النص المفهرس
صفحات 221-240
واحتمل ، ويقول : يكفي الله . ولم يكن بالحقود ولا العجول ، كثيرً التواضع ، حسنَ الخُلُق ، دائم البشر، لينَ الجانب ، ليس بفظ . وكان يُحب في الله، ويُبغض في الله، وإذا كان في أمر من الدين ، اشتد له غَضبه . وكان يحتمِلُ الأذى من الجيران . قال حنبل : صليتُ بأبي عبد الله العصر ، فصلى معنا رجل يُقال له محمد بن سعيد الخُتَّلِي ، وكان يعرفه بالسُّنَّةِ . فقعد أبو عبد الله بعد الصلاة ، وبقيتُ أنا وهو والخُتلي في المسجد ما معنا رابع . فقال لأبي عبد الله : نَهْتَ عن زيد بن خلف أن لا يُكلَّم؟ قال: كتب إليَّ أهلُ الثَّغْر يسألوني عن أمره ، فكتبت إليهم ، فأخبرتُهم بمذهبه وما أحْدَث ، وأمرتُهم أن لا يُجالسوه ، فاندفع الخُتَّلي على أبي عبد الله، فقال: واللهِ لأَرُدَّنَّكَ إلى محبسك ، ولأدُقَنَّ أضلاعك ... في كلام كثير. فقال لي أبو عبد الله: لا تُكَلِّمْه ولا تُجِبْه. (وأخذ أبو عبد الله نَعْليه وقام فدخل ، وقال: مُرِ السُّكَان أن لا يُكلموه ولا یردُّوا عليه . فما زال يَصيح ، ثم خرج . فلما كان بعد ذلك ، ذهب هذا الخُتَّلي إلى شُعيب ، وكان قد وَلِي على قضاء بغداد ، وكانت له في يديه وصية ، فسأله عنھا ، ثم قال له شعیب : یا عدو الله، وثبت علی أحمد بالأمس ، ثم جئت تطلُب الوصيةَ ، إنما أردتَ أن تتقرب إليّ بذا ، فزبره ، ثم أقامه . فخرج بعدُ إلى حِسْبة العسكر . وسرد الخلال حکایات فیمن أهدی شیئاً إلى أحمد ، فأثابه بأكثر من هَدِيَّته . قال الخلال : حدثنا إبراهيم بن جعفر بن حاتم : حدثني محمد بن الحسن بن الجُنيد ، عن هارون بن سفيان المستملي ، قال : جئتُ إلى أحمد بن حنبل حين أراد أن يُفَرِّق الدراهمَ التي جاءته من المتوكّل ، فأعطاني ٢٢١ مئتي درهم . فقلتُ : لا تكفيني . قال : ليس هنا غيرُها ، ولكن هوذا ، أعملُ بك شيئاً(١) أعطيك ثلاث مئة تفرقها . قال : فلما أخذتها ، قلت : ليس والله أُعطي أحداً منها شيئاً، فتبسِّم . قال عبدُ الله : ما رأيتُ أبي دخل الحمام قط . الخلال : حدثنا عبد الله بن حنبل : حدثني أبي ، قال : قيل لأبي عبد الله لما ضُرِبَ وبرىء ، وكانت يدُه وَجِعة مما علق ، وكانت تضرب عليه ، فذكروا له الحمام ، وألحُّوا عليه ، فقال لأبي : يا أبا يوسف ، كلِّمْ صاحب الحمام يُخليه لي ، ففعل ثم امتنع ، وقال : ما أريد أن أُدخل الحمام . زهير بن صالح : حدثنا أبي قال : سمعتُ أبي كثيراً يتلو سورة الكهف ، وكثيراً ما كنتُ أسمعه ، يقول : اللهم سلِّم سلِّم . وحدثنا عن يونس بن محمد ، عن حماد بن زيد ، عن یحیی بن سعيد ، عن سعيد بن المسيِّب أنه كان يقول : اللهمَّ سلِّم سلِّم . أخبرنا عبد الحافظ بن بدران ، أخبرنا موسى بن عبد القادر ، أخبرنا سعيد بن أحمد ، أخبرنا علي بن أحمد ، أخبرنا المخلِّص ، حدثنا أبو القاسم البغوي : سمعت أحمد بن حنبل يقول في سنةٍ ثمان وعشرين ومئتين، وقد حدَّث بحديث مَعُونة (٢) في البلاء: اللَّهُمَّ رَضِينَا، اللَّهُمَّ رَضِينَا . (١) في الأصل: ((شيء)). (٢) مَعُونَة ، بفتح الميم وضم العين : موضع في بلاد هذيل ، بين مكة وعسفان ، كانت فيها الوقعة ، وتعرف بسرية القراء ، استشهد فيها عدد كبير منهم ، وكانت مع بني رِعْلٍ وذكوان ، في صفر، على رأس ستة وثلاثين شهراً من الهجرة. أخرجه البخاري في ((صحيحه)) ٢٩٦/٧ ، ٢٩٧، في المغازي، وجاء في نهايته: (( .. فدعا النبي، وَّر، شهراً في صلاة الغداة ، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت)). وصحابي الحديث هو أنس بن مالك. وأخرجه مسلم ١٥١١/٣ = ٢٢٢ وقال المرُّوذي : رأيتُ أبا عبد الله يقوم لورده قریباً مِن نصف الليل حتى يُقارب السَّحَر . ورأيتُه يركع فيما بينَ المغرب والعشاء . وقال عبدُ الله : ربما سمعتُ أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم ، وكان يُكثر الدعاءَ ويُخفيه، ويُصلي بين العشاءين . فإذا صلَّى عشاء الآخرة ، ركع ركعات صالحة ، ثم يُوتر وينام نومة خفيفة ، ثم يقومُ فُيُصلي . وكانت قراءته لينة ، ربما لم أفهم بعضَها . وكان يصومُ ويُدمن ، ثم يُفطر ما شاء الله . ولا يترك صومَ الاثنين والخميس وأيام البيض . فلما رجَع