النص المفهرس

صفحات 321-340

فصل
قال إبراهيمُ الحَرْبِيُّ : سُئِل أحمدُ عن المسلم يقولُ للنصراني :
أكرمك الله . قال : نعم ، ينوي بها الإِسلام .
وقيل: سُئل أحمد عن رجل نَذر أنْ يطوفَ على أربع ، فقال : يطوفُ
طوافين ، ولا يطفْ على أربع .
قال ابنُ عقيل : مِن عجيبٍ ما سمعتُه عن هؤلاء الأحداث الجهال ،
أنهم يقولون : أحمدُ ليس بفقيه ، لكنَّهُ مُحدِّث . قال : وهذا غايةُ الجهل ،
لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرُهُم . وربَّما زاد على
كبارهم .
قلتُ : أحسِبهم يَظُنُّونَه كان محدِّثاً وبَسْ(١)، بل يَتْخَيَّلُونَهُ من بابةِ محدثي
زماننا . ووالله لقد بلغَ في الفقهِ خاصةً رُتبة اللَّيثِ ، ومالكٍ ، والشافعي ،
وأبي يوسف ، وفي الزهد والورعِ رُتبةَ الفُضيل ، وإبراهيمَ بنِ أدهم ، وفي
الحِفظِ رتبةَ شُعبةَ ، ويحيى القطان ، وابنِ المديني. ولكن الجاهل لا يعلمُ
رُتبةَ نفسه ، فكيف يعرفُ رتبةً غيره ؟ !!
حكاية موضوعة :
لم يشتحي ابن الجوزي من إيرادها ، فقال : أخبرنا ابنُ
ناصر ، أخبرنا ابنُ الطيوري ، أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بن الحسين ؛ أخبرنا
القاضي هَمَّام بنُ محمد الأبُلِّي ، حدثنا أحمد بنُ علي بن حُسين الخطيب ،
حدثنا الحسينُ بنُ بكر الوراق ، أخبرنا أبو الطيب محمد بنُ جعفر ، حدثنا
عبدُ الله بن أحمد ، قال : لما أُطلقَ أبي من المحنة ، خَشِيَ أن يجيء إليه
إسحاقُ بنُ راهويه ، فرحلَ ليه . فلما بلغ الرِّيَّ ، دخل مسجداً، فجاء مطرٌ
(١) بس بمعنى: كفى وحسب. قال في ((اللسان)): فارسية .
٣٢١
سير ٢١/١١

كأفواه القِرَب . فقالوا له : اخرجْ من المسجد لنغلقه ، فأَبَى ، فقالوا : اخرجْ
أو تُجَرِ برِجلك ، فقلتُ : سلاماً . فخرجتُ ، والمطر والرعد ، ولا أدري أينَ
أَضَعُ رِجلِي ، فإذا رجلٌ قد خرج من داره ، فقال : يا هذا : أين تمرُّ ؟
فقلتُ: لا أدري . قال: فأدخلني إلى بيتٍ فيه كانون(١) فحمٍ ولُبُودٌ(٢)
ومائدة ، فأكلتُ . فقال : من أنتَ ؟ قلت : من بغداد . قال : تعرِف أحمدَ
ابنَ حنبل؟ فقلت : أنا هو، فقال : وأنا إسحاق بن راهويه .
سعيد بن عمرو البَرْذَعي : سمعتُ أبا زرعة ، يقول : كان أحمدُ لا
يَرى الكتابةَ عن أبي نصر التَّمار ، ولا يحيى بن معين ، ولا أحد ممن امتُحن
فأجاب .
أبو عَوانة : سمعتُ المَيموني ، يقول: صحَّ عندي أن أحمد لم(٣)
يحضر أبا نصر التمار لما مات ، فحسبتُ أن ذلك لإِجابته في المحنة .
وعن حجَّاج بن الشاعر ، سمعَ أحمدَ يقول : لو حدثتُ عن أحدٍ ممن
أجاب ، لحدثتُ عن أبي معمر وأبي كُريب .
قلت : لأن أبا معمر الهُذلي ندم ، ومقتَ نَفْسه، والآخر أَجْرَوْا له
دينارين بعد الإِجابة ، فردَّهما مع فقره .
الصُّولي : حدثنا الحُسينُ بنُ قهم ، حدثنا أبي ، قال ابنُ أبي دُواد
للمعتصم : يا أمير المؤمنين ، هذا يزعم - يعني : أحمد، أنَّ الله يُرى في
الآخرة ، والعينُ لا تقعُ إلا على محدود . فقال : ما عندك في هذا ؟ قال :
(١) أي موقد .
(٢) جمع لِيْد ولِبْدَة ولُبْدَة، وهي كل شعر أو صوف متلبد .
(٣) في الأصل: ((لما)).
٣٢٢

عندي قولُ رسول الله، وَِّ، وروى حديث جرير: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا
تَرَوْنَ هذا البَدْرَ )» . فقال لأحمد بنِ أبي دُواد : ما عندك ؟ فقال : أَنظُر في
إسناده، وانصَرَفَ ، ووجَّه إلى ابن المديني وهو ببغداد مُمْلِقٌ ، فأحضره
ووصلَه بعشرة آلاف درهم ، وقال : يا أبا الحسن ، حديث جرير في الرؤية
وذكر قصة(١) .
أحمد بن علي الأَبَّار: حدثنا يحيى بنُ عثمان الحربي ، سمعتُ بشر
ابن الحارث، يقول : ودِدْتُ أن رؤوسَهُم خُضبت بدمائهم ، وأنهم لم
يُجيبوا .
نقل أبو علي بن البناء ، عن شيخٍ ، عن آخر ، أنَّ هذه الأبيات لأحمد
في علي :
(١) وتمامه كما في ((تاريخ بغداد)) ٤٦٦/١١ :..... ما هو؟ قال: صحيح. قال :
فهل عندك فيه شيء ؟ قال : يعفيني القاضي من هذا . فقال : يا أبا الحسن ! هذه حاجة الدهر ،
ثم أمر له بثياب وطيب ومركب بسرجه ولجامه ، ولم يزل حتى قال له : في هذا الإِسناد من لا يُعمل
عليه ، ولا على ما يرويه ، وهو قيس بن أبي حازم ، إنما كان أعرابياً بوالاً على عقبيه. فقبَّل ابنُ
أبي دواد ابنَ المديني واعتنقه . فلما كان الغد وحضروا ، قال ابن أبي داود : يا أمير المؤمنين !
يحتج في الرؤيا بحديث جرير، وإنما رواه عنه قيس بن أبي حازم ، وهو أعرابي بوال على
عقبيه . قال : فقال أحمد بن حنبل بعد ذلك : فحين أطْلَعَ لي هذا ، علمت أنه من عمل علي ابن
المديني )) .
ولقد دفع الخطيب البغدادي هذه الفِرْية عن علي بن المديني ، فقال : أما ما حكي عن علي
ابن المديني في هذا الخبر من أن قيس بن أبي حازم لا يعمل على ما يرويه لكونه أعرابياً بوالاً على
"عقبيه، فهو باطل، وقد نزَّه الله علياً عن قول ذلك، لأن أهل الأثر - وفيهم علي - مجمعون على
الاحتجاج برواية قيس بن أبي خازم وتصحيحها ، إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة، وليس في
التابعين من أدرك العشرة المقدمين وروى عنهم غير قيس ، مع روايته عن خلق من الصحابة سوى
العشرة . ولم يحك أحد ممن ساق خبر محنة أبي عبدالله أحمد بن حنبل أنه نوظر في حديث
الرؤية . فإن كان هذا الخبر المحكي عن ابن قهم محفوظاً ، فأحسب أن ابن أبي دواد تكلم في
قيس بن أبي حازم بما ذُكر في الحديث ، وعزا ذلك إلى علي بن المديني . وممن طعن في صحة
هذا الخبر أيضاً السُّبكي في ((الطبقات)) ١٤٧/٢. وقد سبق تخريج حديث الرؤية في الصفحة :
٥٢ ت (١) .
٣٢٣

