النص المفهرس
صفحات 261-280
ونَزَع ما كان خُلِعَ عليه ، فأمر به فَبِيعَ وتَصَدَّقَ بثمنه . وكان المعتصم أمرَ إسحاق بن إبراهيم أن لا يقطع عنه خبره . وذلك أنه تُرِك فيما حُكي لنا عند الإِياس منه . وبلغنا أنَّ المعتصم ندم، وأُسقِط في يده ، حتى صلُح، فكان صاحبُ خَبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا كل يوم يتعرف خبرَه ، حتى صح ، وبقيت إبهاماه منخلعتين يضربان عليه في البرد ، فُيُسخن له الماء ، ولما أردنا علاجه ، خفنا أن يدسَّ أحمدُ بنُ أبي دُوَاد سُمّاً إلى المعالج ، فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا . وسمعتُه يقول: كلُّ من ذَكَرَنِي ففي حِلّ إِلَّ مُبْتَدِعاً ، وقد جعلتُ أبا إسحاق - يعني: المعتصم - في حلِّ، ورأيتُ الله يقول: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وأمرَ النّبِيُّ، وِّ، أبا بكر بالعفو في قِصةِ مِسْطَح.(١) قال أبو عبد الله: وما ينفعُكَ أَنْ يعذِّبَ الله أخاك المسلم في سببك ؟ !! قال حنبل : قال أبو عبد الله: قال بُرغوث - يعني: يومَ المحنة - : يا (١) هو مِسْطَحُ بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المُطَّلبي ، ابن خالة أبي بكر الصديق . شهد بدراً ، وكان ممن خاض في الإِفك على عائشة ، رضي الله عنها ، فجلده النبي،18، فيمن جلد في ذلك. وكان أبوبكر ، رضي الله عنه، ينفق عليه، فأقسم ألا ينفق عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أولو الفضل منكم والسعة أن يُؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ، وليعفوا وليصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، والله غفور رحيم﴾. عند ذلك قال الصديق: بلى، والله. إنا نحب أن تغفر لنا، يا ربنا . ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة ، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. رضي الله عنك يا أبا بكر ، ما كان أسرعك لتلبية نداء الله، وتصديق رسول الله، ﴿ *. انظر ((تفسير الطبري)) ١٠١/١٨، ١٠٣ وابن كثير ٢٧٥/٣، ٢٧٦. ٢٦١ أمير المؤمنين هو كافر حلالُ الدم، اضربْ عُنُقَه ، ودمُه في عُنقي . وقال شُعيب كذلك أيضاً تَقَلَّدْ دمي، فلم يلتفتْ أبو إسحاق إليهما. وقال أبو عبد الله : لم يكنْ في القوم أشدُّ تكفيراً لي منهما ، وأما ابنُ سَمَاعة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه من أهل بيتٍ شرف ولهم قَدم ، ولعله يصير إلى الذي عليه أمير المؤمنين ، فكأنه رَقَّ عندها ، وكان إذا كلَّمني ابنُ أبي دُوَاد ، لم ألتفتْ إلى كلامه ، وإذا كلمني أبو إسحاق ، أَلَنْتُ له القول . قال : فقال في اليوم الثالث : أجبني يا أحمد ، فإنه بلغني أنَّكَ تحبُّ الرئاسة ، وذلك لما أَوْغروا قلبه علي، وجعل بُرغوث يقول : قال الجَبْرِي : كذا وكذا ، كلامٌ هو الكفر بالله . فجعلتُ أقول : ما أَدري ما هذا، إلا أني أعلمُ أنه أحدٌ صمدٌ لا شِبْهَ له ولا عِدْل ، وهو كما وصف نَفسَه ، فسكت . وقال لي أبو إسحاق : يا أحمد ، إني لُأَشْفِق عليك كشفقتي على ابني هارون ، فأجبني ، والله لوددتُ أني لم أكنْ عرفتُك يا أحمد ، الله الله في دمك . فلما كان في آخر ذلك ، قال : لعنك الله ، لقد طمِعْتُ أن تجيبَني ، ثم قال : خُذوه واسحبوه . فأُخِذتُ ثم خُلِّعْت ، وجيء بُعقابين وأسياط ، وكان معي شَعْرٌ من شعر النبيِ نَّهَ، ثم صُيِّرت بين العُقابين، فقلتُ : يا أمير المؤمنين، الله الله، إنَّ رسولَ الله،وَ﴿، قال: ((لا يَحِلُّ دَمُ امْرِىٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاّ اللّه، وأَنِّي رَسُولُ الله إلّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ)) يا أمير المؤمنين، فیمَ تَسْتَحِلُّ دمي ؟ الله الله ، لا تَلْقَ الله وبيني وبينك مطالبة . اذكرْ يا أمير المؤمنين وُقوفَك بين يدي الله تعالى كوقوفي بين يديك ، وراقِب الله . فكأنَّه أمسك ، فخاف ابنُ ابي دُوَاد أن يكون منه عطف أو رأفة ، فقال : إنه كافر بالله ضالٌّ مُضِلٌّ . ٢٦٢ قال حنبل : لما أردنا علاجَه ، خِفْنا أن يَدُسَّ ابنُ أبي دُوَاد إلى المعالج ، فيلقي في دوائه سُمّاً . فعملنا الدواء والمرهم عندنا ، فكان في بَرْنَيَّةٍ (١) فإذا داواه ، رفعناها . قال : وكان إذا أصابه البرد ، ضُرب عليه . وقال : لقد ظنتُ أني أَعْطيتُ المجهودَ من نفسي . محنة الواثق قال حنبل : لم يزلْ أبو عبد الله بعد أن بَرِىءَ من الضرب(٢) يحضرُ الجمعة والجماعة ، ويُحدِّث ويُفتي، حتى مات المعتصم ، وولِيَ ابنُهُ الواثق ، فأَظهر ما أُظهر من المحنةِ والميل إلى أحمد بنٍ أبي دُوَاد وأصحابِهِ. فلما اشتدَّ الأمر على أهلِ بغداد ، وأظهرت القضاةُ المحنةَ بخلق القرآن ، وفُرِّق بين فضل الأنماطي وبين(٣) امرأته ، وبين أبي صالح وبين(٣) امرأته ، كان أبو عبد الله يَشْهَد الجمعة، ويُعيدُ الصلاة إذا رجع ، ويَقول: تُؤْتَّى الجمعة لفضلها ، والصلاةُ تُعاد خلفَ مَنْ قال بهذه المقالة . وجاءَ نفرٌ إلى أبي عبد الله ، وقالوا : هذا الأمر قد فشا وتفاقم ، ونحن نّخافه على أَكْثَرَ من هذا، وذكروا ابنَ أبي دُوَاد ، وأنه على أنْ يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في المكاتب(٤): القرآن كذا وكذا(٥) ، فنحنُ لا نرضى بإِمارته . فمنعهم من ذلك ، وناظرهم . وحكى أحمد(٦) قَصْدَه في مناظرتهم ، وأمرهم بالصَّبر . قال : فبينا (١) بفتح الباء وسكون الراء وكسر النون وتشديد الياء : إناءٌ من خزف . (٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((من مرضه)). (٣) حذفت كلمتا (( بين)) من ((تاريخ الإِسلام)). (٤) في ((تاريخ الإسلام)): ((في الكتاب)). (٥) في ((تاريخ الإسلام)): (( ... بتعليم الصبيان في الكتاب مع القرآن: القرآن كذا وكذا .... )) . (٦) في تاريخ الإِسلام: ((وحكى حنبل)). ٢٦٣ نحنُ في أيام الواثق ، إذ جاءَ يعقوبُ ليلاً برسالة الأمير إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبد الله: يقول لك الأميرُ: إن أميرَ المؤمنين قد ذَكَرَكَ، فلا يجتمعنَّ إليكَ أُحَدٌّ ، ولا تُساكِنِّي بأرض ولا مدينةٍ أنا فيها ، فادهْب حيثُ شِئْتَ من أرض الله . قال : فاختفى أبو عبد الله بقية حياة الواثق . وكانت تلك الفتنة ، وقتل أحمد بن نصر الخزاعي(١) . ولم يزل أبو عبد الله مختفياً في البيت لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى هَلَك الواثق . وعن إبراهيم بنِ هانىء ، قال : اختفى أبو عبد الله عندي ثلاثاً ، ثم قال : اطلبْ لي موضعاً ، قلتُ: لا آمن عليك ، قال : افعلْ، فإذا فعلتَ ، أفدتُكَ. فطلبتُ له موضعاً، فلما خرج، قال: اختفى رسول الله، وَصَار، في الغار ثلاثةَ أيام ثم تحول(٢) . العجبُ من أبي القاسم عليٍّ بن الحسن الحافظ(٣)، كيف ذكر ترجمة أحمد مطولة كعوائده ، ولكن ما أورد من أمر المحنة كلمة مع صحة أسانيدها ، (٤)، فإنَّ حنبلاً ألَّفها في جزءين . وكذلك صالح بن أحمد وجماعة . قال أبو الحُسين بن المُنادي ، حدثني جَدِّي أبو جعفر ، قال : لقيتُ أبا (١) وتمام الخبر في ((تاريخ الإِسلام)) ص: ١٠٥: ((فلم يزل أبو عبد الله مختفياً في غير منزله في القرب، ثم عاد إلى منزله بعد أشهر أو سنة لما طفىء خبره، ولم يزل .... )). (٢) زاد ابن الجوزي في ((مناقب الإمام أحمد)) ص : ٤٣٠ بقية كلام الإمام أحمد : (( وليس ينبغي أن تتبع سنة رسول الله في الرخاء ، وتترك في الشدة)). وهي حكمة بالغة من الإِمام ، ليت الناس فهموها وعملوا بها . (٣) يريد الحافظ ابن عساكر، مؤلف ((تاريخ دمشق)). (٤) وتمامه في ((تاريخ الإسلام)): ((ولعل له نية في تركها)). وانظر سبب ترك الواثق للمحنة في ((مناقب الإِمام أحمد)) لابن الجوزي، ص: ٤٣١، ٤٣٧، وابن كثير ٣٢١/١٠. ٢٦٤ عبد الله ، فرأيتُ في يديه مَجْمَرَة يُسخِّن خرقة ، ثم يجعلها على جَنْبِه من الضرب . فقال : يا أبا جعفر ، ما كانَ في القوم أَرْأَفُ بي من المعتصم . وعن أبي عبد الله البوشَنْجي ، قال : حدَّث أحمدُ ببغدادَ جَهرة حين مات المعتصم . فرجعت من الكوفة ، فأدركْتُه في رجب سنة سبع وعشرين ، وهو يحدِّثُ ، ثم قطع الحديث لثلاثٍ بَقينَ من شعبان بلامَنْعٍ . بل كتبَ الحسنُ ابن علي بن الجَعْد قاضي بغداد إلى ابن أبي دُوَاد: إن أحمد قد انبسطَ في الحديث ، فبلغ ذلك أحمد، فقطع الحديث وإلى أَنْ تُوُفِّيَ . فصلٌ في حال الإِمام في دولة المتوكل قال حنبل : وَلِيَ المتوكل جعفرٌ، فأظهر الله السُّنَّةَ، وفرَّج عن الناس ، وكان أبو عبد الله يُحِّدثُنا ويُحدِّث أصحابه في أيام المتوكل . وسمعتُه يقول : ما كانَ الناسُ إلى الحديث والعلم أحوج منهم إليه في زماننا . قال حنبل : ثم إنَّ المتوكل ذكره ، وكتبَ إلى إسحاق بن إبراهيم في إخراجه إليه ، فجاء رسولُ إسحاق إلى أبي عبد الله يأْمُرُه بالحضور ، فمضى أبو عبد الله ثم رجع، فسأله أبي عَمَّا دُعي له؟ فقال: قرأ عليَّ كتابَ جعفر يأمرني بالخروج إلى العسكر ، يعني : سُرَّ من رأى ، قال : وقال لي إسحاقُ ابن إبراهيم : ما تقولُ في القرآن ؟ فقلتُ : إن أمير المؤمنين قد نَهى عن هذا . قال : وخرج إسحاقُ الى العسكر، وقدَّم ابنَه محمداً ينوبُ عنه ببغداد . قال أبو عبد الله : وقال لي إسحاقُ بن إبراهيم : لا تُعلم أحداً أني سألتُك عن القرآن ! فقلتُ له : مسألة مُسترشِد أو مسألة مُتعنّت ؟ قال : بل مسترشد ، قلتُ : القرآنُ كلامُ الله ليس بمخلوق . ٢٦٥ قال صالح بنُ أحمد : قال أبي: قال لي إسحاقُ بنُ إبراهيم : اجعلني في حلٍّ من حضوري ضَرْبك ، فقلتُ : قد جعلتُ كل من حضرني في حلِّ . وقال لي : من أيْنَ قلت: إنه غير مخلوق ؟ فقلتُ: قال الله: ﴿ أَلَا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [ الأعراف: ٥٤]، ففَّرق بين الخلق والأمر. فقال إسحاق : الأمرُ مخلوق . فقال : يا سبحان الله ! أمخلوق يَخْلُق خلقاً ؟ !! قلتُ يعني : إنما خلقَ الكائناتِ بأمره، وهو قولهُ: ﴿كُنْ﴾ [الأنعام: ٧٣ ] قال: ثم قال لي : عمن تحكي أنه ليس بمخلوق؟ قلت : عن جعفر بن محمد ، قال : ليس بخالق ولا مخلوق . قال حنبل : ولم يكنْ عند أبي عبد الله ما يَتَحَمَّل به(١) أو يُنْفِقُه، وكانت عندي مئةُ درهم ، فأتيتُ بها أبي ، فذهبَ بها إليه ، فأصلح بها ما احتاج إليه ، واكترى وخرج ، ولم يمض إلى محمد بن إسحاق بن إبراهيم(٢)، ولا سَلَّم عليه . فكتب بذلك محمد ، إلى أبيه ، فَحَقَدَها إسحاقُ عليه . وقال : يا أميرَ المؤمنين ! إنَّ أحمد خرج من بغداد ، ولم يأت مولاك محمداً . فقال المتوكل : يُرَدُّ ولو وطىء بساطي - وكان أحمد قد بلغ بُصرى(٣) - فُرُدَّ، فرجع وامتنع من الحديث إلا لولده ولنا ، وربما قرأ علينا في منزلنا . ثم إن رافعاً رَفع إلى المتوكل : إِن أحمد ربَّصَ عَلَوياً في منزله ، يريد أن یخرِجَه ویبایع علیه . قال : ولم یکن عندنا علمٌ ، فبینا نحن ذات ليلة نِيام في الصيف ، سمعنا الجَلَبَة ، ورأينا النيران في دار أبي عبد الله ، فأسرعنا ، (١) في ((تاريخ الإِسلام)): ((ما يتجمل)) بالجيم المعجمة . (٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((ولم يلق محمد بن إسحاق بن إبراهيم)). (٣) بُصْرَى المشهورة بالشام، وهذه بصرى أخرى ، من قرى بغداد، قرب عُكْبَرًا . انظر (( معجم البلدان)). ٢٦٦ وإذا به قاعد في إزار ، ومظفر بن الكلبي صاحبُ الخبر ، وجماعة معهم ، فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل : وَرَدَ على أمير المؤمنين أن عندكم علوياً ربِّصْتَه لتبايع له، وتظهره، في كلام طويل. ثم قال [ له ] مظفر: ما تقول ؟ قال : ما أعرفُ من هذا شيئاً، وإني لأُرى له السمعَ والطاعةً في عُسْري ويُسْرِي ، ومَنْشَطي ومَكْرَهِي، وأَثْرةٍ عليَّ ، وإني لََّدعو الله له بالتّسْديد والتَّوفيق في الليل والنهار، في كلام كثير. فقال مظفر : قد أمرني أميرُ المؤمنين أن أحلِّفَك ، قال: فأَحْلَفَه بالطلاق ثلاثاً ، أن ما عنده طَلِيَة أميرٍ المؤمنين . ثم فتّشوا منزل أبي عبد الله والسربَ والغرف والسطوح ، وقَتَّشوا تابوت الكُتُب ، وفتّشوا النساء والمنازل ، فلم يروا شيئاً ، ولم يُحِسُّوابشيء، وَرَدَّ اللهِ الَّذِينَ كَفَرَوُا بِغَيْظِهِمْ، وكتبَ بذلك إلى المتوكل ، فوقع منه مَوْقعاً حسناً ، وعلِم أنّ أبا عبد الله مكذوبٌ عليه . وکان الذي دسّ علیه رجلٌ من أهل البدع. ولم يمتْ حتى بَيِّنَ الله أمرَه للمسلمين ، وهو ابنُ الثَّلْجِيِّ(١). فلما کان بعد أيام بیْنا نحن جلوسٌ بباب الدار ، إذا يعقوبُ أحدٌ حجاب المتوكل قَدْ جاء ، فاستأذن على أبي عبد الله ، فدخل ، ودخل أبي وأنا ، ومع بعضٍ غلمانه بَدْرَةٌ(٢) على بغل ، ومعه كتابُ المتوكل . فقرأه على أبي عبد الله: إِنَّه صَحَّ عند أمير المؤمنين براءةُ ساحتك ، وقد وَجَّه إليك بهذا المال (١) ابن الثلجي هو محمد بن شجاع الفقيه ، أحد الأعلام ، البغدادي الحنفي المعروف بابن الثلجي . كان فقيه العراق في وقته، والمقدم في الفقه والحديث ، مع ورع وعبادة ، مات سنة ٢٦٧ هـ. من تأليفه: ((تصحيح الآثار))، وكتاب ((النوادر))، وكتاب ((المضاربة))، وكتاب ((الرد على المشبهة)) وغيرها، وكتابه ((الرد على المشبهة)» ينفي عنه ما نعته به ابن عدي من أنه كان يضع الحديث في التشبيه ، وينسبه الى أهل الحديث. انظر ((الفوائد البهية)) ص : ١٧١ ، ١٧٢. وانظر ما علقه الإِمام زاهد الكوثري على ((تبيين كذب المفتري)) ص: ٢٦٩، ٢٧١. ويستبعد أن يكون هو الذي دس على الإِمام أحمد ، فإنه موصوف بالورع والعبادة ، فلعله غيره . (٢) البَذْرة : كيس فيه ألف، أو عشرة آلاف درهم ، أو سبعة آلاف دينار . ٢٦٧ سمے تستعين به . فأبى أن يَقْبَله ، وقال: ما لي إليه حاجة . فقال: يا أبا عبد الله ، اقبل من أمير المؤمنين ما أمرك به ، فإنه خيرٌ لك عنده ، فإنَّك إنْ رددْتَه ، خِفتُ أن يَظُنَّ بك سُوءاً. فحينئذ قبلها. فلما خرج، قال: يا أبا عليٍّ، قلت: لبيك، قال : ارفع هذه الإِنْجانَةَ(١) وضعها، يعني: البَدْرَةَ ، تحتها . ففعلتُ وخرجنا . فلما كان من الليل ، إذا أُمُّ ولد أبي عبد الله تَدُقُّ علينا الحائط ، فقالتْ : مولاي يدعو عمَّه، فأعلمتُ أبي ، وخرجنا ، فدخلنا على أبي عبد الله ، وذلك في جوف الليل ، فقال : يا عم ، ما أخذني النوم ، قال : ولِمَ ؟ قال: لهذا المال، وجعل يَتَوَجَّعُ لأخْذِه ، وأبي يُسكِّنُه ويُسهِّل عليه. وقال: حتى تُصبح وترى فيه رأيك . فإنَّ هذا ليل ، والناسُ في المنازل، [فأمسك] وخرجنا . فلما كان من السحر ، وجَّه إلى عبدوس بن مالك ، وإلى الحسن ابن البزَّار [ فحضرا)(٢)وحضر جماعةٌ، منهم: هارونُ الحمال، وأحمدبن منيع، وابن الدَّوْرَقي ، وأبي ، وأنا، وصالح ، وعبد الله . وجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل السِّتْرِ والصلاح ببغداد والكوفة . فوجَّه منها إلى أبي كُريب ، وللأشج وإلى من يعلمون حاجته . فَفَرَّقَها كلَّها ما بين الخمسين إلى المئة وإلى المئتين ، فما بقي في الكيس درهم(٣). فلما كان بعدَ ذلك ، ماتَ الأميرُ إسحاقُ بنُ إبراهيم وابنهُ محمد . ثم ولِيَ بغدادَ عبدُ الله بنُ إسحاق ، فجاء رسولهُ إلى أبي عبد الله ، فذهبَ إليه ، فقرأ عليه كتابَ المتوكل ، وقال له : يَأْمُرُك بالخروج يعني : إلى سامَرّاء . (١) في ((تاريخ الإسلام)): ((الإِيجانة))، بالياء. وجاء في معجم ((المُغرِب في ترتيب المُعْرِب)) لناصر بن عبد السيد المطرزي : الإِجَّانة : المِرْکن ، وهو شبه لقنٍ يغسل فيه الثياب ، والجمع: أجاجين، والإِنجانة عامية. اللوحة ١/٤ ((الظاهرية)). ٠ (٢) ما بين حاصرتين من ((تاريخ الإسلام)). (٣) وتمامه كما في ((تاريخ الإِسلام)): ((ثم تصدق بالكيس على مسكين)). ٢٦٨ فقال : أنا شیخٌ ضعيف علیل . فکتب عبدُ الله بما ردًّ عليه ، فورد جوابُ الكتاب: أنَّ أميرَ المؤمنين يأمرهُ بالخروج . فوجَّه عبدُ الله أجْناداً، فباتُوا على بابنا أياماً ، حتى تَهَيَّ أبو عبد الله للخروج ، فخرج ومعه صالح وعبد الله وأبي زُمَيْلَةً(١) . وقال صالح : كان حَمْل أبي إلى المتوكل سنة سبع وثلاثين . ثم وإلى [أنْ] مات أبي قَلَّ (٢) يوم يمضي إلا ورسولُ المتوكل يأتيه . وقال صالح : وجَّه إسحاق إلى أبي : الزمْ بيتَك ، ولا تَخرجْ إلى جماعة ولا جُمُعة ، وإلا نزل بكَ ما نزلَ بكَ أيام أبي إسحاق . وقال ابنُ الكلبي : أريدُ أن أفتش منزلك ومنزل ابنك . فقام مظفر وابن الكلبي ، وامرأتان معهما ، ففَتَّشُوا، وَدَلَّوا شمعةً في البئر، ونظروا ثم خرجوا . فلما كان بعدَ يومين، ورد كتابُ عليٍّ بن الجهم: إنَّ أميرَ المؤمنين قد صحَّ(٣) عِنْدَهُ براءتُك. وذكر نحواً من رواية حنبل . قال حنبل : فأخبرني أبي ، قال : دخلنا إلى العسكر ، فإذا نحنُ بموكبٍ عظيم مُقبل ، فلما حاذى بنا ، قالوا : هذا وصيف ، وإذا بفارس قد أقبل ، فقال لأبي عبد الله: الأمير وصيف يقرتُك السلام، ويقول لك: إِنَّ الله قد أُمكنك من عدوك ، يعني : ابنَ أبي دُوَاد ، وأميرُ المؤمنين يقبل منك ، فلا تَدَْ شيئاً إلا تكلمتَ به . فما ردَّ عليه أبو عبد الله شيئاً . وجعلتُ أنا أدعو لأمير المؤمنين ، ودعوتُ لوصيف . وَمَضَيْنَا، فأنزلنا في دار (١) الزُّمْلَةُ ، بضم الزاي وسكون الميم : الرفقة ، فالظاهر أن هذا تصغيرها . (٢) في الأصل: ((كل))، وما أثبتناه من ((تاريخ الإِسلام)). (٣) في الأصل: ((صلح)) ٢٦٩ إيتاخ(١) ، ولم يَعرف أبو عبد الله ، فسأل بعدُ لمن هذه الدار؟ قالوا : هذه دار إيتاخ (٢). قال: حَوِّلُوني، اكْتُرُوا لِي داراً. قالوا: هذه دارٌ أنزلكها أميرُ المؤمنين ، قال : لا أبيتُ ها هنا . ولم يزلْ حتى اكترينا له داراً . وكانتْ تأتينا في كل يوم مائدةٌ فيها ألوان يأمُر بها المتوكل والثلجُ والفاكهةُ وغيرُ ذلك ، فما ذاق منها أبو عبد الله شيئاً ، ولا نظر إليها . وكان نفقةُ المائدة في اليوم مئةً وعشرين درهماً . وكان يحيى بنُ خاقان ، وابنُه عُبيد الله ، وعليُّ بنُ الجهم يختلفون إلى أبي عبد الله برسالة المتوكل . ودامت العلةُ بأبي عبد الله، وضعف شديداً . وكان يُواصل ، ومكثَ ثمانية أيام لا يأكل ولا يشربُ ، ففي الثامن دخلتُ عَلَيْهِ ، وقد كاد أن يُطْفَأ، فقلت : يا أبا عبد الله ، ابن الزبير كان يواصلُ سبعة ، وهذا لك [اليوم ](٣) ثمانيةُ أيام. قال: إني مُطيق. قلتُ: بحقي عليك . قال : فإني أفعل . فأتيته بسويق فشرب . ووجَّه اليه المتوكل بمال عظيم ، فردَّه ، فقال له عُبيد الله بنُ يحيى: فإنَّ أميرَ المؤمنين يأمركَ أن تدفَعَها إلى وَلَدِك وأهلك. قال: هم مستغنون ، فردها عليه، [فأخذها](٤) عُبيدُ الله ، فقسمها على ولده ، ثم أجرى المتوكل على أهله وولده في كل شهر أربعة آلاف . فبعثَ إليه أبو عبد الله : إنهم في كفاية ، وليستْ بهم حاجة . فبعثَ إليه المتوكل : إنما هذا الولدك ، فما لَك ولهذا ؟ فأمسك أبو عبد الله ، فلم يزل يُجري علينا حتى مات المتوكل . وجَری بین أبي عبد اللهوبين أبي كلام كثير. وقال: ياعم، ما بقي من (١) في ((تاريخ الإسلام)): ((التياح)). (٢) في الأصل: ((التياح))، وكذا في ((تاريخ الإِسلام))، والصواب ما أثبتناه . (٣) ما بين حاصرتين من ((تاريخ الإسلام)) (٤) الزيادة من ((تاريخ الإسلام)». ٢٧٠ .. أعمارنا . كأنك بالأمر قد نزل . فالله الله ، فإنَّ أولادنا إنما يريدون أَنْ يأكلوا بنا ، وإنما هي أيامٌ قلائل ، وإنما هذه فتنة . قال أبي : فقلتُ : أرجو أن يُؤَمِّنَك الله مما تَحذر . فقال : كيف وأنتم لا تتركون طعامهم ولا جوائزهم ؟ لو تركتموها ، لتركوكم . ماذا نَنْتَظِرِ ؟ إنما هو الموتُ . فإما إلى جنة ، وإما إِلى نار . فطوبى لمن قدِم على خير . قال : فقلتُ : أليسَ قد أُمرتَ ما جاءكَ مِنْ هذا المالِ من غير إشراف نفس ، ولا مسألةٍ أنْ تأخذه ؟ قال : قد أخذت مرة بلا إشراف نفس ، فالثانية والثالثة ؟ ألم تستشرف نفسُك ؟ قلت : أفلم يأخذِ ابنُ عُمر وابنُ عباس ؟ فقال : ما هذا وذاك ! وقال : لو أعلمُ أن هذا المالَ يُؤخذُ من وجْهِه ، ولا يكونُ فيه ظُلْمٌ ولا حَيْف لم أُبالٍ . قال حنبل : ولما طالت عِلَّةُ أبي عبد الله ، كان المتوكلُ يَبعثُ بابن ماسَويْهِ المتطِّّب ، فيصفُ له الأدويَةِ ، فلا يتعالج . ويدخلُ ابنُ ماسَويه ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ليستْ بأحمدَ عِلةٌ ، إنما هو من قلةِ الطعام والصيام والعبادة ، فسكتَ المتوكل . وبلغ أمَّ المتوكل خبرُ أبي عبد الله ، فقالتْ لابنها : أشتهي أَنْ أرى هذا الرجل ، فَوجَّه المتوكلُ إلى أبي عبد الله ، يسألُه أَنْ يدخُلَ على ابنِهِ المعتز ، ويدعُوَ له ويُسلِّمَ عليه، ويجعلَه في حجره . فامتنع ، ثم أجاب رجاء أن يُطْلَقَ ، وينحدر إلى بغداد، فوجَّه إليه المتوكل خِلْعَةٌ ، وأَتَوْهُ بدابةٍ يَركُبُها إلى المعتز ، فامتنع ، وكانتْ عليهِ مِيثَرَةُ نُموٍ . فقُدِّم إليه بغل لتاجر ، فركبه ، وجلس المتوكل مع أمه في مجلس من المكان ، وعلى المجلس سِتَرٌ رقيق . فدخَل أبو عبد الله على المعتز ، ونظر إليه المتوكل وأمُّه . فلما رأته ، قالت : يا بُني ، الله الله في هذا الرجل ، فليس هذا ممن يُريد ما عندكم ، ولا المصلحةُ أن تحبسَه عن منزله ، فائذنْ له ليذهب ، فدخل أبو عبد الله على ٢٧١ المعتز ، فقال : السلامُ عليكم، وجلس ، ولم يُسَلِّم عليه بالإِمْرَة . فسمعتُ أبا عبد الله بعدُ يقول : لما دخلتُ عليه ، وجلستُ ، قال مؤدِّبه: أصلح الله الأمير ، هذا هو الذي أمره أميرُ المؤمنين يُؤَدِّبُكَ ويعلِّمك ؟ فقال الصبي : إنْ عَلَّمني شيئاً ، تعلمتُه ! قال أبو عبد الله : فعجبتُ من ذكائه وجوابه على صغره ، وكان صغيراً . ودامت علة أبي عبد الله ، وبلغ المتوكل ما هو فيه ، وكلَّمه یحیی بنُ خاقان أيضاً ، وأخبره أنه رجل لا يريد الدُّنْيا ، فأذِنَ له في الانصراف . فجاء عُبيد الله [بن يحيى](١) وقتَ العصر، فقال: إن أمير المؤمنين قد أَذِنَ لك، وأمر أن يفرش لك حَرَّاقة (٢) تنحدر فيها . فقال أبو عبد الله : اطلُبوا لي زورقاً أَنحدرُ الساعة . فطلبوا له زورقاً ، فانحدر لوقته . قال حنبلُ : فما علمنا بقدومه حتى قيل : إنه قد وافى ، فاستقبلْتُه بناحية القطيعة . وقد خرجَ من الزورق ، فمشيتُ معه ، فقال لي : تَقَدَّم لا يراك الناس فيعرفوني، فتقدمْتُه . قال: فلما وصل (٣)، ألقى نفسه على قفاه من التعب والعَياء . وكان ربما استعارَ الشَّيْءَ من منزلنا ومنزل ولده ، فلما صَار إلينا من مال السلطان ما صار ، امتنع من ذلك حتى لقد وُصفَ له في علته قرعة تُشْوَى ، فشُويتُ في تنُّور صالح ، فَعَلم ، فلم يستعملها (٤) . ومثل هذا كثير . (١) ما بين حاصرتين من ((تاريخ الإِسلام)). (٢) بفتح الحاء وتشديد الراء : السفينة الخفيفة ، وكانت هذه السفن بالبصرة . (٣) في ((تاريخ الإِسلام)): ((فلما دخل )). (٤) الخبر في ((تاريخ الإسلام)) ص: ١١٢، ١١٣ وعبارته: (( .... قرعة تشوى ، ويؤخذ ماؤها . فلما جاؤوا بالقرعة ، قال بعض من حضر : اجعلوها في تنور ، يعني في دار صالح، فإنهم قد خبزوا . فقال بيده: لا . ومثل هذا كثير)). ٢٧٢ وقد ذكر صالحٌ قصةً خروج أبيه إلى العسكر ورجوعه، وتفتيش بيوتهم على العَلَوي ، ووُرود يعقوب بالبَدْرَةِ(١)، وأنَّ بعضها كان مئتي دينار، وأنه بكى ، وقال : سلِمْتُ منهم ، حتى إذا كان في آخر عمري ، بُليتُ بهم . عزمتُ عليكَ أن تفرقها غداً، فلما أصبح ، جاءه حسنُ بنُ البَزَّار ، فقال : جئني يا صالح بميزان ، وجِّهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار ، وإلى فلان ، حتى فرَّق الجميع ، ونحنُ في حالةٍ، الله بها عليم . فجاءَني ابنٌ لي فطلب درهماً ، فأخرجتُ قطعة ، فأعطيته . فكتب صاحب البريد : إنَّه تَصَدَّقَ بالكل ليومه حتى بالكيس . قال عليُّ بنُ الجَهم : فقلتُ: يا أمير المؤمنين، قد تصدقَ بها ، وعلم الناسُ أنه قد قَبِلَ منكَ ، وما يصنعُ أحمد بالمال ؟! وإنما قُوتُه رغيف . قال : صدقت . قال صالح : ثم أخرجَ أبي ليلاً ومعنا حراس ، فلما أصبح ، قال : أَمعكَ دراهم ؟ قلت : نعم . قال : أعطهم . وجعل يعقوبُ يسيرُ معه ، فقال له : يا أبا عبد الله، ابنُ الثلجي بلَغني أنه كان يذكركَ . قال: يا أبا يوسُف، سَلِ الله العافية . قال : يا أبا عبد الله، تريدُ أَنْ نؤدِّيَ عنك رسالةً إلى أمير المؤمنين؟ فسكت ، فقال : إن عبد الله بنَ إسحاق أخبرني أنَّ الوابِصِيَّ(٢)، قال له : إني أُشهد عليه أنَّه قال : إن أَحْمَدَ يعبُدُ ماني (٣)! فقال : يا أبا (١) في ((تاريخ الإِسلام)): (( ... ثم ورود يعقوبَ قَرْقَرَةً ومعه العشرة آلاف)). (٢) هو عبد السلام بن عبد الرحمن بن صخر ، من ولد وابصة بن معبد . كان يتولى قضاء بغداد. مات سنة ٢٤٩ هـ. له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) ٥٢/١٤، ٥٣، و((التهذيب)) ٣٢٢/٦، ٣٢٣ ٠ (٣) ماني: هو أحد ((نبهاء)) الفرس، وقد ظهر في القرن الثالث الميلادي في إيران ، وانتقل إلى الهند للتبشير بمذهبه ، إلا أن ملك الهند سابور الثاني قام بإعدامه . ومذهبه مزيج من= ٢٧٣ سير ١٨/١١ يوسف يكفي الله ، فغضب يَعقوبُ ، والتفتَ إليَّ فقال : ما رأيتُ أعجب مما نحنُ فيه . أسألُه أَنْ يُطلقَ لي كلمةً أُخبِرُ بها أمير المؤمنين ، فلا يفعل !! قال : ووجَّه يعقوبُ إلى المتوكل بما عمل ، ودخلنا العسكر ، وأبي منكسُ الرأس ، ورأسُه مُغطى . فقال له يعقوبُ : اكشفْ رأسَكَ ، فكشفه . ثم جاءَ وصيفٌ يريدُ الدار، ووجه إلى أبي بيحيى بن هَرْثَمَة، فقال: يُقرِتُك أميرُ المؤمنين السلام ، ويقول : الحمدُ لله الذي لم يُشمِّتْ بك أهلَ البدع، قد علِمتَ حالَ ابنٍ أبي دُوَاد ، فينبغي أن تتكلّم فيه بما يجب لله . ومضى يحيى ، وأنزل أبي في دار إيتاخ ، فجاء علي بنُ الجهم ، وقال : قد أمر لكم أميرُ المؤمنين بعشرة آلاف مكان التي فَرَّقها، وأنْ لا يُعلَم شيخُكم بذلك فيغتم . ثم جاءه محمدُ بنُ معاوية ، فقال : إن أميرَ المؤمنين يُكثر ذكرك ، ويقول : تُقِيمُ هنا تُحدِّث . فقال : أنا ضعيف . وصار إليه يحيى بنُ خاقان ، فقال : يا أبا عبد الله ، قد أَمَرَ أميرُ المؤمنين أَنْ آتيك لتركبَ إلى ابنه المعتز . وقال لي : أمرني أميرٌ المؤمنين يُجْرى عليه وعلى قرابتكم أربعةُ آلاف(١) ، ثم عاد يحيى من الغد ، فقال : يا أبا عبد الله، تركبُ ؟ قال: ذاكَ إليكم، ولبس إزارَهُ وخُفَّه ، وكان للخف عنده خمسة عشر عاماً [قد رفع](٢) برِقاع [عدة](٣). فأشار يحيى أن يلبس قَلَنسوة. قلتُ: ماله قلنسوة ... إلى أَنْ قال: فدخل دار المعتز، وكان = معتقدات الزرادشتية والنصرانية والبوذية ، كالإِيمان بالصراع بين إلهين اثنين : إله الخير والنور ، وإله الظلمة والشر، وإباحة نكاح الأخوات والبنات .... ولقد انتشرت المانوية في فارس والهند والتيبت والصين وتركستان ، حيث بقيت حتى القرن الحادي عشر الميلادي . (١) العبارة في ((تاريخ الإسلام)) ص: ١١٤: ((يُجَرَى عليك وعلى قراباتك أربعة آلاف درهم ، تفرقها عليهم )). (٢) و(٣) الزيادة من ((تاريخ الإِسلام)). ٢٧٤ قاعداً على مصطبة (١) في الدار . فصعد وقعد ، فقال له یحیی : يا أبا عبد. الله، إن أميرَ المؤمنين جاء بكَ لْيُسَرَّ بِقُرْبِك، ويصيِّرَ ابنَه عبدَ الله في حجرك . فأخبرني بعضُ الخُدام أَنَّ المتوكل كان قاعداً وراءَ سِتر، فقال لأَمِّه : يا أمَّه ، قد أنارت(٢) الدار. ثم جاءَ خادمٌ بمنديل ، فأخذ يحيى المنديل ، وذكر قصةً في إلباس أبي عبد الله القميص والقلنسوة والطيلسان ، وهو لا يُحَرِّكُ يده؛ ثم انصرف . وقد كانوا تحدثوا أنه يَخلع عليه سواداً . فلماجاء، نزع الثياب ، وجعل يبكي ، وقال : سلمتُ من هؤلاء منذ ستين سنة ، حتى إذا كان في آخر عمري بُليتُ بهم . ما أحسبني سلمتُ من دخولي على هذا الغلام ، فَكيفَ بمن يجب عليَّ نُصْحُهُ؟! يا صالح : وَجِّهْ بهذه الثياب إلى بغداد تُباع، ويُتصدق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم منها شيئاً ، فوجهت بها إلى يعقوب بن بُخْتَان(٣) ، فباعها ، وفرَّق ثَمَنَها ، وبقيتْ عندي القَلْسُوةُ .. قال : ومكثَ خمسة عشر يوماً يفطرُ كلَّ ثلاث على ثُمن سَويق ، ثم جعل بعد ذلك يُفْطِرُ ليلة على رغيف ، وليلةً لا يُفْطر . وإذا جاؤوا بالمائدة ، توضّعُ في الدِّهليز لئلا يراها . وكان إذا أجهده الحرُّ بَلَّ خِرْقةً، فيضعُها على صدره . وفي كل يومٍ يوجه إليه بابن ما سَوَيْهِ ، فينظرُ إليه ، فقال . يا أبا عبد الله ، أنا أُمِيلُ إليك وإلى أصحابك ، وما بك عِلَّةٌ سوى الضعف وقلةٍ الرِّزِّ (٤). (١) في ((تاريخ الإسلام)): ((على دكان)). (٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((نارت)) (٣) هو يعقوب بن إسحاق بن بختان ، نسب هنا إلى جده ، وهو من أصحاب الإِمام أحمد، وكان أحد الصالحين الثقات. له ترجمة في ((طبقات الحنابلة)) ص : ٢٧٦، و((تاريخ بغداد)» ١٤ /٢٨٠. (٤) الرِّزّ، بكسر الراء وتشديد الزاي : غمز الحدث ، وحركته في البطن للخروج ، حتى = ٢٧٥ قال : وجعل يعقوبُ وغياثٌ يصيران إليه ، ويقولان له : يقول لك أمير المؤمنين : ما تقولُ في ابن أبي دُوَاد وفي ماله ؟ فلا يجيبُ بشيءٍ . وجعل يعقوبُ ويحيى يخبرانه بما يَحدثُ في أمر ابن أبي دُوَاد. ثم بُعثَ إلى بغداد بعد ما أُشهد عليه بِبْعِ ضياعه . وكان رُبَّما جاء یحیی بنُ خاقان - وأبو عبد الله يُصلي - فيجلسُ في الدهليز حتى يفرُغَ من الصلاة . وأمر المتوكل أن تُشترى لنا دار ، فقال : يا صالح ، قلتُ : لبيك . قال: لئن أقررتَ لهم بشراء دار، لتكونَنَّ القَطِيعةُ بيني وبينكم، إنما يُريدونَ أن يصيِّروا هذا البلد لي مأوّى . فلم يزلْ يدافعُ بشراء الدار حتى اندفع. وجَعلتْ رُسُل المتوكل تأتيه ، يسألونه عن خبره ، ويرجعون، فيقولون: هو ضعيف . وفي خلال ذلك يقولون : يا أبا عبد الله ، لا بد من أن يراك . وجاءه يعقوبُ ، فقال : أميرُ المؤمنين مشتاقٌ إليك ، ويقول : انظر يوماً تصير فيه أَيَّ يوم حتى أُعرِّفَه ، فقال: ذاكَ إليكم ، فقال: يوم الأربعاء ، وخرج . فلما كان من الغد ، جاء فقال : البُشرى يا أبا عبد الله ! إن أميرَ المؤمنين يقرأ عليكَ السلام ، ويقولُ : قد أعفيتُك من لُبْس السوادِ والركوب إلى ولاة العهود وإلى الدار، فالبس ما شئت(١) . فجعل يحمَدُ الله على ذلك . ثم قال يعقوبُ: إنّ لي ابناً أنا به مُعجب ، وإنَّ له في قلبي مَوْقِعاً ، فَأُحِبُّ أن تُحدِّثَّهُ بأحاديث، فسكت . فلما خرج ، قال: أتُراه لا يَرَى ما أنا فيه ؟ !! . وكان يختم القرآنَ من جمعة إلى جمعة ، وإذا ختم ، دعا ، ونحن = يحتاج صاحبه إلى دخول الخلاء. وفي الحديث عن النبي وظ ﴿ أنه قال: ((من وجد في بطنه رِزّاً فليتوضأ)) أخرجه أحمد ٨٨/١ و٩٩ بسند فيه ابن لهيعة. (١) في ((تاريخ الإِسلام)): ((فالبس القطن، وإن شئت فالبس الصوف)). ٢٧٦ نُؤْمِّن . فلما كان غداةَ الجمعة ، وجَّه إليَّ وإلى أخي . فلما ختم ، جعل يدعو ونحن نؤمِّن . فلما فرغ ، جعل يقول : أستخير الله مراتٍ . فجعلتُ أقول : ما يريد ؟ ثم قال: إني أُعطي الله عهداً، إنَّ عهده كان مسؤ ولاً ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوْا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] إني لا أحدِّثُ بحديثٍ تَمامٍ أبداً حتى ألقى الله ، ولا أستثني منكم أحداً ، فخرجْنا ، وجاء عليُّ بنُ الجهم فأخبرناه ، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون . وأُخِبِرَ المتوكلُ بذلك . وقال : إنَّما يريدون أحدِّث، ويكونُ هذا البلد حَبْسِي ، وإنما كان سببُ الذين أقاموا بهذا البلد لما أُعطوا فقبلوا، وأمروا فحدَّثوا . والله لقد تمنيتُ الموتَ في الأمر الذي كان ، وإني لأتمنَّى الموتَ في هذا وذاك. إِنَّ هذا فتنةُ الدنيا (١)، وذاكَ كان فتنة الدين ، ثم جعل يضُمُّ أصابعه ، ويقول : لو كان نفسي في يدي لأرسلتها [ ثم يَفْتَحُ أصابعه ](٢). وكانَ المتوكل يُكثر السؤال عنه ، وفي خلال ذلك يأمرُ لنا بالمال ، ويقولُ : لا يُعلَمُ شيخُهم فيغتم، ما يريدُ منهم ؟ إنْ كان هو لا يريد الدنيا ، فلِمَ يمنعهم ؟! وقالوا للمتوكل : إنه لا يَأكلُ من طعامك ، ولا يَجلسُ على فِراشك ، ويُحرِّم الذي تشرب . فقال : لو نُشرلي المعتصمُ ، وقال فيه شيئاً ، لم أَقبلْ منه . قال صالح : ثم انحدرتُ إلى بغداد ، وخلَّفت عبدَ الله عنده . فإذا عبدُ الله قد قدِم ، فقلتُ : مالك ؟ قال : أمرني أن أُنحدرَ . وقال : قلْ لصالح : (١) عبارة ((تاريخ الإِسلام)): (( ... وإني لأتمنى الموت في هذا، وذلك أن هذا فتنة الدنيا .... )) . (٢) ما بين حاصرتين من ((تاريخ الإِسلام)). ٢٧٧ لا تخرجْ ، فأنتم كُنتم آفتي ، والله لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ، ما أخرجتُ واحداً منكُم معي . لولاكم لمن كانتْ تُوضعُ هذه المائدة ، وتُفرشُ الفُرُش ، وتُجرى الأَجْرَاءُ (١)؟ فكتبتُ إليه أُعلمُه بما قال لي عبد الله ، فكتب إلي بخطه : أحسنَ اللّه عاقبتَك، ودفعَ عنك كُلَّ مَكْروه ومحذور ، الذي حملني على الكتاب إليك الذي قلتَ لعبد الله ، لا يأتيني منكم أحدٌ رجاء أن ينقطعَ ذِكري ويُخمل(٢). وإذا كنْتُم ها هنا، فشا ذِكري ، وكان يجتمعُ إليكم قومٌ ينقلونَ أخبارَنا ، ولم يكن إلّ خيرٌ . فإنْ أقمتَ فلم يأتني أنتَ ولا أخوك ، فهو رضائي ، ولا تجعلْ في نفسكَ إلّ خيراً، والسلام عليك . قال : ولما سافرنا، رُفعت المائدة والفُرُش، وكلُّ ما أقيم لنا . قال صالح : وبَعَثَ المتوكلُ إلى أبي بألفِ دينار ليقسمَها ، فجاءه عليَّ ابنُ الجهم في جوف الليل ، فأخبره بأنَّه يُهيىء له حَرَّاقَة، ثم جاء عُبَيْدُ الله بألف دينار ، فقال : إنّ أمير المؤمنين قد أَذِنَ لك ، وأمر لك بهذه . فقال : قد أعفاني أميرُ المؤمنين مما أَكره ، فَرَدَّها . وقال : أنا رقيق على البَرْد ، والظهرُ أَرْفَقُ بي . فكتب له جواز، وكتب إلى محمد بن عبد الله في بِّه وتعاهُدِه . فقدم علينا ، ثم قال: يا صالح ، قلتُ : لبيك . قال: أُحِبُّ أَنْ تدعَ هذا الرزق ، فإنما تأخذونَه بسببي فسكتُ ، فقال : مالك ؟ قلتُ : أَكرهُ أن أُعطيك بلساني ، وأُخالِفَ إلى غيره ، وليس في القوم أكثر عيالاً مني ، ولا أعذر . وقد كنتُ أشكو إليك، وتقول : أَمْرُك منعقدٌ بأمري . ولعلَّ الله أن يحل عني هذه العقدة ، وقد كنتَ تدعولي ، فأرجو أن يكونَ الله قد استجابَ لك . فقال : والله لا تفعل . فقلت: لا. فقال: لِمَ ؟ فعل الله بك وفعل !! (١) حرفت في ((تاريخ الإسلام)) إلى ((الأمراء)). (٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((ويخمد))، بالدال المهملة. ٢٧٨ وذکر قصة في دخول عبد الله أخيه عليه ، وقوله وجوابه له ، ثم دخول عمِّه عليه ، وإنكاره للأخذ ، قال : فَهَجَرنا أبي ، وسَدَّ الأبواب بيننا وبينَه ، وتحامى منازلنا، ثم أُخبرَ بأخذ عمه ، فقال : نافَقْتَنِي وكَذَبْتني !! ثم هجرهُ، وترك الصلاةَ في المسجد ، وخرج إلى مسجد آخر(١) يصلي فيه . ثم ذكر قصة في دعائه صالحاً ومعاتبته له ، ثم في كتابته(٢) إلى يحيى ابن خاقان ليتركَ مَعونَة أولاده، وأن الخبر بلغَ المتوكلَ ، فأمر بحمل ما اجتمع لهم من عشرة أشهرٍ إليهم، فكان أربعين ألفَ درهم . وأن أبا عبدَ الله أُخبر بذلك ، فسكتَ قليلاً وأطرق . ثم قال : ما حيلتي إنْ أردتُ أمراً، وأراد الله أمراً ؟! قال صالح : وكان رسولُ المتوكل يأتي أبي يُبلغهُ السلام ، ويسألهُ عن حاله . قال : فتأخُذُه قُشَعْرِيرَةٌ حتى نُدَثِّرَه ، ثم يقولُ: والله لو أن نفسي في يدي لأرسلتها . وجاء رسولُ المتوكل إليه ، يقول : لو سَلِم أحدٌ من الناس ، سلمتَ أنت . رَفع رجل إلينا(٣) أن عَلَوياً قدم من خراسان ، وأنك وجهت إليه من يلقاه . وقد حَبَسْتُ الرجلَ ، وأردتُ ضربه، فكرهتُ أن تَغْتَمَّ، فَمُرْ فيه .. قال : هذا باطل يُخلَّى سبيله . ثم ذكر صالح قصة في قدوم(٤) المتوكل بغداد ، وإشارة أبي عبد الله على صالح بأنْ لا يذهبَ إليهم ، ومجيء يحيى بن خاقان من عند المتوكل . (١) في ((تاريخ الإِسلام)) و((الحلية)): ((مسجد خارج ... )). (٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((كتْبَتِه)). (٣) في ((تاريخ الإسلام)): ((إليَّ)). (٤) في الأصل ((قدم)) ٢٧٩ وقوله : قد أعفاني أميرُ المؤمنين من كل ما أكره ، وفي توجيه أمير بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أحمد ليحضر إليه ، وامتناع أحمد ، وقوله : أنا رجلٌ لم أُخالط السلطانَ ، وقد أعفاني أميرُ المؤمنين مما أكره ، وهذا مما أكره . قال: وكان قد أدمن الصوم لما قدم من سامراء ، وجعلَ لا يأكلُ الدَّسَمِ . وكان قبل ذلك يُشتَرَى له الشحمُ بدرهم فيأكلُ منه شهراً(١) !! الخلال : حدثني محمدُ بنُ الحسين ، أن المُرُّوذي حدَّثَهم ، قال: كان أبو عبد الله بالعسكر يقول : انظر ، هل تجدُ ماء باقِلَّى(٢)؟. فكنتُ ربما بَلَلْتُ خُبزه بالماء، فيأكله بالملح(٣). ومنذ دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ، ما ذاق طبيخاً ولا دَسَماً . وعن المَرُّوذِي ، قال : أنبهني أبو عبد الله ليلةً ، وكان قد واصل فقال : هوذا يُدارُ بي من الجوع، فأطعمني شيئاً. فجئتُه بأقلَّ من رغيف ، فأكله ، وقال : لولا أَنّي أخافُ العونَ على نفسي ، ما أكلتُ. وكان يقوم إلى المَخْرَج، فيقعدُ يستريحُ من الجوع، حتى إنْ كنتُ لَأَبُلُّ الخِرقةَ، فَيُلقيها (٤) على وجهه ، لترجع نفسُه إليه ، حتى إنه أوصى من الضعف من غير مرض ، فسمعتُه يقول - ونحن بالعسكر - هذا ما أوصى به أحمدُ بنُ محمد ، أوصى أنَّه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله . (١) تمامه كما في ((تاريخ الإِسلام)): (( ... فترك أكل الشحم، وأدمن الصوم والعمل ، فتوهمت أنه قد كان جعل على نفسه - إنْ سلم - يفعل ذلك)). (٢) بكسر القاف وفتح اللام المشددة وقد تخفف : الفول . (٣) عبارة ((تاريخ الإِسلام)): (( ... قلتُ: ربما بلَلْت خبزةً بالماء، فيأكلها بالملح)). (٤) في ((تاريخ الإِسلام)): ((فيلفها)). ٢٨٠