هذه الكتبِ التي وضعوها، وتركوا
الآثار(١) .
قال ابنُ عدِيٍّ : سمعتُ محمد بن عبد الله الصيرفيَّ الشافعيَّ،
يقولُ لتلامذتِّهِ: اعتبروا بالكْرَابِيسي، وبأبي ثور، فالحُسينُ فِي عِلْمِه وحفظِهِ
لا يَعْشِرُهُ (٢) أبو ثور، فتكَلَّم فيه أحمدُ بن حنبل في باب مسألة اللفظ،
فسقطَ، وأثنى على أبي ثور، فارتفعَ للزومه للسُّنَّة(٣).
مات الكَّرَابِيسي سنةَ ثمانٍ وأربعين ، وقيل : سنة خمس وأربعين
ومئتين .
ولا ريبَ أنَّ ما ابتدعه الكرابيسيُّ، وحرَّره في مسألة التَّلفّظ ، وأنه
مخلوقٌ هو حقٌّ، لكنْ أَبَاهُ الإِمامُ أحمدُ لئلا يُتَذَرَّعَ به إلى القولِ بخلقٍ
القرآن ، فسُدَّ الباب، لأنَّكَ لا تقدِرُ أن تفرزَ التلفُّظَ من الملفوظ الذي هو
كلامُ الله إلا في ذهْنِكَ .
٢٤ - الفَتحُ بنُ خاقَان *
الأميرُ الكبيرُ الوزيرُ الأكمل، أبو محمدٍ التركيُّ، شاعرٌ مترسِّلٌ بليغٌ
مُفَوَّهُ ذو سُؤْدُدٍ وجُودٍ ومحاسنَ على لَعبٍ فيه .
وكان المتوكلُ لا يكادُ يصبِرُ عنه، استوزره ، وفَوَّض إليه إمْرَةَ الشام،
(١) ((تاريخ بغداد)) ٦٦/٨
(٢) أي : لا يبلغ مِعْشاره .
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٦٧،٦٦/٨، و((طبقات الشافعية)) للسبكي ١٢٠/٢.
* تاريخ الطبري: الجزء التاسع ، الفهرست : ١٣٠، تاريخ بغداد ١٢ / ٣٨٩، معجم
الأدباء ١٦ / ١٧٤، ١٨٦، الكامل لابن الأثير ٧ / ٩٥، ١٠٠ و١٠٣، ١٠٥، الوافي
بالوفيات ٣ / ١٧٧، ١٧٩، النجوم الزاهرة ٢ / ٣١٣ و٣٢٤، ٣٢٥، شذرات الذهب
٢ / ٠١١٤
٨٢

فبعثَ إليها نُوَّاباً عنه . وله أخبارٌ في الكَرَم والظَّرْفِ والأدب. ولما قدم
المتوكلُ إلى دمشق، كان الفتحُ زَمِيلَهُ على جَمَّازةٍ(١).
حكى عنه: المبرِّد، وأحمدُ بن يزيد المؤدب .
وكان أحدَ الأذكياء، دخل المُعتصمُ على الأميرِ خاقان، فمازح ابنَه
هذا ، وهو صبيٍّ ، فقال: يا فتح، أيُّما أحسنُ داري أودارُكم ؟ فقال الفتح :
دارُنا إذا كنتَ فيها . فوهبه مئةَ ألفٍ(٢) .
وكان الفتحُ ذا باعٍ أطولَ في فنون الأدب .
قُتل مع المتوكل سنةً سبعٍ وأربعين(٣).
٢٥ - الفضلُ بنُ مروان *
الوزيرُ الكبير .
حدّث عن عليٍّ بن عاصم .
روى عنه: المُبرِّدُ، وسليمان بن وهب الكاتبُ، وغيرهما .
يُكْنَى أبا العباس أصلُه من البَرَدان، وتنقّلت به الأحوالُ إلى وزارةٍ
المعتصم، وكان من البلغاء. وكان المعتصمُ كثيرَ البذلِ ، فربما عطّل منه
(١) أي: على ناقة جَمَّازة، وهي السريعة. والجَمْز: نوع من العدو سريع، دون
الحضر وفوق العَنَق. ويقال للبعير الذي يسرع: جَمَّاز. والخبر في ((معجم الأدباء))
١٦/ ١٧٥ .
(٢) ((معجم الأدباء)) ١٦/ ١٧٥.
(٣) راجع مقتل المتوكل والفتح في الصفحة : ٢٤ من هذا الجزء.
* تاريخ الطبري : الجزء التاسع ، الكامل لابن الأثير : الجزء السابع ، وفيات الأعيان
٤ / ٤٥، ٤٧، النجوم الزاهرة ٢ / ٣٣٢، شذرات الذهب ٢ / ١٢٢.
٨٣

الفضل، فنفاه إلى السِّنَّ، واستوزر ابنَ الزيّات، ثم إنه سكن بعدُ سامَرّاء.
وعنه قال: أنعمتُ النظر في عِلْمَيْن، فلم أرهما يَصِحَّان: السِّحْر
والنحو(١) .
وكان الفضلُ فيه مع جَوْرِهِ تِيْهٌ وَبَأْوٌ .
توفي خاملاً سنةً خمسين ومئتين ، وأصلُه نصراني، لعلّه بلغ
التسعين . وقد خدم المأمون .
قال ابنُ النَّجَّار(٢): هو الفضلُ بن مروان بن ماسَرْجِس(٣). كان
بديعَ الخَط ، مُنْشِئاً، لم يزل في ارتقاءٍ، والناسُ يحسدُونه حتى نُكِبَ، وأدَّى
أربعين ألف ألف درهم. فكان المُعتصم يقولُ: عصى الله، وأطاعني ،
فسلَّطني اللَّهُ عليه(٤) .
قلت: ثم أطلقه ، وألزمه بيته، واستوزر أحمدَ بن عمار .
وقيل: أُلْقِيَتْ رُقعةٌ إليه فيها(٥):
تَفَرْعَنْتَ يا فَضْلُ بِنَ مَرْوانَ فَاعْتَبِرْ فَقَبْلَكَ كانَ الفَضْلُ والفَضْلُ والفَضْلُ
(١) صدق في الأولى ، وأخطأ في الثانية.
-
(٢) وهو الحافظ محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن المعروف بابن
النجار البغدادي، المتوفى سنة ٦٤٣هـ. وله ذيل على ((تاريخ بغداد)). انظر ترجمته في مقدمة
کتابه « ذیل تاریخ بغداد)».
(٣) في ((وفيات الأعيان)) ٤٥/٤، و((شذرات الذهب) ٢ /١٢٢: ماسرخس ، بالخاء
المعجمة من فوق.
(٤) ((وفيات الأعيان)) ٤٦/٤.
(٥) في ((وفيات الأعيان)) و ((شذرات الذهب)): كان قد جلس يوماً لقضاء أشغال
الناس ، ورفعت إليه قصص العامة ، فرأى في جملتها ورقة مكتوباً فيها : ... الأبيات
٨٤