دُنْيَا فَجَادَ بِدِينِهِ لِينَالَهَا
قَدْ كُنْتَ تَزْعُمْ كَافِرَاً مَنْ قَالها
أَمْ زَهْرَةُ الدُّنْيَا أَرَدْتَ نَوَالَهَا
يا ابنَ المدينيِّ الَّذِيْ عُرِضَتْ له
مَاذَا دَعَاكَ إلى انْتِحَالِ مَقَالَةٍ
أَمْرٌ بَدَا لَكَ رُشْدُهُ فَتَبِعْتَهُ
صَعْبَ المَقَالَةِ لِلَّتِي تُدْعَى لَهَا
وَلَقَدْ عَهِدْتُكَ مَرَّةً مُتَشَدِّداً
لَا مَنْ يُرِزَّى ناقةً وفِصَالَهَا(١)
إِنَّ المُرَزَّى مَنْ يُصَابُ بِدِينِهِ
ابن مَخْلد العطار : حدثنا عمرُ بنُ سُليمان المؤذِّب ، قال : صَلَّيتُ
مع أحمدَ بنِ حنبل التراويح ، وكان يصلي بدار عَمِّه، فلما أوتَرَ ، رفعَ يديه
إلى ثدييه ، وما سمعْنا من دعائه شيئاً ، وكان في المسجدِ سراجٌ على الدَّرَجَةِ
لم يكن فيهِ قناديل ولا حصير ولا خلوق .
قال صالح بنُ أحمد : قلتُ لأبي : بلغني أن أحمدَ الدَّوْرَقِيَّ أُعطِيَ
ألف دينار، فقال: يا بُنيّ، ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرُ وَأَبْقَى﴾ [ طه: ١٣١].
وذكرت له ابنَ أبي شيبة ، وعبد الأعلى النَّرْسي، ومَن قُدِم به إلى العسكر من
المحدثين . فقال : إنَّما كان أياماً قلائل ، ثم تلاحقوا ، وما تَحَلَّوا منها بکبیرِ
شيء .
قال صالح : قال لي أبي : كانتْ أُمُّك في الغلاء تغزل غزلاً دقيقاً ،
فتبيع الأستار بدرهمين أو نحوه ، فكان ذلك قوتنا .
قال صالح : كُنَّا رُبَّما اشترينا الشيءَ فَنَسْتُرُه منه، لئلّا يُوَبِّخنا عليه .
الخلَّل: أخبرنا المَرُّوذِي ، قال : رأيتُ أحمدَ بنَ عيسى المصري ،
ومَعَهُ قومٌ من المحدثين ، دخلُوا على أبي عبد الله بالعسكر ، فقال لَهُ أحمدُ :
يا أبا عبد الله، ما هذا الغمُّ ؟ الإِسلامُ حنيفيَّة سمحةٌ ، وبيتٌ واسع . فَنَظَر
(١) تقدم تخريج الأبيات في الصفحة : ٥٦ ت (٢) .
٣٢٤

إليهم ، وكان مُضطجعاً، فلما خرجوا، قال : ما أُريد أن يَدْخُلَ عليَّ
هؤلاء .
الخلَّل: أخبرنا محمد بنُ علي السمسار ، حدثني إسحاقُ بنُ هانىء ،
قال لي أبو عبد الله: بكِّرْ حتَّى نُعارِضَ بشيءٍ من الزهد(١) . فبكّرْت إليه ،
وقلتُ لأمّ ولده : أعطيني حصيراً ومِخَدة ، وبَسطتُ في الدهليز ، فخرج أبو
عبد الله، ومعهُ الكتبُ والمحبرة ، فقال: ما هذا؟! فقلت: لِنَجْلِسَ
عليه ، فقال : ارفعْه ، الزهدُ لا يحسنُ إلا بالزهد . فرفعتُه، وجلسَ على
التُّراب .
قال: وأخبرني يوسُفُ بنُ الضحاك، حدثني ابنُ جَبَلَة، قال: كنتُ على
باب أحمدَ بنِ حنبل، والبابُ مُجافٌ، وأمُّ ولده تُكَلِّمُه، وتَقُول: أنا مَعَكَ
في ضيق ، وأهلُ صالح يأكلون ويفعلون ، وهو يقُول : قولي خيراً ، وخرجٌ
الصبيُّ معه ، فبكى . فقال : ما تُريدُ ؟ قال : زبيب . قال : اذهبْ خُذْمن
البقال بِحَبَّةٍ(٢) .
وقال الميموني : كان منزلُ أبي عبد الله ضَيِّقاً صغيراً ، وينامُ في الحرِّ
في أسْفَلِه .
وقال لي عمّه : ربَّما قلتُ له فلا يفعلُ ، ينامُ فوق . وقد رأيتُ موضعَ
مَضْجَعِهِ وفيه شاذكونة (٣) وبَرْذَعة (٤)، قد غلب عليها الوسخ .
(١) للإِمام أحمد كتاب في ((الزهد))، بتصحيح عبد الرحمن بن قاسم ، جمع فيه.
المؤلف بعض الأحاديث في زهد رسول الله، وسل# ، وبعض الرسل ، ثم زهد الخلفاء الراشدين
وبعض الصحابة والتابعين ، وهو يقع في ( ٤٠٠) صفحة . وقد طبع في مطبعة أم القرى ، ثم
صُوِّر .
(٢) الحَبَّةُ : سُدُس ثُمُنٍ درهم ، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من الدرهم .
(٣) أي مُضَرَّبة كبيرة. انظر ((أنساب)) السمعاني ٢٣٨/٧.
(٤) أي الجِلْس يلقى تحت الرحل .
٣٢٥

