النص المفهرس
صفحات 281-300
وقال عبدُ الله بنُ أحمد : أوصى أبي هذه : هذا ما أوصى به أحمدُ بنُ محمد بن حنبل ، أوصى أنه يشهدُ أن لا إله إلا الله ، إلى أن قال : وأوصى أَنَّ عَليَّ لِقُوران نحواً من خمسين ديناراً، وهو مُصَدَّق فيما قال ، فيُقضَى من غَلة الدار . فإذا استوفى ، أُعطِيَ ولدُ عبدِ الله وصالحٍ ، كلَّ ذكر وأنثى عشرة دراهم . شَهِدَ أبو يوسف ، وعبدُ الله وصالح ابنا أحمد . أنبؤونا عمن سمع أبا علي المُقرىء، أخبرنا أبو نُعيم(١)، حدثنا سليمانُ بنُ أحمد ، حدثنا عبدُ الله بنُ أحمد ، قال : كتبَ عُبيدُ الله بنُ يحيى بن خاقان إلى أبي يخبره أنَّ أميرَ المؤمنين أمرني أن أكتُبَ إليك أَسْأَلُكَ عن القرآن ، لا مسألة امتحان ، لكن مسألة معرفة وتبصرة . فأملى عليّ أبي : إلى عُبيد الله بن يحيى ، بسم الله الرحمن الرحيم ، أحسن الله عاقبتَك أبا الحسن في الأمور كلِّها ، ودفع عنكَ المكاره برحمتهِ ، قد كتبتُ إليك ، رضي الله عنك ، بالذي سألَ عنه أميرُ المؤمنين بأمر القرآن بما حضرني ، وأني أسألُ اللَّه أن يُديمَ توفيقَ أميرِ المؤمنين ، فقد كانَ الناسُ في خوضٍ من الباطل، واختلافٍ شديد ينغمسون فيه، حتى أَفْضَتِ الخلافةُ إلى أمير المؤمنين ، فنفى الله بهِ كلَّ بِدعة ، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المحابس(٢) ، فصرفَ الله ذلك كلَّه ، وذهب به بأمير المؤمنين ، ووقع ذلك من المسلمين موقعاً عظيماً ، ودعَوا الله لأمير المؤمنين [ وأسأل الله أن يستجيبَ في أمير المؤمنين صالحَ الدعاء، وأن يُتَمَّ ذلك لأمير المؤمنين](٣)، (١) وهو مؤلّف ((حلية الأولياء))، والخبر فيه بنصه ٢١٦/٩، ٢١٩ . ورواها ابن الجوزي في ((المناقب))، ص : ٣٧٧، ٣٧٩ بإسناده لأبي نعيم ، ولكن اختصرها ، ولم يسق نصها کاملاً . (٢) في ((الحلية)): ((ضيق المجالس))، وما هنا موافق لابن الجوزي. (٣) ما بين حاصرتين من ((تاريخ الإِسلام)) و((الحلية)). ٢٨١ وأن يزيد في نيتِه ، وأن يُعْينَه على ما هو عليه . فقد ذكر عن ابنِ عباسٍ أنه قال : لا تضربوا كتابَ الله بعضه ببعض ، فإنه يُوقِعُ الشَّكَ في قلوبكم . وذُكِر عن عبد الله بن عمرو، أن نفراً كانوا جلوساً بباب النبي وَّ، فقال بعضُهم : ألم يقل [الله](١) كذا، وقال بعضُهم : ألم يقل الله كذا؟ فسمع ذلك رسولُ الله، وَ﴿َ، فخرج كأنما فُقِىء في وجهه حَبُّ الرُّمان، فقال: ((أَبِهَذا أُمِرْتُمْ أَنْ تَضْرِبوا كِتاب الله بَعْضَه بِبَعْضٍ؟ إنَّما ضَلَّتِ الأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هذا [ إنكم لستم مما ها هنا في شيءٍ ](٢)، انظُروا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، فاعْمَلَوا بِهِ، وانظُرُوا الَّذِي نُهِيتُم عَنْه، فَانْتَهُوا عَنْهُ))(٣). ورُويَ عن أبي هريرة عن النبي، بَِّ قال: ((مِراءٌ في القرآن كفرٌ )) (٤) (١) الزيادة من ((تاريخ الإسلام)). (٢) الزيادة من ((تاريخ الإِسلام)) و((الحلية)). (٣) إسناده حسن، وهو في ((المسند)) ١٩٥/٢ و١١٨ و١٩٦، وابن ماجة (٨٥). (٤) أخرجه أحمد ٢٨٦/٢ و ٣٠٠ و٤٢٤ و ٤٧٥ و ٥٠٣ و ٥٢٨، وأبو داود ( ٤٦٠٣) في السنة : باب النهي عن الجدال في القرآن ، وسنده حسن ، وصححه ابن حبان ( ٧٣ ) ، والحاكم ٢٢٣/٢، ووافقه الذهبي المؤلف . واختلفوا في تأويل هذا الحديث ، فقيل : معنى المراء : الشك ، كقوله سبحانه وتعالى : ﴿فلا تك في مرية﴾، أي: في شك. وقيل المراء: هو الجدال المشكك، وذلك أنه إذا جادل فيه، أداه إلى ما يرتاب في الآي المتشابهة منه، فيؤديه ذلك إلى الجحود فسماه كفراً باسم ما يُخشى من عاقبته ، إلا من عصمه الله . ومن حق الناظر في القرآن أن يجتهد في التوفيق بين الآيات برد المتشابهات إلى المحكمات ، والجمع بين المختلفات ظاهراً ما أمكنه ، فإن القرآن يصدِّق بعضه بعضاً ، فإنْ أشكل عليه شيء من ذلك ، ولم يتيسَّرْ له التوفيق ، فليعتقد أنه من سوء فهمه ، وليكله إلى عالمه ، وهو الله ورسوله . وتأوله بعضهم على المِراء في قراءته ، وهو أن يُنكر بعض القراءات المروية ، وقد أنزل الله القرآن على سبعة أحرف ، فتوعدهم بالكفر لينتهوا عن المراء فيها ، والتكذيب بها ، إذْ كلها قرآن منزل یجب الإِيمان به ، ویشهد لهذا التفسير حديث أبي جھیم الآتي . وقيل : إنما جاء هذا في الجدال بالقرآن من الآي التي فيها ذكر القدَر والوعيد وما كان في معناهما على مذهب أهل الكلام والجدل ، دون ما كان منها في الأحكام وأبواب الإِباحة . والتحريم، فإن أصحاب رسول الله، وَ 18، قد تنازعوها فيما بينهم ، وتحاجّوا بها عند اختلافهم = ٢٨٢ وروي عن أبي جهيم عن النبي ◌َ ◌ّ، قال: ((لا تَمارَوْا في القرآن ، فإن مراءً فيه كفر))(١) . وقال ابنُ عباس : قدِم رجلٌ علی عمر ، فجعل عمرُ یسأله عن الناس ، فقال: يا أمير المؤمنين ، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا . فقال ابنُ عباس: فقلتُ : والله ما أُحِبَّ أن يتسارعوا يومَهم في القرآن هذه المسارعة . فَزَبَرَني عُمر ، وقال : مَهْ . فانطلقتُ إلى منزلي كئيباً حزيناً ، فينا أنا كذلك، إذْ أتاني رجلٌ ، فقال : أَجِبْ أميرَ المؤمنين . فخرجتُ ، فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذَ بيدي ، فَخَلابي ، وقال : ما الذي كرهتَ ؟ قلتُ : يا أمير المؤمنين ، متى يتسارعوا هذه المسارعةَ، يَحْتَقُوا، (٢) ومتى [ما] يَحْتَقُوا يَخْتِصِمُوا، ومتى ما يختصِمُوا يختلفوا ، ومتى ما يختلفُوا يقتتلوا . قال : لله أبوك ، والله إنْ كنتُ لَأَكْتُمِها النَّاسَ ، حتى جئتَ بها . ورُوي عن جابر، قال: كان النبيُّ، بَّه، يعرضُ نفسه على الناس بالموقف، فيقولُ: ((هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلى قَوْمِهِ ، فَإِنَّ قُرَيْشاً قَدْ مَنْعُوني أَنْ أُبلِّغَ كَلَمَ رَبِّي))(٣). = في الأحكام . ويشهد لهذا التفسير حديث عبد الله بن عمرو المتقدم ، فقد وقع عند أحمد ٢٩٦/٢، وابن ماجة (٨٥) أن تنازعهم كان في القدر. (١) أخرجه أحمد ١٧٠/٤ من طريق أبي سلمة الخزاعي ، حدثنا سليمان بن بلال ، حدثني يزيد بن خُصَيْفَة ، أخبرني بسر بن سعيد ، قال : حدثني أبو جهيم أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتُها من رسول الله، وَ﴿، وقال الآخر: تلقيتُها من رسول الله، وَر، فسألا النبي، ﴿، فقال: ((القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراء في القرآن كفر» . وإسناده صحيح . وفي الباب عن عمرو بن العاص عند أحمد ٢٠٤/٤ . (٢) أي يقول كل منهم : الحق في يدي ومعي . (٣) أخرجه أبو داود (٤٧٣٤ ) في السنة : باب في القرآن ، والترمذي (٢٩٢٦) في ثواب = ٢٨٣ ورُوي عن جُبِير بنُ نُفَير، قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّكُمْ لَنْ تَرْجِعُوا إلى الله بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهِ، يَعْنِي: القرآن))(١) . ورُوي عن ابن مسعود ، قال : جرِّدوا القرآن ، لا تكتبوا فيه شيئاً إلا كلامَ الله . وروي عن عمر أنه قال: هذا القرآن كلام الله ، فَضَعُوه مواضعه . وقال رجل للحسن : يا أبا سعيد ، إني إذا قرأتُ كتاب الله ، وتدبَّرته ، كِدتُ أن آيس(٢)، وينقطع رجائي، فقال: إن القرآن كلامُ الله، وأعمالُ ابنِ آدم إلى الضعف والتقصير ، فاعمل وأبشر . وقال فروةُ بنُ نوفل الأشجعي : كنتُ جاراً لخبّاب ، فخرجتُ يوماً معه إلى المسجد ، وهو آخذٌ بيدي، فقال: ((يا هَنَاه، تَقَرَّب إلى الله بما استطعتَ ، فَإِنَّكَ لن تَتَقَرَّبَ إليه بشيءٍ أحبَّ إليه من كلامه))(٣). وقال رجلٌ للحَكّم : ما حمل أهلَ الأهواء على هذا؟ قال : الخصومات . وقال معاويةُ بن قُرَّة : إياكم وهذه الخصومات ، فإنها تُحبط الأعمال . = القرآن: باب حرص النبي، وَير، على تبليغ القرآن، وابن ماجة (٢٠١) في المقدمة : باب فيما أنكرت الجهمية ، كلهم من حديث إسرائيل ، عن عثمان بن المغيرة الثقفي ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر . وإسناده صحيح ، وقال الترمذي : هذا حديث غريب صحيح . (١) أخرجه الترمذي (٢٩١٢) من طريق إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية ، عن العلاء بن الحارث ، عن زيد بن أرطاة ، عن جبير بن نفير . ورجاله ثقات . (٢) في اللسان : قال الجوهري : أيست منه آيس يأساً ، لغة فى يئست منه أيأس يأساً ، ومصدرهما واحد . ونقل أيضاً عن ابن سيدة ، قال : أيست من الشيء مقلوب عن يئست ، وليس بلُغةٍ فيه . (٣) تقدم تخريجه في الصفحة : ٢٤٦، ت (٢) . ٢٨٤ ٠ وقال أبو قِلاَبَة : لا تُجالسوا أهلَ الأهواء ، أو قال: أصحابَ الخصومات . فإني لا آمن أن يَغمِسوكم في ضلالتهم ، ويُلِسوا عليكم بعضَ ما تعرفون . ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين ، فقالا : يا أبا بكر ، نحدثُك بحديث ؟ قال : لا . قالا : فنقرأ عليك آية ؟ قال : لا . لَتَقومانٍ عني ، أو لَقومَنَّه ، فقاما . [ فقال بعض القومِ : يا أبا بكر ، وما عليك أنْ يقرآ عليك آيةً؟ قال ... ](١) . وقال: خَشِيتُ أن يقرآ آية فيحرِّفانها ، فَيَقِرُّ ذلك في قلبي . وقال رجُلٌ من أهل البدع لأيوب : يا أبا بكر أسألُكَ عن كلمة ؟ فولَّى ، وهو يقولُ بيده : لا ، ولا نصف كلمة . وقال ابنُ طاووس لابنٍ له يُكَلِّمُه رجلٌ من أهل البدع : يا بُنِي أَدْخِلْ أصبعيْك في أُذُنيك حتى لا تَسمَعَ مَا يَقُول . ثم قال : اشْدُدْ اشدد . وقال عمر بنُ عبد العزيز : مَن جعل دينه(٢) غَرَضَاً للخضومات ، أكثر التنقل . وقال إبراهيم النَّخَعي : إن القومَ لم يُدَّخَرْ عنهم شيء خُبِّىء لكم لفضلٍ عندكم . وكان الحسنُ يقول : شرُّ داءٍ خالط قلباً، يعني : الأهواء . وقال حذيفةُ : اتقوا الله ، وخذوا طريقَ من كان قبلكم ، والله لیْنِ استَقَمْتُم ، لقد سبقتم سبقاً بعيداً ، ولئن تركتُموه يميناً وشمالاً ، لقد ضللتم (١) الزيادة من ((تاريخ الإسلام)). (٢) في الأصل: ((ديناً))، وما أثبتناه موافق لما في ((تاريخ الإسلام)). ٢٨٥ ضلالاً بعيداً ، أو قال : مبيناً . قال أبي : وإنما تركتُ الأسانيد لما تَقَدَّم من اليمينِ التي حَلَفْتُ بها مما قد علمه أميرُ المؤمنين ، ولولا ذلك ، ذكرتُها بأسانيدها . وقد قالَ الله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ الله ﴾ [ التوبة: ٦]. وقال: ﴿أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فَأَخْبَرَ أن الأمر غيرُ الخلق. وقال: ﴿الرَّحْمْنِ، عَلَّمَ القُرآن، خَلَقَ الإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيّانِ﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. فأخبر أن القرآن من عِلْمه. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارِى حَتَّى تَتَبَعَ مِلْتَهم، قُلْ إِنَّ هُدى اللهِهُوَ الهُدَى ، وَلَئِن أَتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَالَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. وقال: ﴿وَلَيْن أَتَيْتَ الَّذِين أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [ البقرة: ١٤٥]. إلى قوله: ﴿وَلَيْنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِنْ بَعْدِ ما جَاءَكُ مِن العِلْمِ إِنَّكَ إذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [ البقرة: ١٤٥ ]. فالقرآن من علم الله . وفي الآيات دليلٌ على أن الذي جاءه هو القرآن . وقد رُوي عن السلف أنهم كانوا يقولون : القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق ، وهو الذي أذهبُ إليه ، لستُ بصاحب كلام ، ولا أرى الكلامَ في شيء من هذا إلا ما كانَ في كتاب الله ، أو في حديثٍ عن النبي، وَلَّ، أو عنْ أصحابه ، أو عن التابعين . فأما غيرُ ذلك ، فإنَّ الكلام فيه غير محمود . فهذه الرسالةُ إسنادُها كالشمس ، فانظرْ إلى هذا النَّفَسِ النوراني . لا كرسالة الإِصْطَخري(١)، ولا كالردّ على الجهمية الموضوع على أبي عبد (١) هو أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسي الإصطخري . ورسالته هذه المتضمنة لمذاهب أهل العلم ومذاهب الأثر ، رواها عن الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل . وقد ذكرها بتمامها القاضي أبو الحسين في ((طبقات الحنابلة)) ٢٤/١، ٣٦، وفيها من العبارات ما = ٢٨٦ الله(١) ، فإنَّ الرجل كان تقياً ورعاً لاَ يَتَفَوَّه بمثل ذلك. ولعلَّه قاله، وكذلك رسالة المُسيءٍ (٢) في الصلاة باطلة . وما ثَبَتَ عنه أصلاً وفرعاً ففيه كفاية . ومما ثبت عنه مسألةُ الإِيمان ، وقد صنَّفَ فيها . قال أبو داود : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل ، يقول : الإِيمانُ قولٌ وعمل ، يزيدُ وينقص ، البِرُّ كلَّه من الإِيمان ، والمعاصي تنقصُ الإِيمان . = يخالف ما عليه السلف، مما يستبعد صدوره من مثل هذا الإِمام الجليل، كقوله فيها: ((وكلم الله موسى تكليماً من فيه)) و((ناوله التوراة من يده إلى يده)). وربما كان ذلك مدعاة للمؤلف أن يطعن في صحة نسبتها إلى الإمام أحمد. ونص كلام المؤلف في «تاريخ الإسلام)»: « ... قلت : رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات ، أشهد بالله أنه أملاها على ولده ، وأما غيرها من الرسائل المنسوبة إليه كرسالة الإصطخري ، ففيها نظر. والله أعلم)). (١) يرى الذهبي المؤلف أن كتاب ((الرد على الجهمية)) موضوع على الإِمام أحمد. وقد شكك أيضاً في نسبة هذا الكتاب إلى الإِمام أحمد بعض المعاصرين في تعليقه على ((الاختلاف في اللفظ ، والرد على الجهمية )) لابن قتيبة . ومستنده أن في السند إليه مجهولاً ، فقد رواه أبو بكر غلام الخلال ، عن الخلال ، عن الخَضِر بن المثنى ، عن عبد الله بن أحمد ، عن أبيه .... والخضر بن المثنى هذا مجهول ، والرواية عن مجهول مقدوح فيها ، مطعون في سندها . وفيه ما يخالف ما كان عليه السلف من معتقد ، ولا يتسق مع ما جاء عن الإِمام في غيره مما صح عنه وهذا هو الذي دعا الذهبي هنا إلى نفي نسبته إلى الإِمام أحمد ومع ذلك فإن غير واحد من العلماء قد صححوا نسبة هذا الكتاب إليه ، ونقلوا عنه ، وأفادوا منه ، منهم القاضي أبو يعلى ، وأبو الوفاء بن عقيل، والإِمام البيهقي ، وابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم ، وتوجد من الكتاب نسخة خطية في ظاهرية دمشق ، ضمن مجموع رقم (١١٦)، وهي تشتمل على نص ((الرد على الجهمية)) فقط، وهو نصف الكتاب ، وعن هذا الأصل نشر الكتاب في الشام ، بتحقيق الأستاذ محمد فهر الشقفة . ومما يؤكد أن هذا الكتاب ليس للإمام أحمد أننا لا نجد له ذكراً لدى أقرب الناس إلى الإمام أحمد بن حنبل ممن عاصروه وجالسوه ، أو أتوا بعده مباشرة وكتبوا في الموضوع ذاته كالإِمام البخاري ت ٢٥٦ هـ، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة ت ٢٧٦ هـ، وأبي سعيد الدارمي ت ٢٨٠. والإِمام أبو الحسن الأشعري قد ذكر عقيدة الإِمام أحمد في كتابه ((مقالات الإسلاميين))، ولكنه لم يشر إلى هذا الكتاب مطلقاً ، ولم يستفد منه شيئاً . (٢) يغلب على الظن أنه يريد الرسالة الموسومة بـ((الصلاة))، وقد