ثلاثةُ أمْلاكٍ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ أبادَتْهُمُ الأَقْيَادُ والذُّلُّ (١) والقَتْلُ (٢)
عَنَى الفضلَ بن يحيى البَرمكي (٣)، والفضل بن الربيع الحاجب(٤)،
والفضلَ بن سهل(٥) .
٢٦ - أَحْمَدُ بنُ أبي الحَوارِيِّ * ( د، ق)
واسمُ أبيه عبدُ الله بن مَيْمون الإِمامُ الحافظُ القدوةُ، شيخُ أهلِ
الشام، أبو الحسن(٦)، الثعلبيُّ الغَطَّفانيُّ الدمشقي الزاهد، أحدُ الأعلام،
أصلُه من الكوفة .
وقد قال: سألني أحمدُ بن حنبل: متى مولِدُكَ ؟ قلتُ: في سنة أربعٍ.
(١) في ((وفيات الأعيان))، و((شذرات الذهب)): والحَبْسُ.
(٢) البيتان في ((وفيات الأعيان)) ٤٥/٤، و((شذرات الذهب)) ١٢٢/٢. وجاء بعدهما:
ستودي كما أودى الثلاثة من قبلُ
وإنّك قد أصبحتَ في الناس ظالماً
كما جاء فيهما: وذكر المرزباني والزمخشري في ((ربيع الأبرار)) أن هذه الأبيات للهيثم
ابن فراس السامي .
(٣) هو أبو العباس الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي، تقدمت ترجمته في
الجزء التاسع ترجمة رقم (٢٩) .
(٤) هو أبو العباس الفضل بن الربيع بن يونس بن محمد، تقدمت ترجمته في الجزء
العاشر، ترجمة رقم (٨).
(٥) هو أبو العباس الفضل بن سهل السرخسي ، تقدمت ترجمته في الجزء العاشر ترجمة
رقم (٢) .
* الجرح والتعديل ٢ / ٤٧، طبقات الصوفية: ٩٨، ١٠٢، حلية الأولياء
٥/١٠، ٣٣، الرسالة القشيرية: ٢١، طبقات الحنابلة ١ / ٧٨، صفوة الصفوة
٤ / ١٢، تهذيب الكمال: ٢٨، ٢٩، تذهيب التهذيب ١ / ١٦ / ١، دول الإسلام
١ / ١١٥، العبر ١ / ٤٤٦، مرآة الجنان ٢ / ١٥٣، تاريخ ابن كثير ١٠ /٣٤٢، طبقات
الأولياء : ٣١، ٣٦، تهذيب التهذيب ١ / ٤٩، خلاصة تذهيب الكمال: ٨، طبقات
الشعراني ١ / ٩٦، شذرات الذهب ٢ / ١١٠.
(٦) جاء في ((تهذيب التهذيب)) ٤٩/١: كناه ابن حبان في ((الثقات)) أبا العباس.
٨٥

وستين ومئة . قال: هي مولدي(١) .
قلتُ: عُني بهذا الشأن أتمَّ عناية .
وسمع من: سُفيان بن عُيَيْنَةَ، وعبدِ الله بن إدريس، وأبي معاوية،
والوليد بن مسلم، وعبد الله بن وهب، وأبي الحسن الكِسائيِّ، ووكيعٍ،
وحفصٍ بن غياث، وشُعيبٍ بن حرب، وطبقتِهم . ودخل دمشقَ ، فصحب
الشيخَ أبا سليمان الدَّارانيَّ مُدَّةً، وأخذَ عن مروان بن محمد، وأبي مُسْهِر
الغَسَّاني وطائفةٍ ، ثم أقبل على العِبادة والتَّالُّهِ.
حدث عنه: سَلَمَةُ بنُ شَبِيب ، وأبو زرعة الدمشقيُّ(٢)، وأبو زُرعة
الرازيُّ(٣) ، وأبو داود، وابنُ ماجه في سُنَنهما ، وأبو حاتم ، وسعيدُ بن عبد
العزيز الحلبي، ومحمدُ بن المُعافى الصَّيْداويُّ، وأبو الجهم بنُ طَلَّب،
ومحمدُ بن محمد الباغَنديُّ، وابنُه عبدُ الله بن أحمد، وعمرُ بن بحر
الأسدي، ومحمدُ بن خُرَيم، ويوسفُ بن الحسين الرازيُّ، وابراهيم بن
نائلَة الأصبهانيُّ، ومحمدُ بن علي بن خلف، وأبو بكرُ بن أبي داود، وخلقٌ
كثير آخرهم أحمدُ بن سليمان بن زَبَّان الكِنْدِيُّ، أَحَدُ الضعفاءِ (٤).
قال هارونُ بن سعيد الأَيْلِيُّ، عن يحيى بن مَعين، وذكر أحمدَ بن
(١) ((تاريخ دمشق)) لأبي زرعة ٣٠٥/١.
(٢) هو الحافظ عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري الدمشقي المتوفى
سنة ٢٨١ هـ. وهو صاحب ((تاريخ دمشق)) الذي طبعه المجمع العلمي العربي بدمشق، بتحقيق
شكر الله بن نعمة الله القوجاني، وسترد ترجمته في الجزء الثالث عشر برقم (١٤٦).
(٣) هو العالم الجهبذ الناقد عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد، أبو زرعة، سترد ترجمته
في الجزء الثالث عشر ترجمة رقم (٤٨).
(٤) ترجمة المؤلف في ((ميزانه)) ١٠٢/١ فقال : كندي دمشقي، يروي عن هشام بن
عمار، اتّهم في اللقاء، وبقي إلى سنة ٣٣٨ هـ. وهّاه الكتاني. وقال عبد الغني المصري : ليس
بثقة .
٨٦

