النص المفهرس

صفحات 241-260

قال صالح بن أحمد : حُمِلَ أبي ومحمد بن نوح من بغداد
مقيِّدَيْنِ ، فصِرنا معهما إلى الأنبار . فسأل أبو بكر الأحول أبي : يا أبا
عبد الله، إن عُرضت على السيف، تُجيب؟ قال: لا. ثم سُيِّرا،
فسمعتُ أبي يقول: صِرنا إلى الرَّحْبَةِ(١)، ورَحَلنا منها في جوف الليل ،
فَعَرَضَ لنا رجل ، فقال : أيُّكم أحمدُ بن حنبل ؟ فقيل له : هذا، فقال
للجَمال : على رِسْلك، ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تُقتل ها هنا،
وتدخل الجنة ؟ ثم قال : أستودعُك الله ، ومضى . فسألتُ عنه ، فقيل
لي: هذا رجل من العربٍ من ربيعة يعمل الشَعَر (٢) في البادية ، يقال
له : جابرُ بن عامر ، يُذكَّر بخير .
أحمد بن أبي الحَوّاري : حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، قال : قال
أحمد بن حنبل : ما سمعتُ كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى مِن
كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق . قال : يا أحمد ، إنْ يقتلْك
الحقُّ، مُتَّ شهيداً، وإنْ عِشت، عشتَ حميداً. فقوّى قلبي.
قال صالح بن أحمد : قال أبي : فلما صِرنا إلى أَذْنَة(٣) ، ورحلنا
منها في جوف الليل، وفُتِحَ لنا بابُها ، إذا رجل قد دخل . فقال :
الْبُشْرىَ ! قد مات الرجلُ يعني : المأمون . قال أبي : وكنتُ أدعو الله أن
لا أراه .
محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل ، يقولُ :
تبيّتُ الإِجابةَ في دعوتين : دعوتُ الله أَنْ لا يجمَع بيني وبين المأمون ،
(١) وهي رَحْبَةُ مالك بن طَوْق، تقع بين الرقة وبغداد ، على شاطىء الفرات ، تبعد عن
بغداد مئة فرسخ ، وعن الرقة نيفاً وعشرين فرسخاً .
(٢) في الهامش ما نصه : في رواية حنبل : يعمل الصوف .
(٣) بفتحات ، وهي بلد مشهور من الثغور، قرب المِصِّيصَة .
٢٤١
سير ١٦/١١

ودعوتُه أن لا أرى المتوكلَ. فلم أر المأمون ، مات بالبَذَنْدُون(١)، قلتُ
وهو نهر الروم . وبقي أحمد محبوساً بالرَّقة حتى بويع المعتصم إثر موت
أخيه ، فرُدَّ أحمدُ إلى بغداد . وأما المتوكلُ فإنه نَوَّهَ بذكر الإِمام أحمد ،
والتمسَ الاجتماعَ به ، فلما أنْ حضر أحمد دارَ الخِلافة بسامراء لُيُحدِّث ولدَ
المتوكل ويُبرِّك عليه ، جلس له المتوكلُ في طاقة ، حتى نظر هو وأمُّه منها
إلی أحمد ، ولم يرهُ أحمد .
قال صالح : لما صَدَرَ أبي ومحمد بنُ نوح الى طَرَسوس ، رُدًّا في
أقيادهما . فلما صار إلى الرقة، حُمِلا في سفينة ، فلما وَصَلا إلى
عانَةٍ(٢) ، تُوفيَ محمد، وفُكَّ قيدُه، وصلَّى عليه أبي .
وقال حنبل : قال أبو عبد الله : ما رأيتُ أحداً على حداثة سِنِّه ، وقدْرٍ
علمه أقومَ بأمر الله من محمد بن نوح ، إني لأرجو أنْ يكون قد خُتم له
بخير . قال لي ذاتَ يوم: يا أبا عبد الله ، الله الله، إنك لستَ مثلي. أنتَ
رجلٌ يُقْتدى بك . قد مدَّ الخلق أعناقهم اليك ، لِمَا يكون منك ، فاتقِ الله
واثبتْ لأمر الله ، أو نحو هذا . فماتَ، وصليتُ عليه ، ودفنته . أظن
قال : بعانة .
قال صالح : وصار أبي إلى بغداد مقيداً . فمكثَ بالياسريَّة (٣) أياماً،
(١) في الأصل بالباء، وهو تصحيف، فقد جاء في ((معجم البلدان ))٣٦١/١، ٣٦٢:
البَذَنْدون ، بفتحتين وسكون النون ودال مهملة وواو ساكنة ونون: قرية بينها وبين طرسوس یوم ،
من بلاد الثغر ، مات بها المأمون فنقل إلى طرطوس ، ودفن بها . ولطرسوس باب يقال له : باب
بَذَنْدون ، عنده في وسط السور قبر أمير المؤمنين المأمون عبد الله بن هارون ، كان خرج غازياً ،
فأدركته وفاته هناك ، وذلك سنة ٢١٨ هـ .
(٢) بلد مشهور بين الرقة وهيت ، يعد في أعمال الجزيرة ، وهي مشرفة على الفرات ،
وبها قلعة حصينة .
(٣) قرية كبيرة على ضفة نهر عيسى ، بينها وبين بغداد ميلان.
٢٤٢

ثم حُبِسَ في دارٍ اكتُرِيت عند دار عُمارة ، ثم حُوِّل إلى حبس العامة في
درب المَوْصِليَّة . فقال : كنتُ أصلي بأهل السجن ، وأنا مقيد . فلما كان
في رمضان سنة تسع عشر - قلتُ : وذلك بعد موت المأمون بأربعةَ عشر
شهراً - حُوِّلْتُ إلى دارٍ إسحاق بن إبراهيم ، يعني : نائب بغداد . وأما
حنبل ، فقال: حُبِسَ أَبُو عبد الله في دار عُمارة ببغداد في إصْطَبْل الأمير
محمد بن إبراهيم أخي إسحاق بن إبراهيم ، وكان في حَبْسٍ ضَيِّق ،
ومَرِضَ في رمضان . ثم حُوَّلَ بعد قليل إلى سجن العامَّة ، فمكثَ في
السجن نحواً من ثلاثين شهراً. وكنا نأتيه، فقرأ عليَّ كتاب ((الإِرجاء))
وغيره في الحبس ، ورأيتُهُ يُصلِّي بهم في القَيْد ، فكان يُخرج رِجْلَهُ من
حلقةِ القيد وقت الصلاة والنّوم .
قال صالح بنُ أحمد : قال أبي : كان يوجَّه إليَّ كل يوم برجلين ،
أحدُهما يقال لهُ : أحمدُ بنُ أحمد بن رباح ، والآخرُ أبو شُعيب الحجام ،
فلا يزالان يناظراني ، حتى إذا قاما دعي بقيد ، فزيد في قيودي ، فصار
في رِجْليَّ أربعةُ أقياد . فلما كان في اليوم الثالث ، دخل عليَّ فناظرني ،
فقلتُ له: ما تقول في علم الله ؟ قال: مخلوق . قلت : كفرت بالله(١)،
فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم : إن هذا رسول
أمير المؤمنين . فقلت : إن هذا قد كفر. فلما كان في الليلة الرابعة ،
وجه ، يعني : المعتصم ، بِبُغا الكبير إلى إسحاق ، فأمرهُ بحملي إليه ،
فأدْخِلتُ على إسحاق ، فقال : يا أحمد إنها والله نفسُك ، إنه لا يقتلك
بالسيف ، إنه قد آلى ، إنْ لم تجبه ، أن يضربك ضرباً بعد ضرب ، وأن
يَقْتُلك في موضع لا يرى فيه شمسٌ ولا قمر. أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِنا
(١) جاء بهامش الأصل الذي اعتمد في تحقيق ((تاريخ الإِسلام)) للحافظ الذهبي: ((إنما
كَفَّرَهُ لأنه إذا كان علم الله مخلوقاً ، لزم أن يكون في الأزل بغير علم حتى خلقه . تعالى الله عما
يقول الظالمون علواً كبيراً. وهذا حق بديهي معلوم من الدين بالضرورة)).
٢٤٣

جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيّاً ﴾ [الزخرف: ٣] أفيكونُ مجعولاً إلَّ مخلوقاً؟ فقلت :
فقد قال تعالى : ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [ الفيل: ٥] أفخلقهم ؟
قال : فسكت . فلما صرنا إلى الموضعِ المعروفِ بباب البستان ،
أُخرجتُ ، وجي ءٌ بدابةٍ فأُركبتُ وعليَّ الأقياد ، ما معي من يُمسكُني ،
فكِدتُ غير مرة أَنْ أَخِرَّ على وجهي لثقل القيود . فجيء بي إلى دار
المعتصم ، فأُدْخِلْتُ حجرة ، ثم أدخلتُ بيتاً ، وأُقفلَ البابُ عليَّ في جوف
الليل ولا سراج . فأردتُ الوضوء ، فمددتُ يدي ، فإذا أنا بإناءٍ فيه ماء ،
وطستُ موضوع، فتوضأتُ وصليت .
فلما كان من الغد ، أَخرجتُ تِكَّتي ، وشددتُ بها الأقياد أحملها ،
وعطفتُ سراويلي . فجاء رسولُ المعتصم ، فقال : أجبْ فأخذ بيدي ،
وأدخلَني عليه، والتِّكَّةُ في يدي، أحملُ بها الأقيادَ ، وإذا هو جالسٌ ،
وأحمدُ بنُ أبي دُوَاد حاضر، وقد جمع خلقاً كثيراً من أصحابه . فقال لي
المعتصم : ادنُه ادنه . فلم يَزَلْ يُدْنيني حتى قربت منه. ثم قال :
اجلس ، فجلست، وقد أثقلتني الأقياد، فمكثْتُ قليلاً، ثم قلتُ : أتأذن في
الكلام؟ قال تَكَلَّمْ، فقلتُ: إلى ما (١) دعا الله ورسولهُ؟ فسكت هُنَيَّة(٢) ، ثم
قال: إلى شهادة أَنْ لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد أنْ لا إله إلا الله. ثم
قلتُ : إن جدَّك ابنَ عباس يقول : لما قَدِمَ وَفْدُ عبد القيس على رسول الله
وَ*، سألوهُ عن الإِيمان، فقال: ((أَتَدْرُونَ ما الإِيمانُ؟)) قالوا: الله
(١) كذا في الأصل، بإثبات ألف ((ما)). وظاهر كلام النحويين وجوب حذف ألفها إذا دخل
عليها حرف الجر ، ولكن قرأ عبد الله وأبيَّ وعكرمة: ( عَمَّا يتساءلون ) ، بالألف ، وقال أبو حيان
في ((البحر)) ٤١٠/٨: وهو أصل ((عَمَّ))، والأكثرِ حذف الألف من ((ما ) الاستفهامية إذا دخل
عليها حرف الجر، وأضيف إليها . ومن إثبات الألف قول الشاعر :
كخنزيرٍ تَمَرَّغَ فِي دَمانٍ
على ما قام يشتمني لئيمٌ
(٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((هنيهة))، والوجهان جائزان . وهُنَيَّة مصغر هَنَة ، أصلها
هَنْوَة ، أي : شيء يسير .
۵
٢٤٤

وَرَسُولُه أَعْلَمُ ، قال: ((شَهادَةُ أَنْ لَا إِله إِلَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله ،
وإِقَامُ الصَّلاةِ وإِيِتاءُ الزَّكاةِ، وَأَنْ تُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ))(١). قال أبي:
فقال ، يعني : المعتصم : لو لا أني وَجَدْتُك في يد من كان قبلي ، ما
عرضتُ لك .
ثم قال : يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمُرْكَ برفعِ المحنة ؟
فقلتُ : الله أكبر! إنَّ في هذا لفَرَجاً للمسلمين . ثم قال لهم : ناظروه ،
وكَلِّموه ، يا عبدَ الرحمن كَلَّمْه . فقال: ما تَقَولُ في القرآن ؟ قلتُ : ما
تقولُ أنتَ في علم الله ؟ فسكتَ ، فقال لي بعضُهم : أليس قال الله تعالى
الله خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؟[ الرعد: ١٦] والقرآنُ أليس شيئاً؟ فقلت :
قال الله ﴿تُدَمِّرُ كل شَيْءٍ ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فدمَّرتْ إلا ما أراد الله ..
فقال بعضهم : ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]
أفيكونُ محدثٌ إلَّ مخلوقاً؟ فقلت: قال الله: ﴿ص، والقُرْآنِ ذي
الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] فالذكر هو القرآن، وتلك (٢) ليس فيها ألف ولام.
وذَكَر بعضُهم حديث عمران بن حُصين ((إِنَّ اللّه خَلَقَ الذِّكْرَ)) ، فقلتُ:
هذا خطأ، حدثنا غير واحد: ((إنَّ الله كَتَبَ الذِّكْرَ)) (٣) واحتجوا بحديثٍ
(١) أخرجه البخاري ١/ ١٢٠، ١٢٥، في الإيمان: باب أداء الخمس من الإِيمان ، وفي
العلم : باب تحريض النبي، وَله، وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإِيمان والعلم ، ويخبروا من
وراءهم ، وفي مواقيت الصلاة : باب قول الله تعالى: (منيبين إليه واتقوه ) ، وفي الزكاة : باب
وجوب الزكاة ، وفي الجهاد : باب أداء الخمس من الدين ، وفي الأنبياء : باب نسبة اليمن إلى
إسماعيل ، وفي المغازي : باب وفد عبد القيس ، وفي الأدب : باب قول الرجل مرحباً ، وفي
خبر الواحد : باب وصاة النبي ، وَ ج1 ، وفود العرب أن يبلغوا من وراءهم ، وفي التوحيد : باب
قول الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون). وأخرجه مسلم (١٧ ) في الإِيمان : باب الأمر
بالإِيمان بالله تعالى ورسوله وَلا، وشرائع الدين ، والدعاء إليه ، والسؤال عنه .
(٢) صحفت في ((تاريخ الإِسلام)) إلى: ((ويلك))، بالياء المثناة من تحت.
(٣) المحفوظ من حديث عمران بن حصين: ((وكتب في الذكر كل شيء)). أخرجه
البخاري ٢٠٥/٦، ٢٠٧ في أول بدء الخلق، و٣٤٥/١٣، ٣٤٧ في التوحيد : باب وكان =
٢٤٥