الخَلَّال : أخبرني حامدُ بنُ أحمد ، سمعتُ الحسنَ بنَ محمد بن
الحارث ، يقولُ : دخلتُ دار أحمد ، فرأيتُ في بَهْوه حصيراً خَلَقاً ومِخَدَّة ،
وكتبهُ مطروحةٌ حَوَالَيْه ، وحُبَّ خَزَفٍ . وقيل : كان على بابه مِسْحٌ من شعر .
"الخلَّال؛ أخبرنا المُرُّوذِي ، عن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري ، قال
لي الأمير: إذَا حَلَّ إفطارُ أبي عبد الله ، فَأَرِنِيه . قال : فجاؤوا برغيفين :
خبز وخُبَّزة(١) ، فأريتُه الأمير، فقال: هذا لا يُجِيبُنا إذا كان هذا يُعِفُّه .
قال المَرُّوذِي : قال أبو عبد الله في أيام عيد: اشتَروا لنا أمسٍ باقِلَّى،
فأيُّ شيءٍ كان به من الجودة . وسمعتُه يقول : وجدتُ البَرْدَ في أطرافي ، ما
أراه إلا من إدامي الملح والخل .
قال أحمدُ بنُ محمد بن مسروق : قال لي عبد الله بن أحمد : دخل
عليَّ أبي يعودني في مَرَضي ، فقلتُ : يا أبةٍ ، عندنا شيء مما كان يُبُّنا به
المتوكل ، أفأحُجُ منه ؟ قال : نعم . قلتُ : فإذا كان هذا عندك هكذا ، فلِم
لا تأخذُ منه؟ قال: ليس هو عندي حرام ، ولكن تَنَزَّهْتُ عنه. رواه الخُلدي
عنه .
أنبأنا ابنُ عَلان، أخبرنا أبو اليُمْن، أخبرنا القزاز(٢) ، أخبرنا الخطيب ،
أخبرني محمدُ بنُ أحمد بن يعقوب، أخبرنا الضَّبيِّ، سمعتُ أحمد بنّ إسحاق
الضُّبَعِي ، سمعتُ إبراهيم بن إسحاق السَّراج، يقولُ: قال أحمدُ بنُ حنبل
يوماً : يبلغني أن الحارثَ هذا - يعني : المُحاسبي - يُكْثِرُ الكونَ عندك ،
فلو أحضرتَه ، وأجلستني من حيثُ لا يراني ، فأسمعُ كلامه . قلتُ : السمع
(١) نبت معروف
(٢) سبقت ترجمته في الصفحة : ١٢٧ ت (٢).
٣٢٦

والطاعة . وسرَّني هذا الابتداءُ من أبي عبد الله ، فقصدتُ الحارث ، وسألْتُه
/أن يحضر ، وقلتُ : تَسألُ أصحابَكَ أن يحضروا . فقال : يا إسماعيلُ ،
فيهم كثرةٌ فلا تَزِدْهم على الكُسْبِ(١) والتمر، وأكثر منهما ما استطعتَ .
ففعلتُ ما أمرني ، وأعلمتُ أبا عبد الله فحضَرَ بعد المغرب ، وصعد غُرفة ،
واجتهد في ورده ، وحضر الحارثُ وأصحابه ، فأكلوا ثم قاموا إلى الصلاة ،
ولم يُصُلُّوا بعدها ، وقعدُوا بين يدي الحارث وهم سكوتٌ إلى قريب من
نصف الليل ، وابتدأ واحد منهم ، وسأَلَ عن مسألةٍ ، فأخذَ الحارثُ في
الكلام، وهم يَسْمَعُون . وكأنَّ على رؤوسهم الطير، فمنهم من يَبْكي،
ومنهم من يزعَق . فصعدتُ لََّتَعَرَّف حالَ أبي عبد الله، وهو متغيِّر الحال ،
فقلتُ : كيفَ رأيتَ ؟ قال : ما أعلمُ أَنِّي رأيتُ مثل هؤلاء القوم ، ولا سمعتُ
في علم الحقائق مثل كلام هذا ، وعلى ما وصفتُ ، فلا أرى لك صحبَتَهُم ،
ثم قام وخرج .
قال السُّلَمي : سمعتُ أبا القاسم النَّصراباذِي ، يقولُ: بلغني أَنَّ
الحارثَ تكلَّم في شيء من الكلام ، فهجرهُ أحمدُ ، فاختفى في دار مات
فيها ، ولم يصلِّ عليه إلا أربعة أنفس .
فصل
قال ابنُ الجوزي : كان الإِمامُ لا يرى وَضْعَ الكتب ، وينهى عن كِتْبَةِ
كلامِه ومسائِلِه . ولو رأى ذلك ، لكانَتْ له تصانيفُ كثيرة ، وصنَّفَ
((المسند )) وهو ثلاثون ألف حديث، وكان يقولُ لابنه عبد الله: احتفظْ بهذا
المسند، فإنَّه سيكونُ للناس إماماً(٢). ((والتفسير)) وهو مئة وعشرون ألفاً ،
(١) بالضم فالسكون : عُصارة الدُّهن .
(٢) قال الحافظ أبو موسى المَدِيني في ((خصائص المسند)) ص: ٢١: ((وهذا الكتاب =
٣٢٧