أبي الحَوَاري، فقال: أهلُ الشام به يُمطَّرون(١).
وقال ابنُ أبي حاتم: سمعتُ أبي يُحْسِنُ الثناءَ عليه، ويُطْنِبُ فيه(٢) .
وقال فيّاض بن زُهير: سمعتُ يحيى بنَ مَعين، وذكر أحمدَ بن أبي
الحواري، فقال: أظنُّ أهلَ الشام يَسْقِيهم اللهُ به الغيثَ .
قال محمودُ بن خالد، وذكر أحمدَ بن أبي الحَوَاري ، فقال: ما أظنُّ
بقي على وجهِ الأرض مثلُه .
ورُوِي عن الجُنَيد قال: أحمدُ بن أبي الحَوَارِي رَيْحانُ الشام .
قال أبو زرعة الدمشقي : حدثني أحمدُ بن أبي الحَوَاري قال: قلتُ
الشيخٍ دخل مسجد النبيِّ وَّ: دُلَّني على مجلسِ إبراهيمَ بنِ أبي يحيى،
فما كلَّمني، فإذا هو عبدُ العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيُّ .
قال أحمدُ بن عطاء: سمعتُ عبدَ الله بن أحمد بن أبي الحَوَاري،
يقول: كنّا نسمعُ بكاءَ أبي بالليل حتى نقول : قد مات . ثم نسمع ضَحِكَة
حتى نقول: قد جُنَّ .
قال محمدُ بن عوف الحِمْصِيُّ : رأيتُ أحمدَ بن أبي الحواري عندنا
بأَنْطَرسُوس (٣) ، فلما صلّى العتمة (٤) قام يُصَلِّي، فاستفتح بـ ( الحمدُ
لِلَّهِ ) إلى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فَطُفْت الحائط كلَّه، ثم رجَعتُ،
(١) ((الجرح والتعديل)) ٤٧/٢، و((حلية الأولياء)) ٢٢/١٠. وبه يمطرون، أي :
بدعائه، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استسقى بالعباس، انظر (( صحيح
البخاري)) ٤١٣/٢ في الاستسقاء: باب سؤال الناس الإِمام الاستسقاء إذا قحطوا.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٤٧/٢.
(٣) في ((معجم البلدان)) : انطرطوس : بلد من سواحل بحر الشام.
(٤) أي : صلاة العشاء، لأنها تُصَلَّى في العَتَمة ، أي : الظلمة .
٨٧

فإذا هو لا يُجاوِزُها ثم نمتُ، ومررتُ في السُّحَرِ، وهو يقرأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
فلم يزل يُرَدِّدُها إلى الصبح .
قال سعيدُ بن عبد العزيز: سمعتُ أحمد بن أبي الحَواري يقولُ: مَن
عمِل بلا اتَّبَاعٍ سُنَّةٍ فعمَلُهُ باطِلٌ .
وقال: من نظر إلى الدُّنيا نَظَرَ إِرادَةٍ وحبٍّ ، أخرج اللهُ نورَ اليقينَ
والزهدِ من قلبه(١) .
قال أبو عبد الرحمن السُّلَمي في ((تاريخ الصوفية))(٢): سمعتُ
محمد بن جعفر بن مطر، سمعتُ إبراهيمَ بن يوسف الهِسِنْجاني يقولُ
رَمَى أحمدُ بنُ أبي الحَوَاري بكتبه في البحر، وقال: نِعْمَ الدليلُ كنتٍ
والاشتغالُ بالدليل بعد الوصولُ محالٌ (٣).
السُّلَميُّ: سمعتُ محمد بن عبد الله الطَّرِيُّ يقول: سمعتُ يوسفَ
ابن الحُسين يقول: طلبَ أحمدُ بن أبي الحواري العلم ثلاثين سنة ، ثم
حمل كُبُه كلَّها إلى البحر، فغرَّقها، وقال: يا علمُ، لم أَفْعَلْ بك هذا
استخفافاً ، ولكنْ لمَّا اهتديتُ بك استغنيت عنكَ(٤) .
أخبرنا أحمدُ بن سَلَامة في كتابه، عن عبد الرحيم بن محمد
الكاغدِي ، وأخبرنا إسحاقُ بن خليل، أخبرنا الكاغَديُّ، أخبرنا أبو علي
الحدّاد، أخبرنا أبو نُعَيم ، حدثنا إسحاقُ بن أحمد، حدثنا إبراهيمُ بن
يوسف ، حدثنا أحمدُ بن أبي الحَوَاري قال: قلتُ لراهبٍ فِي دَير حَرْمَلة،
(١) ((حلية الأولياء) ٦/١٠، و((طبقات الأولياء)): ٣٢.
(٢) هو غير كتابه ((طبقات الصوفية)) الذي لم يرد فيه هذا الخبر.
(٣) ((حلية الأولياء)) ٦/١٠
(٤) ((حلية الأولياء)) ٦/١٠، و((طبقات الأولياء)): ٣٢.
٨٨

