النص المفهرس
صفحات 21-40
قال : ومات سنة سبع وأربعين ومثتين . قال أبو عُبيد القاسمُ بن سَلَام : ما قدِم علينا من فِتيان خراسان مثلُ حُميد بن زَنْجَويه، وأحمدَ بن شَبَّوَيْهِ(١) . قلت : آخِرُ أصحابه موتاً القاضي أبو عبد الله المَحامِلِيُّ . وذكره الحاكم ، فقال : أبو أحمدَ كثيرُ الحديث ، قديمُ الرحلة إلى الحجاز. ومصر، والشام . والعراقين(٢) ... إلى أن قال: روى عنه بالعراق إِماما الحديث : إبراهيمُ الحربي ، وعبدُ الله بن أحمد بن حنبل ، إِلى أن قال : قرأتُ بخطّ أبي عَمْرو المستملي : حدثنا حُمّيد بن زَنْجَويه النَّسائي بنيسابور سنة سبع وعشرين ومئتين . وقال أبو القاسم في ((شيوخ النَّبَل)): مات سنةً إحدى وخمسين ومئتين ، ويقال : سنة ثمان وأربعين ومثتين(٣). قلت : ارتحل في آخر عمره ناشراً لعلمه إِلى أَن وصل إلى مصر ، ثم خرجَ منها ، فأدْرَكْه المَنِيَّةُ في سنة إحدى وخمسين . هذا الصحيحُ في وفاته . سمعتُ أبا الحجاج الحافظ يقولُ لشيخنا أبي الفضلِ أحمدَ بنِ هبة اللّه في سنة ست وتسعين وست مئة: أخبركم أبو الغنائم المُسَلَّم (٤) أحمدُ (١) ((تاريخ بغداد)) ١٦١/٨، و((تهذيب الكمال)): ٣٤٣. (٢) أي : البصرة والكوفة . (٣) ((المعجم المشتمل)): ١١١. (٤) بضم الميم ، وفتح السين المهملة، وتشديد اللام المفتوحة، بعدها ميم . مترجم في ((تبصير المنتبه)) ١٢٨٣/٤، وذكره المؤلف في ((العبر)) ١٢٦/٥ فيمن توفي سنة احدى وثلاثين وست مئة . ٢١ ابن علي المازني سنة ثمان وعشرين وست مئة فَأَقَرَّ بِهِ ، أخبرنا عليُّ بن الحسن الحافظ ببعلبك(١): أخبرنا محمدُ بن الفضل الفُرَاوِيُّ ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمر الهَرَوِيُّ ، أخبرنا عبد الرحمن (٢) بن أبي شُرَيح ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا حُميد بن زَنْجَويه النَسَوِيُّ ، حدثنا عثمان بن صالح ، حدثنا ابنُ لَهِيعة، عن أبي قَبِيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه قال : الصِّيامُ والقُرآنُ يَشْفَعَانِ لِصاحِبِهِما يَوْمَ القِيَامَةِ . يَقولُ الصِّيامُ : يا ربِّ ، إِني مَنَعْتُهُ الطَّعامَ والشَّرابَ والشَّهَوات بالنَّهار ، فَشَفَّعْنِي فِيهِ ، ويقولُ القرآنُ : يا رَبِّ، إِنِّي مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيه ، فَيُشَفَّعَانِ فِيهِ . إِسناده لَيِّنٌ (٣). (١) في الأصل : ببلعبك ، وهو خطأ . (٢) لأئمة الحديث فرق بين ((حدثنا)) و((أخبرنا)) فقد قال الحاكم فيما نقله عنه ابن الصلاح ص ١٤٥ : الذي أختاره في الرواية ، وعهدت عليه اكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول في الذي يأخذه من المحدث لفظاً وليس معه أحد : حدثني فلان ، وما يأخذه من المحدث لفظاً ومعه غيره : حدثنا فلان ، وما قرأ على المحدث بنفسه: أخبرني فلان ، وما قرىء على المحدث وهو حاضر : أخبرنا فلان ثم قال ابن الصلاح : وقد روينا نحو ما ذكره عن عبد الله بن وهب صاحب مالك رضي الله عنهما وهو حسن رائق وقال یحیی بن سعيد : أخبرنا وحدثنا واحد وللإِمام الطحاوي رسالة في التسوية بين حدثنا وأخبرنا ، وهي من محفوظات المكتبة الظاهرية . (٣) من اجل ابن لهيعة ، ثم هو موقوف ، وقد أخرجه أحمد مرفوعاً ١٧٤/٢ من طريق موسى بن داود ، حدثنا ابن لهيعة ، عن حبي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول اللّه ◌َل# فذكره. وأخرجه الحاكم ١ /٥٥٤ من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني حبي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول اللّه ◌َله ... وصححه ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٨١/٣، وقال: رواه أحمد والطبراني في ((الكبير))، ورجال الطبراني رجال الصحيح .. ٢٢ ٤ - أبو هَمَّام * (م، د، ت، ق ) الإِمامُ الحافظُ الصدوقُ، أبو همّام ، الوليدُ بن الإِمام أبي بدر ، شجاع بن الوليد بن قيس ، السَّكُوني الكوفي ، ثم البغدادي . ٤٢٠ ٫٫ .. سمع أباه ، وإِسماعيلَ بن جعفر، وشَرِيكَ بن عبد الله القاضي ، وعبدَ اللّه بنَ المبارك ، وعبد الله بن وهب ، والوليد بن مسلم ، وطبقتَهم . جال في الحديث ، وجَمَع وأَلَّف . حدث عنه : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، وعباسٌ الدُّوري ، وموسى بنُ هارون ، وعبدُ الله بن ناجِيَة ، وأبو القاسم البَغَويُّ ، وأبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، ويحيى بنُ صاعد ، وخلقٌ كثير . قال يحيى بنُ مَعِين : لا بأس به(١). وقال أبو كُرَيب : ما أخرج إِليَّ الشيوخُ كتاباً إِلا وفيه : فَرَغَ أبو هَمَّامٍ، فَرَغَ أبو هَمَّام(٢). وقال محمدُ بن زكريا الغَلَابي : سمعتُ يحيى بنَ مَعِين يقولُ : عند أبي هَمّام مئةُ ألف حديث عن الثقات(٣). * الجرح والتعديل ٩ / ٧، تاريخ بغداد ١٣ / ٤٤٣، ٤٤٦، اللباب ٢ / ١٢٥، تهذيب الكمال : ١٤٦٧، ١٤٦٨، تذهيب التهذيب ٤ / ١/٢٤٠، خلاصة تذهيب الكمال : ٤١٦ . (١) ((تاريخ بغداد)) ٤٤٤/١٣، و((تهذيب الكمال)): ١٤٦٧، وتتمته فيهما : ليس هو ممن يكذب . (٢) ((تاريخ بغداد)) ٤٤٥/١٣، و((تهذيب الكمال : ١٤٦٧، وتتمته فيهما : ويوقفني على علامته . (٣) ((تاريخ بغداد)) ٤٤٤/١٣، و((تهذيب الكمال)) : ١٤٦٧، وتتمة الخبر: وما سمعته يقول فيه سوءاً قط . وكان يقول : ليس له بخت . ٢٣ وقال النسائي : لا بأس به(١). وقال أحمد بن حنبل : اكتبوا عنه(٢). وقال سُرَيج بن يونس: ما (٣) فعل ابنُ أبي بدر؟ كانوا يُضعِّفونه(٤). وقال صالحُ جَزَرَة : تكلموا في أبي همّام(٥). وقال أبو حاتم : لا يُحتج به(٦). قلت : قد احتج به مسلمٌ ، وهو على سَعَة علمه قلَّ أن تَجِدّ له حديثاً منكَراً . وهذه صفةُ مَنْ هو ثقةٌ . مات في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومئتين في عَشْر التسعين . وقع لي من عواليه . ٥ - أبو حُذَافَة * ( ق ) الإِمامُ المحدثُ الفقيهُ المُعَمِّر، أبو حُذافة ، أحمدُ بن إسماعيل بن (١) ((تهذيب الكمال)) : ١٤٦٧. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٤٤٤/١٣، و((تهذيب الكمال)) : ١٤٦٧. (٣) في ((تاريخ بغداد)): بما فعل ... . (٤) ((تاريخ بغداد)) ٤٤٤/١٣، و((تهذيب الكمال)) : ١٤٦٧ وتتمته فيهما : في الجرّاح أبي وكيع . (٥) ((تاريخ بغداد)) ١٣ /٤٤٥. (٦) ((الجرح والتعديل)) ٧/٩ . وقول أبي حاتم بتمامه : صدوق ، يكتب حديثه ، ولا يحتج به ، وهو أحب إليّ من أبي هشام الرفاعي، وقد نقل ذلك المزي في (( تهذيب الكمال )) ١٤٦٧ . فأبو حاتم يرى أن المترجم ضعيف عند انفراده ، ولا يقوى حديثه إلا بالمتابعة . * تاريخ بغداد ٤ / ٢٢، ٢٤، تهذيب الكمال: ١٧، تذهيب التهذيب ١ / ٧ / ١، ميزان الاعتدال ١ / ٨٣ ، العبر ٢ / ١٨، تهذيب التهذيب ١ / ١٥، ١٦، خلاصة تذهيب الكمال : ٤، شذرات الذهب ٢ / ١٣٩ . ٢٤ محمد بن نُبَيْه ، السَّهْمِيُّ القرشي المدني، نزيلُ بغداد، وبقيةٌ المُسنِدین . حدث عن: مالك بن أنسُ ((الموطأ))(١) ، فكان خاتمةً من روی عن مالك ، وعن عبد الرحمن بنِ أبي الزّناد ، ومسلمِ بن خالدِ الزَّنْجِيِّ، وعبدٍ العزيز بن محمد الدَّراوَرْدِيِّ، وحاتِم بن إِسماعيل ، وطائفةٍ . انفرد بالرواية عنهم ، وعاش مئة عام . حدث عنه : ابنُ ماجة ، ويحيى بنُ صاعد ، وعبدُ الوَهَّاب بن أبي عِصْمة، وإِسماعيلُ بن العباس الوراق، وابن خُزَيمةً ، ثم تّرَكَه ، وأبو عبد الله المَحَامِلِيُّ ، ومحمد بن مَخْلَد وآخرون . قال المَحَامِلِيُّ (٢): سمعتُ أبي يقولُ: سألتُ أبا مُصعبٍ عن أبي خُذافة ، فقال : كان يحضُر معنا العرضَ على مالك(٣). وقال الدارقطني : هو قويُّ السماعِ عن مالك . (١) في ((تنوير الحوالك)) ٩/١: قال الحافظ صلاح الدين العلائي: روى ((الموطأ)) عن مالك جماعات كثيرة ، وبين روايتهم اختلاف من تقديم وتأخير وزيادة ونقص ، واكبرها رواية القعنبي، ومن أكبرها وأكثرها زيادات رواية أبي مصعب، فقد قال ابن حزم: في ((موطأ)» أبي مصعب زيادة على سائر الموطآت نحو مئة حديث . قلت : وقد سرد القاضي عياض في ((ترتيب المدارك)) ٢٠٢/١، ٢٠٣ أسماء من روى ((الموطأ)) من الأئمة والمشاهير والثقات عن مالك، واللكنوي في (( التعليق الممجد)» ص ١٨ وما بعد . والمطبوع منها رواية يحيى بن يحيى المصمودي الليثي المتوفى سنة ٢٣٤ هـ ورواية محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة المتوفى سنة ١٨٩ هـ . (٢) بفتح الميم والحاء ، وسكون الالف، وكسر الميم واللام : نسبة الى المحامل التي يحمل فيها الناس وهو القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد .. المتوفى سنة ٣٣٠ هـ وسترد ترجمته في الجزء الخامس عشر من هذا الكتاب . (٣) ((تاريخ بغداد)) ٢٤/٤، و((تهذيب الكمال)): ١٧ . ٢٥ وقال البَرْقاني (١): كان الدارقطنيُّ حَسَنَ الرأي في أبي حذافة ، وأمرني أن أُخرِّج حديثه في ((الصحيح))(٢). وقال الخطيب : قرأتُ بخط الدارقطني : أحمدُ بن إِسماعيل ، أبو حذافة، ضعيفُ الحديث، كان مُغَفَّلاً. روى ((الموطأ)) عن مالك مستقيماً ، وأُدْخِلَت عليه أحاديثُ عن مالك في غير ((الموطأ))، فَقِبِلَها، لا يحتج به (٣). قال الخطيب : لم يكن ممن يتعمد الباطل (٤). قلت : ممّا نقموا عليه روايتُه عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عُمر مرفوعاً: ((أَقْطَرَ الحاجِمُ))(٥) . وبهذا السند حديثُ : (قَضَى باليمين مَعَ الشَّاهِد))(٦). فهذا إِسناد مركب ، ولم يأت أبو حذافة بمتٍ باطل . (١) بفتح الباء الموحدة ، وسكون الراء المهملة ، وفتح القاف : نسبة الى قرية بنواحي خوارزم . والبرقاني هذا هو الإِمام أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب ، الفقيه ، المحدث ، الأديب المتوفى سنة ٤٢٥ هـ ، وسترد ترجمته في الجزء السابع عشر من الكتاب . (٢) ((تاريخ بغداد)) ٢٤/٤، و(تهذيب الكمال)): ١٧. (٣) ((تاريخ بغداد)) ٢٤/٤. (٤) ((تاريخ بغداد)) ٢٤/٤. (٥) ورواه ابن عدي في ((الكامل)) لوحة ١٧٤ من حديث الحسن بن أبي جعفر عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر، وأعله بالحسن هذا، وجعله من منكراته، وقال: لا أعلمه يرويه كذلك غيره، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب، لكنه يهم ويغلط، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٦٩/٣ ونسبه للطبراني في ((الأوسط))، وقال: وفيه الحسن بن أبي جعفر الجُفْري، وفيه كلام وقد وثق. قلت: ((الحديث)) روي من حديث ثوبان، ورافع بن خديج ، وشداد بن أوس، وأبي موسى الأشعري ، ومعقل بن سنان، وأسامة بن زيد، وبلال، وعلي، وعائشة، وأبي هريرة وابن عباس، وغيرهم وهو حديث صحيح، لكنه منسوخ انظر ((زاد المعاد)) ٦٠/٢، و((نصب الراية)) ٤٧٢/٢، ٤٧٧، و((زوائد البزار)) ٤٧١/١، ٤٧٨، و((معجم الزوائد)) ١٦٨/٣، ١٧٠. (٦) وهو ضعيف بهذا السند، لكن صح من حديث ابن عباس أخرجه مسلم (١٧١٢) في = ٢٦ وقد رماه بالكذب الفضلُ بن سهلٍ الأعرج(١) . مات يوم الفِطر سنة تسع وخمسين . وقع لنا من عواليه . ٦ - الحَسَنِ بنُ عيسَى بنِ ماسَرْجِس (٢)* (م، د، س) الإِمامُ المحدثُ الثقة الجليل ، أبو علي النيسابوريُّ . حدث عن : أبي الأَحْوَصِ سَلَّمٍ بن سُلَيم ، وأبي بكر بنِ عَّاش ، وجريرِ بن عبد الحميد ، وعبد الله بن المبارك مولاه ، وعبد السلام بن حرب ، وسُعَير بن الخِمْس(٣)، ونوح بن أبي مريم ، وأبي معاوية الضريرِ، وطبقتهم . = الأقضية، والشافعي في مسنده ٢ / ٢٣٤، ومن حديث أبي هريرة عند أبي داود (٣٦١٠) والترمذي (١٣٤٣) وابن ماجة (٢٣٦٨) وسنده حسن، وعن جابر بن عبد الله عند الترمذي (١٣٤٤) وابن ماجه (٢٣٦٩)، وعن علي عند الدارقطني ص ٥١٦، ونقل الزيلعي في ((نصب الراية)) ٩٧/٤ قول ابن عبد البر: وقد روي القضاء باليمين والشاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وسعد بن عبادة ، والمغيرة بن شعبة ، وجماعة من الصحابة . وانظر (( الطرق الحكمية )) ٦٦، ٧٥ لابن القيم . (١) ((تهذيب التهذيب)) ١٦/١. وجاء فيه: قال ابن عدي: حدث عن مالك بالموطأ، وحدث عن عمه بالبواطيل . (٢) بفتح الميم والسين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم والسين المهملة الثانية. ((اللباب ١٤٧/٣٨. * التاريخ الكبير ٢ / ٣٠٢، التاريخ الصغير،٢ / ٣٧١، الجرح والتعديل ٣ / ٣١، تاريخ بغداد ٧ / ٣٥١، ٣٥٤، اللباب ٣ /١٤٧، تهذيب الكمال : ٢٨٠، ٢٨١، تذهيب التهذيب ١ / ١٤٤ / ٢، العبر ١ / ٤٣٢، تهذيب التهذيب ٢ / ٣١٣، ٣١٥، خلاصة تذهيب الكمال : ٨٠، شذرات الذهب ٢ / ٩٤. (٣) سُعير، بمهملات، آخره راء، مصغر. والخيْس، بكسر المعجمة، وسكون الميم، وبعدها سين مهملة . قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم : صالح الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وهو مترجم في ((تهذيب التهذيب)) ١٠٥/٤، ١٠٦. ٢٧ روى عنه: مسلمٌ، وأبو داود، وبواسطةٍ النَّسائيُّ ، والبخاريُّ في غيرِ ((صحيحه))، وزكريا خَيَّطُ السُّنَّةِ(١)، وأبو يَعْلَى المَوْصليُّ، وأبو القاسم البَغَويُّ، ويحيى بنُ صاعد، وأبو العباس السَّرَّاج ، وآخرون . وقد حدث عنه أحمدُ بن حنبل مع تقدمه . كان من كُبراء النصارى ، فأسلم . قال الحاكم : سمعتُ الحُسين بن أحمد الماسَرْجِسِيَّ ، يحكي عن جَده وغيره ، قال : كان الحسنُ والحسين ابنا عيسى يركبان معاً ، فيتحيَّ الناسُ من حُسْنِهِما وَبَزَّتهما، فاتفقا على أن يُسْلِما، فقصدا حفص بن عبد الرحمن ، فقال : أنْتُما من أَجَلِّ النصارى ، وابنُ المبارك