و((الناسخ والمنسوخ))، ((والتاريخ))، و((حديث شعبة))، ((والمقدَّم والمؤخّر
في القرآن))، ((وجوابات القرآن))، ((والمناسك)) الكبير والصغير ، وأشياء
أخر .
قلتُ: وكتاب ((الإِيمان))، وكتاب ((الأشربة))(١)، ورأيتُ له ورقة
من كتاب (( الفرائض )) . فتفسيره المذكور شيء لا وجود له . ولو وُجد ،
لاجتهد الفُضلاء في تحصيله ، ولاشتهر، ثم لو ألَّف تفسيراً ، لما كان
يكون أزيد من عشرة آلاف أثر ، ولاقتضى أَنْ يكونَ في خمس مجلدات .
فهذا تفسيرُ ابنٍ جرير الذي جمع فيه فأوعى لا يبلغ عشرين ألفاً . وما ذكَّر
تفسيرَ أحمد أحدٌ سوى أبي الحُسين بن المنادي. فقال في ((تاريخه)): لم
= أصل كبير ، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث ، انتقي من حديث كثير ، ومسموعات وافرة ، فجعل
إماماً ومعتمداً، وعند التنازع ملجأ ومستنداً)) . ويبلغ عدد أحاديثه أكثر من ثلاثين ألف حديث .
وقال ابن كثير في ((الباعث الحثيث)): ((وكذلك يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون
شيء كثير مما يوازي كثيراً من أحاديث مسلم ، بل والبخاري أيضاً ، وليست عندهما ولا عند
أحدهما ، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة ، وهم أبو داود والترمذي والنسائي وابن
ماجة)). قلت: ولم يتوخ الإِمام أحمد الصحة في ((مسنده) هذا، بل روى فيه الصحيح والحسن
والضعيف ، يعلم ذلك من دراسة الأسانيد والتخريج . وقد قال ابن الجوزي في « صيد
الخاطر)): ((ومن نظر في كتاب ((العلل)) الذي صنفه أبو بكر الخلال ، رأى أحاديث كثيرة كلها
في (( المسند))، وقد طعن فيها أحمد . ونقلتُ من خط القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء
في مسألة النبيذ ، قال : إنما روى أحمد في مسنده ما اشتهر ، ولم يقصد الصحيح ولا السقيم ،
ويدل على ذلك أن عبد الله ، قال : قلت لأبي : ما تقول في حديث ربعي بن خِراش عن حذيفة ؟
قال : الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ؟ قلت : نعم . قال : الأحاديث بخلافه . قلت : قد
ذكرتّه في ((المسند ((. قال: قصدتُ في ((المسند)) المشهور، فلو أردتُ أن أقصد ما صح
عندي ، لم أروٍ من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء اليسير ، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في
الحديث ، لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه . قال القاضي :
وقد أخبر عن نفسه كيف طريقه في (( المسند))، فمن جعله أصلاً للصحة ، فقد خالفه ، وترك
مقصده .
(١) سبق التعريف به في الصفحة: ٣٠١ ت (١).
٣٢٨

:
يكنْ أحدٌ أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد ، لأنه سمع منه
((المسند)) وهو ثلاثون ألفاً، و((التفسير)) وهو مئة وعشرون ألفاً، سمع
ثُلُثَيه ، والباقي وٍجادةٍ(١) .
ابن السَّمَّاك : حدثنا حنبلُ ، قال : جمعَنَا أحمدُ بنُ حنبل ، أنا
وصالح وعبد الله، وقرأ علينا ((المسند))، ما سمعَه غيرُنا . وقال : هذا
الكتاب : جَمَعْتُه وانتقيتُه من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفاً ، فما
اختلفَ المُسْلمون فيه من حديث رسول الله، وَّهِ، فارجِعُوا إليه. فإنْ
وجدتُموه فيه ، وإلا فليس بحجة .
قلتُ: في ((الصحيحين)) أحاديثُ قليلة، ليست في ((المسند))،
لكن قد يُقال: لا تَرِد على قوله. فإِنَّ المسلمينَ ما اختلفوا فيها، ثم ما يلزمُ من
هذا القول : أنَّ ما وُجدَ فيه أن يكونَ حجة ، ففيه جملةٌ من الأحاديث الضعيفة
مما يَسُوغ نقلُها ، ولا يجبُ الاحتجاجُ بها . وفيه أحاديثُ معدودةٌ شِبه
موضوعة ، ولكنها قطرة في بحر(٢). وفي غُضُون المُسند زياداتٌ جَمَّة لعبد
الله بن أحمد .
قال ابنُ الجوزي : وله - يعني : أبا عبد الله - من المصنَّفات
(١) الوٍجادة : هي أن يجد الشخصُ أحاديث بخط راويها ، سواء لقيه أو سمع منه ، أم لم
يلقه ولم يسمع منه ، أو أن يجد أحاديث في كتب المؤلفين المعروفين . ففي هذه الأنواع كلها لا
يجوز له أن يرويها عن أصحابها ، بل يقول : وجدت بخط فلان ، إذا عرف الخط ، ووثق منه . أو
يقول : قال فلان ، أو نحو ذلك. والذي عليه المحققون من أهل العلم وجوب العمل بها عند
حصول الثقة بما يجده القارئ ، أي يثق بأن هذا الخبر أو الحديث بخط الشيخ الذي يعرفه ، أو
يثق بأن الكتاب الذي ينقل منه ثابت النسبة إلى مؤلفه الثقة المأمون ، وأن يكون إسناد الخبر
صحيحاً .
(٢) للحافظ ابن حجر رسالة رد بها على من ادعى أن في المسند أحاديث موضوعة وسمها بـ
((القول المسدد في الذَّبِّ عن مسند أحمد)). وهي مطبوعة في الهند .
٣٢٩

كتاب ((نفي التَّشبيه)) مُجَلَّدة، وكتاب ((الإِمامة)) مجلدة صغيرة ، وكتاب
((الرد على الزنادقة)) ثلاثة أجزاء، وكتاب ((الزُّهد)) مجلد كبير، وكتاب
((الرّسالة في الصلاة)) - قلتُ: هو موضوعٌ على الإِمام - قال: وكتابُ
(( فضائل الصحابة)) مجلدة .
قلت : فيه زيادات لعبد الله ابنه ، ولأبي بكر القَطيعي صاحِبِهِ .
وقد دَوَّنَ عنه كبارُ تلامذَتِه مسائلَ وافرةً في عِدة مجلدات ،
كالمُرُّوذِيِّ، والأثْرم ، وحرْب ، وابن هانىء ، والكَوْسَج ، وأبي طالب ،
وفُوران ، وبدر المغَازلي ، وأبي يحيى الناقد ، ويوسف بن موسى الحربي ،
وعُبْدوس العطار ، ومحمد بن موسى بن مُشَيْش ، ويعقُوب بن بُختان ،
ومُهنَّى الشامي ، وصالح بن أحمد ، وأخيه ، وابن عَمِّهما حنبل ، وأبي
الحارث أحمد بن محمد الصائغ ، والفضل بن زياد ، وأبي الحَسَن
الميموني ، والحسن بن ثَواب ، وأبي داود السِّجِسْتاني ، وهارون الحمال ،
والقاضي أحمد بن محمد البِرْتي ، وأيوب بن إسحاق بن سافِرِي ، وهارون
المُسْتملي ، وبشر بن موسى ، وأحمد بن القاسم صاحب أبي عُبيد ،
ويعقوب بن العباس الهاشمي ، وحُبَيش بن سِندي ، وأبي الصقر يحيى بن
يزداد الورّاق، وأبي جعفر محمد بن يحيى الكَحَّال ، ومحمد بنِ حبيب
البزَّاز، ومحمد بن موسى النَّهْرُتيري ، ومحمد بنِ أحمد بن واصل
المقرىء ، وأحمد بن أصرم المُزنَي ، وعُبْدوس الحربي قديمٌ ، عنده عن
أحمد نحو من عشرة آلاف مسألة لم يحدِّث بها ، وإبراهيم الحربي ، وأبي
جعفر محمد بنِ الحسن بن هارون بن بَدِينا ، وجعفر بن محمد بن الهُذيل
الكوفي ، وكان يُشبهونه في الجلالة بمحمد بن عبد الله بن نُمير ، وأبي شيبةً
إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله مُطَيّن ، وجعفر بنِ
٣٣٠