وأشرفَ من صومعته: ما اسْمُكَ؟ قال: جُرَيْجٌ . قلتُ: ما يحبِسُكَ ؟ قال:
حَبَسْتُ نفسي عن الشهوات . قلتُ: أما كان يستقيمُ لك أن تذهبَ معنا ها
هنا ، وتَجيءَ وتمنعَها الشهواتِ ؟ قال: هيهات !! هذا الذي تصِفُه قوةٌ،
وأنا في ضعف، قلتُ: ولم تفعلُ هذا؟ قال: نجدُ في كتبنا أنَّ بَدَنَ بنِ آدم
خُلِقَ من الأرض ، وروحهُ خُلِقَ من ملكوتِ السماء، فإذا أجاع بدنَه وأعراه
وأسهره وأقْمَأَه نازع الرُّوحَ إلى الموضعِ الذي خَرج منه، وإذا أطعَمه وأراحه
أخلد البدنُ إلى المواضعِ الذي منه خُلِقَ ، فَأَحَبَّ الدنيا. قلتُ: فإذا فعل
هذا يُعَجَّل له في الدنيا الثواب؟ قال: نعم، نُورٌ يُوازيه(١) . قال: فحدثتُ
بهذا أبا سليمان الدَّاراني، فقال: قاتَلَهُ الله، إنهم يَصِفُون (٢).
قلتُ: الطريقةُ المُثلى هي المحمِّديَّة ، وهو الأخْذُ من الطيبات،
وتَنَاوُلُ الشهواتِ المباحةِ من غير إسراف، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ،
كُلُوا مِنَ الطَّاتِ، واعْمَلوا صالِحاً﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقد قال النبيُّ
﴿: ((لكِنِّي أَصُومُ وأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وأنامُ، وَآتِي النِّساءَ، وآكُلُ اللَّحْمَ.
فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنِّي فَلَيْسَ مِنِّي(٣)))، فلم يَشْرَْعْ لنا الرَّهْبَانِيَّةِ(٤)، ولا
(٢) ((حلية الأولياء)) ٥/١٠
(١) في ((حلية الأولياء)) ٥/١٠: نعم نوراً يواريه.
(٣) قطعة من حديث أخرجه البخاري ٩٠،٨٩/٩، ومسلم (١٤٠١)، والنسائي ٦٠/٦
من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(٤) بل هي من ابتداع من كان قبلنا ، ألزموا أنفسهم بها، ومع ذلك فما رعوها حق
رعايتها، كما قال سبحانه: ﴿وَرَهْبَائِيّةً ابتدَعُوها ما كتبناها عَلَيْهِمْ إِلَّ ابْتِغَاءِ رِضْوانِ اللَّهِ فما
رَعَوْها حَقّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الذِينَ آمنوا مِنْهُم أَجْرَهُم وَكَثِيرٌ منهم فَاسِقون ﴾ [الحديد: ٢٧ ]. قال
البغوي في قوله تعالى: ( وَرَهْبانِيَّةً): وليس هذا بعطف على ما قبله ﴿ .... وَجَعَلْنا في قُلوبٍ
الَّذِينِ اتَّبَعوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةٌ وَرَهْبَانِيَّةً ... ﴾، وانتصابه بفعل مضمر ، كأنه قال : وابتدعوا رهبانية ،
أي : جاؤوا بها من قِبَلِ أنفسهم. وقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إلّ ابْتِغَاءَ رِضْوانِ الله ﴾:
فيه قولان : أحدهما أنهم قصدوا بذلك رضوان الله ، قاله سعيد بن جبير وقتادة. والآخر : ما
كتبنا عليهم ذلك ، إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.
٨٩

التَّمِزُّقَ ولا الوصالَ بل ولا صومَ الدهرِ، ودينُ الإِسلام يُسْرُ وحَنيفيَّةٌ سَمْحَة ،
فَلْيأكُلِ المسلمُ من الطَّيِّبِ إذا أمكنه، كما قال تعالى، ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ
سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] وقد كان النساءُ أحبَّ شيءٍ إلى نبيّنا وَّةِ(١)،
وكذلك اللحمُ والحلواء والعسلُ والشرابُ الحلو البارد والمِسْكُ ، وهو
أفضل الخلق وأحبُّهم إلى اللهِ تعالى. ثم العابدُ العَرِيُّ من العلم، متی زهد
وتبتَّل وجاعَ ، وخلا بنفسه، وتركَ اللحمَ والثمار، واقتصر على الدُّقَّة
والكِسْرة، صَفَت حواسُّه ولطُفَت، ولازمته خَطَرَاتُ النَّفْسِ ، وسمع
خطاباً يتولَّدُ من الجوعِ والسهرِ، لا وجودَ لذلك الخطابِ - والله - في
الخارج ، ووَلَج الشيطانُ في باطنه وخرَج، فيعتقِدُ أنه قد وصلَ، وخُوطب
وارتقى، فيتمكَّن منه الشيطانُ، ويُوسوسُ له، فينظُرُ الى المؤمنين بعين
الازدراء، ويتذكَّرُ ذنوبَهم، وينظُرُ إلى نفسه بعين الكمال، وربَّما آلَ به الأمرُ
إلى أن يعتقد أنَّه وَلِيٍّ ، صاحبُ كراماتٍ وَتَمَكّنٍ ، وربَّما حصلَ له شَكٌّ ،
وتزلزلَ إيمانُه. فالخَلوةُ والجوعُ أبوجادِ التَّرُهُبِ ، وليس ذلك من شريعتنا
في شيءٍ . بَلَى، السلوكُ، الكامل هو الورعُ في القُوتِ ، والورعُ في
المنطق ، وحفظُ اللسان، وملازمةُ الذكر، وتَرْكُ مخالطةِ العامَّةِ، والبكاءُ
على الخطيئة ، والتلاوةُ بالترتيلِ والتدبُّر، ومَقْتُ النفسِ وذمُّها في ذاتٍ
الله، والإكثارُ من الصومِ المشروع، ودواُ التهجّد، والتواضعُ للمسلمين،
وصلةُ الرحم، والسماحةُ وكَثْرةُ البِشْرِ، والإِنفاقُ مع الخَصاصَةِ ، وقول الحقِّ
المُرِّ بِرِفْق وَتُؤَدَةٍ ، والأمرُ بالعُرف، والأخذُ بالعفو، والإِعراضُ عن
الجاهلين، والرباطُ بالثَّغْرِ ، وجهادُ العدو، وحجُّ البيتِ، وتناول الطيباتِ
(١) أخرج أحمد ١٢٨/٢ و١٩٩ و٢٨٥، والنسائي ٦١/٧ من حديث أنس بن مالك
قال: قال رسول الله وَهه: (( حُبِّبَ إليَّ من الدنيا النِّسَاءُ والطَّيبُ، وجُعِلَتُ قُرَّةُ عيني في
الصَّلاة)). وسنده حسن، وصححه الحاكم ١٦٠/٢، ووافقه الذهبي.
٩٠