ابن مسعود : (( ما خَلَقَ الله مِنْ جَنَّةٍ وَلا نارٍ وَلا سَماءٍ وَلا أَرْضٍ أَعْظَمَ مِنْ آية
الكُرْسِيِّ))(١). فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء
والأرض، ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خبّاب: ((يا
هَنَتَاه ، تقربْ إلى الله بِمَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّكَ لَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ
مِنْ كَلامِهِ))(٢)، فقلت : هكذا هو .
قال صالح : وجعل ابنُ أبي دُوَادٍ يَنظُر إلي أبي كالمُغْضَب . قال
أبي : وكان يتكلم هذا ، فَأَرُدُّ عليه . ويتكلم هذا، فأرد عليه ، فإذا انقطع
الرجل منهم ، اعترض ابنُ أبي دُوَاد ، فيقولُ : يا أمير المؤمنين ، هو،
والله ، ضالٌّ مضلّ مبتدع! فيقول : كلِّموه ، ناظروه ، فيكلمني هذا ، فأرد
عليه ، ويكلمني هذا ، فأرد عليه ، فإذا انقطعوا ، يقول المعتصم : ويحك
يا أحمد ، ما تقول ؟ فأقول : يا أمير المؤمنين ، أعطوني شيئاً من كتاب الله
= عرشه على الماء، عن عمران بن حصين، قال: دخلت على النبي، ◌َّ 1، وعقلت ناقتي
بالباب ، فإذا ناس من بني تميم ، فقال : اقبلوا البشرى يا بني تميم . قالوا : قد بشرتنا ، فأعطِنا
مرتين . ثم دخل عليه ناس من اليمن ، فقال : اقبلوا البشرى يا أهل اليمن ، إذْ لم يقبلها بنو
تميم . قالوا : قبلنا ، جئناك لنتفقه في الدين ، ونسألك عن أول هذا الأمر ما كان ؟ قال : كان الله
ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ، وخلق السموات
والأرض » .
(١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٢٣/١، ونَسبه إلى أبي عبيد ، وابن الضريس ،
ومحمد بن نصر ، بلفظ: ((ما خلق الله من سماء ، ولا أرض ولا جنة ولا نار أعظم من آية في سورة
البقرة: الله لا إله إلا هو الحي القيوم))، وأخرجه سعيد بن منصور، وابن الضريس ،
والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) عن ابن مسعود ، قال: ((ما من سماء ولا أرض ولا سهل ولا
جبل أعظم من آية الكرسي )) .
(٢) أخرجه الآجري في ((الشريعة)) ص: ٧٧ ، من طريقٍ أبي القاسم عبد الله بن محمد بن
عبد العزيز البغوي ، حدثنا داود بن رشيد ، حدثنا أبو حفص الأبار ، عن منصور ، عن هلال بن
يساف ، عن فروة [ وقد تحرف فيه إلى قرة ] بن نوفل ، قال : أخذ خباب بن الأرت ، رضي الله
عنه ، بيدي ، فقال : يا هناه! تقرب إلى الله عزو جل بما استطعت ، فإنك لست تتقرب إليه بشيء
أحب إليه من كلامه . وسنده صحيح .
٢٤٦

أو سنة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حتى أقول به . فيقول أحمدُ بنُ
أبي دُوَاد : أنت لا تقول إلا ما في الكتاب أو السنة ؟ فقلتُ له: تأوَّلتَ تأويلاً،
فأنتَ أعلم ،وما تأولتُ ما يُحَبَس عليه، ولا يُقَيِّد عليه(١).
قال حنبل : قال أبو عبد الله : لقد احتجوا عليَّ بشيء ما يَقْوَى
قلبي ، ولا ينطلقُ لساني أن أحكيه . أنكروا الآثار ، وما ظننتُهم على هذا
حتى سمعتُه ، وجعلوا يُرغون ، يقولُ الخصمُ كذا وكذا(٢) ، فاحتججتُ
عليهم بالقرآن بقوله ﴿ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾(٣) [مريم:
٤٢] أفهذا منكر عندكم ؟ فقالوا : شَبَّه، يا أمير المؤمنين ، شبّه.
قال محمدُ بنُ إبراهيم البوشَنْجِي : حدثني بعضُ أصحابنا أن أحمد
ابن أبي دُوَاد أقبل على أحمد يكلمُه، فلم يلتفتْ إليه ، حتى قال
المعتصم : يا أحمدُ ألا تكلم أبا عبد الله ؟ فقلتُ : لستُ أعرفهُ من أهل
العلم فأكلمهُ !!
قال صالح : وجعل ابنُ أبي دُوَاد ، يقولُ : يا أميرَ المؤمنين ، والله لئن
أجابك لهو أحبُّ إلي من مئة ألفٍ دينار ، ومئةٍ ألف دينار ، فَيَعُد من ذلك ما
شاء الله أن يَعُد . فقال: لئن أجابني لُأَطْلِفكن عنه بيدي، ولَأَّركبن إليه
بجندي ، ولَطَأَنَّ عقِبَه .
ثم قال : يا أحمدُ ، والله إني عليك لشفيق ، وإني لُّأَشْفق عليك
(١) في ((تاريخ الإِسلام)): (( ... فقلتُ له : كما تأولتَ تأويلاتٍ فأنت أعلم ، وما تأولتُ
ما يحبس عليه ، وما يقيد عليه)).
(٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((وجعلوا يدعون بقول الخصم وكذا وكذا)). وهي مصحفة.
(٣) في ((تاريخ الإِسلام)) بعد الآية: ((فذَمَّ إبراهيمُ أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر .. )).
٢٤٧