أحمد الواسطي ، والحسن بن علي الإِسْكافي ، والحسن بن علي بن بحر بن
بُرِّي القطان ، والحُسين بن إسحاق التَّسْتَري، والحسن بن محمد بن الحارث
السِّجِسْتاني - قال الخلَّال: يَقربُ من أبي داود في المعرفة وبصر الحديث
والتفقُّه ــ وإسماعيل بن عمر السِّجْزي الحافظ ، وأحمد بن الفرات الرازي
الحافظ . وخلق سوى هؤلاء ، سمَّاهم الخلال في أصحاب أبي عبد الله .
نقلُوا المسائلَ الكثيرة والقليلة .
وجمع أبو بكر الخلال سائرَ ما عند هؤلاء من أقوال أحمد ، وفتاويه ،
وكلامه في العلل ، والرجال والسُّنة والفروع ، حتى حصل عنده من ذلك ما لا
یوصف کثرةً . ورحَلَ إلی النواحي في تحصیلہ ، وکتب عن نحوٍ من مئةً نفس
من أصحاب الإِمام . ثم كتب كثيراً من ذلك عن أصحاب أصحابه ، وبعضُه
عن رجل ، عن آخر، عن آخر ، عن الإِمام أحمد ، ثم أخذ في ترتيب
ذلك، وتهذيبه، وتَبْويبه. وعمِل كتاب ((العلم)) وكتاب (( العلل )) وكتاب
((السُّنة)) كل واحد من الثلاثة في ثلاث مجلدات .
ويَروي في غضُون ذلك من الأحاديث العالية عنده ، عن أقران أحمد
من أصحاب ابن عُيَيْنَة ووكيع وبَقية مما يشهد له بالإِمامة والتقدم . وأَلَّف
كتاب ((الجامع )) في بضعة عشر مُجلدة ، أو أكثر . وقد قال : في كتاب
((أخلاق أحمد بن حنبل)) لم يكن أحدٌ علمتُ عُنِيَ بمسائل أبي عبد الله قط ،
ما عُنيتُ بها أنا . وكذلك كان أبو بكر المُرُوذِي ، رحمه الله ، يقولُ لي : إنه
لم يُعْنَ أحدٌ بمسائل أبي عبد الله ما عُنيتَ بها أنت إلا رجل بهمدان ، يقال له
مُتَّويه ، واسمه محمد بن أبي عبد الله ، جمع سبعين جُزءاً كباراً . ومولد
الخَلَّال كان في حياة الإِمام أحمد ، يُمكنُ أن يكونَ رآهُ وهو صبي .
٣٣١

زوجاته واله :
قال زهيرُ بنُ صالح : تزوجَ جدَّي بأمِّ أبي عَبَّاسَة ، فلم يُولَد له منها
سوى أبي ، ثم تُوُفِيتْ ، ثم تَزَوَّجَ بعدها رَيْحانة امرأة من العرب ، فما ولدتْ
له سوى عَمِّي عبد الله .
قال الخلَّل: سمعتُ المَرُّوذي، سمعتُ أبا عبد الله ، ذكر أَهْلَه ،
فَتَرَجَّم عليها ، وقال : مكثنا عشرين سنة ، ما اختلفنا في كلمة . وما علمنا
أحمدَ تزوج ثالثة .
قال يعقوبُ بنُ بُخْتان : أمرَنا أبو عبد الله أن نَشتريَ له جاريةً ، فمضيتُ
أنا وفوران ، فتبعني أبو عبد الله ، وقال : يا أبا يوسُف ، يكونُ لها لحم ..
وقال زهير : لما تُوقِّيتْ أمُّ عبد الله ، اشترى جَدِّي حُسْنَ ، فولدتْ له
أمَّ علي زينب ، والحسن والحسين توأماً ، وماتا بالقرب من ولادتهما ، ثم
ولدتْ الحسنَ ومحمداً ، فعاشا نحو الأربعين . ثم ولدتْ بعدهما سعيداً.
قال الخلَّل : حدثنا محمد بنُ علي بن بحر ، قال : سمعتُ حُسْنَ أمَّ
ولد أبي عبد الله ، تَقولُ : قلتُ لمولاي : اصرفْ فَرْدَ خَلْخَالي . قال :
وتَطِيبُ نفسُكِ ؟ قلتُ: نعم . فَبِيعَ بثمانية دنانير ونصف، وفرّقها وقتَ
حَملي . فلما ولدتُ حَسناً ، أعطى مولاتي كرامةَ درهماً ، فقال : اشتري
بهذا رأساً، فجاءتْ به ، فأكلنا . فقال : يا حُسْنُ، ما أملكُ غير هذا
الدرهم . قالت : وكان إذا لم يكن عنده شيءٌ ، فرِح يومَه .
وقال يوماً : أُريد احتجمُ ، وما معه شيء ، فبعتُ نَصيفاً(١) من غزل
(١) في الأصل: ((نصيف))، بدون ألف. وفي اللسان مادة (نصف): النصيف :
الخمار .
٣٣٢

بأربعة دراهم ، فاشتريتُ لحماً بنصف ، وأعطى الحجام درهماً . قالت :
واشتريتُ طيباً بدرهم .
ولما خرج الى سُرَّ مَن رأى ، كنتُ قد غزلتُ غزلاً لَيِّناً ، وعمِلتُ ثوباً
حَسَناً . فلما قدم ، أخرجتُه إليه ، وكنتُ قد أُعطيتُ كراءه خمسةَ عشر درهماً
من الغَلَّة ، فلما نظر إليه ، قال : ما أريدُه ، قلتُ : يا مولاي، عندي غير
هذا . فدفعتُ الثوب إلى فُوران، فباعه باثنين وأربعين درهماً . وغزلتُ ثوباً
كبيراً ، فقال : لا تقطعيه ، دعيه ، فكان كَفّنَّه .
وكان أسنَّ بني أحمد بن حنبل صالحٌ ، فَوَلِيَ قضاءَ أَصْبَهان ، وماتَ
بها سنة خمس وستين ومئتين عن نيف وستين سنة .
يروي عن أبي الوليد الطيالسي ، والكبار .
وخلف ابنين : أحدهما زهير بن صالح ، محدِّث ثقة ، مات سنة ثلاث
وثلاث مئة ، والآخر أحمد بن صالح ، لا أعلم متى توفي ، يروي عنه ولده
محمدُ بن أحمد بن صالح . فمات محمدٌ هذا سنة ثلاثين وثلاث مئة كهلاً.
وأما الولد الثاني فهو الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد ،
راويةُ أبيه ، من كبار الأئمة . مات سنة تسعين ومئتين عن سبع وسبعين سنة .
وله ترجمة أفردتُها .
١
والولد الثالث سعيد بن أحمد ، فهذا وُلد لأحمد قبل موته بخمسين
يوماً ، فكبر وتفقّه ، ومات قبل أخيه عبد الله .
وأما حسن ومحمد وزينب ، فلم يبلغْنا شيءٌ من أحوالهم ، وانقطع
عقِبُ أبي عبد الله فيما نعلم .
٣٣٣

وصية أحمد :
عن أبي بكر المُرُّوذي ، قال : نبَّهني أبو عبد الله ذات ليلة ، وكان قد
واصل ، فإذا هو قاعدٌ ، فقال : هوذا يُدارُ بي من الجوع، فأطعمْني شيئاً ،
فجثتُه بأقل من رغيف ، فأكَلَه. وكان يقومُ إلى الحاجة فيستريحُ ، ويقعُدُ
من ضعفه ، حتى إن كنتُ لََّبلُّ الخِرقة ، فيُلقيها على وجهه لترجعَ إلیه نفسُه،
بحيثُ إنه أوصى ، فسمعتُه يقولُ عند وصيَّتِه ، ونحن بالعسكر ، وأشهدَ
على وصيَّتِهِ : هذا ما أوصى به أحمدُ بن محمد، أوصى أنه يشهد أنْ لا إله إلا
الله وحده لا شريك له ، وأَنَّ محمداً عبده ورسوله .
وقال عبدُ الله بنُ أحمد : مكثَ أبي بالعسكر ستةً عشرَ يوماً ، ورأيتُ
مآقيَهُ دخَلَتَا في حدقتيه .
وقال صالح : فأوصى أبي : هذا ما أوصى به أحمدُ بنُ محمد بن
حنبل ، فذكر الوصيّة وقد مرت .
مَرَضُه :
قال عبدُ الله : سمعتُ أبي ، يقول : استكملْتُ سبعاً وسبعين سنة ،
ودخلتُ في ثمان ، فحُمَّ من ليلته ، وماتَ اليومَ العاشر .
وقال صالحٌ: لما كان أولُ ربيعالأول من سنة إحدى وأربعين [ومثتین]،
حُمَّ أبي ليلةَ الأربعاء ، وباتَ وهُو محمومٌ ، يتنفَّس تَنَفُّساً شديداً ، وكنتُ قد
عرفت عِلَّتَه، وكنتُ أُمَرِّضُه إذا اعتلَّ، فقلتُ له : يا أبةٍ ، على ما أفطرتَ
البارحة ؟ قال : على ماءٍ باقِلَّى. ثم أراد القِيام، فقال: خُذْ بيدي ، فأخذتُ
بيده، فلما صار إلى الخَلاء، ضَعُفَ، وتوكّأ عليَّ (١) . وكان يختلفُ إليه
(١) عبارة المؤلف في ((تاريخ الإسلام)): (( .... ضعفت رجلاه حتى توكأ علي)).
٣٣٤

غيرُ مُتَطَبِّبٍ كلُّهم مسلمون . فوَصفَ له متطببٌ قَرْعةً تُشوى ، ويُسقى ماءَها -
وهذا كان يوم الثلاثاء ، فماتَ يوم الجمعة - فقال : يا صالح، قلتُ : لبيك ،
قال: لا تُشْوىُ في منزلك، ولا [في] منزل أخيك. وصار الفتحُ بنُ سهل إلى
الباب ليعودَه فحجبتُه(١)، وأتى ابنُ علي بن الجعد فحبسْتُه(٢)، وكَثُر
الناس . فقال : فما تَرى؟ قلتُ : تأذنُ لهم ، فَيَدْعُون لك .
قال : أستخير الله ، فجعلوا يدخلونَ عليه أفواجاً ، حتى تمتلىء
الدارُ ، فَيَسألونَه ، ويدعون له ، ويخرجون ، ويدخل فوجٌ، وكثرُ النَّاسُ ،
وامتلأ الشَّارع، وأَغلقْنا باب الزُّقاق ..
وجاء جار لنا قد خَضَب ، فقال أبي : إني لأرى الرجل يُحبي شيئاً من
السُّنَّةَ فَأَفْرَحُ به (٣).
فقال لي : وجِّه فاشترٍ تمراً ، وكفِّر عني كفارة يمين . قال : فبقي في
خُرَيْقَتِهِ نحوُ ثلاثةِ دراهم . فأخبرته ، فقال : الحمد لله . وقال : اقرأْ عليّ
الوصيةَ ، فقرأْتُها ، فَأَقَرَّها .
وكنتُ أنامُ إلى جنبه ، فإذا أراد حاجةٌ ، حركني فأناوِلُه ، وجعل يحرِّكُ
لسانه"، ولم يَئِنَّ إلا في الليلة التي تُوُفِّي فيها. ولم يَزِل يُصلِّي قائماً، أُمْسِكُهُ
فيرَكَعُ ويسجد ، وأرفعهُ في ركوعه .
قال : واجتمعتْ عليه أوجاع الحصر ، وغيرُ ذلك ، ولم يزل عقلُه
ثابتاً ، فلما كان يومُ الجمعة ، لاثنتي عشرة خلتْ من ربيع الأول ، لساعتين
من النهار ، تُوفي .
(١) و(٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((فحجبه)).
(٣) انظر تتمة الخبر في ((تاريخ الإِسلام)) ص: ١٢٥، و((مناقب الإمام أحمد)) ص :
٤٠٣ .
٣٣٥