في الأحايين ، وكثرةُ الاستغفار في السَّحَرِ . فهذه شمائلُ الأولياء، وصفاتُ
المحمديين . أماتَنا الله على محبَّتِهم .
وبالإِسنادِ إلی أبي نُعیم : حدثنا أبو أحمد الحافظ، حدثنا سعيد بن
عبد العزيز ، سمعتُ أحمدَ بن أبي الحَوَاري، يقولُ: مَن نظر إلى الدنيا نَظَر
إرادةٍ وحُبّ أخْرَجَ اللهُ نورَ اليقين والزهدِ من قلبه(١). ثم روى أبو نُعيم،
عن السلمي الحكايتين في تغريق كتبٍ أحمدَ في البحر(٢).
وبه: حدثنا عبدُ الله بن محمد إملاءً، حدثنا عمر بن بحر، سمعتُ
أحمدَ بن أبي الحواري يقول: بينا أنا في قُبَّةٍ بالمقابر بلا بابٍ إلا كساءً
أسبلتُه، فإذا أنا بامرأةٍ تدقُّ على الحائط فقلتُ : من هذا؟ قالت: ضالةٌ،
فِذُلَّني على الطريق. فقلتُ: رحمكِ الله، أيَّ الطريق تسلُكين(٣)، فَبَكَتْ ،
ثم قالت: على طريقِ النجاة، يا أحمدُ . قلتُ: هيهات ! إنَّ بيننا وبينها
عقاباً ، وتلكَ العقابُ لا تُقطَعُ إلا بالسَّيرِ الحثيثِ، وتصحيحِ المُعاملة،
وحذفِ العلائق الشاغلة . فبكت، ثم قالت: سبحانَ من أمسكَ عليكَ
جوارِحَكَ، فلم تَتَقَطَّع، وفؤادَك فلم يَتَصَدَّع. ثم خَرَّتْ مَغْشِيًّا عليها.
فقلتُ لبعضِ النساء: أيُّ شيءٍ حالُها؟ فقُمن، ففَتُشْنَها، فإذا وَصِيَّتُها في
جَبْيِها : كَفِّنوني في أثوابي هذه . فإن كان لي عند الله خيرٌ فهو أسعد لي،
وإن كان غير ذلك فُبُعداً لنفسي، قلتُ: ما هي ؟ فحرَّكوها ، فإذا هي مَيتَةٌ .
فقلتُ: لمن هذه الجارية ؟ قالوا: جاريةٌ قرشيةٌ مصابة ، وكان قرينُها يمنعها
من الطعام ، وكانت تشكو إلينا وجعاً بِجَوْفِها ، فكنا نَصِفُها للأطباء، فتقول:
(١) سبق الخبر في الصفحة : ٨٨ .
(٢) (( حلية الأولياء)) ٦/١٠
(٣) في ((حلية الأولياء)) ١١/١٠: تسألين
٩١

خَلُوا بيني وبين الطبيب الراهب، تعني: أحمد بن أبي الحواري، أشكو اليه
بعضَ ما أجِدُ من بلائي، لعلَّه أن يكون عندَه شفائي(١).
وبه : حدثنا سليمانُ الطَّبَراني، حدثنا أبو زُرْعَةَ، حدثنا أحمدُ بن أبي
الحَوَاري قال: كنتُ أسمعُ وكيعاً يبتدِىءُ قبل أن يُحدِّث، فيقول: ما هنالك
إلا عَفُوُهُ، ولا نعيش إلا في سِتْرِهِ، ولو كُشِفُ الغطاء لكشف عن أمر
عظيم (٢) .
وبه: حدثنا أحمدُ بن إسحاق، حدثنا إبراهيمُ بن نائلة، حدثنا أحمدُ،
سمعتُ شُعيب بن حرب يقولُ لرجلٍ : إنْ دخلتَ القبر ومعكَ الإِسلامُ،
فَأَبْشِرْ .
وبه: حدثنا إسحاقُ بن أحمد، حدثنا إبراهيمُ بن يوسف، حدثنا ابنُ
أبي الحَوَاري، قلتُ لأبي بكر بنِ عيّاش: حَدِّثْنا. قال: دَعُونا من الحديث،
فقد كبِرنا ونسينا، جيئونا بذكرِ المَعَاد وبذكِر المقابر. لو أنّي أعرِفُ أهلَ
الحديث، لأتيتُهم إلى بيوتهم أحدِّثُهم .
وبه قال أبو نعيم : أسند أحمدُ بن أبي الحَوَاري عن المشاهيرِ
والأعلام ما لا يُعَدُّ كثرةٌ .
أبو الدحداح الدمشقي: حدثنا الحسينُ بن حامد أنَّ كتاب المأمون
وَرَّدَ على إسحاق بنِ يحيى بن معاذ أميرٍ دمشق: أنْ أحضرِ المُحدِّثين
بدمشق، فامتحِنهُم. قال: فأحْضَرَ هشام بنَ عمّار، وسليمانَ بن عبد
(١) ((حلية الأولياء)) ١١/١٠
(٢) ((حلية الأولياء)) ١٢/١٠. وجاء في ((تهذيب التهذيب)) ٤٩/١: قال أبو داود:
ما رأيت أحداً أعلمَ بأخبارِ النُّسّاكِ منه. وقال مسلمةُ بن قاسم الأندلسي: شاميّ ثقة .
٩٢

الرحمن ، وابنَ ذَكْوان، وابن أبي الحَوَاري ، فامتحنهم امتحاناً ليس
بالشديد، فأجابوا خلا أحمد بن أبي الحَوَارِي ، فجعل يَرْفُق به ، ويقول:
أليس السماواتُ مخلوقةً ؟ أليس الأرضُ مخلوقةٌ، وأحمدُ يأبى أن يُطيعة،
فسجنه في دار الحِجارة ، ثم أجاب بعدُ، فأطلقه .
قال أحمدُ السُّلَمي في ((محن الصوفية )»: أحمدُ بن أبي الحواري
شهِد عليه قومٌ أَنَّه يُفَضِّلُ الأولياء على الأنبياء وبَذَلُوا الخُطُوط عليه، فهرب
من دمشق إلى مكّةَ، وجاور حتى كَتب إليه السلطان، يسألهُ أن يرجع،
فرجع .
قلت: إِنْ صحَّتِ الحكايةُ فهذا من كذِبهم على أحمد، هو كان أعلم
باللهِ من أن يقولَ ذلك .
ونقل السُّلَمي حكايةً منكرة، عن محمدٍ بن عبد الله، ونقلها ابنُ
باكويه، عن أبي بكر الغازي، سمعا أبا بكرِ الشَّبّاك ، سمعتُ يوسف بن
الحسين يقولُ: كان بين أبي سليمان الداراني وأحمدَ بن أبي الحواري عقدٌ
لا يُخالِفُه في أمر، فجاءه يوماً وهو يتكلّمُ في مجلسه، فقال أحمدُ: إِنَّ التَّنور
قد سُجِر، فما تأمر؟ فلم يُجِبْه، فأعاد مرتين أو ثلاثاً، فقال: اذهب فاقعُد
فیه - كأنَّه ضاق به - وتغافلَ أبو سُليمان ساعة ثم ذكر، فقال: اطلبوا احمد
فإنَّه في التّنُور، لأنه على عقدٍ أن لا يُخالِفَني، فنظروا فإذا هو في التَّنور لم
يحترقْ منه شعرة(١) .
(١) وهذا من الخطأ الذي لا ينبغي الأخذ به ، ولا التعويل عليه، لأنه لا يجوز في دين
الإسلام أن يعقد الإنسان بينه وبين آخر عقداً يلتزم فيه عدم المخالفة بصورة دائمة، لأن ذاك
الإنسان الذي عاهده على عدم المخالفة ليس بمعصوم، فقد يأمره بما لا يجوز. وفي قول رسول
الله : ((إنما الطاعة في المعروف)) أبلغ رد على هذا. والخبر في ((طبقات الأولياء)): ٣٣،
و((تاريخ ابن كثير)) ٣٤٨/١٠ .
٩٣

