النص المفهرس
صفحات 41-60
لا أَرَى فِيه جَعْفَرا أيُّ عَيْشٍ يلَذُّ لي لا في نجيعٍ مُعَفِّرا مَلِكٌ قد رَأَيْتُه لٍ وَسُقْمٍ فَقَدْ بَرًا(١) كلُّ مَنْ كان ذا خَبا لو تَرى الموتَ یُشتَرَی غير محبوبةً التي ـه يداها لتُقْبَرَا(٢) لاشْشَرْه بما حوتـ فغضب بُغا ، وأمر بسخْبِها ، وكان آخر العهد بها(٣). وبُويع المنتصرُ من الغدِ بالقصر الجَعْفَرِيِّ يوم خامس شوال سنةً سبعٍ وأربعين ومئتين . وقيل : لم يصح عنه النَّصْب ، وقد بكى مِنْ وَعْظِ علي بن محمد العسكري العَلَوي ، وأعطاهُ أربعةَ آلاف دينار . فاللهُ أعلم . للمتوكل من البنين : المنتصر محمد ، وموسى ، وأمُّهما حبشية ، وأبو عبد الله المعتز، وإِسماعيل ، وأمُّهما قَبِيحة ، والمؤيَّد إِبراهيم ، وأحمد وهو المعتمد ، وأبو الحُمَيْد ، وأبو بكر ، وآخرون . وقد ماتت أمه شُجاعٍ قَبْله بسنة ، وخلفت أموالاً لا تُحْصَرُ ، من ذلك خمسة آلاف ألف دينار من العَيْن وحدّه . (١) في ((وفيات الأعيان)): كلُّ مَنْ كانَ في ضنى وَسَقامٍ فَقَدْ بَرا وفي (( تاريخ الخلفاء)) : كلُّ مَنْ كانَ ذا هيا مٍ وَسْمٍ فَقَدْ بَرا (٢) الأبيات: الأول والثالث والرابع والخامس في ((وفيات الأعيان، ٣٥٦/١، وهي كلها في ((تاريخ الخلفاء)) : ٣٥١. (٣) في ((تاريخ الخلفاء)): ٣٥١: وأُمِرَ بها، فسُجِنَت، فكان آخر العهد بها . ٤١ ٨ - المُنتصِر باللَّه * الخليفة ، أبو جعفر، وأبو عبد الله، محمدُ بن المتوكل على الله جعفرٍ بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد الهاشمي العباسي ، وأمُّه أم ولد روميَّة ، اسمها حَبَشِيَّة . وكان أعينَ أَسْمَرَ أَقْنَى، مليحَ الوجه ، مُضَبَّراً رَبْعَةً ، كبيرَ البطن ، مليحاً مَهيباً . ولما قُتل أبوه دخل إليه قاضي القضاة جعفرُ بن عبد الواحد الهاشمي ، فقالوا له : بايعْ . قال : وأين أميرُ المؤمنين ، يعني : المتوكل ؟ قال : قَتَلَه الفتحُ بن خاقان . قال : وأين الفتح ؟ قال : قتله : بُغا . قال : فأنت ولميُّ الدَّمِ، وصاحبُ الثأر. فبايَعَه وبايَعَهُ الوزير والكبار(١)، ثم صالح المنتصرُ إخوته عن ميراثهم على أربعةَ عشرَ ألفِ ألفِ درهمٍ ، ونفى عمَّه عليّاً إِلى بغداد ، ورسَّم عليه . وكان المنتصر وافِرَ العقل ، راغباً في الخير، قليلَ الظُلم ، بارّاً بالعَلَويين . قيل : إِنه كان يقول : يا بُغا ، أين أبي ؟ مَنْ قَتَل أبي ؟ !! ويَسُبُّ الأتراكَ، ويقول : هؤلاءِ قَتَلَةُ الخُلفاءِ(٢). فقال بُغا الصغير للذين قتلوا * تاريخ الطبري ٩ / ٢٣٤ و٢٣٧ وما بعدها، تاريخ بغداد ٢ / ١١٩، ١٢١ ، الكامل لابن الأثير: الجزء السابع، العبر ١ / ٤٥٢، ٤٥٣، فوات الوفيات ٣ / ٣١٧، ٣١٩، الوافي بالوفيات ٢ / ٢٨٩، ٢٩١، الزركشي: ٢٧٠، الروحي: ٥٥، الفخري : ٢١٧، النجوم الزاهرة ٢ / ٣٢٧، تاريخ الخلفاء : ٣٥٦، ٣٥٨، شذرات الذهب ٢ / ١١٨. (١) راجع بيعة المنتصر في ((الكامل)) ١٠٣/٧ وما بعدها، و((الوافي بالوفيات)) ٢٨٩/٢ . (٢) ((الوافي بالوفيات)) ٢٨٩/٢، و((تاريخ الخلفاء)»: ٣٥٧. ٤٢ ٠ المتوكل : ما لَكُمْ عِنْدَ هذا رِزْقٌ . فَعملُوا عليه، وهُمُّوا، فعجِزوا عنه ، لأنّه كان شجاعاً مهيباً يقظاً متحرزاً لا كابِیه ، فَتَحَيِّلُوا إلی أن دَسُّوا إلى طبيبه ابنِ طَيْفور ثلاثين ألف دينار عند مرضه، فأشار بفَصْدِهِ ، ثم فصدهُ بريشةٍ مسمومةٍ ، فمات منها . ويقال : إِنَّ طيفور نسي ومرض ، وافتُصِد بتلك الريشة ، فهلكَ . وقال بعضُ الناس : بل حصل للمنتصر مرضٌ في أُنْثَبَيْه ، فمات منه في ثلاثٍ ليال، ويقال : مات بالخوانيق. ويُقال: سُمَّ في كُمَّثْراة بإِرةٍ (١). ووردَ عنه أنه قالَ في مرضه : ذَهَبَتْ يا أماه مني الدنيا والآخرة ، عاجَلْتُ أبي فعُوجِلْتُ(٢). وكان يُتّهم بأنه واطأ على قتلِ أبيه ، فما أُمْهِل ، وَوَزْرَ له أحمدُ بن الخصيب ، أحدُ الظَّمَةِ(٣). وذكر المسعوديُّ أنه أزال عن الطالِّين ما كانوا فيه من الخوفِ والمحنةِ من منعهم من زيارة تربة الحُسين الشهيد، وَرَدَّ فَدَك إِلى آلٍ علي (٤)، وفي ذلك يقول البحتريُّ : وَإِنَّ عَلِيّاً لَأَوْلَى بِكُمْ وَأَرْكَى يدأ عِنْدَكُمْ مِنْ عُمَرْ (١) راجع ((تاريخ بغداد)) ١٢١/٢، وما رُوي في طريقة قتله في ((الكامل)) ١١٤/٧، ١١٥، و((فوات الوفيات)) ٣١٨/٣، و«الوافي بالوفيات)) ٢٨٩/٢، و«تاريخ الخلفاء)» : ٣٥٧ . (٢) ((فوات الوفيات)) ٣١٨/٣، و((الوافي بالوفيات)) ٢٨٩/٢. (٣) سترد ترجمته في الصفحة : ٥٥٣ من هذا الجزء. (٤) ((الكامل)) ١١٦/٧، و((الوافي بالوفيات)) ٢٨٩/٢، و«تاريخ الخلفاء)): ٣٥٦ . ٤٣ لُ(١) يَوْمَ التَّرَاهُنِ دونَ الغُرَرِ(٢) وَكُلُّ لَهُ فَضْلُهُ والحَجو وقال يريد المُهَلَّبي : دَقُوا(٣) زماناً بعدَها (٤) وَزَمانا وَلَقَدْ بَرَرْتَ الطَّالِيَّةَ بَعْدَما بَعْدَ العَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ إِخْوانا(٦) وَرَدَدْتَ(٥) أُلْفةَ هاشِمٍ فرأيتهم ثم إِن المنتصر تَمَكَّن ، وخلعَ من العهد إِخْوَتَه : المعتَّ وإِبراهيمَ . ومن كلام المنتصر إذ عفا عن أبي العَمَرَّد الشاري : لذةُ العفوِ أعذبُ من لذة النَّشَفِّي، وأقبحُ فعالِ المُقتدر الانتقامُ(٧). قال المسعودي : كان المنتصرُ أَظْهَرَ الإِنصافَ في الرعيّة ، فمالوا إِليه مع شدَّة هيبته . وقال عليُّ بن يحيى المُنَجِّم : ما رأيتُ مثلَ المنتصر ، ولا أكرمَ فعالاً بغير تَبجِّح ، لقد رآني مغموماً ، فسألني ، فَوَرَّيْتُ ، فاستحلفني ، فذكرتُ (١) في الأصل : والحجون ، بالنون ، وهو خطأ. (٢) ((ديوان البحتري)) ٨٥١/٢ من قصيدة يمدح بها محمد بن المنتصر بن جعفر المتوكل ، ومطلعها : تَبَسَّمُ عن واضحٍ ذي أشر وتَنْظُر من فاتر ذي خَوَر وفي الديوان : يوم التفاضل . (٣) في ((الوافي بالوفيات))، و((تاريخ الخلفاء)): ذَمُّوا. (٤) في ((الوافي بالوفيات))، و((تاريخ الخلفاء)): بعدهم. (٥) في ((الوافي بالوفيات))، و(تاريخ الخلفاء)): ووردت. (٦) البيتان في ((الوافي بالوفيات)) ٢٩٠/٢، و((تاريخ الخلفاء)): ٣٥٧. (٧) ((تاريخ الخلفاء)) ٣٥٧/١. ومن أقواله أيضاً: والله ماعَزَّ ذو باطل ولو طلع القمرُ من جبينه ، ولا ذلَّ ذو حق ، ولو أطبق العالَمُ عليه . وقد أنشد حين وفاته : وما فَرِحَتْ نَفْسي بدنيا أَخَذْتُها ولكنْ إلى الربِّ الكريم أَصِيرُ انظر ((الكامل)) ١١٥/٧، و((الوافي بالوفيات)) ٢٩٠/٢. ٤٤ إضافةً في ثمن ضَيْعَةٍ ، فوصلني بعشرين ألفاً . وجلس مرّةً للهو ، فرأىْ في بعضِ البسطِ دائرةٌ فيها فارسٌ عليه تاجٌ ، وحوله كتابهٌ [ فارسية ](١) ، فطلب من يقرأ ، فأُحضر رجلٌ ، فنظر ، فإِذا فيها : ... فقطَّب وسكَتَ ، وقال: لا معنى له ، فَأَلَحَّ المنتصرُ عليه ، قال فيها : أنا شِيرَوَيْه بن كسرى بن هرمز، قتلتُ أبي، فلم أمَتِّع بالمُلْكِ سوى ستَّةِ أشهر. قال : فتغيَّر وجهُ المنتصر، وقام(٢). قال جعفرُ بنُ عبد الواحد : قال لي المُنتصر : يا جعفرُ، لقد ◌ُوجِلتُ . فما أذني بأُذُنِي(٣) ، ولا أَبْصِر بعيني .. قلتُ : قلَّ ما وقع في دولتِه من الحوادث لقِصَرِ المدة ، وعاش ستّاً وعشرين سنة ، سامحه الله . وماتَ في خامسٍ ربيع الآخر سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين . فكانت خلافتهُ ستةَ أشهرٍ وأياماً . وكان قد أَبعد وصيفاً في عسكرٍ إلى ثَغْر الروم ، وكان قد ألحّ عليه هو وبُغا وابنُ الخصيب في خلع إخوته خوفاً من أن يَلِيَ المُعتَزُّ ، فيستأصلهم ، فاعتُقلا، وتمنَّع أولا المُعْتَرُّ ، ثم خافَ ، وأشهدا على أَنفُسِهِما أَنهما يَعْجِزان عن الإِمامة ، فقال المنتصر : أتّرياني خلعتُكما طمعاً في أن أعيش بعدكما حتى يكبرا بني عبدُ الوهّاب ، وأعهدَ إِليه ؟! واللهِ ما طمعتُ في ذلك ، ولكن هؤلاء أَلَحُّوا عَلَيَّ، وخفتُ عليكما من القتلِ . فَقَّلا يده، وضمَّهما إِليه . (١) ما بين حاصرتين من ((تاريخ الخلفاء)): ٣٥٧. (٢) ((تاريخ بغداد)) ١٢٠/١٢، ١٢١ بتوسع، و«تاريخ الخلفاء)): ٣٥٧. وتتمة الخبر في ((تاريخ بغداد)» :... عن مجلسه، إلى النساء ، فلم يملك إلا ستة أشهر . (٣) في (( تاريخ بغداد)) ١٢١/٢: فما أسمع بأذُني ... ٤٥ وللمنتصر مِن الولد : أحمدُ ، وعليَّ ، وعبدُ الله ، وعُمر . ٩ - المُستعِينُ بالله * الخليفةُ ، أبو العبّاس ، أحمدُ بن المعتصم بالله محمدٍ بن هارون الرشيد بن المهدي العباسي ، أخو الواثق والمتوكل . ولد سنة إحدى وعشرين ومئتين . وبُويع في ربيع الآخر سنة ثمانٍ وأربعين ، عند موت أخيه المنتصر . وكان أحمرَ الوجه ، رَبْعَ القامة ، خفيفَ العارضين ، مليحَ الصورة ، بوجهه أثر جُدَرِيٍّ ، بمقدَّم رأسه طولٌ ، يلثَغُ بالسين كالثاء . وأمه أم ولد . وكان مِتْلافاً للمال، مُبَذِّراً(١) ، فَرَّق الجواهرَ وفاخِرَ الثَّابِ، اختلَّت الخلافةُ بولايته ، واضطربت الأمورُ . استوزر أبا موسى أوتامُش بإِشارةٍ كاتبهِ شجاعٍ بن القاسم ، ثم قتلهما ، واستوزر أحمدَ بنَ صالح بن شبرزاذ . ولما قَتَّلَ باغرَ التركيَّ الذي قَتَّلَ المتوكلَ غَضِبَت له الموالي ، وكان المستعينُ من تحت أوامرٍ وصيفٍ وبُغا ، وكان جيدَ الأدب ، حسنَ الفضيلة ، واسم أمه مُخارِقٍ . * المعارف : ٣٩٣، تاريخ الطبري: الجزء التاسع، تاريخ بغداد ٥ / ٨٤، ٨٦، الكامل لابن الأثير: الجزء السابع، العبر ٢ / ٢، ٣، فوات الوفيات ١ / ١٤٠، ١٤٣، الوافي بالوفيات ٨ / ٩٣، ٩٦، تاريخ ابن كثير ١١ / ٢ و١١ وما بعدها ، النجوم الزاهرة ٢ / ٣١٣ وما بعدها و٣٣٥، تاريخ الخلفاء: ٣٥٨، ٣٥٩، شذرات الذهب ٢ / ١٢٤، ١٢٦. (١) ((فوات الوفيات)) ١٤١/١، و((الوافي بالوفيات)) ٩٤/٨. ٤٦ ولما مات المنتصرُ استوزر الأمراءَ وابن أبي الخصيب، فقال لهم أوتامُش : متى وليتُم أحداً من وَلَدِ المُتوَكِّل ، لا يُبقي منا أحداً . فقالوا: ما لها إِلا أحمد بن المفتصد، هو ابنُ أستاذِنا . فقال محمدُ بن موسى المُنَجِّم سراً : أَتُولُون رجُلً يرى أنه أحقُّ بالإِمامةِ من المتوكل . اصطنعوا من يعرفُ لكم ذاك . فَأَبُوْا وبايعوه ، واستقلَّ أياماً فبينا هو قد دخل مجلسَ الخلافةِ إِذا جماعةٌ من الغوغاء والشَّاكِرِيَّة(١) والجند نحو الألف في السلاح ، وضاحوا : المعتز يا منصور . فنشبت الحربُ، وقُتل جماعةٌ ، ومضى المستعينُ إِلى القصرِ الهاروني ، فباتَ به ، ونَهبت الغوغاءُ الدّار وعدَّةَ دورٍ ، وحازوا سلاحاً كثيراً ، فزجرهم بُغا الصغيرُ عن دار الخلافة ، وكثُرت القتلى ، فَذل المستعينُ الخزائن، فسكنُوا ، وبُويِعَ له ببغداد ، وأميرُها محمدُ بن عبد الله ابنِ طاهر . ٦ ثم غضب المستعينُ بإِشارةِ أوتامُش الوزيرِ على أحمد بن الخصيب، وأخذ أموالَه، ونفاه إلى جزيرةٍ أَقْرِيطش(٢) . ومات طاهرُ بن عبد الله مُتَوَلِّي خراسان ، فولَّى المستعينُ ابنَه محمدَ ابن طاهر موضعه ، ووَلَّى العراقَ والحرمين أخاه محمد بن عبد الله . ومات بُغا الكبير، فولّى مكانه ولده موسى بن بُغا . وسجَن المعتزَّ والمؤيد ، وضيَّق عليهما ، واشترى أملاكهما كُرهاً. وقرَّر لهما في العام نَيِّفاً وعشرين ألف دينار ليس إلا . (١) أي: الأجراء والمستخدمون . فارسية معربة . (٢) بفتح الهمزة ، وتكسر ، والقاف ساكنة ، والراء مكسورة ، وياء ساكنة ، وطاء مكسورة ، وشين معجمة: اسم جزيرة في البحر الأبيض المتوسط. انظر ((معجم البلدان ) ٢٣٦/١ . ٤٧ وعقد لأوتامُش مع الوزارة الإِمرةَ على مصرَ وسائرِ المغرب . ونفى عُبَيد الله ابن يحيى بن خاقان إلى بَرْقة. وأنفق ألفي ألف دينار في الجند ، وقُتل عليُّ بن يحيى الأرمني ، وعمر الأَقْطَع ، مجاهدين ببلاد الروم . وكثرت الأتراكُ ببغداد، وتمكّنوا ، وعَسَفوا ، وآذَوا العامةً ، فثارت الشاكريةُ والجند ، وأحرقوا الجِسرَ، وانتهبوا الدواوينَ . وهاج مثلُهم بسامَرَّاء ، فركب بُغا وأوتامش ووضعوا السيف ، وقتلوا عدةٌ، وتناخت(١)، العامةُ ، فقتلوا طائفةٌ من الأتراك، وعَظُمَ الخَطْبُ ، وخرج وصيفٌ ، فأمَر بإحراقٍ الأسواق ، ثم بعد يسير قُتل أوتامش ووزر ابن يَزِداذ ، وعُزل عن القضاء جعفرٌ الهاشمي . ودخلت سنةُ خمسين ومئتين ، فخرج بَطَبَرِستان الحسنُ بنُ زيد الحَسَنِي ، وعَظُم سُلطانُه، وحكمَ على عدَّة مدائن ، وانضمَّ إِليه كل مُريب ، وهزمَ جيشَ ابنِ طاهرٍ مرّتين ، ووصل إِلى هَمَذَان ، فجهّز المستعينُ له جيشاً . (٢) وفيها عقد المستعينُ لابنه عَّاسٍ على العراق والحجاز . وفي سنة إِحدى [وخمسين ومئتين ] ظهر بقَزوين الحُسينُ بن أحمد الحُسيني ، فتمّكها، وكان هو وأحمدُ بن عيسى الزَّيْدي قد اتّفقا، وقَتَلَا خلقاً بالرَّي ، وعاثا ، فأُسِر أحدُهما ، وقُتِل الآخر . وخرج بالحجاز إسماعيلُ بن يوسف الحَسَني ، وتَبِعَه الأعرابُ ، فعاثَ ، وأفسد موسمَ الحاجّ . وقَتَل من الوفد أَزْيَدَ من ألفٍ، ثم قَصَمَه اللهُ بالطاعون هو و کثیرٌ من جنده . (١) لعلها من النُّخْوة، وهي