كشفقتي على ابني هارون ، ما تَقول ؟ فأقول : أعطوني شيئاً من كتاب الله
وسنة رسوله .
فلما طال المجلس ، ضجر وقال : قوموا ، وحبسني ، [يعني عنده](١)
وعبد الرحمن بنُ إسحاق يكلمني . وقال: ويحك! أجبْني(٢). وقال:
ويحك! ألم تكنْ تأتينا ؟ فقال له عبدُ الرحمن: يا أمير المؤمنين ، أعرفُه منذ
ثلاثين سنة ، يَرَى طاعتَك والحج والجهادَ معك. فيقولُ: والله إنه لَعالم ،
وإنه لفقيه . وما يَسوءُني أن يكونَ معي يردُّ عِنِّي أهلَ المِلَلِ. ثم قال: ما
كنتَ تعرف صالحاً الرَّشِيدي ؟ قلتُ: قد سمعتُ به(٣)، قال : كان
مؤدِّبي ، وكان في ذلك الموضع جالساً ، وأشار إلى ناحية من الدار .
فسألني (٤) عن القرآن ، فخالفني ، فأمرتُ به فوُطِىء وسُحب! يا أحمد ،
أجبْني إلى شيء لك فيه أدنى فَرَج، حتى أُطْلِقِ عنك بيدي . قلتُ : أعطوني
شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله . فطال المجلس، وقام، ورُددْتُ إلى
الموضع .
فلما كان بعد المغرب ، وَجَّهَ إليَّ رجلين من أصحابٍ ابن أبي دُوَاد ،
يَبِيتَان عندي ويُناظراني ويُقيمان معي ، حتى إذا كان وقتُ الإِفطار ، جِيءَ
بالطعام ، ويجتهدان بي أن أُفطِر فلا أفعل - قلتُ : وكانت ليالي رمضان -
قال : ووجَّه المعتصم إِليَّ ابنَ أبي دُوَاد في الليل ، فقال : يقولُ لك أميرُ
المؤمنين : ما تقول ؟ فأردُّ عليه نحواً مما كنتُ أردُ . فقال ابنُ أبي دُوَاد: والله
(١) الزيادة من ((تاريخ الإِسلام)).
(٢) وتمامه كما في ((تاريخ الإِسلام)): (( .... فقال: ما أعرفك)).
(٣) في (( تاريخ الإسلام)): ((باسمه)) بدل (( به))
(٤) في ((تاريخ الإِسلام)): فسألته .
٢٤٨

لقد كَتَبَ اسْمَك في السبعة : يحيى بن معين وغيره(١) ، فَمَحَوتُه . ولقد
ساءني أخْذُهم إياك . ثم يقولُ : إن أميرَ المؤمنين قد حلفَ أَنْ يضربكَ ضرباً
بعد ضرب ، وأن يُلقيَك في موضعٍ لا ترى فيه الشمس . ويقول : إنْ
أجابني ، جئتُ إليه حتى أطلِقَ عنه بيدي ، ثم انصرف .
فلما أصبحنا(٢) ، جاء رسوله، فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه ، فقال
لهم : ناظروه وكلموه ، فجعلوا يناظروني ، فأردُّ عليهم . فإذا جاؤوا بشيء
من الكلام مما ليس في الكتاب والسُّنَّة ، قلتُ : ما أدري ما هذا . قال :
فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت [له](٣) الحُجَةُ علينا، ثَبَتَ ، وإذا
كلمناهُ بشيء ، يقول : لا أدري ما هذا ؟ فقال : ناظِروه . فقال رجلٌ : یا
أحمد، أراكَ تذكرُ الحديث وتنتجِلُه ، فقلتُ : ما تقولُ في قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ
الله فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظَّ الْأَنْثَيْنِ﴾ [ النساء: ١١]؟ قال: خصَّ الله
بها المؤمنين . قلتُ : ما تَقولُ : إن كان قاتلاً أو عَبْداً ؟ فسكتَ ، وإنمًّا
احتَجَجْتُ عليهم بهذا، لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن . فحيثُ قال
لي : أراكَ تَنْتَحِلُ الحديث، احتججتُ بالقرآن ، يعني : وإن السنةً
خصَّصَتِ القاتلَ والعبد ، فأخرجتْهما من العموم . قال : فلم يزالوا كذلك
إلى قُرْبِ الزّوال . فلما ضَجِر ، قال: قومُوا، ثم خَلابِي، وبعبد الرحمن بن
إسحاق ، فلم يزل يكلمني ، ثم قام ودخل . ورُدِدْتُ إلى الموضع .
قال : فلما كانت الليلةُ الثالثةُ ، قلتُ : خَليقٌ أَنْ يحدُثَ غداً من أمري
(١) قال ابن الجوزي في ((مناقب الإمام أحمد)) ص: ٣٢٤: (( .... قلت: السبعة :
يحيى بن معين ، وأبو خيثمة ، وأحمد الدورقي ، والقواريري ، وسعدويه ، وأحمد بن حنبل .
وقيل : خلف المخزومي)) .
(٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((فلما أصبح)).
(٣) ما بين حاصرتين من ((تاريخ الإسلام)).
٢٤٩

شيء فقلتُ للمؤكَّل بي : أريد(١) خيطاً فجاءني بخيط ، فشَددتُ به الأقیاد ،
ورَدَدْتُ النِّكَّة إلى سراويلي مخافة أن يَحْدُث من أمري شيء ، فأَتَعَرَّى . فلما
كان من الغد ، أُدخلتُ إلى الدار ، فإذا هي غاصَّةٌ ، فجعلتُ أُدخلُ من
موضع إلى موضع ، وقومٌ معهم السيوف ، وقومٌ معهم السِّياط ، وغير ذلك .
ولم يكن في اليومين الماضيين كبيرُ أحدٍ من هؤلاء . فلما انتهيتُ إليه ،
قال : اقعد . ثم قال : ناظروه ، كلموه . فجعلوا يُناظروني ، يتكلم هذا ،
فأرد عليه ، ويتكلم هذا ، فأرد عليه ، وجعل صوتي يعلو أصواتهم . فجعل
بعضُ مَن هو قائم على رأسي (٢) يومىء إِلَيَّ بيده، فلما طال المجلسُ ،
نگاني ، ثم خلا بهم ، ثم نحاهم ، وردني إلی عنده ، وقال : ويحك يا
أحمد ! أجبني حتى أُطلقَ عنك بيدي ، فَرَدَدت عليه نحو ردي . فقال :
عليك ، وذكر اللعن ، خُذُوه اسحبوه خلِّعوه . فَسُحِبْتُ وخلعتُ .
قال: وقد كان صار إلي شعرٌ من شعر النبي، و﴿، في كُمِّ قميصي ،
فوجَّه إليَّ إسحاق بن إبراهيم ، يقولُ: ما هذا المَصْرُوْرُ؟ قلتُ : شَعْرٌ من
شَعْر رسول الله، وَ، وسعى بعضهم ليخرِق القيمص عني ، فقال
المعتصم: لا تخرقوه، فتُزِعِ، فظننتُ أنه إنما دُرِىء عن القميص الخرقُ
بالشعر. قال : وجلس [المعتصم] على كرسي، ثم قال : العُقابيْن(٣)
والسِّياط ، فجيء بالعُقابين، فمُدَّتْ يدايَ ، فقال بعضُ من حضر خلفي :
خُذْ ناتِىءٍ(٤) الخشبتين بيديك، وشُدَّ عليهما . فلم أفهمْ ما قال ، فتخلعتْ
يداي .
(١) صحفت في ((تاريخ الإِسلام)) إلى ((ارتذْ)) وأتبعت بـ ((إلى)).
(٢) في ((تاريخ الإسلام)): ((رأسه)).
(٣) وهما خشبتان يَشُقُّ الرجل بينهما الجلد .
(٤) صحفت في ((تاريخ الإِسلام إلى ((ناي)).
٢٥٠