توفي أحمد سنة ست وأربعين ومثتين .
أنبأنا أحمدُ بنُ سلامة، عن عبد الرحيم بن محمد الکاغَدي، أخبرنا
الحسنُ بن أحمد، أخبرنا أبو نُعیم الحافظ، حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا
إبراهيمُ بن يوسف، حدثنا أحمدُ بن أبي الحَواري، حدثنا أبو معاوية، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن غاصم بن عُمَرَ، قال: قال عُمر
رضي الله عنه: مَنْ يَحْرِصْ على الإِمَارَةِ لم يَعْدِلْ فيها (١).
تُوفي مع ابن أبي الحَواري أحمدُ بن إبراهيم الدَّوْرَقِيُّ ، وأبو عُمرُ
الدُّوريُّ المقرِىءُ، ومحمدُ بن سليمان لُوَين، والمُسَيِّبُ بن واضح،
ومحمدُ بن مُصَفَّى، والحُسين بن الحسن المَرْوزيُّ، وحامد بن يحيى
البلخيُّ، رحمهم الله .
٢٧ _ مُحمّد بن مُصَفَّى * (د، س ، ق)
ابنِ بُهلول، الحافظُ الإِمام ، عالمُ أهلِ حِمْصَ ، أبو عبد الله
القرشيُّ الحِمْصِيُّ ، العبدُ الصالح .
حدث عن : سُفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ ، وَقِيَّةِ بنِ الوليد ، ومحمدٍ بن حرب ،
والوليدِ بن مسلم ، وابنٍ أبي فُدَيْك ، ومحمدٍ بنِ حِمْيَر ، وطبقتِهم .
حدث عنه : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، والحسنُ بن أحمد
(١) هو في ((حلية الأولياء) ٢٥/١٠، وفيه ((من حرص ... ))
* التاريخ الكبير ١ / ٢٤٦، التاريخ الصغير ٢ / ٣٨٥، الجرح والتعديل ٨ / ١٠٤،
طبقات الحنابلة ١ / ٣٢٥، الأنساب، ورقة: ١٧٦ / آ، اللباب ١ / ٣٨٩، تهذيب
الكمال: ١٢٧٢، ميزان الاعتدال ٤ / ٤٣، العبر ١ / ٤٤٧، الوافي بالوفيات ٥ / ٣٣،
البداية والنهاية ١٠ / ٣٤٧، العقد الثمين ٢ / ٣٥٦، تهذيب التهذيب ٩ / ٤٦٠، ٤٦١،
خلاصة تذهيب الكمال : ٣٥٩ .
٩٤

ابنِ فِيل ، وسعيدُ بن عبد العزيز الحلبي ، وعَبْدانُ الأهوازي ، ومحمدُ بن
يوسف الهَرَوِيُّ، ومحمدُ بن تمام البَهْرانيُّ ، وأبو بكر بنُ أبي داود ، وعبدُ
الغافر بن سَلَامة ، وبَقِيُّ بن مخلد ، وخلقٌ كثير .
قال أبو حاتم : صدوق(١) .
وقال محمدُ بن ◌ُعُبيد الكَلَاعي : عادلْتُه(٢) إلى مكةَ سنة ستُّ وأربعين
ومثتين ، فاعتَلَّ(٣) بالجُحفَة، ومات بمكةَ بمنى. وكان دخل مكةَ وهو لِمَا
به ، فدخلَ عليه أصحابُ الحديث وهو في النزع، فقرأوا عليه، فما
عَقَّلَ .
قال محمدُ بن عوفٍ الطائي: رأيتُ محمدَ بن مُصَفَّى في النوم ،
فقلتُ : يا أبا عبد الله ، أليسَ قد مُتَّ؟ إلى ما صِرتَ؟ قال : إلى خيرٍ ، ومع
ذلك فنحن نرى ربَّنا كلَّ يوم مرتين . فقلتُ: يا أبا عبد الله، صاحبُ سُنَّةٍ
في الدنيا ، وصاحبُ سنة في الآخرة ؟! فتبسَّم إليَّ.
قلت : قد روى ابنُ ماجة أيضاً، عن مرَّار بن حَمُّويه ، عنه .
وقال صالح جَزّرة : له مناكير، وأرجو أن يكون صادقاً(٤) .
قلت : مات في ذي الحجة سنة ست وأربعين ومثتين .
أخبرنا أحمدُ بن إسحاق ، أخبرنا أَكْمَلُ بن أبي الأزْهَر ، أخبرنا سعيدُ
ابن أحمد ، أخبرنا أبو نصر محمدُ بن محمد ، أخبرنا محمدُ بن عمر
(١) ((الجرح والتعديل)) ١٠٤/٨
-
(٢) أي: كنت له عَدِيلاً في المخمل.
(٣) في ((تهذيب التهذيب)): فَأَغْفَلَ، وهو تصحيف.
(٤) ((تهذيب التهذيب)) ٤٦١/٤. وفيه: ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان
يخطىء
٩٥