الحماسة والافتخار والتعظم. (٢) راجع خبر خروج الحسن بن زيد العلوي في ((تاريخ الطبري)) ٢٧١/٩ وما بعدها . ٤٨ وهاجت الفتنةُ الكُبرى بالعراق ، فتنكَّر التركُ للمستعين ، فخافَ ، وتحوّل إِلى بغداد ، فنزلَ بالجانبِ الغربي على نائِهِ ابنِ طاهر ، فاتّفق الأتراكُ بسامَرَّاء ، وبعثوا يعتذرون ، ويسألونه الرجوع، فأبى عليهم ، فغضِبُوا، وقصدوا السجنَ ، وأخرجوا المعتزَّ بالله ، وبايعوا له ، وخلعوا المستعين ، وبنَوا أمرَهم على شُبهة ، وهي أَنَّ المتوكلَ عقد للمعتزِّ بعد المنتصر، فجهّز المعتزُّ أخاه أبا أحمد لمحاربة المُستعين ، وتهيَّ المستعينُ وابنُ طاهر للحصارِ ، وإِصلاحِ السور ، وتجرّد أهلُ بغداد للقتل ، ونُصِبت المجانِقِ ، ووقع الجِدُّ، ودام البلاءُ أشهُراً، وكثُرتِ القتلى، واشتدَّ القَحْطُ ، وتمَّتْ بينهما عدةُ وقعات ، بحيث إِنه قُتل في نَّوْبَةٍ من جند المعتز ألفان، إِلى أن ضعُف أهلُ بغداد وذلُّوا وجاءوا ، وتعثَّروا(١). فما أصْبَرُهُم على الشر والفتن ، وقَوِيَ أمرُ المُعتَزِّيَّةِ ، فكاتب ابنُ طاهرٍ في السرِّ المُعتَزَّ، وانحلَّ نظامُ المستعين ، وإِنما كان قِوَامُ أمره بابنِ طاهر ، وكاشفَه الناسُ، فتحوَّل إِلى الرُّصَافة، ثم سعى الناسُ فِي الصُّلح، وخُلع المستعينُ ، فأقام في ذلك إِسماعيل القاضي وغيره بشروطٍ وثيقة ، فأذعَن بِخَلْعِ نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين ، وأشهد عليه ، فأُحْدِرَ بعد خلعه تحت الحَوْطةِ إِلى واسط ، فاعتُقل بها تسعةً أشهر ، ثم حُوِّل إِلى سامَرَّاء ، فقُتِل بقادسية سامَرَّاء في ثالث شوال من السنة (٢). وقيل: قتل ليومين بقيا من رمضان ، وله إحدى وثلاثون سنة وأيام . فيقال : بعث المعتزُّ إِليه سعيداً الحاجب ، فلما رآه المستعينُ تَيَقَّنَ التَّلَفَ ، وبكى ، وقال : ذهَبَتْ (١) انظر خبر هذه الفتنة في ((تاريخ الطبري)) ٢٨٢/٩ وما بعدها، و((فوات الوفيات)) ١٤٠/١، و((الوافي بالوفيات)) ٩٤/٨، و((تاريخ الخلفاء)»: ٣٥٨ (٢) ((تاريخ بغداد)) ٨٥/٥، و((الكامل) ١٧٢/٧، و((فوات الوفيات)) ١٤٠/١، و ((الوافي بالوفيات)) ٩٤/٨، و((تاريخ ابن كثير)) ١١/١١. ٤٩ نفسي . فأخذ سعيدٌ يُقنِّعُهُ بالسوط ، ثم أَضْجَعه ، وقعد على صدره ، وذَبحه . فإنا لله ، وإنا إليه راجعون . وقال الصُّولي : بعث المعتزُّ أحمدَ بن طولون إِلى واسط لقتلٍ .. المستعين ، فقال : واللهِ لا أقتُل أولادَ الخلفاء . فبعثَ سعيداً الحاجبَ ، فما متَّع اللهُ المعتزَّ ، بل عُوجِل بالخلعِ والقتلِ جَزاءً وِفاقاً . ١٠ - البَزِّيُ * مُقرىء مكةَ ومُؤذٌّنها ، أبو الحسن ، أحمدُ بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بَزَّةَ ، المخزوميُّ مولاهم ، الفارسي الأصل . ولد سنة سبعين ومئة . وتلا على : عِكْرِمةَ بنِ سليمان، وأبي الإِخْرِيط(١)، وابنٍ زياد عن تلاوتهم على إسماعيل القِسْط(٢) ، صاحبِ ابنِ كَثِير . وسمع من : ابنِ عُينية ، ومالكِ بن سُعَير، ومُؤَمَّل بنِ إِسماعيل ، والمُقرىء ، وطائفة . الضعفاء للعقيلي: ٤٧، الجرح والتعديل ٢ / ٧١، الأنساب ٢ / ٢٠٢، اللباب ٠ ١ / ١٤٩، ميزان الاعتدال ١ / ١٤٤، ١٤٥، معرفة القراء الكبار للذهبي ، ورقة : ٥٤ ، العبر ١ / ٤٥٥، تاريخ ابن كثير ١١ / ٦، العقد الثمين ٣ / ١٤٢، ١٤٣، غاية النهاية في طبقات القراء ١ / ١١٩، ١٢٠، لسان الميزان ١ / ١٣٩، شذرات الذهب ٢ / ١٢٠، ١٢١. ٠ے (١) هو وهب بن واضح المكي. المتوفى سنة ١٩٠ هـ ترجم له المؤلف في ((معرفة القراء)» ١٢١/١ . (٢) هو إسماعيل بن عبد الله المخزومي مولاهم المكي المعروف بـ: القِسْط ، مقرىء أهل مكة المتوفى سنة ١٧٠ هـ. قال المؤلف في ((معرفة القراء)) ١١٧/١: هو آخر أصحاب ابن كثير وفاةً . ٠ وعنه : البخاريُّ في ((التاريخ))، ومُضر الأسدي ، والحسنُ بن الحُباب ، ویحیی بنُ صاعد . وتلا عليه خلقٌ ، منهم : أبو ربيعة محمدُ بنُ إِسحاق ، وإِسحاقُ الخُزاعي ، وأحمدُ بن فرح، وابن الحُبَاب ، واللّهْبِيان(١)، وآخرون . وصحّح له الحاكم حديث التكبير(٢) وهو منكر . وقد قال أبو حاتم : ضعيف الحديث ، لا أُحدِّث عنه (٣). وقال العُقلي: مُنْكَرُ الحديث ، يوصِل الأحاديثَ ، قد سُقنا ترجمتَه مطولةً في ((الطبقات)) (٤). ومات