قال محمدُ بنُ إبراهيم البوشَنْجي: ذكروا أن المعتصم ألان(١) في أمر
أحمد لمّا علق في العقابين ، ورأى ثباته (٢) وتصميمه وصلابته ، حتى
أغراه أحمد بنُ أبي دُوَاد ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إن تركته ، قيل : قد
ترك مذهبَ المأمون ، وسخط قولَه ، فهاجه ذلك على ضَرْبه .
وقال صالح : قال أبي : ولما جيء بالسياط ، نظر إليها المعتصم ،
فقال : ائتوني بغيرها ، ثم قال للجلادين : تقدموا ، فجعل يتقدمُ إليَّ الرجل
منهم ، فيضربني سوطين ، فيقولُ له : شُدَّ، قطع الله يدَك! ثم يَتَنْخَّى
ويتقدمُ آخر ، فيضربني سوطين ، وهو يقولُ في كلِّ ذلك : شُدَّ ، قطع الله
يدك! فلما ضربتُ سبعة (٣) عشر سوطاً، قام إليّ، يعني : المعتصم ،
فقال : يا أحمدُ ، علامَ تَقتل نفسك؟ إني والله عليكَ لشفيق، وجعل عُجَيْف
ينخَسُني بقائمةِ سيفه ، وقال : أتريدُ أن تغلبَ هؤلاء كلَّهم ؟ وجعل بعضُهم
يقول: ويلك! إمامك (٤) على رأسك قائم . وقال بعضُهم : يا أمير
المؤمنين ، دمُه في عُنقي ، اقتله ، وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين ، أنتَ
صائم ، وأنتَ في الشمس قائم ! فقال لي : ويحك يا أحمدُ ، ما تقولُ ؟
فأقول : أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله أقولُ به .. فرجع
وجَلَس . وقال للجلَّد: تَقَدَّمْ، وأَوْجِع، قَطَعَ الله يدك، ثم قام الثانية ،
وجعل يقولُ: ويحك يا أحمد : أجبني . فجعلوا يُقبلون عَلَيَّ ، ويقولون :
يا أحمد ، إمامُك على رأسك قائم! وجعل عبدُ الرحمن يقول : مَن صنع مِن
أصحابك في هذا الأمر ما تصنع ؟والمعتصمُ يقولُ: أجبني إلى شيء [لك](٥)
(١) في ((تاريخ الإِسلام)): ((لايَنَّ)).
(٢) في ((تاريخ الإِسلام)): ((ثبوته)).
(٣) في ((تاريخ الإِسلام)): ((تسعة)) بدل ((سبعة)).
(٤) في ((تاريخ الإسلام)): ((الخليفة)).
(٥) الزيادة من ((تاريخ الإِسلام)).
٢٥١

فيه أدنى فَرَج حتى أطلق عنك بيدي ، ثم رجع ، وقال للجلاد: تقدَّم ، فجعل
يضربُني سوطين ويتنحى ، وهو في خلال ذلك يقول : شُدَّ ، قطع الله يدك .
فذهب عقلي ، ثم أفقتُ بعد ، فإذا الأقياد قد أُطلِقت عني . فقال لي رجل
ممن حضر : كيْناكَ على وجهِكَ، وطرحْنا على ظهرك بارِيَّةً(١) ودُسْناكَ !
[قال أبي](٢): فما شعرتُ بذلك، وأَتوني بسَويقٍ ، وقالوا : اشربْ وتقياً ،
فقلتُ : لا أُفطِر. ثم جِيءَ بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم ، فحضرتِ الظهرُ ،
فتقدمَ ابنُ سمَاعَةً ، فصلى . فلما انفتل من صلاته ، وقال لي : صليت،
والدُمُ يسيلُ في ثوبك؟ قلتُ : قد صلّى عمر، وجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَماً(٣) .
قال صالح : ثم خُلِّي عنه، فصار إلى منزله . وكان مُكثُه[في
السجن](٤) منذ أخذ إلى أن ضُرِبَ وخلِّي عنه، ثمانيةً وعشرين شهراً . ولقد
حدثني أحدُ الرجلين اللذين كانا معه ، قال : يا ابن أخي ، رحمة الله على أبي
عبد الله ، والله ما رأيتُ أحداً يشبهه ، ولقد جعلتُ أقول له في وقت ما يُوَجَّه
إلينا بالطعام : يا أبا عبد الله ، أنتَ صائم ، وأنتَ في موضع تَفِئة (٥) . ولقد
(١) بكسر الراء ، وفتح الياء المشددة : الحصير المنسوج ، وهي فارسية الأصل .
(٢) ما بين حاصرتين من ((تاريخ الإِسلام))، وهو قول صالح بن الإِمام أحمد .
(٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) رقم ( ٧٩): باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو
رعاف ، من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن المِسْوَربن مَخْرَمة أخبره أنه دخل على عمر بن .
الخطاب من الليلة التي طعن فيها ، فأيقظ عمر لصلاة الصبح ، فقال عمر: نعم ، ولاحَظَّ في
الإِسلام لمن ترك الصلاة ، فصلى عمر وجرحه يثعب دماً ، أي : يجري ويتفجر منه الدم .
(٤) ما بين حاصرتين من ((تاريخ الإِسلام)).
(٥) كذا الأصل، وفي ((تاريخ الإسلام و((مناقب الإمام أحمد)) ص ٤٠٧: تقية وفي ((الحلية))
٢٠٣/٩: ((مسغبة)). قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: والتقية إنما تجوز للمستضعفين الذين
يخشون أن لا يثبتوا على الحق ، والذين ليسوا بموضع القدوة للناس ، فهؤلاء يجوز لهم أن يأخذوا
بالرخصة . أما أولو العزم من الأئمة الهداة ، فإنهم يأخذون بالعزيمة ، ويحتملون الأذى ،
ويثبتون ، وفي سبيل الله ما يلقون . ولو أنهم أخذوا بالتقية ، واستساغوا الرخصة ، لضل الناس
من ورائهم ، يقتدون بهم ، ولا يعلمون أن هذه تقيةً .
٢٥٢