من العسكر ، أدمن الصومَ إلى أن مات . قال المرُوذي : سمعتُ أبا عبد الله يقول : حججتُ على قدمي حَجَّتينٍ ، وكفاني إلى مكة أربعةَ عشر درهماً . تَرْكُه للجهاتِ جُمْلَةً : عن محمد بن يحيى خادم المُزَني عنه ، قال : قال الشافعي : لما دخلتُ على الرشيد ، قال : الْيَمَنُ يحتاج إلى حاكم ، فانظُرْ رجلًا نُوليه . = رقم الحديث الخاص (١٤٧) في الإمارة : باب ثبوت الجنة للشهيد ، ونصه من حديث أنس بن مالك ، قال : جاء أناس إلى النبي، وََّ، فقالوا أن ابعثْ معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة . فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار ، يقال لهم : القراء ، فيهم خالي حرام ، يقرؤون القرآن ، ويتدارسون بالليل ، يتعلمون . وكانوا بالنهار يجيؤون بالماء، فيضعونه في المسجد ، ويحتطبون فيبيعونه ، ويشترون به الطعام لأهل الصُّفة وللفقراء. فبعثهم النبي، وَّر، إليهم فعرضوا لهم، فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان ، فقالوا : اللهم بلغ عنا نبينا ، أنا قد لقيناك فرضينا عنك ، ورضيت عنا . قال : وأتى رجلٌ حراماً خالَ أنس من خلفه ، فطعنه برمح حتى أنفذه ، فقال حرام: قُرْتُ وربّ الكعبة! فقال رسول الله، وَّر، لأصحابه: ((إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا، أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا)). انظر خبرها في ابن هشام ١٨٣/٢، ١٨٧، والطبري ٣٣/٣، وابن سيِّد الناس٤٦/٢، وابن كثير١٣٩/٣، ١٤٤، و((شرح المواهب)) ٧٤/٢، ٧٩ . ٢٢٣ فلما رجع الشافعيُّ إلى مجلسه ، ورأى أحمدَ بن حنبل مِن أمثلهم ، كلَّمَه في ذلك ، وقال : تهيّأْ حتى أُدخِلَك على أمير المؤمنين . فقال: إنما جئتُ لأقتبسَ منك العلمَ ، وتأمُرني أن أدخل في القضاء ، ووبَّخَه . فاستحيا الشافعي . قلت : إسناده مظلم . قال ابنُ الجَوزي : قيل : كان هذا في زمان الأمين . وأخبرنا ابنُ ناصر ، أخبرنا عبد القادر بن محمد ، أنبأنا البرمكي ، أخبرنا أبو بكر عبد العزيز ، أخبرنا الخلَّل، أخبرني محمد بن أبي هارون ، حدثنا الأثرم ، قال : أخبرتُ أن الشافعي قال لأبي عبد الله : إن أميرَ المؤمنين ، يعني ، محمداً ، سألني أنْ أَلتمِسَ له قاضياً لليَمَن ، وأنت تُحِبُّ الخروجَ إلى عبد الرزاق ، فقد نِلتَ حاجتك ، وتقضي بالحقِّ ، فقال للشافعي : يا أبا عبدِ الله ، إنْ سمعتُ هذا منك ثانية ، لم ترني عندك . فظننتُ أنه كان لأبي عبد الله ثلاثين سنة ، أو سبعاً وعشرين . الصَّنْدلي : حدثنا أبو جعفر الترمذي ، أخبرنا عبد الله بن محمد البلخي أن الشافعي كان كثيراً عند محمد بن زُبَيْدة ، يعني: الأمين ، فذكر له محمد يوماً اغتمامَه برجلٍ يصلُح للقضاء صاحِب سنة . قال : قد وجدت . قال : ومن هو؟ فذكر أحمدَ بن حنبل . قال : فلقيه أحمد ، فقال : أخْمِلْ هذا واعفني ، وإلا خرجتُ من البلد . قال صالح بن أحمد : كتب إليَّ إسحاق بن راهويه : إن الأمير عبد الله ابن طاهر وجَّه إليّ ، فدخلتُ إليه وفي يدي كتاب أبي عبد الله . فقال : ما هذا ؟ قلتُ : كتاب أحمد بن حنبل ، فأخذه وقرأه ، وقال : إني أحِبُه ، ٢٢٤ ٠٠ وأُحِبُّ حمزة بن الهَيْصَم البُوشنجي ، لأنهما لم يختلطا بأمر السلطان . قال : فأمسك أبي عن مكاتبة إسحاق . قال إبراهيم بنُ أبي طالب : سمعتُ أحمد بن سعيد الرِّباطي ، يقول : قدمتُ على أحمد بن حنبل ، فجعل لا يرفعُ رأسه إليَّ ، فقلتُ : يا أبا عبد الله ، إنّهُ يُكتب عني بخراسان ، وإن عاملتَنِي هذه المعاملة رَمَوا حديثي ، قال : يا أحمد ، هل بُدٍّ يومَ القيامة من أن يُقال : أين عبدُ الله بن طاهر وأتباعُه ؟ فانظر أين تكونُ منه . قال عبد الله بن بشر الطالقاني : سمعتُ محمد بن طارق البغدادي ، يقولُ : قلتُ لأحمد بن حنبل : أستمِدُّ مِن محبرتك ، فنظر إلي ، وقال : لم يبلغُ ورعي ورعَك هذا، وتبسَّم . قال المُرُّوذي : قلتُ لأبي عبد الله : الرجلُ يقال في وجهه: أحببتَ السنة ، قال : هذا فساد لقلبه . الخلال : أخبرني محمد بن موسى ، قال: رأيتُ أبا عبد الله ، وقد قال له خراساني : الحمدُ لله الذي رأيتُكَ ، قال : اقعُد ، أي شيء ذا ؟ مَن أنا ؟ وعن رجل قال : رأيتُ أثر الغَمِّ في وجه أبي عبد الله ، وقد أثنى عليه شخص ، وقيل له : جزاك اللهُ عن الإِسلام خيراً . قال : بل جزى الله الإِسلامَ عني خيراً . مَن أنا ومَا أنا؟ ! الخلال : أخبرنا علي بن عبد الصمد الطَّيالسي ، قال : مسحت يدي على أحمد بن حنبل ، وهو ينظر ، فغضِبَ ، وجعل ينفُض يده ويقول : عمَّن أخذتُم هذا . وقال خطاب بن بشر : سألتُ أحمد بن حنبل عن شيء من الورع، فتبیّن سير ١٥/١١ ٢٢٥ الاغتمامُ عليه إزراءً على نفسه . وقال المرُّوذي : سمعتُ أبا عبد الله ذكر أخلاق الورِعين ، فقال : أسألُ الله أن لا يمقتنا . أين نحن مِن هؤلاء؟ !! . قال الأَبَّار : سمعتُ رجلا سأل أحمد بن حنبل ، قال : حلفتُ بيمين لا أدري أيش هي ؟ فقال : ليتَك إذا دَرَيْتَ دَريْتُ أنا . قال إبراهيم الحَرْبي : كان أحمد يُجيب في العرس والخِتان ، ويأكل . وذكر غيره أن أحمد ربما استعفى من الإِجابة . وكان إن رأى إناء فضة أو منكراً، خرج . وكان يُحب الخمولَ والانزواءَ عن الناس ، ويعودُ المريض ، وكان يكره المشْي في الأسواق ، ويُؤْثِرُ الوَحدة . قال أبو العباس السَّراج : سمعتُ فتح بن نوح ، سمعتُ أحمد بن حنبل ، يقول : أشتهي ما لا يكون ، أشتهي مكاناً لا يكونُ فيه أحدٌ من الناس . وقال الميموني : قال أحمد : رأيتُ الخلوة أروحَ لقلبي . قال المرُّوذي : قال لي أحمد : قل لعبد الوهّاب : أخْمِلْ ذكرك ، فإني أنا قد بُليتُ بالشُّهرة . وقال محمد بن الحسن بن هارون : رأيتُ أبا عبد الله إذا مشى في الطريق ، يكره أن يتبعَه أحد . قلت : إيثارُ الخُمول والتواضع ، وكثرة الوَجَلِ من علامات التقوى 4 والفَلاح . قال صالح بن أحمد : كان أبي إذا دعا له رجل ، يقولُ : الأعمالُ بخواتيمها . ٢٢٦ وقال عبدُ الله بن أحمد : سمعتُ أبي يقول : وددتُ أني نجوتُ من هذا الأمر كَفافاً لا عَلَيَّ ولا لِي . وعن المُرُّوذي قال : أدخلتُ إبراهيم الحُصْري على أبي عبد الله - وكان رجلاً صالحاً - فقال : إن أمي رأت لك مناماً، هو كذا وكذا . وذكرتٍ الجنة ، فقال : يا أخي ، إن سهلَ بن سلامة كان الناس يُخْبرُونه بمثل هذا . وخرج إلى سفك الدماء . وقال : الرُّؤْيا تَسُرُّ المؤمن ولا تغُرُّه . قال المرُّوذي : بال أبو عبد الله في مرض الموت دماً عبيطاً، فَأَرَيْتُه الطبيبَ ، فقال : هذا رجل قد فَتَّتَ الغمُّ أو الخوفُ جوفَه . ورُوي عن المُرُّوذي ، قال: قلتُ لأحمد : كيف أصبحتَ ؟ قال : كيف أصبح مَن ربُّه يُطالبُه بأداء الفرائض ، ونبيُّه يُطالبه بأداء السُّنة ، والملَكانِ يطلُبانه بتصحيح العمل ، ونفسه تُطالبه بهواها ، وإبليسُ يُطالبه بالفحشاء ، ومَلَكُ الموت يُراقب قبضَ روحه ، وعِياله يُطالبونه بالنفقة ؟! الخلَّل : أخبرنا المرُّوذي، قال: مررتُ وأبو عبد الله متوكىء على يَدي فاستقبلتْنَا امرأة بيدها ◌ُنبور، فأخذْتُه فكسْرتُه ، وجعلتُ أدوسه ، وأبو عبد الله واقف منكِّسَ الرأس . فلم يقل شيئاً ، وانتشر أمرُ الطُّنبور . فقال أبو عبد الله : ما علمتُ أنك كسرتَ طنبوراً إلى الساعة . قال الميموني : قال لي القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي : قال لي أحمد : أبوك أحدُ الستة الذين أدعو لهم سَحَراً . وعن إبراهيم بن هانىء النِّيسابوري ، قال : كان أبو عبد الله حيث توارى من السلطان عندي . وذكر من اجتهاده في العبادة أمراً عجباً . قال : وكنت لا أقوى معه على العبادة ، وأَفْطَرَ يوماً واحداً، واحْتَجَمَ . ٢٢٧ قال الخَلَّل : حدثنا محمد بن علي ، حدثنا العباس بن أبي طالب : سمعتُ إبراهيم بن شَمَّاس ، قال : كنتُ أعِرفُ أحمد بن حنْبل وهو غلامٌ وهو يُحْيِي الليل . قال عمر بن محمد بن رجاء : حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال : لما قَدِم أبو زرعة نزلَ عند أبي ، فكان كثيرَ المذاكرة له ؛ فسمعتُ أبي يوماً يقول : ما صليتُ اليومَ غير الفريضة . استأثرت بمذاكرة أبي زرعة عَلَى نوافلي . وعن عبد الله بن أحمد ، قال : كان في دهليزنا دكان ، إذا جاء من يُريد أبي أن يخلوَ معه، أَجْلَسه ثَمَّ ، وإذا لم يُرد ، أخذ بعضادَتي الباب ، وكلَّمه . فلما كان ذاتَ يوم ، جاء إنسان ، فقال لي : قل : أبو إبراهيم السائح . قال : فقال أبي : سلم عليه ، فإنه من خيار المسلمين . فسلمتُ عليه ، فقال له أبي : حدثْني يا أبا إبراهيم . قال : خرجتُ إلى موضع ، فأصابْني ◌ِلة ، فقلت: لو تقربتُ إلى الدير لعل مَن فيه مِن الرُّهبان يُداويني . فإذا بِسَبُع عظيم يقصِدني ، فاحتملني على ظهره حتى ألقاني عند الدير . فشاهد الرُّهبان ذلك فأسلموا ◌ُلُّھم . وهم أربع مئة. ثم قال لأبي : حدثني يا أبا عبد الله. فقال: رأيتُ النبي، وََّ، فقال: يا أحمد، حُجَّ ، فانتبهتُ ، وجعلتُ في المِزْوَدِ فتيتاً ، وقصدتُ نحوَ الكُوفة . فلما تَقَضَّى بعضُ النهار ، إذا أنا بالكوفة . فدخلْتُ الجامع ، فإذا أنا بشاب حسنِ الوجه ، طيبٍ الريح . فسلمتُ وكَبَرتُ ، فلما فرغتُ من صلاتي ، قلتُ : هل بقي من يخرجُ إلى الحج ؟ فقال : انتظرْ حتى يجيء أخٌ من إخواننا ، فإذا أنا برجل في مِثْل حالي . فلم نزل نسيرُ، فقال له الذي معي : رحمك الله ، ارفُق بنا . فقال الشاب : إن كان معنا أحمد بن حنبل ، فسوف يُرْفقُ بنا . فوقع في نفسي أنه الخَضِرُ ، فقلتُ للذي معي : هل لك في الطعام ؟ فقال : كُلْ مما ٢٢٨ تعرِف ، وآكلُ مما أعرف . فلما أكلنا ، غاب الشاب . ثم كان يرجِعُ بعد فراغنا . فلما كان بعد ثلاث ، إذا نحن بمكة . هذه حكاية منكرة . قال القاضي أبو يَعْلى : نقلتُ مِن خط أبي إسحاق بن شاقْلًا : أخبرني عمر بن علي ، حدثنا جعفر الرزاز جارنا ، سمعت أبا جعفر محمد بن المولى ، سمعتُ عبد الله فذكرها . فلعلها من وضع الرزاز . أنبؤونا عن ابن الجوزي ، أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك ، أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي ، أخبرنا محمد بن إسماعيل الوراق ، حدثنا عبد الله بن إسحاق البَغَوي ، حدثنا أبو جعفر محمد بن يعقوب الصفار ، قال : كنا عند أحمد بن حنبل ، فقلت : ادُعُ الله لنا . فقال : اللهم إنك تعلم أنَّك لنا على أكثرَ مما نُحِبُّ ، فاجعلنا لك على ما تُحِبُّ . اللهمَّ إنا نسألك بالقدرة التي قلتَ السموات والأرض : اثْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَنا أَتْنا طائِعِين﴾ [ فصلت: ١١] . اللهمَّ وفقنا لمرضاتك ، اللهمَّ إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك . رواتها أئمة إلى الصَّفَّار، ولا أعرِفُه . وهي منكرة . أخبرنا عمر بن القَوَّاس ، عن الكِندي ، أخبرنا الكَرُوخِيُّ ، أخبرنا شيخ الإسلام الأنصاري ، أخبرنا أبو يعقوب ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، حدثنا علي بن عبد الله بن مُبَشِّر : سمعت الرَّمادي ، سمعتُ عبدَ الرزَّاق ، وذكر أحمد، فَدَمَعَت عينُه . وقال : قدِمَ وبلغني أن نفقته نَفِدَتْ ، فأخذتُ عشرة دنانير ، وعرضتُها عليه ، فتبسَّم ، وقال : يا أبا بكر ، لو قبلتُ شيئاً مِن الناس ، قبلت منك . ولم يقبل مني شيئاً . الخلال : أخبرني أبو غالب علي بن أحمد ، حدثني صالح بن أحمد ، ٢٢٩ قال : جاءتني حُسْن، فقالت: قد جاء رجل بتلِّيسة(١) فيها فاكهة يابسة ، وبكتاب . فقمتُ فقرأتُ الكتاب ، فإذا فيه : يا أبا عبد الله ، أَبضَعتُ لك بضاعة إلى سمرقند ، فربحتُ ، فبعثتُ بذلك إِليك أربعةَ آلاف ، وفاكهة أنا لقطتُها مِن بستاني ورِثْتُه من أبي . قال : فجمعتُ الصبيانَ ودخلنا ، فبكيتُ وقلتُ : يا أبةٍ ، ما ترِقُّ لي من أكل الزكاة؟ ثم كشف عن رأس الصبية ، وبكيت . فقال : مِن أين علمتَ ؟ دع حتى أستخير الله الليلة . قال : فلما كان من الغد . قال : استخرتُ الله ، فعزم لي أن لا آخذها . وفتح التِّيسة ففرَّقها على الصبيان . وكان عنده ثوب عُشاري ، فَبَعَث به إلى الرجل ، وردّ المال . عبد الله بن أحمد : سمعت فُوران ، يقول : مرض أبو عبد الله ، فعاده الناسُ ، يعني : قبل المئتين . وعاده علي بن الجَعْد ، فترك عند رأسه صُرَّة ، فقلتُ له عنها ، فقال : ما رأيتُ . اذهب فرُدَّها إليه . أبو بكر بن شاذان : حدثنا أبو عيسى أحمد بن يعقوب ، حدثتني فاطمة بنتُ أحمد بن حنبل ، قالت : وقع الحريق، في بيت أخي صالح ، وكان قد تزوج بِفَتِيّة ، فحملوا إليه جهازاً شبيهاً بأربعة آلاف دينار ، فأكلته النارُ فجعل صالح ، يقولُ : ما غمني ما ذهب إلا ثوبٌ لأبي . كان يُصلي فيه أتبرَّك به وأُصلي فيه . قالت : فَطْفِىء الحريق ، ودخلوا فوجدُوا الثوبَ على سرير قد أكلت النار ما حولَه وسَلِم . قال ابن الجوزي : وبلغني عن قاضي القضاة علي بن الحسين الزينبي أنه حكى أن الحريقُ وقع في دارهم ، فأحرق ما فيها إلا كتاباً كان فيه شيء بخطِّ الإِمام أحمد . قال : ولما وقع الغرق ببغداد في سنة ٥٥٤ ، وغرقت (١) وعاء يسوى من الخوص . ٢٣٠ ٠ كتبي ، سَلِم لي مجلدٌ فيه ورقتان بخطُّ الإِمام . قلت : وكذا استفاض وثبت أن الغرق الكائن بعد العشرين وسبع مئة ببغداد عامَ على مقابر مقبرة أحمد ، وأن الماء دخل في الدهليز عُلُوَّ ذِراع، ووقف بقُدرة الله ، وبقيت الحصرُ حولَ قبر الإِمام بغُبارها ، وكان ذلك آية . أبو طالب : حدثنا المُرُّوذي : سمعتُ مجاهد بن موسى ، يقول : رأيتُ أحمدَ، وهو حدَث ، وما في وجهه طاقة ، وهو يُذكَّرُ. وروى حَرَمِي بن يونس ، عن أبيه : رأيت أحمد أيامَ هُشيم وله قَدْر . : قال أحمد بن سعيد الرِّباطي : سمعت أحمد بن حنبل ، يقول : أخذنا هذا العِلمَ بالذل ، فلا ندفعُه إلا بالذل . محمد بن صالح بن هانىء : حدثنا أحمدُ بن شهاب الإِسفراييني : سمعتُ أحمد بن حنبل ، وسئل عمن نكتب في طريقنا ، فقال : عليكم بهَنَّاد ، وبسفيان بن وكيع ، وبمكة ابن أبي عمر ، وإياكم أن تكتبوا ، يعني : عن أحد من أصحاب الأهواء ، قليلاً ولا كثيراً . عليكمُ بأصحاب الآثار والسُّنن . عبد الله بن أحمد: كتب إليَّ الفتح بن شَخْرَف أنه سمع موسى بنَ حِزام الترمذي ، يقول : كنتُ أختلف إلى أبي سليمان الجوزجاني في كتب محمد ، فاستقبلني أحمدُ بن حنبل ، فقال : إلى أين ؟ قلتُ : إلى أبي سليمان. فقال: العجبُ منكم! تركتمُ إلى النبي، وَهُ، يزيد عن حُميد، عن أنس ، وأقبلتُم على ثلاثة إلى أبي حنيفة ، رحمه الله . أبو سليمان ، عن محمد ، عن أبي يوسف ، عنه ! قال : فانحدرتُ إلى يزيد بن هارون . ابن عدي : أخبرنا عبد الملك بن محمد ، حدثنا صالح بن أحمد : ٢٣١ . سمعتُ أبي، يقول : والله لقد أعطيتُ المجهودَ من نفسي، ولَوَدِدْتُ أني أنجو كفافاً . الحاكم : حدثنا أبو علي الحافظ ، سمعت محمد بن المسيِّب ، سمعتُ زكريا بن يحيى الضرير ، يقولُ : قلتُ لأحمد بن حنبل : كم يكفي الرجل من الحديث حتى يكون مُفتياً ؟ يكفيه مئة ألف ؟ فقال : لا . إلى أن قال : فيكفيه خمس مئة ألف حديث ؟ قال : أرجو . المحنة(١) : قال عمرو بن حگّام : حدثناشعبة،عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس، قال رسول الله، وَ﴿: ((لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِحَقٍ عَلِمَه)). تفرد به عَمرو ، وليس بحجة(٢) . وقال سليمان بن بنت شُرَجْبيل ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن سليمان (١) إن الإِمام أحمد صار مثلاً سائراً، يضرب به المثل في المحنة والصبر على الحق ، فإنه لم يكن يأخذه في الله لومة لائم ، حتى صارت الإمامة مقرونة باسمه في لسان كل أحد ، فيقال : قال الإمام أحمد ، وهذا مذهب الإمام أحمد ... لقوله تعالى: ﴿ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ، وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ . فإنه أعطي من الصبر واليقين ما نال به الإِمامة في الدين ، وقد تداوله ثلاثة خلفاء يسلطون عليه من شرق الأرض إلى غربها ، ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والأمراء والولاة ما لا يحصيه إلا الله ، فبعضهم تسلط عليه بالحبس ، وبعضهم بالتهديد الشديد ، وبعضهم يعده بالقتل وبغيره من الرعب ، وبعضهم بالترغيب في الرياسة والمال ، وبعضهم بالنفي والتشريد من وطنه . وقد خذله في ذلك أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون ، وهو مع ذلك لا يجيبهم إلى كلمة واحدة مما طلبوا منه ، وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة، ولاكتم العلم، ولا استعمل التقية، بل قد أظهر من سنة رسول الله، وَ له، وآثاره ما دفع به البدع المخالفة لذلك ما لم يتأت مثله لعالم من نظرائه . (٢) لكن نقل المصنف في ((الميزان)) قول ابن عدي : عامة ما يرويه عمرو بن حكام غير متابع عليه ، إلا أنه مع ضعفه يُكتب حديثه . ومعنى هذا أن ضعفه خفيف ،ويصلح حديثه أن يكون شاهداً ، وهو هنا كذلك . ٢٣٢ التَّيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: قال رسول الله، وَّل: ((لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بالحَقِّ إذَا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ))(١) غريب فَرْد . وقال حماد بن سلمة ، ومعلى بن زياد - وهذا لفظهُ - عن أبي غالب ، عن أبي أمامة أن رسول الله، وَّ، قال: ((أَحَبُّ الجِهَادِ إلى الله كَلِمَةُ حَقِّ تُقَالُ لِإِمَامِ جَائِرٍ ))(٢). إسحاق بن موسى الخَطْمِي : حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن ، حدثنا يعقوب بن محمد بن عبد الرحمن القاري ، عن أبيه ، عن جده ، أن عُمر كتب إلى معاوية: أما بعدُ فالزمِ الحق ، يُنْزِلْكَ الحقُّ منازلَ أهلِ الحق ، يومَ لا يُقضى إلا بالحق . وبإسنادٍ واهٍ عن أبي ذر : أَبَى الحقُّ أن يَترك له صديقاً . (١) رجاله ثقات ، وأخرجه أحمد ٥/٣ من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي عدي ، و٥٣ عن يحيى القطان ، كلاهما عن سليمان بن طرخان التيمي ، حدثنا أبو نضرة ، عن أبي سعيد . وهذا سند صحيح. وأخرجه أحمد أيضاً ١٩/٣ و٧١، والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجة (٤٠٠٧) من طريق حماد ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد . وأخرجه ابن ماجة (٤٠٠٨) من طريق أبي كريب ، عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرَّة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله، وَلاير: ((لا يحقِرْ أحدكم نفسه)). قالوا: يا رسول الله! كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: ((يرى أمراً لله عليه فيه مقال ، ثم لا يقول فيه ، فيقول الله ، عز وجل له يوم القيامة : ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول : خشية الناس. فيقول: فإيايَ كنتَ أحقَّ أن تخشى)). قال البوصيري في (( مصباح الزجاجة )) ورقة : ٢٥٠ : هذا إسناد صحيح ، وأبو البختري اسمه سعيد بن فيروز ، ورواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) عن شعبة، عن عمرو بن مرة به، ورواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) من طريق محمد بن عبيد ، عن الأعمش ، فذكره بإسنادهٍ ومتنه، وقال: تابعه زبيد وشعبة ، عن عمرو بن مرة . ورواه عبد بن حميد في ((مسنده)) ، حدثنا محمد بن عبيد فذكره . (٢) سنده حسن، وأخرجه أحمد ٢٥١/٥ و٢٥٦، وابن ماجة (٤٠١٢). وفي الباب عن طارق بن شهاب عند أحمد ٣١٤/٤ و٣١٥، والنسائي ١٦١/٧، وإسناده صحيح ، وصححه النووي والمنذري ، وعن أبي سعيد الخدري عند الترمذي (٢١٧٥ )، وأبي داود (٤٣٤٤)، وابن ماجة (٤٠١١). وإسناده ضعيف ، لكن يتقوى بما قبله ، فالحديث صحيح. ٢٣٣ الصَّدعُ بالحق عظيم ، يحتاج إلى قوة وإخلاص ، فالمُخْلِصُ بلا قوة يعجِزُ عن القيام به ، والقويُّ بلا إخلاص يُخْذَلُ ، فمن قام بهما كاملاً ، فهو صِدِّيق. ومن ضَعُفَ ، فلا أقل مِن التألم والإِنكار بالقلب . ليس وراء ذلك إيمان ، فلا قوة إلا بالله . سفيان الثوري ، عن الحسن بن عَمرو ، عن محمد بنُ مسلم سولی حكيم بن حِزام، عن عبد الله بن عَمرو ، قال: قال النبي، وَهُ: ((إِذَا رَأَيْتُمْ أُمَّتِي تَهابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقولَ لَهُ: إِنَّكَ ظالِمٌ، فَقَدْ تُوُدِّعِمِنْهُم)) (١) . هكذا رواه جماعة عن سفيان . ورواه النضربنُ إسماعيل ، عن الحسن ، فقال: عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً . ورواه سيف بن هارون عن الحسن ، فقال : عن أبي الزبير : سمعتُ عبد الله بن عمرو مرفوعاً . سفيان الثوري ، عن زُبَيد ، عن عَمرو بن مُرّة ، عن أبي البَخْتري ، (١) رجاله ثقات ، لكن فيه تدليس محمد بن مسلم أبي الزبير . والحسن بن عمرو هو الفقيمي ، ومع ذلك فقد صححه الحاكم ٩٦/٤، ووافقه الذهبي المؤلف . ونقل المناوي في ((الفيض)) أن البيهقي تعقب الحاكم بأنه منقطع، حيث قال : محمد بن مسلم هو أبو الزبير المكي ، ولم يسمع من ابن عمرو ، لكن وقع عنده في السند خطأ ، وهو قوله : عن محمد بن مسلم بن السائب ، وصوابه : محمد بن مسلم بن تدرس ، أبو الزبير ، مولى حكيم بن حزام ، كما جاء في أصلنا هذا ، فإن الحديث لا يعرف إلا به . ويغلب على الظن أن الخطأ فيه من النساخ. وأخرجه أحمد في ((المسند)) ١٦٣/٢ و١٩٠ من طريق ابن نمير وسفيان الثوري ، كلاهما عن الحسن بن عمرو، عن محمد بن مسلم ، عن عبد الله بن عمرو . وذكره الهيثمي في ((المجمع )) ٢٦٢/٧، وقال : رواه أحمد والبزار بإسنادين ، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد. وقوله: ((فقد تودع منهم))، بضم التاء والواو ، وكسر الدال المشددة، من التوديع. قال الزمخشري في (( الفائق )) : أي استريح منهم ، وخذلوا ، وخلي ·· · بينهم وبين ما يرتكبون من المعاصي ، وهو من المجاز ، لأن المعتني بإصلاح شأن الرجل إذا يئس . من صلاحه ، تركه ونفض منه يده ، واستراح من معاناة النصب في استصلاحه . ويجوز أن يكون من قولهم : تودعت الشيء ، أي : صنته في ميدَع .. أي : فقد صاروا بحيث يتحفظ منهم ، كما يتوقى شرار الناس . ٢٣٤ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله، وَلّ: ((لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَه أَنْ يَزَى أَمْراً لله فِيهِ مَقَالٌ، فَلا يَقُولُ فِيهِ ، فَيُقَالُ لَهُ: ما مَنْعَكَ ؟ فَيَقُولُ : مَخافَةٌ النَّاسِ. فَيَقولُ: فَإِيايَ كنتَ أَحَقُّ أَنْ تَخافَ))(١) رواه الفريابي وأبو نعيم وخلاد عنه . حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان، قال: قال رسولُ الله، وَ(( إِنَّ أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلى أُمَّتِي الأَئِمَّةُ الْمُضِلُّون، وإذا وُضِعَ السَّيْفُ عَلَيهِم ، لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُمْ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ ، وَلا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خالَفُهُمْ أَوْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله))(٢) . الحُسين بن موسى : حدثنا الحسين بن الفَضْلِ البَجَلِي ، حدثنا عبد العزيز بن يحيى المكي ، حدثنا سُليم بن مسلم ، (٣) عن ابن جُرَيْج ، عن (١) إسناده صحيح، وقد تقدم تخريجه في ص : ٢٣٣ ، في التعليق رقم (١)، وهو حديث صحيح . (٢) إسناده صحيح، وأخرجه أحمد ٢٧٨/٥ و٢٨٣، ٢٨٤، وأبو داود (٤٢٥٢ )، وابن ماجة (٣٩٥٢) من طريق أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله، وسط *: ((إن الله زَوَى لي الأرض)) أو قال: ((إن ربي زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها . وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض . وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة ، ولا يسلط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم ، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها ، أو قال : بأقطارها ، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضاً ، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين . وإذا وضع السيف في أمتي ، لم يرفع عنها إلى يوم القيامة ، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، وحتى تَعبد قبائل من أمتي الأوثان . وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي ، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق)). قال ابن عيسى: ((ظاهرين )) ثم اتفقا : ((لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)). (٣) قال ابن معين : جهمي خبيث . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال أحمد : لا يساوي حديثه شيئاً . ذكر ذلك المؤلف في (( ميزانه » . ٢٣٥ عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله، وَّل: ((لله عِنْدَ إِحْداثِ كُلِّ بِدْعَةٍ تَكيدُ الإِسْلامَ ولِيٍّ يَذُبُّ عَنْ دِينِهِ )) . الحديثَ. هذا موضوع، ما رواه ابن جُریج . كان الناسُ أمة واحدة ، ودينُهم قائماً في خلافة أبي بكر وعمر . فلما استُشهد قُقْلُ باب الفتنة عمر رضي الله عنه ، وانكسر الباب ، قام رؤ وس الشر على الشهيد عثمان حتى ذُبحَ صبراً . وتفرقت الكلمةُ وتمت وقعةُ الجمل ، ثم وقعةُ صِفّين . فظهرت الخوارجُ ، وكفَّرت