سنة خمسين ومئتين . وكان ديِّناً عالماً ، صاحبَ سنة ، رحمه الله. (١) هما عبد الله بن علي أبو عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الله أبو جعفر . (٢) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٣٠٤/٣ من طريق أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة قال : سمعت عكرمة بن سليمان يقول : قرأت على إسماعيل بن عبد الله قسطنطين ، فلما بلغت : ( والضحى ) قال لي : كبر كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم ، وأخبره عبد الله ابن كثير أنه قرأ على مجاهد، فأمره بذلك ، وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك ، وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمر بذلك، وأخبره أبي بن كعب أن النبي ◌َّ أمره بذلك . قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، فتعقبه الذهبي بقوله : البزي قد تكلم فيه . وأورده ابن كثير في تفسيره ٤ /٥٣١، وقال : فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة ، وكان إماماً في القراءات ، فأما في الحديث ، فقد ضعفه أبو حاتم الرازي ، وقال : لا أحدث عنه ، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال : هو منكر الحديث . (٣) ((الجرح والتعديل)) ٧١/٢. (٤) ((الضعفاء)) للعقيلي، ورقة : ٤٧. ٠ ٥١ ٩ ١١ - أبو عُمَير بنُ النَّخَّاس * (د، س ) الإِمامُ الحافظُ العابدُ القدوةُ، أبو عُمير، عيسى بنُ محمد بن إِسحاق بن النحاس الرَّمْلِيُّ . سمع الوليد بن مسلم لمَّا قدِم الرملة ، وضَمْرةَ بنَ ربيعة ، وأيوبَ بن سويد ، وزيد بن أبي الزَّرْقاء ، وجماعةً . حدث عنه : أبو داود ، والنَّسائي ، ويحيى بنُ معين مع تقدمه ، وأثنى عليه ، وقال : ثقةٌ ، من أحفظ الناس لحديث ضَمْرة ، وأبو زرعة الرازيُّ، وأبو حاتم، وجعفرُ الفِريابي، وعُمر بن محمد بن بُجَير (١)، وأبو بكر بن أبي داود ، وابن جَوْصا ، وخلقٌ كثير . قال أبو الحسن بنُ جَوْصا : سمعتُ أبا ◌ُميرٍ يقول : قدِم علينا الوليدُ في سنة أربع وتسعين ومئة ، فاستقرض له أبي دنانير، فحجَّ من الرَّملة ، فمات منصرَفَه من الحج بذي المَرْوَة(٢) . فمضى أبي إلى دمشقَ حتى أُبِيع منزلُ الوليد ، وقَضَى دَيْنَه . قال أبو زرعة : حدثنا أبو عُمير الرَّملِيُّ، وكان ثقةً رِضىٌ (٣). وقال أبو حاتم : كان من العُبّاد ، يطلبُ العلم ، وعلى ظهره خِرْقَةٌ * الجرح والتعديل ٦ / ٢٨٦، تهذيب الكمال: ١٠٨٤، تذهيب التهذيب ٣ / ١٣١ / ١، تهذيب التهذيب ٨ / ٢٢٨، ٢٢٩، خلاصة تذهيب الكمال : ٣٠٣. (١) هو الإِمام الكبير أبو حفص عمر بن محمد بن بجير الهمذاني وسترد ترجمته في الجزء الرابع عشر الترجمة رقم ( ٢١٩). (٢) قرية بوادي القرى ، وقيل : بين خشب ووادي القرى. (٣) (تهذيب الكمال)): ١٠٨٤. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن معين: ثقة من أحفظ الناس لحديث ضمرة. كذا في ((تذهيب التهذيب)) ١/١٣١/٣. ٥٢ قَدْرُ ذِراعٍ ، يختلفُ إِلى الوليد وضَمْرةَ(١). وقال عمرُ بن سهل الدِّينَوري : سمعتُ ابن وهبِ الدِّينَوَرِيَّ يقول : لقّنْتُ أبا عمير بن النحاس أربعين حديثاً من حديثه، فلما بلغَتْ أحداً (٢) وأربعين حديثاً قال : أما تستحيي ؟! أتحشِمُني أن أشهدَ على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في مجلسٍ واحدٍ أكثرَ من أربعين شهادة ؟! قال ابنُ زَبْر : تُوفِّي في ثامن المحرم سنةً ستُّ وخمسين ومئتين . قرأتُ على أبي المعالي الأَبَرْقُوهي، أخبرنا أَكْمَلُ بن أبي الأزهر الحَسَني سنةَ عشرين وست مئة ، أخبرنا أبو القاسم بنُ البنّاء ، أخبرنا أبو نصرٍ الَّيْنَبِي، أخبرنا أبو بكر بن زَنْبُور ، حدثنا عبدُ الله بن أبي داود ، حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضَمرةُ، عن ابنٍ شَوْذَب، عن قَتادة، عن جابر بن زيد: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بالآياتِ إِلَّ تَخْوِيفاً ﴾ [ الإسراء: ٥٩ ]، قال: الموت من ذلك(٣). ومات معه في العام الزبير بن بكّار ، قاضي مكة ، والربيعُ بن سليمان الجِيزي ، وعليُّ بن المُنذر الطَّرِيقِي (٤)، ومحمدُ بن إِسماعيل البخاري ، ومحمدُ بن عثمان بن كَرَامة ، والمهتدي باللّه محمدُ بن