الوراق ، حدثنا عبدُ الله بن أبي داود ، حدثنا محمد بنُ مُصَفَّى ، حدثنا
محمدُ بن المُبارك ، حدثنا يحيى بنُ حمزة ، حدثني ثورُ بنُ یزید ، عن
حَبِيب بن عُبيد، عن عُتبة بن عبد قال : كنتُ جالساً ، فجاء أعرابيّ ،
فقال : يا رسول الله، أَسْمَعُكَ تذكُر في الجنَّةِ شجرةٌ لا أعلمُ شجرةٌ أكثرَ
شَوْكاً منها ، يعني: الطَّلْح، فقال: ((إنَّ الله يَجْعَلُ مَكانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْها
ثَمَرَةٌ مِثْلَ خُصْيَةِ الَّيْسِ المَلْبودِ، يعني الخَصِيِّ. فِيها سَبْعُونَ لَوْنا مِنَ
الطّعامِ، لا يُشْبِهُ لَونَ آخَرَ))(١) . حديث حسن غَرِيب .
٢٨ - العدنِيُّ * (م،ت، ق،س)
الإِمامُ المحدثُ الحافظُ شيخُ الحرم ، أبو عبد الله ، محمدُ بن يحيى
ابن أبي عُمر العَدَني .
حدث عن : فُضَيل بن عِيَاض ، وسُفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ ، وعبدِ العزيز بن
محمد ، ومُعتمِر بن سليمان ، وسعيد بن سالم، ووكيعِ بن الجراح ،
ومروانَ بن معاوية، وخلقٍ كثير. وصَنَّفَ ((المسنّد )).
(١) وأورده ابن كثير ٢٨٨/٤ من طريق أبي بكر بن أبي داود عن عبد الله، عن محمد بن
مصفى بهذا الإسناد، وقال الهيثمي في ((المجمع)» ٤١٤/١٠ بعد أن ذكره: رواه الطبراني ١٧ /١٣٠
ورجاله رجال الصحيح، وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ونسبه إلى ابن أبي داود في
(البعث)) والطبراني، وأبي نعيم في ((الحلية)) ١٠٣/٦، وابن مردويه، وقد تحرف فيه وفي
المجمع ((عتبة)) إلى عقبة. وعتبة بن عبد يكنى أبا الوليد كان اسمه عَتْلَة، فسماه النبي ◌َ﴾
(((عتبة)) وهو مترجم في ((أسد الغابة)) ٥٦٣/٣، والإصابة ٤٥٤/٢.
* التاريخ الكبير ١ / ٢٦٥، التاريخ الصغير ٢ / ٣٧٩، الجرح والتعديل ٨ / ١٢٤،
١٢٥، الأنساب ٨ / ٤٠٨، ٤٠٩، اللباب ٢ / ٣٢٨، تهذيب الكمال: ١٢٨٧، تذكرة
الحفاظ ٢ / ٥٠١، العبر ١ / ٤٤١، العقد الثمين ٢ / ٣٨٧، ٣٨٨، تهذيب التهذيب
٩ / ٥١٨، ٥٢٠، طبقات الحفاظ: ٢١٨، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٦٤، شذرات
الذهب ٢ / ١٠٤.
٩٦

حدث عنه : مسلمٌ والترمذيُّ ، وابن ماجة ، وبواسطةٍ النسائيُّ ،
وإسحاقُ بنُ أحمد الخزاعيُّ، والحَكَمُ بن مَعْبَد، وعبدُ الله بن صالح
البخاريُّ ، ومحمدُ بن إسحاق السِّرَّاج ، وعليُّ بنُ عبد الحميد الغَضَائِرِيُّ ،
والمُفَضَّل بن محمد الجَنَدي ، وخلقٌ سواهم .
قال ابنُ أبي حاتم : سألتُ أبي عنه، فقال : كان رجلاً صالحاً ،
وكانت به غَفلةٌ . رأيتُ عنده حديثاً موضوعاً، حدَّثَ به عن ابنٍ عُيَيْنَة ،
وکان صدوقاً(١) .
ورُوي عن الحسن بن أحمد بن الليث ، حدثنا ابنُ أبي عمر
العَدَنِيُّ ، وكان قد حجَّ سبعاً وسبعين حجة . وبلغني أنه لم يقعد من
الطواف ستِّين سنةً رحمه الله(٢).
قال البخاري : ماتَ بمكةً لإِحدى عشرة بقيت من ذي الحجّة سنة
ثلاثٍ وأربعين ومثتين(٣) .
قلتُ : كان من أبناء التسعين ، رحمه الله تعالى .
أخبرنا أحمدُ بن هبة الله ، عن أبي رَوْحٍ ، أخبرنا زاهر ، أخبرنا أبو
سعْد، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان ، أخبرنا عبدُ الرحمن بن يحيى بن معاذ
النَّسَويُّ ، حدثنا محمدُ بن يحيى بن أبي عمر، حدثنا سفيانُ ، عن أبي
الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله _ *: ((إذا
(١) ((الجرح والتعديل)) ١٢٤/٨، ١٢٥. وفيه عن أحمد بن سهل الإِسفراييني، قال :
سمعت أحمد بن حنبل، وسئل: عمن نكتب؟ فقال : أما بمكة فابن أبي عمر.
(٢) ((تهذيب التهذيب)) ٥١٩/٩. وفيه: ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال مسلمة:
لا باس به.
(٣) ((التاريخ الكبير)) ٢٦٥/١
٩٧