قادمٌ(٢) لِيَحُجَّ، فإِذا أَسْلَمْتُما على يده كان ذلك أعظم عند المسلمين ، وأرفعَ لكما ، فإِنَّه شيخُ المَشْرِق . فانصرفا عنه ، فمرض الحُسينُ ، فمات نصرانياً . فلما قدم ابنُ المبارك ، أسلم الحسنُ على يده(٣). قلت : يَبْعُد أن يأمُرَهما حفصٌ بتأخير الإِسلام ، فإِنهِ رجلٌ عالم . فإِن صح ذلك فموتُ الحسينُ مُريداً للإِسلام ، مُنتظِراً قدومَ ابنِ المبارك لُسلم نافع له . قال الحاكم : حدثنا الحافظُ أبو عليّ النيسابوريُّ عن شيوخه أنَّ ابن المبارك نزَل مرةً برأس سِكَّةٍ عيسى ، وكان الحسنُ بن عيسى يركب (١) هو زكريا بن يحيى بن إياس بن سلمة السُّجْزِي، أبو عبد الرحمن، المعروف بـ: ((خياط السُّنَّة)) لأنه كان يخيط أكفان أهل السنة. توفي سنة ٢٨٩ هـ. وسترد ترجمته في الجزء الثالث عشر ترجمة رقم ( ٢٥٢ ) . (٢) في ((تاريخ بغداد)): وعبد الله بن المبارك خارج في هذه السنة الى الحج . (٣) (تاريخ بغداد)) ٣٥٢/٧، و((تهذيب الكمال)) ٢٨١. /٢ فيجتاز به وهو في المجلس، وكان مِن أحسنِ الشباب [ وجهاً](١)، فسأَل ابنُ المبارك عنه ، فقيل : هو نصرانيٌّ . فقال : اللهمَّ ارزقْه الإِسلام ، فاستجيب له(٢). قال أبو العباس السَّرَّاجُ : حدثنا الحسنُ بن عيسى مولى عبدِ الله بن المبارك، وكان عاقلاً: عُدَّ في مجلسه بباب الطَّاقِ(٣) اثنا عشر ألف محبرة (٤). ومات بالتَّعْلَبِيَّة(٥) مُنصَرفَه من مكة سنة تسع وثلاثين ومئتين . وقال أحمدُ بن محمد بن بكر : مات سنةً أربعين . قال الحاكم : سمعتُ ابني المؤمل بن الحسن . يقولان : أنفق جَدُّنا في الحَجَّة التي توفي فيها ثلاثَ مئة ألف(٦). قال الحاكم : فَحجَجْت مع ابني المؤمَّل ، وزرنا بالثعلبية قبر جدِّهما ، فقرأْتُ على لوح قبره: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجراً إلى اللَّهِ وَرَسولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. [النساء: ١٠٠]. (١) ما بين حاصرتين من ((تاريخ بغداد)) و((تهذيب الكمال)). (٢) (تاريخ بغداد)) ٣٥٢/٧، و((تهذيب الكمال)): ٢٨١. (٣) محلة كبيرة ببغداد بالجانب الشرقي بين الرصافة ونهر المعلّى. وتعرف أيضاً بطاق أسماء ، نسبة إلى أسماء بنت المنصور . وكان طاقاً عظيماً ، وكان في دارها التي صارت لعلي بن جهشيار صاحب الموفق الناصر لدين الله ، وعند هذا الطاق كان مجلس الشعراء في أيام الرشيد . (٤) ((تاريخ بغداد)) ٣٥٣/٧، و(تهذيب الكمال)): ٢٨١. (٥) بفتح الثاء : من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية . (٦) (تاريخ بغداد)) ٣٥٤/٧، و(تهذيب الكمال)): ٢٨١. ٢٩ هذا قبرُ الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس ، مولى عبد الله بن المبارك . توفي في صفر سنة أربعين(١) . . وقال محمدُ بن المؤمَّل بن الحسن : سمعتُ أبا يحيى البَزَّاز يقولُ لأبي رجاء القاضي : كنتُ فيمن حَجّ مع الحسن بن عيسى وقتَ مَوْتِه ، فاشتغلتُ بحفظ جَمَلِي (٢) عن شهوده ، فَأُرِيتُه في النوم ، فقلتُ : ما فعل اللهُ بك ؟ قال : غَفَر لي ولكلٍّ من صلَّى عليَّ . قلت : فإِني فاتني الصلاةُ عليك لغيبةٍ عَدِيلي(٣)، فقال: لا تجزع، وغُفِر لكل من يترحَّم عليَّ (٤). رحمه الله . قلت : وفي ذريته وأقاربه مُحدِّثون وفُضلاء . ٧ - المُتوكِّل على اللَّهِ * الخليفةُ ، أبو الفضل ، جعفرُ بن المعتصم بالله محمدٍ بن الرشيد هارونَ بنِ المهدي بن المنصور ، القرشيُّ العباسي البغدادي . ولد سنة خمس ومئتين . (١) ((تاريخ بغداد)) ٣٥٣/٧، ٣٥٤، و((تهذيب الكمال)): ٢٨١. (٢) في ((تاريخ بغداد)): بحفظ محملي وآلاتي عن شهوده. وفي ((تهذيب الكمال)): بحفظ محملي وآلاتي عن حضور جنازته (٣) في ((تاريخ بغداد)) ٣٥٤/٧: لغيبة العديل عن الرحل . (٤) ((تاريخ بغداد)) ٣٥٤/٧، و((تهذيب الكمال)): ٢٨١ . * أخباره متفرقة في تاريخ الطبري: الجزء التاسع ، تاريخ بغداد ٧ / ١٦٥، ١٧٢ ، الكامل لابن الأثير: الجزء السابع، وفيات الأعيان ١ / ٣٥٠، ٣٥٦، العبر ١ / ٤٤٩، فوات الوفيات ١ / ٢٩٠، ٢٩٢، البداية والنهاية ١٠ / ٣١٠ وما بعدها و: ٣٤٩، ٣٥٢، العقد الثمين ٣ / ٤٣١، ٤٣٢، النجوم الزاهرة ٢ / ٢٧٥ وما بعدها و : ٣٢٤، تاريخ الخلفاء : ٣٤٦، ٣٥٦، شذرات الذهب ٢ / ١١٤، ١١٦. ٣٠ وبويع عند موت أخيه الواثق في ذي الحِجَّةِ سنة اثنتين وثلاثين : حكى عن : أبيه ، ويحيى بنٍ أكثم . وكان أسمرَ جميلاً، مليحَ العينين ، نحيف الجسم ، خفيف العارضين ، رَبْعةً، وأمُّه اسمُها شجاع . قال خليفةُ بن خياط : استُخلف المتوكلُ ، فأظهر السُّنَّةَ ، وتكلم بها في مجلسه ، وكتب إلى الآفاق برفعِ المحنةِ ، وبَسْطِ السُّنَّةِ، وَنَصْرٍ أهلِها . وقد قدم المتوكل دمشق في صفر سنة ٢٤٤ فأعجبتْه ، وعزم على المُقام بها ، ونقلَ دواوينَ المُلْكِ إِليها، وأمر بالبناءِ بها ، وأمر للأتراكِ بمالٍ رَضُوا به، وأنشأ قصراً كبيراً بدارَيًّا مما يلي المِزَّةَ(١). قال عليُّ بن الجَهْمِ : كانت للمتوكل جُمَّةٌ (٢) إِلى شحمة أذنيه مثل أبيه والمأمون . وقال الفَسَوِيُّ : رَجَع من دمشق بعد شهرين إلى سامَراء . وقيل : نُعِتت له دمشق ، وأنها تُوافِقِ مِزاجَهُ، وتُذهِبُ عِلَلَه التي تَعرِضُ له بالعراق . قال خليفة(٣): وحج بالناسٍ قبل الخلافة . (١) لم أجد هذا الخبر في المطبوع من ((تاريخ خليفة)). وقال الشاعر يزيد بن محمد المهلبي في انتقال المتوكل إلى داريا : إذا عَزَمَ الإِمامُ على أنْطِلاقِ أَظُنُّ الشَّامَ تَشْمَتُ بالعراقِ فَقَدْ تُبْلى المَلِيحَةُ بِالطَّلاقِ فإنْ يَدَعِ العِراقَ وساكِنِيه (٢) الجُمَّة، بضم الجيم، وتشديد الميم المفتوحة : مجتمع شعر الرأس ، وهي أكثر من الوفرة. وفي الحديث: كان لرسول اللّه ◌َيَرْ جُمَّةٌ جَعْدة . (٣) انظر ((تاريخ خليفة)): ٤٧٨. ٣١ وكان قاضي البصرة إِبراهيم بن محمد التيمي يقول : الخلفاء ثلاثة : أبو بكرٍ يومَ الرِّدَّة، وعُمر بن عبد العزيز في رَدِّ المظالم من بني أمية ، والمتوكل في مَحْوِ البدع، وإظهار السنة(١). وقال يزيد بن محمد المُهَلَّبيُّ : قال لي المتوكل : إِن الخلفاء كانت تتصعب على الناس ليُطيعوهم(٢)، وأنا أُلِينُ لهم لِيُحِبُّوني ويُطيعوني . وحكىْ الأَعْسَم (٣) أن علي بن الجهم دخل على المتوكل ، وبيده دُرَّتان يقلَُّهُما، فأنشده قصيدة له ، فدحا(٤) إِليه بالواحدة فقَلَّبْتُها(٥)، فقال : تستنقصُ بها؟ هي واللهِ خيرٌ من مئة ألف . فقلتُ : لا واللهِ ، لكِنِّي فكّرْتُ في أبياتٍ آخذُ بها الأُخرى . وأنشأتُ أقول : تَغْرِفُ مِنْ بَحْرِهِ البِحارُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى إِمامُ (٦) عَدْلٌ (٧) كَأَنَّهُ جَنَّةٌ وَنَارُ يُرجَى وَيُخْشَى لِكُلِّ خَطْبٍ ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ المُلْكُ فِيهِ وَفِي بَنِيهِ(٨) إِلاَّ أَتَتْ مِثْلَها اليَسَارُ(٩) لَمْ تَأْتٍ مِنْه اليَمِينُ شَيْئاً (١) ((فوات الوفيات)) ٢٩٠/١، ((تاريخ الخلفاء)): ٣٤٦، و((النجوم الزاهرة)) ٣٧٥/٢ . (٢) في ((فوات الوفيات))٢٩١/١ ... كانت تغضب على الرعية لتطيعها. (٣) تحرفت في ((تاريخ بغداد)) إلى: الأعثم ، بالثاء . (٤) أي: رماها إليه ودفعها . (٥) في الأصل: فقبلتها، وهو تحريف، والمثبت من ((تاريخ بغداد)) ١٦٧/٧، و(وتاريخ الخلفاء)»: ٣٤٩ . (٦) في ((تاريخ بغداد)) : أمير . (٧) سقطت من ((تاريخ ابن كثير)) . (٨) في ((تاريخ بغداد)) أبيه . (٩) الأبيات في ((تاريخ بغداد)) ١٦٧/٧، و((تاريخ ابن كثير)) ٣٥٠/١٠، و((تاريخ الخلفاء)»: ٣٤٩ . وجاء في هذه المصادر قبل البيت الأخير : يَداه في الجُودِ ضرَّتان عَلَيْهِ كلتاهُمَا تَغَارُ ٣٢ فدحًا بِها إِليَّ، وقال : خذْها ، لا بارك اللهُ لكَ فيها . قال الخطيب(١): ورُوِيت هذه للبُحْتُرِيُّ في المتوكل(٢). وعن مروان بن أبي الجَنوب أنه مدح المتوكلَ بقصيدةٍ ، فوصله بمئةٍ وعشرين ألفاً وثيابٍ . قال عليُّ بن الجَهْم : كان المتوكلُ مشغوفاً بقبيحةَ لا يصبِرُ عنها . فوقفتْ له وقد كتبتْ على خدها بالغالية (٣): ((جعفر))، فتأمّلها، ثم أنشأ يقولُ : بِنَفْسِي مَحَطُّ المِسْكِ مِنْ حَيْثُ أَثَّرا وَكاتبةٍ بِالمِسْكِ في الخَدِّ جَعْفراً لَقَدْ أَوْدَعَتْ قلبي مِنَ الحُبِّ أَسْطُرًا(٤) لَئِنْ أَوْدَعَتْ سَطْراً مِنَ المِسْكِ خَدَّها وفي أول خلافته كانت الزلزلةُ بدمشق ، سقط شُرُفاتُ الجامع ، وانصدع حائطُ المحراب ، وهلكَ خَلْقٌ تحت الردم ، دامت ثلاثَ (١) في ((تاريخه)) ١٦٧/٧. (٢) في ((تاريخ بغداد)) ١٦٧/٧، ١٦٨، بلفظ : تَغْرِفُ مِنْ بَحْرِهِ البِحارُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى لَنا إمامٌ خَليفةٌ يُرْتَجَى ويُخْشَى ونارٌ جَنَّةٌ کانّه. تَغَارُ كأنها ضرَّةٌ كِلتّا يَدَيْه تَفِيضُ سَجّاً إلا أنّتْ مثلَها اليسارُ فليس تأتي اليمين شيئاً ما اخْتَلَف الليلُ والنَّهارُ فالمُلْكُ فِيهِ وفي بَنِيه (٣) هي نوع من الطّيب، مُرَكَّبٌ من مِسْكٍ وعنبر ودهن . (٤) البيتان في ((الأغاني) ٣١١/١٩ ونسبهما أبو الفرج لفضل الشاعرة، وروايتهما عنده: بنفسي سوادُ المِسْكِ مِنْ حَيْثُ أَثَرا وكاتبةٍ بِالمِسْكِ فِي الْخَدِّ جَعْفَرا لَيْنْ أَثْرَتْ بِالمِسْكِ سَطْراً بِخَدِّها لَقَدْ أوْدَعَتْ قلبي مِنَ الحزنِ أَسْطُرا وهما في ((تاريخ ابن كثير)) ٣٥١/١٠، والبيت الأول فيه برواية : بنَفْسي تَحُطُّ المِسْكَ مِنْ حَيْثُ أَثْرا وكاتبةٍ في الخَدَّ بالمِسْكِ جَعْفرا وهما في ((تاريخ الخلفاء)): ٣٥٠، و((النجوم الزاهرة)) ٣٢٥/٢ باختلاف في اللفظ . ٣٣ ساعات ، وهرب الناس إِلى المُصَلَّى يستغيثون . وقال أحمدُ بن كامل (١) في ((تاريخه)): ومات تحت الهدم مُعظمُ أهلها ، كذا قال ، وامتدت إِلى الجزيرة ، وهلك بالمَوْصل خمسون ألفاً ، وبأنطاكية عشرون ألفاً ، وبُلي ابنُ أبي دُوَاد بالفالج . وفي سنة ٢٣٤ أظهر المتوكلُ السُّنَّةَ ، وزجرَ عن القولِ بخلقٍ القرآن ، وكتبَ بذلكَ إِلى الأمصار، واستقدم المُحدِّثين إِلى سامَرَّاء ، وَأَجْزَلَ صِلَاتِهم، ورَوَوْا أحاديثَ الرُّؤْيَة والصفات (٢). وَنَزَعَ الطاعةَ محمَّدٌ ابنُ الْبُعَيْث نائبُ أذربيجان وأرمينية ، فسار لحربه بُغا الشَّرابي، ثم بَعْدَ فُصولٍ أُسر(٣). وفي سنة ٢٣٥ أَلْزَمَ المتوكلُ النصارى بلُبس العَسَلِيّ (٤). وفي سنة ستٍّ أحضرَ القُضَاة من البلدان لَيَعْقِد بولاية العهد لبنيه : المنتصر محمد ، ثم للمُعتَزِّ ، ثم للمؤيَّد إِبراهيم . وكانت الوَقْعَة بين المسلمين والروم ، ونصر الله . (١) هو أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة، من العلماء بالأحكام وعلوم القرآن والنحو والتاريخ. تولى قضاء الكوفة، وتوفي سنة ٣٥٠ هـ . (٢) أي: رؤية الله عز وجل يوم القيامة ، كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة. وأما رؤية الله سبحانه وتعالى عَيَاناً في الحياة الدنيا فلم تثبت لأحد، ولا لنبينا محمد مل على الصحيح، وبيان ذلك في ((زاد المعاد)) ٣٦/٣ وما بعدها لابن القيم طبع مؤسسة الرسالة . (٣) راجع ((الكامل)) لابن الأثير ٤١/٧ وما بعدها، و((تاريخ الطبري»١٦٤/٩، ١٦٦، و((تاريخ ابن كثير)،٣١٢/١٠، و((النجوم الزاهرة)) ٣٧٥/٢. (٤) (الكامل)) لابن الأثير ٥٢/٧، وفيه أيضاً :... بئْسِ الطيالسة العسلية، وشَدَّ الزنانير، وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كُرّتين في مؤخر السروج .. وانظر «تاريخ ابن كثير)» ٣١٣/١٠. ٣٤ وفي سنة ستٍّ وثلاثين هَدَمَ المتوكلُ قبَرَ الحُسين رضي الله عنه ، فقال البَسَّامِيُّ(١) أبياتاً منها: أَسِفُوا عَلَى أَنْ لَا يَكُونُوا شاركوا فِي قَتْلِهِ فَتَتَبَّعوهِ رَميما (٢) وكان المتوكلُ فيه نَصْبٌ وانحرافٌ ، فَهَدَم هذا المكانَ وما حوله من الدُّور، وأمر أن يُزرع، ومنَع الناسَ من انتيابه(٣). قال ابنُ خَلِّكان : هكذا قاله أربابُ التواريخ . وفي سنة سبع قتلت الأمراءُ عاملَ أرمينية يوسف ، فسار لحربهم بُغا الكبير ، فالتقوا ، وبلغت المقتلةُ ثلاثين ألفاً(٤) . وعفَّى قبر الشهيدِ الحسينِ وما حولَه من الدور . فكتب الناسُ شتَم المتوكلِ على الحيطان ، وهجته الشعراءُ كَدِعْبِل وغيره . وبعث المتوكلُ إِلى نائبِه بمصر ، فحلقّ لحيةً قاضي القضاة محمدٍ بن أبي الليث ، وضربه ، وطَوَّف به على حمارٍ في رمضان ، وسُجن ، وكان ظلوماً (١) هو أبو الحسن ، علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام ، المعروف بالبَّسَّامي ، أو بابن بسام ، الشاعر المشهور في زمن المقتدر العبّاسي ، سترد ترجمتُه في الجزء الرابع عشر من هذا الكتاب ترجمة رقم ( ٥٦ ) . (٢) البيت في ((وفيات الأعيان)) ٣٦٥/٣، و((فوات الوفيات)) ٢٩٢/١، و(( تاريخ الخلفاء)) : ٣٤٧. ونُسب البيت في ((النجوم الزاهرة)) ٢٨٤/٢، إلى يعقوب بن السكيت . وجاء في هذه المصادر قبل البيت : قَتْلَ ابنٍ بِنْتِ نَبِيِّها مظلوما تألّله إنْ كانَتْ أُمَيَّةُ قَدْ أَتْ هذا لعمرُكَ قَبْرُهُ مَهْدوما فلقد أتاهُ بَنو أبيهِ بِمِثْلِه أسِفُوا على ٠٠٠٠٠٠. البيت (٣) ((الكامل)) لابن الأثير ٥٥/٧، وفيه: من إثيانه. وفي ((تاريخ الطبري)) ١٨٥/٩؛ وامتنعوا من المصير إليه. وفي ((فوات الوفيات)) ٢٩١/١، ٢٩٢: ومنع الناس من زيارته. وانظر ((تاريخ ابن كثير)) ١٠ /٣١٥، و((تاريخ الخلفاء)): ٣٤٧، و ((النجوم الزاهرة)» ٢٣٥/٢ . (٤) ((الكامل)) ٥٨/٧، و((تاريخ الطبري)) ١٨٧/٩، وانظر (تاريخ ابن كثير)) ٣١٥/١٠. ٣٥ جهميّاً . ثم وَلِيَ القضاء الحارثُ بن مسكين ، فكان يضرِبُه كلِّ حينٍ عشرين سوطاً ليؤدي ما وجب عليه ، فإنَّا لِلَّه . وغضب المتوكلُ على أحمد بنِ أبي دُوَاد ، وصادره ، وسَجَن أصحابَه، وحُمِّل ستةً عشر ألف ألف درهم(١)، وافتقر هو والُه. وَوَلَّى يحيى بنَ أكثم القضاء ، وأطلقٌ من تبقّى في الاعتقال ممّن امتنع من القولِ بخلق القرآن ، وأُنْزِلت عِظامُ أحمدَ بنِ نصرِ الشهيدِ ، ودفنها أقارِبُه ، وبنى قصرَ العروسِ بسامَرَّاء ، وأنفقَ عليه ثلاثون ألف ألف درهم . والتمس المتوكلُ من أحمد بن حنبل أن يأتيَه ، فذهب إِلى سامَرَّاء ولم يجتمع به ، استعفى ، فأعفاه ، ودخل على ولده المعتز ، فدعا له . وفي سنة ثمانٍ وثلاثين ، عصى مُتولّي تِفْلِيس ، فنازلها بُغا ، وقتلَ مُتولِيها وأحرقها ، وفعل القبائح ، وافتتح عِدَّةً حصون(٢). وأقبلت الرومُ في ثلاث مئة مَرْكَب ، فكبسوا دمياط ، وسَبّوْا ستَّ مئة امرأةٍ، وأحرقوا، وَرَدُّوا مُسرِعين، فحصَّنها المتوكل(٣). وفي سنة ٢٣٩ غزا يحيى بنُ علي الأَرْمني بلادَ الروم ، حتى قربُ من (١) في ((الكامل)) ٥٩/٧ في أحداث سنة سبع وثلاثين ومثتين : وفيها غضب المتوكل على أحمد بن أبي دُوَاد وقبض ضياعه وأملاكه ، وحبس ابنه أبا الوليد وسائر أولاده ، فحمل أبو الوليد مئة ألف وعشرين ألف دينار، وجواهر قيمتها عشرون ألف دينار . . ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم. وكذا في ((تاريخ الطبري)) ١٨٩/٩ . والخبر في ((تاريخ ابن كثير)) ٣١٥/١٠، ٣١٦. (٢) ((الكامل)) ٦٧/٧، و((تاريخ الطبري)) ١٩٢/٩، ١٩٣، و((تاريخ ابن كثير)) ٣١٧/١٠. (٣) ((الكامل)) ٦٨/٧، و((تاريخ الطبري) ١٩٣/٩، ١٩٥، و((تاريخ ابن كثير)) ٣١٧/١٠، و((النجوم الزاهرة)) ٢٩٤/٢. ٣٦ القُسطنطينية ، وأحرقَ ألفَ قرية ، وسبى عشرين ألفاً ، وقتل نحوَ العشرة آلاف، وعُزِل يحيى بنُ أكثم من القضاء ، وأُخذ منه أربعةُ آلاف جرِیب ومئة ألف دينار(١) . وفي سنة أربعين فيها سمع أهل خلاط (٢) صَيْحةً من السماء ، مات منها جماعةٌ كثيرة(٣) . وفي سنة ٢٤١ ماجت النجومُ، وتناثرت شِبْهَ الجَرَاد أكثرَ الليل، فكان ذلك آيةً مزعجة (٤) . وفيها خرج ملكُ الْبُجَاة (٥)، وسار المصريون لحربه ، فحملوا على البجاة ، فنفرَتِ جِمالُهم، وكانوا يُقاتِلُون، ثم تمزّقوا، وقُتل خلقٌ ، وجاء ملكهُم بأمانٍ إِلى المتوكل ، وهم يعبدون الأصنام(٦). وفي سنة ٢٤٢ الزلزلةُ بِقُومِس والدَّامَغَان، والرِّي وَطَبَرِسْتان، ونيسابور، وأَصْبَهان ، وهلك منها بِضْعَةٌ وأربعون ألفاً، وانهدَّ نصفُ مدينة الدامَغَان (٧). (١) قال ابن الأثير في ((الكامل)) ٧٤/٧ بحوادث ٢٤٠ هـ: في هذه السنة عُزِل يحيى بن أكثم عن القضاء ، وقبض منه ما مبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، وأربعة آلاف جريب بالبصرة. وكذا في ((تاريخ الطبري)) ١٩٧/٩، ١٩٨. (٢) بكسر أوله ، وآخره طاء مهملة : هي قصبة أرمينية الوسطى . (٣) ((تاريخ الخلفاء)): ٣٤٨، و((النجوم الزاهرة) ٣٠١/٢. (٤) ((تاريخ ابن كثير)) ٣٢٤/١٠، و((النجوم الزاهرة)) ٣٠٤/٢. (٥) في ((تاريخ الطبري)) و((ابن كثير)): البجة. (٦) ((تاريخ الطبري)) ٢٠٣/٩، ٢٠٦، و((الكامل)) ٧٧/٧، و((تاريخ ابن كثير)) ٣٢٤/١٠. (٧) ((تاريخ الطبري)) ٢٠٧/٩، و((الكامل)) ٨١/٧، و((تاريخ ابن كثير)) ٣٤٣/١٠، و((النجوم الزاهرة)) ٣٠٧/٢. ٣٧ وفي سنة ٢٤٤ نَفى المتوكلُ طبيبَه بَخْتِيَشوع(١). واتَّفقَ عيدُ النحر وعُيِّد النصارى وعيدُ الفَطير(٢) في يومٍ واحد(٣) . وفي سنة ٢٤٥ عمّتِ الزلزلةُ الدنيا ، ومات منها خلائق . وبنى المتوكلُ الماحوزة، وسمّاها الجَعْفَرِيَّ (٤)، وأنفق عليها بعد معاونةِ الجيش له ألفي ألف دينار ، وتحوَّل إِليها » وفيها وقع بناحيةِ بَلْخ مطرٌ كالدم العبيط. وكان المتوكلُ جَواداً مُمَدَّحاً لعَّاباً، وأراد أن يعزِل من العهد المنتصرَ ، ويُقدّم عليه المُعتَزَّ لحبِّه أمَّهُ قبيحَة ، فأبى المنتصرُ ، فغضب أبوه وتهدَّده ، وأغرى به ، وانحرفت الأتراكُ على المتوكلِ لمُصادرته وصيفاً وبُغا حتى اغتالوه . قال المُبَرِّد : قال المتوكلُ لعليٍّ بن محمد بن الرِّضا: ما يقولُ ولدُ أبيك في العباس ؟ قال : ما تقولُ يا أمير المؤمنين في رجلٍ فرض اللهُ طاعتَه على نبِّه، وذكر حكايةً طويلة ، وبكى المتوكلُ ، وقال له : يا أبا الحسن ، لَيِّنْتَ مِنَّا قلوباً قاسية ، أعليكَ دَيْنٌ ؟ قال : نعم ، أربعة آلاف دينار ، فأمَرَ له بها . حكى المسعوديُّ أَنَّ بُغا الصغير(٥) دعا بباغر التركي ، فكلَّمه ، وقال : ، ۔ (١) هو بختيشوع بن جبريل ، طبيب نصراني ، صاحب تصانيف عدة . توفي في حدود الستين ومثتين . قال ابن أبي أصيبعة : ومعنى بختيشوع عبدُ المسيح، لأن في اللغة السريانية : البخت : العَبْد، ويشوع : عيسى عليه السلام . (٢) في ((تاريخ الطبري)) و((الكامل)): الفِطر وهو تحريف . (٣) ((تاريخ الطبري)) ٢١١/٩، و((الكامل)) ٨٥/٧، و((تاريخ ابن كثير)) ٣٤٦/١٠، و((النجوم الزاهرة)) ٣١٨/٢. (٤) ((تاريخ الطبري)) ٢١٢/٩، و(الكامل)) ٨٧/٧، وانظر ((تاريخ ابن كثير)) ٣٤٦/١٠ . (٥) هو بُغا التركي المعروف بالشرابي الأمير ، من كبار قواد المتوكل المتوفى سنة ٢٥٤ هـ . أنظر ترجمته في ((الوافي بالوفيات)» ١٧٣/١٠، ١٧٤. ٣٨ قد صحَّ عندي أَنَّ المُنتصر عامِلٌ على قتلي ، فاقتُلْه . قال : كيفَ بقتلهِ والمتوكلُ باقٍ؟ إِذاً يُقيدُكُمْ به ، قال: فما الرأيُ ؟ قال : نبدأُ به ، قال : ويحكَ وتفعلُ ؟! قال : نعم . قال : فادخُلْ على أَثَري ، فإن قتلتُه ، وإلا فاقْتُلني ، وقُلْ : أراد أن يقتُل مولاه . فَتَمَّ التدبيرُ، وقُتل المتوكل . وحدّث البُخْتُرِيُّ قال : اجتمعنا في مجلسِ المتوكلِ ، فذُكِر له سيفٌ هندي ، فَبَعَثِ إِلى اليمن، فاشتُّرِيَ له بعشرَةِ آلاف، فأعْجَبَه . وقال للفتح : ابْغِنِي غُلاماً أدفعُ إِليه هذا السيفَ لا يُفارِقُني به ، فأقبل باغر ، فقال الفتحُ بن خاقان : هذا موصوفٌ بالشجاعةِ والبسالة ، فأعطاهُ السيفَ ، وزاد في أرزاقه . فما انْتَضَى السيفَ إِلّ ليلة ، ضربَه به باغر(١)، فلقد رأيتُ من المتوكل في ليلتِه عَجَباً، رأيتُه يَذُمُّ الكِبْرَ، ويتبرأُ منه. ثم سجد وعقَّر وجهَه ، ونثر الترابَ على رأسِه ، وقال: إنما أنا عبدٌ، فتطيَّرتُ له ، ثم جلس ، وعمل فيه النبيذ ، وغُنِّيَ صوتاً أعجبه ، فبكى ، فتطيّرتُ من بكائه. فإِنَّا في ذلك إِذْ بَعثَتْ له قبيحةُ خِلْعَةً استعملها دراعة حمراء من خَزِّ ومِطْرَف خَزَّ ، فلبسَهما ، ثم تحركَ في المطرف ، فانشق ، فَلَفَّه ، وقال : اذهبوا به ليكون كَفّني . فقلتُ: إِنا لله، انقضت واللهِ المُدَّةُ. وسَكِر المتوكلُ سُكْراً شديداً. ومضى من الليل إِذْ أَقْبَل باغر في عَشْرَةٍ مُتلثمين تبرقُ أسيافُهم ، فهجموا علينا، وقصدوا المتوكّل، وصَعِدَ باغر وآخر إلى السريرِ، فصاح الفتحُ: ويلكم مولاكم . وتهاربَ الغلمانُ والجُلساءِ والنَّدماء، وبقي الفتحُ ، فما رأيتُ أحداً أقوى نفساً منه، بقي يُمانِعُهم ، فسمعتُ صَيْحَةً المتوكل إِذ ضربه باغرُ بالسيف المذكور على عاتقه ، فقدَّه إِلى خاصرتهِ ، وبَعَجَ آخرُ الفتحَ بسيفه ، فأخرجه من ظهره ، وهو صابِرٌ لا يزول ، ثم طرح (١) مترجم في ((الوافي بالوفيات)) ٧١/١٠، ٧٣ . ٣٩ نفسه على المتوكل ، فماتا ، فَلُفّا في بِساطٍ ، ثم دُفنا معاً . وكان بغا الصغير استوحش من المتوكل لكلامٍ ، وكان المُنتصر يتألَّفُ الأتراكَ ، لا سيّما من يُبعِدُه أبوه(١). قال المسعودي : ونُقل في مَقْتَلِه غيرُ ذلك . قال : وقد أَنْفَقَ المتوكلُ فيما قيل على الجَوْسَقِ والجَعْفَرِيِّ والهاروني أكثرَ من مئتي ألف ألف درهم . ويقال : إِنّه كان له أربعةُ آلاف سُرِّيَّة وَطِىءَ الجميعَ . وقُتل وفي بيت المالِ أربعةُ آلاف ألف دينار ، وسبعةُ آلاف ألف درهم ، ولا يُعلم أحدٌ من رؤوس الجِدِّ والهَزْل إلا وقد حظي بدولته ، واستغنى، وقد أجاز الحُسينَ بن الضخَّاك الخليعَ على أربعةِ أبيات أربعةَ آلافٍ دينار . وفيه يقول يزيدُ بن محمد المُهَلَّبي : هَلَّا أَتَتْهُ المنايا والقَنا قُصُدُ جاءَتْ مَنِيّتُهُ والعَيْنُ هاجِعَةٌ وَلَم يُصَغْ مِثْلُهُ روحٌ ولا جَسَدُ(٣) خَلِيفَةٌ لَمْ يَنَلْ مِنْ مالِهِ(٢) أَحَدٌ قال عليّ بن الجَهْم : أهدى ابنُ طاهرٍ إِلى المتوكلِ وصائِفَ عدةً ، فيها محبوبة ، وكانت شاعرةً عالمةً بصنوفٍ من العلم عوَّادةً ، فحلَّت من المتوكلِ محلاً يَفُوت الوصف ، فلما قُتل ضُمَّتْ إِلى بُغا الكبير ، فدخلت عليه يوماً للمُنادمة ، فأمر بهتكِ السِّْرِ ، وأمر القيانَ، فأقبلنَ يرفُلن في الحُلْيِ والحُلَل ، وأقبلت هي في ثيابٍ بيض ، فجلست مُنكسرةً ، فقال: غَنِّي، فاعتلَّت ، فأقسمَ عليها، وأمر بالعُود فُوُضع في حجرها ، فغنَّت ارتجالاً : (١) راجع مقتل المتوكل في ((الكامل)) ٩٥/٧، و((تاريخ الطبري)) ٢٢٢/٩ وما بعدها، و((وفيات الأعيان)) ٣٥٠/١، و«النجوم الزاهرة» ٣٢٤/٢. (٢) في ((تاريخ الخلفاء)): ((ماناله)) و((لم يضع)). (٣) البيتان في ((تاريخ الخلفاء)) ٣٥٠. ٤٠