عطِش، فقال لصاحبِ الشراب : ناولني ، فناولَه قدحاً فيه ماءٌ وثلج ، فأخذه
ونظر فيه ، ثم ردّه ، ولم يشرب ، فجعلتُ أعجبُ من صبره على الجوع
والعطش ، وهو فيما هو فيه من الهَوْل !
قال صالح : فكنتُ ألتمسُ وأحْتال أن أوصِلَ إليه طعاماً أو رغيفاً في
تلك الأيام ، فلم أقدِر . وأخبرني رجلٌ حضره : أنه تفقَّده في الأيام الثلاثة
وهم يناظرونه ، فما لحن في كلمة . قال : وما ظننتُ أنَّ أحداً يكونُ في مثل
شجاعته وشِدَّةٍ قلبه .
قال حنبل : سمعتُ أبا عبد الله ، يقول : ذهبَ عقلي مِراراً ، فكان إذا
رُفِع عني الضرب، رَجَعَتْ إليَّ نفسي . وإذا اسْترخيت وسقطتُ ، رُفع
الضرب ، أصابني ذلك مراراً . ورأيتُه ، يعني : المعتصم ، قاعداً في
الشمسِ بِغَيْر مظلة ، فسمعتُه ، وقد أفقت(١) ، يقول لابن أبي دُوَاد ، لقد
ارتكبتُ [إِثْماً] في أمرٍ هذا الرجل . فقال: يا أمير المؤمنين ، إنه - والله - كافر
مشرك ، قد أشرك من غير وجه . فلا يزالُ به حتى يصرفه عما يريد . وقد كان
أراد تخليتي بلا ضرب ، فلم يدعه ، ولا إسحاق بن إبراهيم .
قال حنبل : وبلغني أن المعتصمَ ، قال لابن أبي دُوَاد بعدما ضُرِبَ أبو
عبد الله : كم ضُرِب ؟ قال : أربعة أو نيفاً وثلاثين سوطاً .
قال أبو الفضل ◌ُبيدُ الله الزُّهْرِيُّ : قال المرُّوذي : قلتُ ، وأبو عبد الله
بين الهُنْبازين(٢): يا أستاذ، قال الله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾
[ النساء: ٢٩]. قال: يا مُرُّوذي، اخرج وانظر. فخرجت إلى رَحْبة دار
(١) في ((تاريخ الإسلام)): ((أوقفت)).
(٢) في ((تاريخ الإسلام)): ((الهنبارين))، بالراء المهملة.
٢٥٣

الخلافة ، فرأيتُ خلقاً لا يحصيهم إلا الله ، والصحف في أيديهم ،
والأقلام والمحابر . فقال لهم المرُوذي : ماذا تعملون ؟ قالوا : ننظر ما يقول
أحمد ، فنكتبه . فدخل فأخبره . فقال : يا مُرُّوذي ! أُضِلُّ هؤلاء كلَّهم ؟!
فهذه حكاية منقطعة(١) .
قال ابنُ أبي حاتم : حدثنا عبدُ الله بنُ محمد بن الفضل الأسدي ،
قال : لما حُمِل أحمد ليُضرب ، جاؤوا إلى بشر بن الحارث ، وقالوا : قد
وَجَبَ عليك أَنْ تتكلم . فقال : أتريدون مني أقومُ مقامَ الأنبياء ، ليس ذا
عندي . حفظ الله أحمدَ من بين يديه ومن خلفه .
الحسن بن محمد بن عثمان الفَسَوِيُّ : حدثنا داودُ بنُ عَرَفة ، حدثنا
ميمونُ بن أَصْبُغ ، قال : كنتُ ببغداد(٢)، وامتحن أحمد . فأخذتُ مالاً له
خطر ، فذهبتُ به إلى من يُدخلني إلى المجلس . فأُدخِلتُ ، فإذا السيوف
قد جُرِّدتْ، وبالرماح قد رُكزت، وبالتِّراس (٣) قد صُفِّفَتْ ، وبالسِّياط قد
وُضِعت(٤). وأُلْبِسْتُ قَبَاءً أسود وَمِنْطَقَةً وسيفاً. ووُقِفْتُ حيثُ أسمع
الكلام . فأتى أمير المؤمنين ، فجلس على كرسي . وأَتِيَ بأحمد ، فقال
(١) هكذا قال الذهبي. ونقلها ابن الجوزي أيضاً في ((مناقب الإمام أحمد)) ص: ٣٢٩،
٣٣٠ ثم قال : هذا رجل هانت عليه نفسه في الله تعالى فبذلها ، كما هانت على بلال نفسه . وقد
روينا عن سعيد بن المسيب أنه كانت نفسه عليه في الله تعالى أهون من نفس ذباب . وإنما تهون
أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب . فعيون البصائر ناظرة إلى المآل ، لا إلى الحال . وشدة ابتلاء
أحمد دليل على قوة دينه، لأنه قد صح عن النبي، وَطاهر، أنه قال: ((يبتلى المرء على حسب
دينه )). فسبحان من أيَّدَه وبصَّره ، وقواه ونصره .
(٢) في تاريخ الإِسلام زيادة بعد ((ببغداد)): (( ... فسمعتُ ضجة ، فقلت: ما هذا؟
قالوا: أحمد ممتحن ... )).
(٣) التِّراس ، بكسر التاء : جمع تُرس، بضمها ، وهو الذي يتوقى به من السلاح.
ويجمع أيضاً على أتراس وتروس .
(٤) في ((تاريخ الإسلام)): ((طرحت)).
٢٥٤
.-

له : وقَرابتي من رسول الله، وَّ، لأضربنَّك بالسياط ، أو تقول كما أقول .
ثم التفتَ إلى جَلَّد، فقال: خُذْه إليك، فأخذه ، فلما ضُرب سَوْطاً ،
قال : باسم الله ، فلما ضُرِبَ الثاني ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فلما
ضُرِبَ الثالث ، قال : القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوق ، فلما ضربَ الرابع ،
قال: ﴿ قُلْ لَنْ يُصيبَنا إِلَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] ، فضُرب تسعة
وعشرين سوطاً . وكانت تِكَّتُهُ حاشيةَ ثوبٍ ، فانقطعت ، فنزل السراويل إلى
عانَتِه . فقلتُ: الساعةِ يَنْهَتِكُ ، فرمى بطَرْفِه إلى السماء ، وحرَّك شفتيه ، فما
كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل . فدخلت عليه بعد سبعة أيام ،
. فقلتُ : يا أبا عبد الله ! رأيتك وقد انحل سراويلك ، فرفعتَ طَرْفَك نحو
السماء ، فما قلتَ ؟ قال : قلتُ : اللهم أسألك باسمك الذي ملأت به
العرش ، إن كنتَ تعلم أني على الصواب ، فلا تهتِكْ لي ستراً .
هذه حكاية منكرة ، أخاف أن يكون داود وضعها .
قال جعفر بنُ أحمد بن فارس الأصبهاني : حدثنا أحمدُ بنُ أبي عُبيد
الله ، قال : قال أحمدُ بنُ الفَرَج : حضرتُ أحمد بن حنبل لما ضُرب ،
فتقدم أبو الدَّنَّ فضربه بضعة عشر سوطاً ، فأقبل الدمُ من أكتافه ، وكان عليه
سراويل ، فانقطع خيطه ، فنزل . فلحظْتُه وقد حرَّك شفتيه ، فعاد السراويل
كما كان . فسألتُه، قال : قلتُ : إلهي وسيدي ، وقفْتَني هذا الموقف ،
فَتَهْتِكُني على رؤوس الخلائق !
وهذه الحكاية لا تصح. وقد ساقَ صاحبُ ((الحلية)) من الخُرافات
السَّمجة هنا ما يُسْتَحْيا(١)، من ذكره .
(١) في ((تاريخ الإِسم)): ((ما يستحَى)) وكلاهما سائغ، يقال: استحيا يستحيي،
واستحى يستحي ، والأول أعلى وأكثر .
٢٥٥

فمن ذلك قال : حدثنا الحسين بنُ محمد ، حدثنا ابراهيم بنُ محمد
ابنِ إبراهيم القاضي ، حدثني أبو عبد الله الجوهري ، حدثنا يوسفُ بنُ
يعقوب ، سمعتُ علي بن محمد القُرَشي ، قال: لما جُرِّدَ أحمدُ ليُضربَ ،
وبقي في سراويله ، فبينا هو يضرب ، انحل سراويله ، فحرَّك شفتيه ، فرأيتُ
يدَيْن خَرَجَتَا من تحته ، فشدَّتا السراويل . فلما فرغوا من الضرب ، سألناه .
قال : فقلتُ : يا من لا يعلم العرش منه أين هو إلا هو ، إن كنتُ على
الحق ، فلا تُبْدِ عَوْرتي .
أوردها البيهقي في مناقب أحمد ، وما جَسَرَ على تَوْهِيتها ، بل روى
عن أبي مسعود البَجَلِي ، عن ابن جَهْضَم ذاك الكذاب : حدثنا أبو بكر
النَّجاد ، حدثنا ابنُ أبي العَوَّام الرِّياحي نحواً منها . وفيها أَنَّ مئزره
اضطرب ، فحرك شفتيه ، فرأيت كَفاً من ذَهبٍ خرج من تحتٍ مئزره بقدرة
الله ، فصاحت العامَّة .
أخبرني ابنُ الفراء ، حدثنا ابنُ قُدامة ، حدثنا ابن خُضَيْر ، حدثنا ابنُ
يوسف ، حدثنا البرمكي ، حدثنا علي بن مَرْدك ، حدثنا ابن أبي حاتم ،
حدثنا أحمد بنُ سِنان: أنه بلغه ، أن المعتصم نظر عند ضربِه إياه إلى شيء
مَصْرورٍ في كُمِّهِ ، فقال: أيُّ شيء هذا؟ قال: شعر من شعر النبي، وَّ.
قال : هاته ، وأخذها منه . ثم قال أحمد بنُ سنان : كان ينبغي أن يرحمه
عندما رأى شعرة من شعر النبي ، وَّرَ ، معه في تلك الحال .
وبه قال ابنُ أبي حاتم : قال أبو الفضل صالح : خُلِّي عنه ، فصار إلى
المنزل ، ووُجه إلى المَطْبق . فجيء برجل ممن يُبْصِر الضرب والعلاج ،
فنظر إلى ضربِهِ ، فقال: قد رأيتُ من ضُرِبَ ألفَ سَوْط ، ما رأيتُ ضرباً مثلَ
هذا. لقد جُرَّ عليه مِن خلفه ، ومِن قُدَّامِه ، ثم أخذ مِيلًا ، فأدخله في بعض
٢٥٦

تلك الجراحات . فنظر إليه فقال : لم يُنْقَبْ ؟ وجعل يأتيه ويعالجُه . وكان قد
أصاب وجهه غيرُ ضربة . ومکثَ منكباً على وجهه کم شاء الله . ثم قال له :
إن هاهنا شيئاً أُريد أن أقطعه ، فجاء بحديدةٍ، فجعل يُعَلَّقُ اللحمَ بها ،
فَيَقْطَعُه بسكين معه ، وهو صابر لذلك ، يَجْهَرُ بحمد الله في ذلك ، فَبرأ منه .
ولم يَزَلْ يتوجَّعُ من مواضع منه ، وكان أثر الضرب بيِّناً في ظهره إلى أن تُوُفي .
ودخلتُ يوماً ، فقلتُ له : بلغني أنَّ رَجُلًا جاء إليك ، فقال : اجعلْني
في حِلٍّ إِذْ لم أقم بنُصرتك . فقلتَ: لا أجعلُ أحداً في حلِّ ، فتبسِّم أبي
وسكت(١) . وسمعتُ أبي يقول: لقد جعلتُ المَيِّتَ في حِلٍّ من ضرْبِهِ
إياي . ثم قال: مررت بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ﴾
[ الشورى: ٤٠]، فنظرتُ في تفسيرها ، فاذا هو ما أخبرنا هاشم بن
القاسم ، أخبرنا المبارك بنُ فَضالة ، قال : أخبرني من سمع الحسن ،
يقول : إذا كان يوم القيامة ، جَثَت الأمم كلُّها بين يدي الله ربِّ العالمين ، ثم
نُودِيَ أَنْ لا يقوم إلّا من أجرُهُ على الله ، فلا يقوم إلا مَنْ عفا في الدنيا . قال :
فجعلتُ المَيِّت في حل . ثم قال : وما على رجل أَنْ لا يعذِّب الله بسببه
أحداً .
وبه قال ابنُ أبي حاتم : حدثني أحمد بنُ سِنان ، قال : بلغني أن أحمد
ابن حنبل، جعل المعتصمَ في حلِّ يومَ فتح [عاصمة] بابك(٢) وظَفِر به، أو في
(١) جاء الخبر في ((تاريخ الإِسلام)) كما يلي: (( .... ودخلتُ على أبي يوماً، فقلت
له : بلغني أن رجلاً جاء إلى فضل الأنماطي ، فقال له : اجعلْني في حلٍّ إِذْ لم أقم بنصرتك .
فقال فضل : لا جعلتُ أحداً في حل ... )) ..
٤
(٢) بابك الخرمي هو أحد المارقين عن الإِسلام ، أراد أن يقيم ملة المجوس في فارس بعد
مقتل أبي مسلم الخراساني. وإليه تنتمي الحركة البابكية ((الخرمية))، التي كان مركزها
((البنذ))، وهي بلد في أذربيجان. ولم يقتصر بابك عليها، بل مد نفوذه إلى أذربيجان كلها، =
٢٥٧
سير ١٧/١١