رَأَى أَحَدُكُمْ مَنْ هُوَ فَوْقَه في المالِ والجِسْمِ ، فَلْيَنْظُرْ إلى مَنْ هُوَ دونَهُ في
المالِ والجِسْمِ))(١).
٢٩ - رَجَاء بنُ مُرَجَّى * (د، ق )
ابنِ رافع ، وقيل : رجاء بن مُرَجَّى بنِ رجاء بنِ رافع ، الإِمامُ الحافظُ
الناقد المصنَّف،أبو محمد المروزي ، ويقال : السَّمَرْقندي ، وقيل: كنيته
أبو أحمد ، فلعله يُكْنی بهما .
مولده بعد الثمانين . ومئة .
سمع النَّضْرَ بن شُمَيَل ، ويزيدَ بن أبي حَكيم ، وقَبِيصةَ ، وأبا نُعْم ،
وعليَّ بن الحُسين بن واقد ، وسلمَ بنَ إبراهيم، وعبد الله بن رجاء
الغُدَاني ، وأبا اليمان ، وخلقاً كثيراً بُخراسان والحجازِ والعراقِ والشام .
حدث عنه : أبو داود، وابنُ ماجة ، وأحمدُ بن محمد بن أبي شَيْبَةً
(١) رجاله ثقات، وأخرجه البخاري ٢٧٦/١١ في الرقاق من طريق إسماعيل بن أبي
أويس عن مالك، عن أبي الزناد بهذا الإِسناد، وأخرجه مسلم (٢٩٦٣) في الزهد من طريقين،
عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به - بلفظ ((إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل
عليه في المال والخلْق، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فُضِّلُ عليه )) وأخرجه عبد الرزاق
ومن طريقه مسلم عن معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، وأخرجه مسلم
(٢٩٦٢) (٩) وأحمد ٢٥٤/٢ و٤٨٢، والترمذي (٢٥١٣) وابن ماجه (٤١٤٢) كلهم من طريق
أبي معاوية ووكيع، كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
**: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة
الله)) والازدراء: الاحتقار والانتقاص والعيب.
* التاريخ الصغير ٢ / ٣٨٨، الجرح والتعديل ٣ / ٥٠٣، طبقات الحنابلة ١ / ١٥٥.
١٥٦، تهذيب الكمال: ٤١٥، تاريخ بغداد ٨ / ٤١٠، تذهيب التهذيب ١ / ١/٢٢٥،
تذكرة الحفاظ ٢ / ٥٤٢، ٥٤٣، العبر ١ / ٤٥٤، تاريخ ابن كثير ١١ / ٤، تهذيب
التهذيب ٣ / ٢٦٩، ٢٧٠، طبقات الحفاظ : ٢٣٨، خلاصة تذهيب الكمال : ١١٧ ،
شذرات الذهب ٢ / ١٢٠.
٩٨

البَزَّاز، وعُمرُ بن بُجير، وأبو العباس السَّرَّاج، ويحيى بن صاعِد ،
ومحمدُ بن الفضل السَّقَّطي ، ومُطَيِّن، وآخرون . وآخِرُ مَنْ حدَّث عنه أبو
عبد الله المَحامِلِيُّ .
قال الدارقطني : ثقةٌ حافظٌ سمرقنديّ .
وقال النسائي : هو مَرْوَزِي .
وقال الخطيبُ : سكن بغداد ، وكان ثقةً ثَّبْتاً، إماماً في عِلْمِ
الحديث وحِفْظِه والمعرفة بهِ (١).
وذكر عمرُ بن حفص الأشقر قال : قدِم علينا رجاءُ بنُ مُرَجَّى
بخارى ، يريد الشاش ، فسمعنا منه ، ودخل على محمد بن إسماعيل
البخاري ، فتذاكرا .
قال النَّسَائِيُّ : حدثنا عبدُ الله بن أحمد ، يعني : الخَفَّف ، عن
محمدِ بنِ إسماعيل ، قال: فيها مات رجاء ، يعني سنة تسع وأربعين
ومئتين . وفيها أرَّخه أبو العبّاس السَّرَّاج ، وزاد أنه مات ببغداد . وقال
البخاري أيضاً : مات ببغداد في غُرَّةِ جمادى الأولى سنة تسع .
أخبرنا سُنْقُر الحلبي ، أخبرنا عبدُ اللطيف ، أخبرنا عبدُ الحق ،
أخبرنا عليُّ بن العلاف، حدثنا أبو الحسن بن الحَمَّامي ، حدثنا ابنُ
قانع ، حدثنا محمدُ بن الفضل بن جابر ، حدثنا رجاء بن مرجّی ، حدثنا
عبد الله بن رجاء ، حدثنا سعيدُ بن سَلَمة ، عن مسلم بن أبي مريم ، عن
(١) ((تاريخ بغداد)) ٤١١/٨. وقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٥٠٣/٣: سئل
أبي عنه، فقال: صدوق.
٩٩

عبد الله بن سَرْجِس(١) أنَّ النبيِ ﴿ صلَّى يوماً وعليه نَمِرَةً، فقال لِرَجُلٍ :
هاتٍ نَمِرتَكَ، وخُذْ نمرتي )) . قال : يا رسول الله، هِي خَيْرٌ من نَمِرَتي ،
قال: ((أَجَلْ، ولَكِنْ عَلَيْهَا خَيْطٌ أَحْمَرُ، فَخَشِيتُ أَنْ تَفْتِنَني في
صَلَاتي))(٢).
قلتُ : أي : تَشغَلُني عن كمال المراقبة ، والأنبياءُ مطالبون بما
يُسْمَح فيه لغيرهم ، فلذلك قايضَ بِنْمرتِهِ .
٣٠ - الپيگندِيُ * (خ)
الإِمامُ الحافظُ الحجةُ ، مُحدِّثُ ما وراء النهر (٣) ، أبو زكريا ، يحبى
ابن جعفر بن أعين ، البخاريُّ الْبِيْكَنْدِيُّ (٤).
ارتحل، وسمع من : سُفيان بنِ عُيَيْنَةَ، ووكيعٍ ، ويزيدَ بن
هارون ، وعبد الرزاق ، وطبقتهم .
حدث عنه : البخاريُّ، ومحمدُ بن أبي حاتم الوَرَّاقَ ، وعُبيدُ الله بن
واصل ، وجماعةٌ .
(١) في الأصل ((شرحبيل)) وهو خطأ.
(٢) سنده حسن، وأخرجه البغوي في (شرح السنة )) ٤٣٣/٢ من طريق عبد الله بن
رجاء بهذا الإسناد، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٣٦/٥، ونسبه للطبراني في «الأوسط))
وقال : رجاله رجال الصحيح خلا موسى بن طارق وهو ثقة . وفي الباب عن عائشة عند
البخارى ٤٠٦/١، ٤٠٧ ٢٨/٢، ٢٩، ومسلم (٥٦٥)، ومالك ٩٧/١، ٩٨.
* الأنساب، ورقة: ١٠٠ / أ، تهذيب الكمال : ١٤٩١، تذهيب التهذيب
٤ / ١٥٠ / ٢، تذكرة الحفاظ ٢ / ٤٨٧، تهذيب التهذيب ١١ / ١٩٣، طبقات الحفاظ:
٢١١، خلاصة تذهيب الكمال : ٤٢٢ .
(٣) ما وراء النهر: يراد به نهر جيحون (أموداريا) بخراسان. فما كان شرقيه سمّاه
المسلمون ما وراء النهر، وما كان غربيه فهو خراسان وولاية خوارزم. راجع ((معجم البلدان)).
(٤) نسبة إلى بِيكَنْد، بكسر الباء وفتح الكاف، وسكون النون. وهي بلدة بين بخارى
وجيحون .
١٠٠