وقال المُرُّوذِي : مرض أحمدُ تسعةً أيام ، وكان ربَّما أُذِن للناس ،
فيَدخُلون عليه أفواجاً، يسلِّمون ويردُّ بيده . وتسامع الناسُ وكَثروا .
وسمع السلطانُ بكثرة الناس، فوكل السلطانُ ببابه وبباب الزقاق الرابطةً
وأصحابَ الأخبار ، ثم أغلقَ باب الزقاق ، فكان الناسُ في الشوارع
والمساجد ، حتى تَعَطَّلَ بعضُ الباعة . وكان الرجلُ إذا أراد أن يدخل عليه ،
ربَّما دخل من بعض الدُّور وطرز(١) الحاكة ، وربَّما تسلَّقَ ، وجاءَ أصحابُ
الأخبار ، فقعدوا على الأبواب .
وجاءه حاجبُ ابن طاهر، فقال : إن الأمير يُقرتُك السلام ، وهو
يَشْتَهي أن يراك. فقال: هذا مما أكره ، وأميرُ المؤمنين قد أعفاني مما
أكره .
قال : وأصحابُ الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر ، والبُرُدُ تختلفُ کل
يوم . وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه ، وجعلوا يبكون عليه . وجاء قومٌ من
· القضاة وغيرهم ، فلم يُؤْذَنْ لهم . ودخل عليه شيخٌ ، فقال : اذكرْ وقوفَك
بين يدي الله ، فشهق أبو عبد الله ، وسالتْ دُمُوعه .
فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين ، قال : ادعُوا لي الصِّبيان ، بلسان
ثقيل . قال : فجعلوا ينضمُّون إليه ، وجعل يشمُّهم ويمسحُ رؤُوسهم ،
وعينَه تدمع ، وأدخلتُ تحتَه الطَّسْت، فرأيتُ بوله دماً عبيطاً . فقلتُ
للطبيب ، فقال : هذا رجلٌ قد فَتَّتَ الحزْنُ والغمُّ جوفَه .
(١) الموضع الذي تنسج فيه الثياب ، وقد تقدم في ص ٣١٩ عن ابن الجوزي أن والد
الإِمام أحمد خلَّف له طرزاً وداراً يسكنها ، فكان يكري تلك الطرز .
٣٣٦

واشتدتْ عِلَّتُه (١) يوم الخميس وَوَضَّأْتُه، فقال: خلِّلِ الأصابع ، فلما
كانتْ ليلةُ الجمعة ، ثَقُل ، وقُبضَ صَدْرَ النهار ، فصاح الناس ، وعلت
الأصواتُ بالبُكاء ، حتى كأنَّ الدنيا قد ارتَجَّتْ، وامتلأت السككُ
والشوارع .
الخلَّل : أخبرني عصمةُ بن عصام ، حدثنا حنبل ، قال: أعطى
بعضُ ولد الفضلِ بنِ الربيع أبا عبد الله ، وهو في الحَبس ثلاثَ شعرات ،
فقال: هذه من شعر النبي، وَ ﴿، فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يُجعَل على
كل عينٍ شعرةٌ ، وشعرة على لسانه . ففعل ذلك به عند موته .
وقال عبدُ الله بنُ أحمد ومطيِّن وغيرهما : مات لاثنتي عشرة خلتْ من
ربيع الأول ، يوم الجمعة . وقال ذلك البخاري ، وعباس الدُّوري . فقد
غَلِطَ ابنُ قانع حيثُ يقول : ربيع الآخر .
الخلَّل : حدثنا المُرُّوذِي ، قال : أُخرجَتِ الجنازةُ بعد منصرف
الناس من الجمعة .
أحمد في ((مسنده)): حدثنا أبو عامر، حدثنا هشام بنُ سعد ، عن
سعيد بن أبي هلال ، عن ربيعةً بنٍ سيف ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي
وَ﴿ قال: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ [أَوْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ] إِلَّ وَقَاهُ الله
فِتْنَةَ القَبْرِ))(٢) .
ء
(١) في ((تاريخ الإِسلام)): ((عليه)).
(٢) هو في ((المسند)) ١٦٩/٢، وأخرجه الترمذي (١٠٧٤) من طريق عبد الرحمن بن .
مهدي ، وأبي عامر العقدي ، كلاهما عن هشام بن سعد به . وهو منقطع ، لأن ربيعة بن سيف
إنما يروي عن عبد الرحمن الحُبُليِّ ، عن عبد الله بن عمرو ، ولا نعرف له سماعاً من ابن عمرو ،
لكن الحديث قوي بشواهده عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وغيرهما. انظر ((تحفة
الأحوذي )) .
٣٣٧
سير ٢٢/١١