فتح عمورية ، فقال : هو في حلِّ من ضربي .
وسمعتُ أبي أبا حاتم يقولُ : أتيتُ أبا عبد الله بعدما ضُرب بثلاث
سنين أو نحوها ، فجرى ذِكرُ الضرب ، فقلتُ له : ذهب عنك ألمُ الضرب ؟
فأخرج يديه وقبض كوعيه اليمين واليسار ، وقال : هذا ، كأنه يقول : خُلع
وإنه يَجِدُ منهما ألم ذلك .
وبه قال ابنُ أبي حاتم : حدثنا محمد بنُ المثنى صاحب بِشر ، قال :
قال أحمد بن حنبل : قيل لي : اكتبْ ثلاث كلمات ، ويُخَلَّى سبيلُك
فقلتُ : هاتوا ، قالوا : اكتب : الله قديمٌ لم يزل . قال : فكتبتُ . فقالوا :
اكتبْ : كلُّ شيء دون الله مخلوق . وقالوا : اكتب : الله ربُّ القُرآن .
قلت : أما هذه فلا ، ورَمَيْت بالقلم . فقال بشر بن الحارث : لو كَتَّبها ،
لأعطاهم ما يريدون .
وبه قال: وقال إبراهيم بنُ الحارث العُبَادِي - وكانَ رَافَقَنًا في بلاد
الروم - قال : حضر أحمدَ بن حنبل أبو محمد الطّفاوي، فذُكر له حديث ،
فقال أبو عبد الله : أُخبِرُك بنظير هذا ، لما أُخرج بنا ، جَعلتُ أفكر فيمانحن
= وإلى همذان وأصفهان وبلاد الأكراد . وعندما وصل المعتصم إلى عرش الخلافة ٢١٨ هـ ، قرر
أن يقطع دابره بكل الوسائل الممكنة ، فخصص ميزانية كبيرة لحربه ، وعين أكبر قواده وهو
الإِفشين الذي كان عارفاً بحرب الجبال. ومع كل ذلك فإن ((البنذ)» عاصمة بابك لم تسقط بيد
الإِفشين إلا في عام ٢٢٢ هـ ، ولم يقع بابك في يده إلا في العام التالي، حيث حمل إلى سامراء ،
وأعدم فيها في اليوم الثاني من حمله إليها . ويمكن تلخيص مبادىء البابكية الخرمية بأنها تقول
بتناسخ الأرواح ، وأن الوحي لا ينقطع أبداً، ويعظمون أمر أبي مسلم الخراساني ، ويقولون
بإباحة النساء ، وإباحة كل ما يستلذ النفس ، وينزع إليه الطبع ، كما رفضوا جميع الفروض
الدينية ، وتبركوا بالخمور والأشربة . وقانا الله شر البدع والأهواء .
انظر بعض التفصيلات عن هذه الحركة في ((تاريخ)» الطبري ١٤١/٧ و٢٨٤ و٣٠٠
و ٣٠٨ و٣١/٩، ٥٥، والمقدسي في ((البدء والتاريخ)) ٣٠/٣، ٣١ و١٣٤/٥، و((مروج
الذهب)) للمسعودي ٢ /٣٥٠، ٣٥١، و((تاريخ دول الإسلام)) للمؤلف: ١٣٤ وما بعدها .
٢٥٨

فيه ، حتى إذا صِرنا إلى الرحْبة ، أنزلنا بظاهرها ، فمددتُ بصري ، فإذا
بشيءٍ لم أستثبتْه ، فلم يزل يَدنو، وإذا أعرابي جعل يتخطى تلك المحامل
حتى صار إليَّ، فوقف علي ، فسلم ، ثم قال : أنت أحمدُ بنُ حنبل ؟
فسكتُّ تعجباً !! ثم أعاد ، فسكتُّ . فبرك على ركبتيه، فقال : أنتَ أبو عبد
الله أحمد بن حنبل ؟ فقلتُ نعم . فقال : أَبْشِر واصبر ، فإنّما هي ضربةٌ
هاهنا ، وتدخل الجنة هاهنا . ثم مضى .
فقال الطُّفاوي : يا أبا عبد الله ! إنك محمودٌ عند العامة، فقال: أَحْمدُ
الله على ديني ، إنما هذا دين ، لو قلتُ لهم ، كَفَرْتُ . فقال الطفاوي :
أخبرني بما صنعوا بك ؟ قال : لما ضُربتُ بالسياط ، جعلتُ أذكر كلام
الأعرابي ، ثم جاء ذاك الطويل اللُّحية - يعني: عُجيفاً - فضربني بقائم
السيف . ثم جاء ذاك ، فقلتُ : قد جاء الفرج ، يضربُ عنقي ، فأستريح .
فقال له ابنُ سماعة : يا أمير المؤمنين : لضربْ عُنَقَه ودمُه في رقبتي . فقال
ابنُ أبي دُوَاد : لا يا أمير المؤمنين ، لا تفعل . فإنه إِنْ قُتِل أو ماتَ في دارك ،
قال الناسُ : صَبَّر حتى قُتل، فاتخذَهُ النَّاسُ إماماً ، وثبتوا على ما هم عليه ،
ولكن أَطْلِفْه الساعة ، فإنْ ماتَ خارجاً من منزلك ، شَكَّ الناس في أمره .
وقال بعضُهم : أجاب ، وقال بعضهم : لم يجب . فقال الطّفاوي: وما
عليك لو قلتَ ؟ قال أبو عبد الله : لو قلتُ ، لكفرت .
وبه قال ابنُ أبي حاتم : سمعتُ أبا رزعة ، يقول : دعا المعتصم بعمُّ
أحمد ، ثم قال للناس : تعرفُونه؟ قالوا : نعم ، هو أحمد بن حنبل . قال :
فانظروا إليه ، أليس هو صحيحَ البدن ؟ قالوا : نعم . ولولا أنَّه فعل ذلك ،
· لكنتُ أخاف أن يقع شيء لا يُقامُ له . قال : ولما قال : قد سَلَّمْتُه إليكم
صحيحَ البدن ، هدأَ الناسُ وسكنوا .
٢٥٩

قلتُ : ما قال هذا مع تمكُّنه في الخلافة وشجاعته إلا عن أمرٍ كبير ،
كأنّه خاف أن يموتَ من الضرب ، فَتَخرجَ عليه العامة . ولو خرج عليه عامَّة
بغداد لربما عجزَ عنهم .
وقال حنبل : لما أمر المعتصمُ بتخليةِ أبي عبد الله ، خَلَعَ عليه مُبِطَّة
وقميصاً وطَيْلَساناً وَقَلَنْسُوَةٍ وخُفاً . فبينا نحنُ على باب الدار ، والناسُ في
الميدان والدروب وغيرها، وغلقت الأسواقُ إذْ خرج أبو عبد الله على دابة من
دار المعتصم في تلك الثياب ، وأحمدُ بنُ أبي دُوَاد عن يمينه ، وإسحاقُ بن
إبراهيم - يعني : نائب بغداد - عن يساره . فلما صار في الدِّهْليز قبل أن
يَخْرُج، قال لهم ابنُ أبي دُوَاد : اكشفوا رأسَه فكشفوه ، يعني : من
الطيلسان ، وذهبوا يأخذُون به ناحية الميدان نحو طريق الحَبْس . فقال لهم
إسحاقُ : خذوا به هاهنا یریددجلة ، فذهب بهإلى الزورق ، وحُمِل إلی دار
إسحاق بن إبراهيم ، فأقام عنده إلى أن صُليتِ الظهر . وبُعِث إلى والدي وإلى
جيراننا ومشايخ المحال ، فجمعوا وأدخلوا عليه . فقال لهم : هذا أحمدُ بنُ
حنبل ، إن كان فيكم من يعرفُه وإلا فليعرِفه .
وقال ابنُ سماعةً - حين دخل الجماعة -(١) لهم: هذا أحمدُ بنُ حنبل،
وإنَّ أميرَ المؤمنين ناظَرَه في أمره ، وقد خَلَّى سبيله ، وها هوذا، فأخرج على
فرسٍ لإسحاق بن إبراهيم عند غروب الشمس ، فصار إلى منزله ، ومعه
السلطان والناس ، وهو منحنٍ . فلما ذهب لينزل احتضنْتُه ولم أعلمْ ، فوقعتْ
يدي على موضع الضرب، فصاحَ ، فَنَحَّيْتُ يدي، فنزل متوكئاً عليَّ، وأغلق
الباب ، ودخلنا معه ، ورمى بنفسه على وجهه لا يقدرُ أن يتحرك إلا بجهد ،
(١) في ((تاريخ الإِسلام)): ((للجماعة)).
٢٦٠