الواثق ، وعبدُ الله بن محمد المُخرِّمي الزّهُرِي، وعبدُ الله بن أحمد بن شَبَّوَيْه (١) ((الجرح والتعديل)) ٢٨٦/٦، ونقله الحافظ المزي في ((تهذيب الكمال)): ١٠٨٤ . (٢) في الأصل : أحد ، بالرفع . (٣) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٩٠/٤، ونسبه لابن أبي داود في ((البعث)) وكذلك قال ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن المنذر وأبو الشيخ في «العظمة)» وهو قول الحسن أخرجه عنه أحمد في ((الزهد)» وابن جرير وابن المنذر . (٤) قيل: إنه ولد في الطريق، فنسب إليها، انظر ((أنساب)) السمعاني ٢٣٩/٨. ٥٣ المَرْوزي ، ومحمدُ بن عبد الله بن المقرىء . ١٢ - الحارثُ بن مِسکین * ( د ، س) ابنِ محمد بن يوسف ، الإِمامُ العلاّمةُ الفقيهُ المحدثُ الثَّبْتُ ، قاضي القضاة بمصر ، أبو عَمرُو ، مولى زَبَّان بن الأمير عبد العزيز بن مروان ، الأُمَوي المصري . مولده في سنةٍ أربع وخمسين ومئة . وإِنما طلب العلم على كِبَرٍ . سأل الليثَ عن مسألةٍ واحدة ، وفاتَه ابنُ لَهِيعةً ومالكٌ والكبارُ . وحمل عن : سفيان بن عُيينة ، وعبدِ الله بن وهب ، وابنِ القاسم ، وتفقّه بهما ، وعن يوسف بن عمرو الفارسي ، وبشر بِن عُمر الزهراني ، وَأَشْهَبَ ، وغيرِهم . حدث عنه : أبو داود ، والنسائي ، وولده أحمدُ بن الحارث ، وعبدُ الله بن أحمدَ بنِ حنبل، وأبو يَعلى المَوْصِلِيُّ، وعليُّ بن قُدَيْد ، ومحمدُ ابن زَبَّان بن حبیب ، وأبو بكر بن أبي داود ، وعبدُ الله بن محمد بن یونس السِّمْناني ، وآخرون . سُئل عنه أحمدُ بن حنبل ، فأثنى عليه ، وقال فيه قولاً جميلاً(١). الجرح والتعديل ٣ / ٩٠، تاريخ بغداد ٨ / ٢١٦، ٢١٨، طبقات الفقهاء الشيرازي: ١٣٠، وفيات الأعيان ٢ / ٥٦، ٥٧، تهذيب الكمال: ٢٢١، ٢٢٢، تذهيب التهذيب ١ / ١١٥ / ٢، تذكرة الحفاظ ٢ / ٥١٤، ٥١٥، العبر ١ / ٤٥٥، طبقات الشافعية للسبكي ٢ / ١١٣، ١١٤، تاريخ ابن كثير ١١ / ٧ ، الديباج المذهب ١ / ٣٣٩، ٣٤٠، تهذيب التهذيب ٢ / ١٥٦، ١٥٨، النجوم الزاهرة ٢ / ٢٨٩ و٣٣١، طبقات الحفاظ : ٢٢٤، خلاصة تذهيب الكمال: ٦٩ ، شذرات الذهب ١٢١/٢. (١) ((تهذيب الكمال)): ٢٢٢ . ٥٤ جنيه وقال يحيى بنُ مَعِين : لا بأس به(١) . ونقل عليُّ بنُ الحسين بن حِبان ، عن أبيه قال : قال أبو زكريا ، يعني ابنَ معين : الحارثُ بنُ مسكين خيرٌ من أَصْبَغ . وأفضلُ (٢). وقال النسائي : ثقةٌ مأمون (٣). وقال أبو بكر الخطيب (٤): كان فقيهاً ثقةً ثَبْتاً، حَمَلَهُ المأمونُ إِلى بغداد في المحنة ، وسجَنَه ، فلم يُجب ، فما زال محبوساً ببغداد إِلى أن استُخلف المتوكلُ، فأطلقه، فحدَّثَ ببغداد ، ورجع إلى مصر مُتولِياً قضاءً مصر ، ثم استعفى من القضاء في سنة خمس وأربعين ومئتين ، فأُعفي . ومات في شهر ربيع الأول سنة خمسين ومئتين ، وله ستَّ وتسعون سنة . قلت : وكان ، مع تقدمه في العلم والزهد والتألُّهِ ، قوَّالاً بالحق ، من قُضاةِ العدلِ ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى . قال بحرُ بن نصرِ الخَوْلاني : عرفنا الحارثَ بنَ مسكين أيامَ ابنِ وهبٍ على طريقةٍ زَهادةٍ وورعٍ وصدقٍ حتى مات . (١) ((تاريخ بغداد)) ٢١٧/٨، ((تهذيب الكمال)): ٢٢٢، و((طبقات الشافعية)) للسبكي ١١٤/٢ . (٢) ((تاريخ بغداد)) ٢١٧/٨، و((تهذيب الكمال)): ٢٢٢، وتتمته فيه : وأفضل من عبد الله بن صالح كاتب الليث . وكان أصبغ من أعلم خلق الله كلهم . (٣) ((تاريخ بغداد)) ٢١٧/٨، و((تهذيب الكمال)): ٢٢٢. وفي ((الجرح والتعديل)) ٩٠/٣: عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: سئل أبي عنه، فقال: صدوق. وفي ((تهذيب التهذيب)) ١٥٧/٢: قال الحاكم : ثقة مأمون . (٤) ((تاريخ بغداد)) ٢١٦/٨، وانظر ((وفيات الأعيان)) ٥٦/٢، و(تهذيب الكمال)» : ٢٢٢ . وقال يوسفُ بن يزيد القرَاطِيسي : قدِم المأمونُ مصرَ ، وبها من يَتَظَلَّمُ من عامِلَيْه: إِبراهيم بن تميم ، وأحمد بن أسباط . فجلس الفضلُ ابن مروان الوزيرُ في الجامع ، واجتمع الأعيانُ ، وأُحضر الحارِثُ بنُ مسكين ليُؤَلَّى القضاءَ، فبينا الفضلُ يُكَلِّمه إِذْ قال له مُتَظَلِّمُ: سَلْه - أَصْلَحَك اللَّهُ - عن ابن تميمٍ وابنٍ أَسْباط. فقال: ليس لذا حَضَر ، قال ، أصلحك اللهُ، سَلْهُ. قال: ما تقولُ فيهما؟ فقال: ظَالِمَيْن غاشِمَين . قال : فاضطرب المسجد ، فقام الفضلُ ، فأعلم المأمونَ ، وقال : خِفتُ على نفسي من ثَوْرةِ الناس مع الحارثِ ، فطلب الحارثَ ، وقال : ما تقولُ في هذيْن؟ قال: ظَالِمَيْنِ غاشِمَين . قال : هل ظلماكَ بشيءٍ ؟ قال : لا . قال : فعامَلْتَهما؟ قال: لا. قال: فكيف تشهدُ عليهما؟ قال : كما شهدتُ أَنَّك أميرُ المؤمنين ، ولم أرَكَ إِلا الساعةَ . قال : اخرجْ من هذه البلاد ، وبِعْ قليلَكَ وكثيرَكَ، وحَبَسَهُ في خيمةٍ ، ثم انحدَر إِلى البَشَرُود(١)، وأخذه معه، فلما فتح البَشَرود طلب الحارثَ ، وسأله عن المسألةِ التي سأله عنها بمصر ، فردَّ الجوابَ بعينه . قال : فما تقولُ في خروجنا ؟ قال : أخبرَني ابنُ القاسم ، عن مالكٍ ، أنَّ الرشيد كتب إليه يسألُه عن قتالِهم ، فقال : إِنْ كانوا خرجوا عن ظلمٍ من السلطان فلا يَحِلُّ قتالُهم ، وإِنْ كانوا إِنما شَقُّوا العصا فِقِتالُهم حَلال . فقال : أنت تَيْسٌ، ومالكٌ أَنْيَسُ مِنك، ارحلْ عن مصر . قال : يا أميرَ المؤمنين ، إِلى الثغور؟ قال : بل بمدينة السلام . وروى داودُ بن أبي صالح الحَرَّاني ، عن أبيه ، قال: لما أُحضِر (١) بفتح الباء والشين المعجمة، وضم الراء المهملة ، وسكون الواو ، والدال مهملة : كورة من كُوَر بطن الريف بمصر . ٥٦ الحارثُ مجلِسَ المأمون ، جعل المأمونُ يقولُ : يا ساعي ، يردِّدُها - يعني : يا مُرافِعٍ - قال : واللهِ ما أنا بِساعٍ ، ولكني أُحضرتُ ، فسمعتُ وأطعتُ ، ثم سُئلت عن أمرٍ ، فاستعفيتُ ثلاثاً ، فلم أُعْفَ ، فكان الحقُّ آثَرَ عندي من غيرِه ، فقال المأمونُ : هذا رجل أراد أن يُرفع له عَلَمٌ ببلده ، خُذهُ إليك . قال أحمد المؤذِّب : خرج المأمونُ ، وأخرج الحارثَ في سنةٍ سبعَ عشرةً ومئتين ، وخرجت زوجةُ الحارثَ ، فحجَّت ، وذهَبَتْ إِلى العراق . قال محمدُ بن عبد الله بن عبد الحكم : قال لي ابنُ أبي دُوَاد : يا أبا عبد الله، لقد قام حارِثُكم الله مقامَ الأنبياء . وكان ابنُ أبي دُواد ، إِذا ذكَرَه عَظَّمَهُ جداً . قال أبو يزيد القَرَاطيسي : فأقام الحارثُ ببغداد ستَّ عشرةً سنة ، وأطلقه الواثقُ في آخر أيامه ، فرجَع إِلى مصر . وقال ابن قُدَيد : أتاه - يعني : الحارث - في سنة سبع وثلاثين كتابُ تَوَلِّيهِ القَضَاءَ ، وهو بالإِسكندرية ، فامتنع . فلم يَزَلْ به إِخوانُه حتى قَبِل ، فقدم مصرَ ، فجلس للحُكْم ، وأخرج أصحابَ أبي حنيفة والشافعي من المسجد ، وأمر بَنْعِ خُصُرِهم من العُمُد ، وقطع عامَّةَ المُؤذِّنين من الأذان ، وأصلح سقفَ المسجد ، وبنى السِّقايةَ ، ولاعَن بين رجلٍ وامرأته ، ومنعَ من النداءِ على الجنائز، وضرب الحدَّ في سَبِّ عائشةَ أُمِّ المؤمنين ، وقتل ساحرين . عن الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي : أنَّ رجلاً كان مُسرِفاً على نفسه ، فمات ، فَرُئِيَ في النوم ، فقال : إِنَّ اللّه غفر لي بحضور الحارثِ ابن مسكين جِنازتي ، وإِنَّه استشفع لي ، فَتُفِّع فِيَّ . ٥٧ i توفي الحارث لثلاثٍ بقين من ربيع الأول سنة خمسين ومئتين . قرأتُ على ابنٍ عساكر، عن أبي روح ، أخبرنا تميم ، أخبرنا أبو سعْد، أخبرنا ابنُ حمدان ، أخبرنا أبو يَعْلَى ، حدثنا الحارثُ بنُ مسكين ، حدثنا ابنُ وهب ، أخبرنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أَسْلَم ، عن أبيه ، عن عُمر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((قالَ موسى: أَنْتَ آدَمُ الَّذي نَفَخُ اللَّهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ؟ قالَ : نَعَمْ . قالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الجَنَّةِ ؟ فَقَالَ : مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا موسى . قال : أَنْتَ موسى بَنِي إِسْرَائِيلَ الذَّي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسولاً؟ قالَ : نَعَمْ . قالَ : فَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ القَضاءُ قَبْلِي. قَالَ رَسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: فَحَجَّ آدَمُ موسى))(١). ١٣ - الْبُوَيْطِيُّ * الإِمامُ العَلَّمَةُ، سيِّدُ الفُقهاء ، يوسف أبو يعقوب بن يحيى، (١) إسناده حسن من أجل هشام بن سعد، وأخرجه أبو داود (٤٧٠٢ ) في السنة : باب في القدر من طريق أحمد بن صالح عن ابن وهب بهذا الإسناد، وفي الباب عن أبي هريرة عند مالك ٨٩٨/٢، والبخاري ٤٤١/١١، ومسلم (٢٦٥٢) كلاهما في القدر، والترمذي (٢١٣٥) وأبي داود ( ٤٧٠١ ). * الجرح والتعديل ٩ / ٢٣٥، الفهرست: ٢٦٥، ٢٦٦، طبقات الشافعية للعبادي: ٧، تاريخ بغداد ١٤، ٢٩٩، ٣٠٣، طبقات الفقهاء للشيرازي : ٧٩، الأنساب ، ورقة: ٩٥ / ب، اللباب ١ / ١٨٩، وفيات الأعيان ٧ / ٦١، ٦٤، تهذيب الكمال : ١٥٦٢، ١٥٦٣، تذهيب التهذيب ٤ / ١٩٢ / ١، العبر ١ / ٤١١، طبقات الشافعية للسبكي ٢ / ١٦٢، ١٧٠، طبقات الشافعية للاسنوي: ٢٠٨، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: ٤٥، تهذيب التهذيب ١١ / ٤٢٧، ٤٢٩، النجوم الزاهرة ٢ / ٢٦٠، ٢٦١، حسن المحاضرة ١ / ١٢٣، خلاصة تذهيب الكمال: ٤٤٠، شذرات الذهب ٢ / ٧١، ٧٢. ٥٨ المصري الْبُوَيطي ، صاحبُ الإِمام الشافعي ، لازمه مدةً ، وتخرّج به ، وفاقَ الأقران . وحدث عن : ابنٍ وهب ، والشافعيِّ ، وغيرِهما . روى عنه : الربيعُ المُرادي، وإِبراهيمُ الحَرْبِيُّ، ومحمدُ بن إسماعيل الترمذي ، وأبو محمد الدارمي ، وأبو حاتم - وقال : هو صدوق(١) - وأحمدُ بن إِبراهيم بن فِيل، والقاسم بن هاشم السِّمسار ، وآخرون . وكان إِماماً في العلم ، قُدوةً في العمل ، زاهداً ربانياً ، متهجداً ، دائم الذِّكْرِ والعكوف على الفقه . بلغنا أن الشافعي قال: ليس في أصحابي أحدٌ أَعْلَمَ من البويطي . وقال الربيعُ بن سليمان : كان البُويطي أبداً يحرِّكُ شَفَتيه بذكرِ الله ، وما أبصرتُ أحداً أَنْزَع(٢) بحُجَّةٍ من كتابِ الله من البُويطي . ولقد رأيته على بغلٍ في عنقه غلُّ ، وفي رجليه قَيّدٌ ، وبينه وبين الغُلِّ سلسلةٌ فيها لَبِنة(٣) وزنُها أربعون رِطْلًا، وهو يقول: إِنما خلق اللهُ الخلقَ بـ((كُنْ))، فإِذا كانت مخلوقةً ، فكأنَّ مخلوقاً خُلق بمخلوق . ولئن أُدخِلتُ عليه لأَصْدُقَنَّه ، يعني : الواثق ، ولأموتنَّ في حدیدي هذا حتى يأتي قومٌ يعلمون أنه قد مات في هذا الشأنِ قومٌ في حديدهم (٤) . (١) ((الجرح والتعديل)) ٢٣٥/٩. (٢) كذا في ((وفيات الأعيان)) ٦٣/٧، و((تهذيب الكمال)): ١٥٦٣، و((طبقات الشافعية)) للسبكي ١٦٤/٢. وفي ((تاريخ بغداد) ٣٠٠/١٤: ((أسرع)). (٣) في ((تاريخ بغداد))، و((وفيات الأعيان)): فيها طوبة . (٤) ((تاريخ بغداد)) ٣٠٢/١٤، و((وفيات الأعيان)) ٦٢/٧، و((طبقات السبكي)) ١٦٤/٢ ٠ ٥٩ قال ابنُ خُزَيمة : كان محمدُ بن عبد الله بن عبد الحكم أعلمَ مَنْ رأيتُ بمذهب مالك ، فوقع بينه وبين البُويطي عند موت الشافعي ، فحدّثني أبو جعفر السُّكَّري قال : تنازّع ابنُ عبد الحكم والبُويطي مجلِسَ الشافعيِّ، فقال البُويطيُّ: أنا أحقُّ به منكَ، وقال الآخَرُ كذلك. فجاء الحُميدي ، وكان بمصر ، فقال : قال الشافعيُّ : ليس أحدٌ أحقَّ بمجلسي من يوسف ، ليس أحدٌ من أصحابي أعلمَ منه . فقال ابنُ عبد الحكم : كذبتَ . قال : بل كذبتَ أنت وأبوك وأمك . وغضب ابنُ عبد الحكم . فجلس البُويطي في مكانِ الشّافعي ، وجلس ابنُ عبدِ الحَكْم في الطاق الثالث(١). القاضي زكريا بن أحمد البلخي : حدثنا أبو جعفر محمدُ بن أحمد الترمذي ، حدثنا الربيعُ بن سليمان قال : كان البُويطي حين مرض الشافعي بمصر هو وابنُ عبد الحَكَم والمُزني ، فتنازعوا الحلقةَ ، فبلغ ذلك الشافعيَّ، فقال : الحلقةُ للبويطي . فلهذا اعتزل ابنُ عبد الحكم الشافعيّ وأصحابَه، وكانت أعظمَ حلقةٍ في المسجد . فكان البُويطيُّ يصومُ ، وَيَتْلُو غالباً في اليومِ والليلةِ خَتْمَةً مع صنائع المعروف(٢) إلى الناس . وبه إلى الربيع، قال: فَسُعِيَ بالبُويطي، وكان أبو بكر الأصم ممن سَعی به - وما هو بابن كيسان الأصم - وكان أصحابُ ابنِ أبِي دُوَاد ، وابنُ الشافعي ممن سعى به ، حتى كَتَّبَ فيه ابنُ أبي دُوَاد إِلى والي مصر ، (١) ((تاريخ بغداد)) ٣٠١/١٤، ونقله عنه ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) ٦٣/٧. وهو في ((طبقات الشافعية)) للسبكي ١٦/٢، وسيرد الخبر في الصفحة : ٤٩٩. (٢) في ((طبقات الشافعية)) للسبكي ١٦٤/٢، وهو متنوع في صنائع المعروف، كثير التلاوة ... ٦٠