قال صالح بنُ أحمد : وجَّهَ ابنُ طاهر - يعني : نائب بغداد - بحاجبه
مظفر، ومعه غلامان معهما مناديلُ فيها ثيابٌ وطيبٌ ، فقالوا : الأميرُ يقرئُكَ
السلام ، ويقولُ : قد فعلتُ ما لو كانَ أميرُ المؤمنين حاضرَه كان يفعلُه .
فقلتُ : أَقرىء الأميرَ السلامَ ، وقل له : إنَّ أميرَ المؤمنين قد أَعفَى أبا عبد
الله في حياتِهِ ممَّا يكره ، ولا أحبُّ أن أُتْبِعَه بعد موته بما كان يكرهه ، فعادَ ،
وقال : يكون شِعارَه ، فأعدتُ عليه مثلَ قولي . وقد كان غزلتْ له الجاريةُ ثَوباً
عُشَارِيّاً قُوِّمَ بثمانية وعشرين درهماً، لَيَقْطع منه قميصين ، فقطعنا له
لُفافتين، وأخذنا مِن فُوران لُفافةً أخرى(١) ، فأدرجْناه في ثلاث لفائف .
واشترينا له حَنُوطاً، وفُرِغ من غَسله، وكفَّنَّاه ، وحضر نحو مئة من بني
هاشم ، ونحن نكفِّنهُ . وجعلوا يُقَبِّلُون جبهته حتى رفعناهُ على السرير .
قال عبدُ الله: صَلَّى على أبي محمدُ بنُ عبدِ الله بن طاهر ، غَلَبَنَا على
الصلاة عليه ، وقد كُنَّا صلينا عليه نحنُ والهاشميُّون في الدار .
وقال صالحٌ : وجَّهَ ابنُ طاهر إليَّ : مَنْ يصلي على أبي عبد الله ؟ قلتُ :
أنا . فلما صِرْنَا إلى الصحراء ، إذا بابن طاهر واقف ، فخطا إلينا خُطُوات ،
وعزَّانا ، ووُضع السرير . فلما انتظرتُ هُنَيَّة ، تقدمتُ ، وجعلنا نُسَوِّي
الصُّفوف(٢) ، فجاءَني ابنُ طاهر ، فقبضَ هذا على يدي ، ومحمدُ بنُ نصر
على يدي، وقالوا: الأمير. فمانَعْتُهُم فَنَحَّياني وصلى هو (٣)، ولم يَعلم
(١) في الأصل: وأخذ منه فوران. والتصويب من ((المناقب)) ص : ٤١٢ .
(٢) عبارة المؤلف في ((تاريخ الإِسلام)): ((وجعلتُ أسوي صفوف الناس))
(٣) وهو السُّنَّةُ ، فإن الوالي أو نائبه أحق فيها بالإِمامة من الولي ، فقد أخرج الحاكم في
((المستدرك)» ١٧١/٣ من طريق أبي حازم قال: إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي، فرأيت
الحسين بن علي يقول لسعيد بن العاص ، ويطعُنُ في عنقه ويقول : تقدمْ ، فلولا أنها سنة ، ما
قدمتك . وسعيد أمير على المدينة يومئذ ، وكان بينهما شيء . وصحح إسناده ، ووافقه الذهبي . =
٣٣٨

الناسُ بذلك ، فلما كان في الغد عَلِمُوا ، فجعلوا يَجِیؤون ، ويصلون على
القبر. ومكَثَ الناسُ ما شاء الله ، يأتونَ ، فَيُصَلُّون على القبر .
قالٍ مُبَيد الله بنُ يحيى بن خاقان : سمعتُ المتوكل ، يقولُ لمحمد بن
عبد الله : طوبى لك يا محمد ، صليتَ على أحمد بن حنبل ، رحمةُ الله
عليه .
قال الخلال : سمعتُ عبد الوهّاب الورّاق ، يقولُ: ما بلَغَنا أن جمعاً
في الجاهلية ولا الإِسلام مِثله - يعني: مَنْ شَهِدَ الجِنازة - حتى بلغَنَا أَنَّ
الموضع مُسِحَ وحُزِر على الصحيح ، فإذا هو نحوٌ من ألفِ ألفٍ . وحزرْنا
على القبور نحواً من ستين ألف امرأة ، وفتح الناسُ أبواب المنازل في
الشوارع والدروب ، ينادُون مَنْ أراد الوضوء .
وروى عبدُ الله بنُ إسحاق الخراساني : أخبرنا بُنانُ بنُ أحمد
القَصَبَانِيُّ (١) أنه حضر جِنَازَةَ أحمد ، فكانت الصفوفُ من الميدان إلى قنطرة
باب القطيعة . وحُزِر من حضرها من الرجال بثمان مئةٍ ألف ، ومن النساء
بستين ألف امرأة ، ونظروا فيمن صلَّى العصر يومئذ في مسجد الرّصافة،
فكانوا نيفاً وعشرين ألفاً .
قال موسى بنُ هارون الحافظ : يُقال : إنَّ أحمد لما مات، مُسِحَت
الأمكنة المبسوطة التي وَقَفَ الناسُ للصلاة عليها، فَحُزِرَ مقاديرُ الناس
بالمساحة على التقدير ست مئة ألف أو أكثر، سوى ما كان في الأطراف
والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف .
= وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٣١/٣، ونسبه إلى الطبراني في ((الكبير)) والبزار، وقال: رجاله
موثقون. وهو في (( كشف الأستار)) برقم (٨١٤ ) .
(١) في ((تاريخ الإِسلام)): ((القضباني))، بالضاد المعجمة .
٣٣٩

قال جعفرُ بنُ محمد بن الحُسين النيسابوري : حدثني فتحُ بنُ
الحجاج ، قال : سمعتُ في دار ابن طاهر الأمير ، أنَّ الأمير بَعَثَ عشرين
رجلاً. فَحَزَرُوا كم صلى على أحمدَ بنِ حنبل، فحزروا ، فبلغ ألفَ ألفٍ
وثمانين ألفاً سوى من كان في السُّفْن . رواها خُشنام بن سعد(١) ، فقال :
بلغوا ألف ألف وثلاث مئة ألف .
قال عبدُ الرحمن بنُ أبي حاتم: سمعتُ أبا زُرعة، يقول: بلغني أَنَّ
المتوكل أَمْرَ أَنْ يُمسح الموضعُ الذي وقفَ عليه الناسُ حيثُ صُلِّي على
أحمد ، فبلغ مقام ألفي ألف وخمس مئة ألف .
وقال أبو بكر البيهقي : بلغني عن أبي القاسم البَغَوِي أنَّ ابن طاهر أمر
أن يُحزرَ الخلقُ الذين(٢) في جنازة أحمد ، فاتفقوا على سبع مئة ألف نفس .
قال أبو همَّام السَّكُوني : حضرتُ جنازة شريك ، وجنازةً أبي بكر بن
عياش ، ورأيتُ حضورَ الناس ، فما رأيتُ جمعاً قط مثل هذا يعني : جنازة
أبي عبد الله .
قال السُّلَمي : حضرتُ جِنازة أبي [الفتح] (٣) القَوَّاس مع
الدارَقُطْني ، فلما نظر إلى الجمع ، قال : سمعتُ أبا سهل بن زياد ، يقول :
سمعتُ عبد الله بنَ أحمد ، يقولُ : سمعتُ أبي يقول: قولوا لأهل البدع بيننا
وبينكم يوم الجنائز(٤).
(١) في الأصل: ((خشنام بن سعيد))، وهو خطأ وقد ذكره ابن أبي يعلى في ((الطبقات))
١٥٢/١، وقال : نقل عن إمامنا أشياء .
(٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((الذي))
(٣) الزيادة من تاريخ الإِسلام.
(٤) قال الحافظ ابن كثير في ((التاريخ)) ٣٤٢/١٠: ((وقد صدق الله قول أحمد في هذا،
فإنه كان إمام السنة في زمانه . وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دواد وهو قاضي قضاة الدنيا - لم يحتفل =
٣٤٠