طبعت في مصر بتحقيق حامد الفقي . وكثير من الأئمة الذين ينتمون إلى مذهب الإِمام أحمد بن حنبل ينقلون عنها ، ويحتجون بما فيها . ١ ٢٨٧ وقال إسحاقُ بنُ إبراهيم البَغَوِي : سمعتُ أحمدَ يقولُ : من قال : القرآنُ مخلوقٌ ، فهو كافرٌ . وسمع سَلَمة بن شَبيب أحمد يقول ذلك ، وهذا متواتر عنه . وقال أبو إسماعيل الترمذي : سمعتُ أحمد بن حنبل ، يقول : من قال : القرآن محدث ، فهو كافر . وقال إسماعيل بن الحسن السراج : سألتُ أحمد عمن يقول : القرآن مخلوق ، قال : كافر، وعمن يقول : لفظِي بالقرآن مخلوق ، فقال : جهمي . وقال صالحُ بنُ أحمد : تناهى إلى أبي أَنَّ أبا طالب يحكي أنه يقول : لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق . فأخبرتُ بذلك أبي ، فقال : مَن حدثك ؟ قلتُ : فلان ، قال : ابعثْ إلى أبي طالب ، فوجهتُ إليه ، فجاء ، وجاء . فُوران ، فقال له أبي : أنا قلتُ لك : لفظي بالقرآن غير مخلوق ؟! وغضبَ، وجعل يرعُدُ، فقال: قرأتُ عليك: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإِخلاص: ١]. فقلتَ لي: ليس هذا بمخلوق. قال: فَلِمَ حَكَيتَ عنِي أني قلتُ : لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق ؟ وبلغني أنَّك كتبتَ بذلك إلى قوم ، فامْحُه، واكتبْ إليهم أَنِّي لم أقلْه لك . فجعل فورانُ يعتذرُ إليه . فعادَ أبو طالب ، وذكر أنه حكى ذلك ، وكتبَ إلى القوم ، يقول : وهِمْتُ على أبي عبد الله . قلتُ : الذي استقرَّ الحال عليه، أَنَّ أبا عبد الله كان يقولُ: من قال : لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق ، فهو مبتدع . وأنه قال : من قال : لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جَهمي. فكان رحمه الله لا يقول هذا ولا هذا. ورُبَّما أوضح ذلك ، فقال : من قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، يريد به القرآن فهو جهمي . ٢٨٨ قال أحمدُ بنُ زنجويه : سمعتُ أحمد يقولُ : اللفظيةُ شرٌ من الجهمية . وقال صالح : سمعتُ أبي ، يقول : الجهميةُ ثلاثُ فرق : فرقةٌ قالت : القرآن مخلوق ، وفرقةٌ قالوا : كلامُ الله وسكتوا ، وفرقةٌ قالوا : لفظُنا به مخلوق . ثم قال أبي لا يُصلَّى خلف واقِفي ، ولا لفظي . وقال المرُّوذي : أخبرتُ أبا عبد الله أن أبا شعيب السوسي الرَّقِي ، فرَّق بين بنته وزوجها لَمَّا وَقَفَ في القرآن ، فقال : أحسنَ ، عافاه الله ، وجعل يدعو له . قال المُرُّوذِي : ولما أظهر يعقوبُ بنُ شيبة الوقف ، حذَّر عنه أبو عبد الله ، وأَمَر بهجرانِه . لأبي عبد الله في مسألة اللفظِ نُقولٌ عِدة : فأَوَّل من أظهر مسألة اللفظ حسينُ بنُ علي الكَرَابِيسي ، وكان من أوعية العلم . ووضعَ كتاباً في المُدَلِّسين ، يَحُطُّ على جماعة فيه أن ابن الزبير من الخوارج . وفيه أحاديث يُقوِّي به الرافضة . فأُعلم أحمدُ ، فَحَذَّر منه ، فبلغ الكرابيسي ، فتنمِّر، وقال : لأقولنَّ مقالةً حتى يقولَ ابنُ حنبل بخلافها فيكفر . فقال : لفظي بالقرآن مخلوق. فقال المُرُّوذي في كتاب ((القصص)) : فذكرتُ ذلك لأبي عبد الله أنَّ الكرابيسي ، قال : لفظي بالقرآن مخلوقٌ ، وأنَّه قال : أقول : إنَّ القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوق من كل الجهات إلَّ أَنَّ لفظي به مخلوق . ومن لم يقل : لفظي بالقرآن مخلوق ، فهو كافر . فقال أبو عبد الله : بل هو الكافر ، قاتَلَهُ الله ، وأيُّ شيء قالت الجهميَّةُ إلا هذا؟ وما ينفعهُ، وقد نَقَضَ كلامُهُ الأخيرُ كلامَه الأول ؟ ! ثم قال : أيش خبرُ أبي ثور ، أَوَافَقَه على هذا؟ قلتُ : قد هجره . قال : أحسنَ ، لن يُفْلِح أصحابُ الكلام . ٢٨٩ سير ١٩/١١ قال عبدُ الله بنُ أحمد : سُئل أبي ، وأنا أسمعُ عن اللفظية والواقفة ، فقال : من كان منهم يُحسِنُ الكلام، فهو جهمي . الحكم بن معبد : حدثني أحمدُ الدورقي ، قلتُ لأحمد بن حنبل : ما تقولُ في هؤلاء الذين يقولون : لفظي بالقرآن مخلوق ؟ فرأيته استوى واجتمع ، وقال : هذا شرٌّ من قول الجهمية . من زعم هذا ، فقد زعم أن جبريل تكلم بمخلوق، وجاء إلى النبي وَله بمخلوق . فقد كانَ هذا الإِمام لا يرى الخوضَ في هذا البحث خوفاً من أن يُنْذَرِّع به إلى القول بخلق القرآن ، والكفُّ عن هذا أولى . آمنًا بالله تعالى ، وبملائكته ، وبكتبه ، ورسله ، وأقداره ، والبعث ، والعرض على الله يوم الدين . ولو بسط هذا السطر، وحُرِّر وقُرِّرَ بأدلته لجاء في خمس مُجَلَّدَات ، بل ذلك موجودٌ مشروحٌ لمن رامه ، والقرآن فيه(١) شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ، ومعلومٌ أن التلفّظَ شيءٌ من كَسْب القارىء غيرُ الملفوظ ، والقراءةُ غيرُ الشيء المقروء، والتلاوةُ وحُسْنُها وتجويدُها غيرُ المتلُوِّ ، وصوتُ القارىءِ من كَسْبه فهو يُحدثُ التلفُّظَ والصوتَ والحركَةَ والنطقَ ، وإخراجَ الكلمات من أدواته المخلوقة ، ولم يُحْدِثْ كلماتِ القرآن ، ولا ترتيبَه ، ولا تأليفَه ، ولا معانيه . فلقد أحسنَ الإِمامُ أبو عبد الله حيثُ منعَ من الخوض في المسألةِ من الطرفين إذْ كلُّ واحدٍ من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم ، ولم يأتِ به كتابٌ ولا سنةٌ بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلامُ الله مُنزَلٌ غيرُ مخلوق . والله أعلم . (١) في الأصل: ((ففيه)). ٢٩٠ الحاكم : حدثنا الأصمُّ، سمعتُ محمدَ بنَ إسحاق الصَّغَاني ، سمعتُ فُورانَ صاحب أحمد ، يقولُ: سألني الأثرمُ وأبو عبد الله المُعَيْطِي أَنْ أَطْلُبَ من أبي عبد الله خلوةً ، فأسألُه فيها عن أصحابنا الذين يفرقون بين اللفظ والمَحْكِي . فسألتُه، فقال : القرآنُ كيف تُصُرِّفَ في أقواله وأفعاله ، فغيرُ مخلوق . فأما أفعالنا فمخلوقة . قلتُ : فاللفظيَّةُ تَعدُّهم يا أبا عبد الله في جملة الجهمية؟ فقال : لا الجهميةُ الذين قالوا : القرآنُ مخلوق . وبه قال : وسمعتُ فُورانَ ، يقول : جاءَنِي ابنُ شَداد بِرُقعةٍ فيها مسائلُ ، وفيها: إن لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق ، فضرب أحمدُ بنُ حنبل على هذه ، وكتب: القرآنُ حيث تُصُرِّف غيرُ مخلوق . قال صالحُ بنُ أحمد : سمعتُ أبي ، يقولُ : من زعم أنَّ أسماءَ الله مخلوقةٌ ، فقد كفر . وقال المَرُّوذِي : سمعتُ أبا عبد الله ، يقول : من تعاطى الكلام لا يفلح ، من تعاطى الكلام ، لم يخْلُ من أن يَتَجْهَّم . وقال حنبلُ : سمعتُ أبا عبد الله ، يقول : من أحبَّ الكلام لم يُفلح ، لأنه يَؤولُ أمرُهم إلى خَيْرة . عليكم بالسُّنَّةِ والحديث ، وإياكم والخوضَ في الجدال والمراء ، أدركْنا الناس وما يعرفُون هذا الكلام ، عاقبةُ الكلام لا تؤول إلى خير . وللإِمام أحمد كلامٌ كثيرٌ في التحذير من البدع وأهلها ، وأقوال في السنة. ومن نظر في كتاب ((السنة)) لأبي بكر الخلال رأى فيه علماً غزيراً ونقلاً كثيراً. وقد أوردتُ من ذلك جملةً في ترجمة أبي عبد الله في (( تاريخ الإِسلام))، وفي كتاب ((العزة للعلي العظيم)). فَتَّرني عن إعادته هنا عدمُ النّة . فنسألُ الله الهُدَى، وحُسْنَ القصد . وإلى الإِمام أحمد المُنْتَهى في ٢٩١ معرفةِ السُّنَّةِ علماً وعملاً، وفي معرفةِ الحديث وفنونه ، ومعرفةِ الفقهِ وفروعه . وكان رأساً في الزُّهد والورع والعبادة والصِدق . قال صالحُ بنُ أحمد: قدم المتوكلُ فنزل الشمَّاسِيَّة(١)، يُريدُ المدائن، فقال لي أبي : أحِبُّ أن لا تذهبَ إليهم تنبِّه عَلَيَّ . فلما كان بعد يومٍ أنا قاعدٌ، وكان يوماً مطيراً، فإذا بيحيى بنٍ خاقان قد جاءَ في موكبٍ عظيم ، والمطرُ عليه ، فقال لي : سبحانَ الله لم تصر إلينا حتى تُبلِّغ أمير المؤمنين السلامَ عن شيخك ، حتى وجَّه بي ، ثم نزل خارج الزُّقاق ، فَجَهَدْتُ به أن يدخلَ على الدابّة فلم يفعل، فجعلَ يخوضُ المطر. فلما وصل نزع جُرُمُوقَه(٢) ، ودخل، وأبي في الزاوية عليه كساء ، فسلّم عليه ، وقَبَّل جبهته ، وساءَلَهُ عن حالِهِ ، وقال: أميرُ المؤمنين يُقرِتُك السلام ، ويقول : كيفَ أنتَ في نفسك ، وكيف حالك ؟ وقد أنستُ بقربك ، ويسألُك أن تدعوَ له . فقال : ما يأتي عليَّ يومٌ إلا وأنا أدعو الله له . ثم قال : قد وَجَّه معي ألف دينار تُفرقُها على أهل الحاجة . فقال : يا أبا زكريا ، أنا في بيت مُنقطع ، وقد أَعْفَاني من كُلِّ ما أكره ، وهذا مِمَّا أكره . فقال: يا أبا عبد الله، الخلفاءُ لا يحتملون هذا . فقال : يا أبا زكريا، تلطّف في ذلك . فدعا له ، ثم قام . فلما صار إلى الدار ، رَجَع ، وقال : هكذا لو وجَّه إليكَ بعضُ إخوانك كنتَ تفعلُ ؟ قال : نعمْ . فلما صِرْنا إلى الدهليز ، قال : قد أُمَرَني أميرُ المؤمنين أدفعها إليك تُفرقُها . فقلتُ: تكونُ عندك إلى أن تَمضيَ هذه الأيام . أحمد بنُ محمد بن الحسين بن معاوية الرازي : حدثنا بكرُ بنُ عبد الله (١) بفتح أوله وتشديد ثانيه ، ثم سين مهملة مكسورة ، وهي مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد ، وهي أعلى من الرصافة ومحلة أبي حنيفة . (٢) وهو ما يلبس فوق الخف . ٢٩٢ ابن حبيب ، سمعتُ المِسْعَرِيَّ محمد بنَ وهب ، قال : كنتُ مُؤدِّباً للمتوكل ، فلما استُخلفَ، أَدناني . وكان يسألُني وأُجيبُه على مذهب الحديث والعلم ، وإنه جلَس للخاصَّة يوماً ، ثم قام ، حتى دخل بيتاً له من قوارير ، سقفُه وحيطانُه وأرضُه ، وقد أجرِيَ له الماءُ فيه ، يتقَّلبُ فيه . فمن دخله ، فكأنَّه في جوف الماء جالسٌ . وجلس عن يمينه الفتحُ بنُ خاقان ، وعُبيدُ الله بنُ يحيى بن خاقان ، وعن يساره بغا الكبير ، ووصيف ، وأنا واقف إذْ ضحك ، فأرمَّ القوم ، فقال : ألا تسألوني مِن ما ضحِكْتُ ؟ ! إني ذات يومٍ واقفٌ على رأس الواثق، وقد قعد للخاصَّة، ثم دخل هنا، وَرُمْتُ الدخول فُمُنعتُ، ووقفتُ حيثُ ذاك الخادم واقف، وعنده ابن أبي دواد، وابن الزيَّات ، وإسحاق بن إبراهيم . فقال الواثقُ : لقد فكرتُ فيما دعوتُ إليه الناس من أن القرآنَ مخلوقٌ ، وسرعةِ إجابة من أجابنا ، وشدةِ خلاف من خالفنا مع الضرب والسيف، فوجدتُ من أجابنا رغبَ فيما [في] أيدينا ، ووجدتُ من خالفنا مَنَعَهُ دينٌ وورعٍ ، فدخل قلبي من ذلك أمرٌ وشَكَّ حتى هممتُ بتركِ ذلك . فقال ابنُ أبي دُوَاد: الله الله يا أمير المؤمنين ! أن تُميتَ سُنَّةً قد أحبيتَها ، وأن تُبطلَ دِيناً قد أقمتَه . ثم أطرقُوا . وخافَ ابنُ أبي دواد ، فقال : والله يا أمير المؤمنين ، إن هذا القولَ الذي تَدْعُو الناسَ إليه لهو الدينُ الذي ارتضاهُ الله لأنبيائه ورسله ، وبعثَ به نبيّه ، ولكنَّ الناسَ عَمُوا عن قَبوله . قال الواثق: فَباهِلوني(١) على ذلك. فقال أحمد : ضربَه الله بالفالج إن لم يكن ما يقولُ حقاً . وقال ابنُ الزيات : وهو فَسَمِّر الله بدنَه بمسامير في الدنيا قبل الآخرة إن لم يكن ما يقولُ أمير المؤمنين حقاً بأن القرآن مخلوق . وقال إسحاقُ بنُ إبراهيم : وهو فَأَنْتَنَ الله رِيحَهُ في الدنيا إن لم يكنْ (١) يقال: باهل بعضهم بعضاً، وتبهلوا وتباهلوا، أي : تلاعنوا. والبهلة ، وتضم الباء : اللعنة . ٢٩٣ ما يقولُ حقاً ، وقال نجاح : وهو فقتّلَه الله في أضيق محبس ، وقال إيتاخ : وهو فَغَرَّقه الله ، فقال الواثق : وهو فأحرق الله بدنَه بالنار إن لم يكنْ ما يقولُ حقاً من أن القرآن مخلوق ، فأضحكُ أَنَّه لم يَدْعُ أحدٌ منهم يومئذ إلا استجيب فيه. أما ابنُ أبي دواد، فقد ضربه الله بالفالج، وأما ابنُ الزيات، فأنا أقعدتُه في تنور من حديد ، وسَمَّرْتُ بدنه بمسامير ، وأما إسحاقُ ، فأقبل يَعْرَق في مرضه عرقاً مُنْتِناً حتى هربَ منه الحميم والقريب ، وأما نجاح ، فأنا بَنيتُ عليه بيتاً ذراعاً في ذراعين حتى مات ، وأما إيتاخُ ، فكتبت إلى إسحاق بن إبراهيم ، وقد رجع من الحج فقَّده وغرَّقه ، وأما الواثق ، فكان يحبُّ الجماع، فقال : يا مخائيل : ابغني دواءً للباه . فقال : يا أمير المؤمنين، بدنكَ فلا تَهُدَّه، لا سيما إذا تكَّلفَ الرجُل الجِماع. فقال: لا بُدَّ منه ، وإذا بين فَخِذِيه مع ذلك وصيفَةٌ ، فقال : من يصبرُ عن مثل هذه ؟ قال : فعليكَ بلحم السبع ، يوخذُ رطلٌ فُغلى سبعَ غليات بخل خمرٍ عتيق . فإذا جلستَ على شُربك، فخذ منهُ زنة ثلاثة دارهم ، فإِنَّك تجدُ بُغْيَتَكَ. فَلَها أياماً، وقال : علَيَّ بلحم سبعِ الساعةَ ، فأخرج له سبعٌ ، فذُبح واستعملَه . قال : فسُقِيْ بطنُه ، فجمع له الأطباء ، فأجمعوا على أنه لا دواء له إلا أن يُسجَر له تنورٌ بحطب الزيتون ، حتى يمتلىء جمراً، ثم يكسحُ ما فيه ، ويُحشى بالرُّطبة، ويقعدَ فيه ثلاثَ ساعات ، فإن طلبَ ماءً لم يُسقَ ، ثم يخرج فإنَّه يجدُ وجعاً شديداً ، ولا يُعاد إلى التنور إلى بعد ساعتين ، فإنه يَجري ذلك الماءُ ، ويَخرجُ من مخارج البول . وإن هو سُقي أو رُدَّ إلى التنور، تَلِف . قال : فسُجر له تَنُورٌ ، ثم أُخرج الجمر ، وجعل على ظهر التنور ، ثم حُشي بالرطبة . فعرِّي الواثق ، وأجلس فيه . فصاح وقال : أحرقتموني ، اسقوني ماء ، فُمُنع ، فتنقَّطَ بدنُه كلُّه ، وصار نُفاخاتٍ كالبطيخ ، ثم أُخرجَ وقد كادأنْ يحترق ، فأجلَسَه الأطباء . فلما شَمَّ الهواء اشتدَّ به الألم ، فأقبل يَصيحُ ٢٩٤ ويَخُورِ كالثَّور ، ويقول : ردُّوني إلى التنور، واجتمع نساؤه وخواصُّه ، وردُوه إلى التنور، ورَجوا الفرج. فلما حَمِي ، سَكَن صياحُه ، وتَفَطَّرتْ تلكَ النفاخات ، وأُخرج وقد احترقَ واسودٍّ ، وقضى بعدَ ساعة . قلتُ : راويها لا أعرفة . وعن جرير بنٍ أحمد بنِ أبي دواد ، قال : قال أبي : ما رأيتُ أحداً أشدَّ قلباً من هذا ، يعني : أحمد ، جعلنا نُكلِّمه ، جعل الخليفةُ يكلِّمه، يسمِّيه مرة ويَكْنيه مرة ، وهو يقولُ : يا أمير المؤمنين ، أو جِدْني شيئاً من كتاب الله أو سُنة رسوله حتى أُجيبك إليه . أبو يعقوب القَرَّاب : أخبرنا أبو بكر بنُ أبي الفضل ، أخبرنا محمد بنُ إبراهيم الصَّرَّام ، حدثنا ابراهيم بنُ إسحاق ، حدثني الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي ، قال : دخلتُ أنا والحارثُ بن مسكين على أحمد حِدثانَ ضَرْبه ، فقال لنا : ضُربتُ فسقطتُ وسمعتُ ذاك ـ يعني : ابن أبي دُوَاد - يقول : يا أميرَ المؤمنين ، هو والله ضالٌّ مضلٍّ . فقال له الحارث : أخبرني يوسفُ بنُ عمر ، عن مالك ، أن الزهريَّ سُعي به حتى ضُرِبَ بالسياط ، وفيل: عُلِّقتْ كُتُبه في عُنقه . ثم قال مالكٌ: وقد ضُرب سعيدُ بنُ المسيِّب ، وحُلق رأسُه ولحيتُه ، وضُرِبَ أبو الزِّناد ، وضُرِبَ محمد بنُ المنكدر ، وأصحابٌ له في حُمَّام بالسياط . وما ذكر مالك نفسه ، فأُعجب أحمدُ بقول الحارث . قال مكيُّ بنُ عَبْدان : ضربَ جعفرُ بنُ سليمان مالكاً تسعين سوطاً سنةَ (١٤٧) . وروي عن محمد بن أبي سَمينة ، عن شاباص التائب ، قال : لقد ضُربَ أحمد بن حنبل ثمانين سوطاً ، لو ضَربتَه على فيل ، لَهَدَّتْه . البيهقي : أخبرنا الحاكم ، حدثنا حسان بنُ محمد الفقيه ، سمعتُ ٢٩٥ إبراهيمَ بن أبي طالب ، يقولُ : دخلتُ على أحمدَ بن حنبل بعد المحنة غيرَ مرَّة ، وذاكرتُه رجاءً أَن آخُذَ عنه حديثاً ، إلى أن قلتُ : يا أبا عبد الله ، حديثُ أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ النبي ◌َّم قال: ((امُرُؤُ القَيْسِ قائِدُ الشُّعَراءِ إِلى النَّارِ))(١). فقال: قيل: عن الزهري ، عن أبي سلمة ، فقلتُ : مَنْ عن الزهري ؟ قال : أبو الجهم ، فقلتُ : من رواه عن أبي الجهم ؟ فسكتَ ، فلما عاودتُه فيه ، قال : اللهمَّ سَلِّم . قال الميموني: قال لي أحمدُ: يا أبا الحسن ، إِيَّك أن تَتَكلمَ في مسألةٍ ليس لك فيها إمام . الخلَّال: حدثنا المَرُّوذِي ، قال لي أبو عبد الله : ماكتبتُ حديثاً إلا وقد عملتُ به، حتى مرَّ بي أنَّ النبي،وَ له، احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً(٢)، فاحتجمْتُ وأعطيتُ الحجامَ ديناراً . أخبرنا جماعةٌ إجازة ، عن ابنِ الجوزي ، أخبرنا ابنُ ناصر ، أنبأنا أبو الحُسين بنُ عبد الجبار ، أخبرنا أبو بكر محمدُ بنُ علي الخياط ، حدثنا ابنُ أبي الفوارس ، حدثنا أحمدُ بنُ جعفر بن سَلم ، أخبرنا أحمد بنُ محمد بن عبد الخالق ، حدثنا المُرُّوذِي ، قلتُ لأبي عبد الله : مَن ماتَ على الإِسلام والسُّنة ، مات على خير؟ فقال : اسكتْ ، بل ماتَ على الخير كلِّه. قال موسى بنُ هارون البزَّاز : سُئل أحمدُ : أينَ نَطلبُ الْبُدَلاءِ ؟ (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) ٢٢٨/٢ من طريق هشيم، حدثنا أبو الجهم [ وقد تصحف في ((المسند)) إلى جهيم ] ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . وأبو الجهم هذا قال عنه أبو زرعة : واهٍ ، وقال أحمد : مجهول ، وقال ابن حبان : يروي عن الزهري ما ليس من حديثه. وأخرجه أبو عروبة في ((الأوائل))، وابن عساكر في ((تاريخه))، وفي سنده ضعيفان لا يحتج بهما . (٢) تقدم تخريجه في ص : ٢١٣ ت (١). ٢٩٦ فسكتَ ثم قال : إِنْ لم يكنْ من أصحاب الحديث ، فلا أدري قال أحمدُ بنُ محمد بن إسماعيل الأَدَميُّ ، أخبرنا الفضلُ بنُ زياد ، سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل ، يقولُ: من ردَّ حديث رسول اللّهِصَِّ، فهو على شَفًا هَلكة . قال أبو مُزاحم الخاقاني : قال لي عمي عبدُ الرحمن بنُ يحيى بن خاقان : أمرَ المتوكلُ بمسألة أحمد عمَّن يُقلَّد القَضاء ، فسألتُ عمي أن يُخرِج إليَّ جوابه ، فوجَّهَ إليَّ نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم نسخةُ الرفْعَة التي عرضتُها على أحمدَ بنِ محمد بنِ حنبل بعد أن سألتُه ، فأجابني بما قد كتبتُه . سألتُه عن أحمدَ بنِ رباح ، فقال فيه : جهميُّ معروفٌ ، وانه إن قُلِّد شيئاً من أمور المسلمين ، كان فيه ضررٌ عليهم . وسألته عن الخلَنْجِيِّ(١)، فقال فيه: كذلك . وسألتُه عن شُعيب بن سهل ، فقال : جهميّ معروفٌ بذلك . وسألتُه عن عُبيد الله بن أحمد ، فقال : كذلك . وسألته عن المعروف بأبي شُعيب ، فقال : كذلك . وسألته عن محمد بنٍ منصور قاضي الأهواز ، فقال : كان مع ابنٍ أبي دُوَاد، وفي ناحيته وأعماله، إلا أنَّه كان من أمثلهم. وسألته عن علي بن الجعْد، فقال: كان معروفاً بالتجهُم، ثم بلغني أنَّه رجَع . وسألتُه عن الفتحِ بنِ سهل ، فقال: جهميٌ من أصحاب المَرِيسي . وسألتُه عن الثَّلْجي ، فقالَ : مبتدٌ صاحبُ هوى . وسألته عن إبراهيم بن عَتَّاب ، فقال : لا أعرفُه إلا أَنَّه كان من أصحابٍ بِشْر المَرِيسي . وفي الجملة أَنَّ أهلَ البدع والأهواء ، لا ينبغي أن يُستعانَ بهم في شيءٍ من أمور المسلمين مع ما (١) هو عبد الله بن محمد بن أبي يزيد الخلنجي ، وهو ممن يقول بخلق القرآن ، ومن أصحاب أحمد بن أبي دواد . ولي قضاء الشرقية ببغداد أيام الواثق . ٢٩٧ عليه رأيُ أميرِ المؤمنين، أطال الله بقاءَهُ، من التمسُّكِ بالسُّنَّةِ والمخالفة لأهل البدع . يقول أحمد بن محمد بن حنبل : قد سألني عبد الرحمن بن يحيى عن جميع مَن في هذا الكتاب ، وأجبته بما كتب ، وكنت عليل العين ضعيفاً في بدني ، فلم أقدر أن أكتب بخطي ، فوقَّع هذا التوقيع في أسفل القرطاس عبدُ الله ابني بأمري ، وبين يديّ . ومِنْ سِيرَتِه : قال عبدُ الملك الميموني : ما رأيتُ عِمامَة أبي عبد الله قطُّ إلا تحتَ ذَقِنِهِ ، ورأيتُه يكرهُ غيرَ ذلك . أبو مسلم محمدُ بنُ إسماعيل : حدثنا صالحُ بنُ أحمد ، قال : مضيتُ مع أبي يوم جمعةٍ إلى الجامع، فوافقْنا الناسَ قد انصرفُوا. فدخَل إلى المسجد ، وكان معنا إبراهيمُ بن هانىء ، فتقدَّم أبي فصلى بنا الظهر أربعاً. وقال : قد فعلَهُ ابنُ مسعود بعلقمةَ والأسودِ . وكان أبي إذا دخلَ مقبرةً ، خلعَ نَعْلَيه ، وأمسكَهُمَا بيده . قال يحيى بنُ مَنْدَة في ((مناقب أحمد)): أخبرنا البيهقي ، أَخبرنا الحاكمُ، سمعتُ يحيى بنَ منصور، سمعتُ خالي عبدَ الله بن علي بن الجارود ، سمعتُ محمد بنَ سهل بن عسكر ، يقولُ : كنتُ عند أحمد بن حنبل ، فدخل محمدُ بنُ يحيى ، فقام إليه أحمدُ ، وتعَجَّبَ منه الناس ، ثم قال لبنيه وأصحابه : اذهبُوا إلى أبي عبد الله ، فاكتُبُوا عنه . إبراهيمُ بنُ محمد بن سفيان : سمعتُ عاصمَ بنَ عصام البيهقي ، يقولُ: بِتُّ ليلةً عند أحمد بن حنبل، فجاء بماءٍ فوضعَهُ ، فلما أصبح نظَر إلى الماء بحاله ، فقال : سبحانَ الله ! رجلٌ يطلبُ العلم لا يكون له ورد بالليل . ٢٩٨ قال محمد بنُ إسماعيل الترمذيُّ : كنتُ أنا وأحمدُ بنُ الحسن الترمذي عند أحمدَ بنِ حنبل ، فقال له أحمدُ : يا أبا عبد الله ، ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحابَ الحديث ، فقال : أصحابُ الحديث قومُ سوء ، فقام أبو عبد الله ينقُضُ ثوبَه ، ويقولُ : زنديق زنديق ، ودخل البيت . الطبراني : أنشدنا محمدُ بنُ موسى بن حماد لمحمد بنِ عبد الله بن طاهر : أَضْحِى ابنُ حَنْبَلَ مِحْنَةً مَرَضِيَّةً وبِحُبِّ أَحْمَدَ يُعْرَفُ الْمُتَنْسِّكُ وإذا رأيتَ لَأَحْمَدٍ مُتَنَقِّصاً فَاعْلَمْ بَأَنَّ سُتُورَهُ سَتُهَتَّكُ (١) قال عثمانُ بنُ سعيد الدارمي : رأيتُ أحمد بن حنبل يذهبُ إلى كراهية الاكتناء بأبي القاسم(٢). (١) البيتان في ((تاريخ بغداد)) ٤٢٠/٤، ٤٢١، وروايته في البيت الأول: ((محنة مأمونة)) بدل ((مرضية)). وهما في ((طبقات الشافعية)) ٣٣/٢. (٢) اختلف أهل العلم في التكني بكنية النبي، وَلَّ، فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز، وهو ظاهر حديث جابر المتفق عليه: ((سموا باسمي ، ولا تكنوا بكنيتي))، روي ذلك عن الحسن ، وابن سيرين ، وطاووس . وإليه ذهب الشافعي ، قال : لا يجوز لأحد أن يتكنى بأبي القاسم ، سواء أكان اسمه محمداً أم لم يكن. وكِرَةَ قوم الجمع بين اسم النبي، وَّر ، وكنيته ، وجوزوا التكني بأبي القاسم ، إذا لم يكن اسمه محمداً وأحمد ، لما أخرجه الترمذي (٢٨٤٣ ) عن أبي هريرة أن النبي، وَّر، نهى أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته، ويسمي محمداً أبا القاسم. ولما روى أبو داود عن جابر أن النبي، بَّلل، قال: ((من تسمى باسمي ، فلا يكتن بكنيتي . ومن اكتنى بكنيتي ، فلا يسمّ باسمي)». وأخرج أبو داود (٤٩٦٦)، والترمذي (٢٨٤٦) بإسناد صحيحٍ عن علي ، رضي الله عنه، أنه قال : يا رسول الله! أرأيت إنْ ولد لي بعدك ولد أسميه محمداً ، وأكنيه بكنيتك؟ قال: ((نعم)) وكانت رخصة لي . وقد رخص بعضهم في الجمع ، وقال: إنما كِرُه ذلك على عهد النبي، وَّل، لئلا يشتبه ، يروى ذلك عن مالك. وكان محمد بن الحنفية يكنى أبا القاسم ، وكان محمد بن أبي بكر الصديق ، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب ، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص ، ومحمد بن الأشعث ، ومحمد بن حاطب ، جَمَعَ كل واحد منهم بين اسم النبي ، وَلّ ، وكنيته . ٢٩٩ · أحمد بنُ مروان الدِّيَنَورِي: حدثنا إدريسُ الحداد ، قال : كان أحمد ابنُ حنبل إذا ضاقَ به الأمْر آجر نفسَه من الحاكة ، فَسَوَّى لهم ، فلما كان أيامَ المحنة، وصُرف إلى بيته ، حُمل إليه مالٌ، فردّهُ وهو مُحتاج إلى رغيف ، فجعل عمُّه إسحاق يحسُبُ ما يرد ، فإذا هو نحو خمس مئة ألف . قال : فقال : يا عم ، لو طلبْناهُ لم يأْتِنا ، وإنما أتانا لما تركناه . البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا الزبيرُ بنُ عبد الواحد الحافظ ، حدثنا إبراهيمُ بنُ عبد الواحد البلدي ، سمعتُ جعفر بن محمد الطيالسي ، يقول : صلى أحمد بن حنبل ويحيى بنُ معين في مسجد الرُّصافة ، فقام قاصٌّ ، فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بنُ معين ، قالا : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس ، قال رسولُ الله ◌َّهُ: ((مَنْ قَالَ: لَا إِله إِلَّ الله، خَلَقَ الله مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ طَيْراً، مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَرِيشُهُ مِنْ مَرْجان)). وأخذ في قصةٍ نحواً من عشرين ورقة(١)، وجعل أحمدُ ينظر إلى يحيى ، ويحيى ينظر إلى أحمد ، فقال : أنت حدثتَه بهذا ؟ فيقول : والله ما سمعتُ به إلا الساعة . فسكتا حتى فرغ ، وأخذ قطاعه ، فقال له يحيى بيده : أنْ تعال . فجاء مُتَوَهِّماً لنوال . فقال : مَن حدثَكَ بهذا ؟ فقال : أحمدُ وابنُ مَعين . فقال : أنا يحيى ، وهذا أحمد ، ما (١) قال ابن القيم في ((المنار المنيف)) ص: ٥٠ : فَصْلٌ: ونحن ننبه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعاً . فمنها اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله، وَّر، وهي كثيرة جداً، كقوله في الحديث المكذوب: من قال لا إله إلا الله، خلق الله من تلك الكلمة طائراً له سبعون ألف لسان ، لكل لسان سبعون ألف لغة ، يستغفرون الله له . ومن فعل كذا وكذا ، أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة ، في كل مدينة سبعون ألف قصر ، في كل قصر سبعون ألف حوراء . وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين : إما أن يكون في غاية الجهل والحمق ، وإما أن يكون زنديقاً قصد التنقيص بالرسول ، وَية ، بإضافة مثل هذه الكلمات إليه . ٣٠٠