سادةَ الصحابة ، ثم ظهرت الروافض والنواصب . وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القَدَرِيَّةُ ، ثم ظهرت المعتزلةُ بالبصرة ، والجهمية والمجسِّمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها. إلى بعد المئتين ، فظهر المأمون الخليفةُ - وكان ذكياً متكلماً ، له نَظَرٌ في المعقول - فاستجلب كتبَ الأوائل ، وعرَّب حِكمة اليونان ، وقام في ذلك وقعد ، وخبُّ ووضع ، ورفعت الجَهميةُ والمعتزلةُ رؤوسها ، بل والشيعة ، فإنه كان كذلك . وآل به الحالُ إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن ، وامتَحِنَ العُلماءَ ، فلم يُمْهَلْ . وهَلَكَ لِعامه، وخلَّى بعده شراً وبلاءً في الدين . فإن الأمة ما زالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيُه وتنزيلُه ، لا يعرفون غيرَ ذلك ، حتى نبغ لهم القولُ بأنه كلام الله مخلوق مجْعول ، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف ، كبيت الله ، وناقة الله . فأنكر ذلك العلماءُ . ولم تكن الجمهية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين فلما وَلِي المأمون ، كان منهم ، وأظهر المقالة . روى أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقي ، عن محمد بن نوح: أن الرشيد ، قال : بلغني أن بشر بن غياث المريسي ، يقول : القرآن مخلوق ، فَلِلّهِ عليّ ٢٣٦ إنْ أظفرَني به ، لأقتلنّه . قال الدورقي : وكان متوارياً أيام الرشيد فلما مات الرشيد ، ظهر ، ودعا إلى الضلالة . قلتُ: ثم إن المأمون نظر في الكلام ، وناظر ، وبقي متوقفاً في الدعاء إلی بدعته . قال أبو الفرج بن الجوزي : خالطه قوم من المعتزلة ، فحسَّنوا له القول بخلق القرآن ، وكان يتردد ويراقب بقايا الشيوخ ، ثم قوي عَزْمُه ، وامتحن الناس . أخبرنا المُسَلَّم بن محمد في كتابه : أخبرنا أبو اليُمن الكندي ، أخبرنا أبو منصور الشيباني ، أخبرنا أبو بكر الخطيب ، أخبرنا أبو بكر الحِيري ، أخبرنا أبو العباس الأصَمُّ ، أخبرنا يحيى بن أبي طالب ، أخبرني الحسن بن شاذان الواسطي ، حدثني ابن عَرْعَرَة ، حدثني ابن أكْثَم ، قال : قال لنا المأمون : لولا مكانُ يزيد بن هارون ، لأظهرت أن القرآن مخلوق . فقال بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين ، ومَن يزيد حتى يُتَّقى ؟ فقال : ويحك ! إني أخاف إن أظهرته فيردُّ عليَّ يختلف الناسُ ، وتكون فتنة ، وأنا أكره الفتنة . فقال الرجلُ : فأنا أخبُرُ ذلك منه ، قال له : نعم . فخرج إلى واسط ، فجاء إلى يزيد ، وقال: يا أبا خالد ، إنَّ أمير المؤمنين يُقرئك السلام، ويقول لك: إني أريد أن أُظْهِر خلق القرآن ، فقال : كذبتَ على أمير المؤمنين . أميرُ المؤمنين لا يحمِلُ الناسَ على ما لا يعرفونه . فإن كنتَ صادقاً ، فاقعُدْ . فإذا اجتمع الناسُ في المجلس ، فَقُلْ . قال : فلما أن كان الغدُ ، اجتمعوا . فقام ، فقال كمقالته ، فقال يزيد : كذبتَ على أميرٍ المؤمنين ، إنه لا يحملُ الناسَ على ما لا يعرِفونه، وما لم يقُلْ به أحد . قال : فَقَدِمَ، وقال : يا أميرٌ المؤمنين ، كنتَ أَعلمَ ، وقصَّ عليه ، قال : ويحك يُلْعب بِك !! ٢٣٧ قال صالح بن أحمد : سمعت أبي ، يقول : لما دخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة ، قرأ علينا كتابَ الذي صار إلى طَرَسُوس ، يعني : المأمون، فكان فيما قُرىء علينا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى؛ ١١] و﴿هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. [الأنعام: ١٠٢] فقلت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ قال صالح : ثم امْتُحِنَ القومَ، ووُجِّه بمن امتنع إلى الحبس ، فأجاب القومُ جميعاً غيرَ أربعة : أبي ، ومحمد بن نوح ، والقواريري ، والحسن بن حماد سجَّادة . ثم أجاب هذان ، وبقي أبي ومحمد في الحبس أياماً ، ثم جاء كتابٌ من طَرَسُوس بِحَمْلهما مُقَّدَيْنِ زميلين . الطبراني : حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبو معمر القَطِيعي ، قال : لما أُحْضِرنا إلى دار السلطان أيامَ المِحنة ، وكان أحمدُ بن حنبل قد أَحضِرَ فلما رأى الناسَ يجيبون ، وكان رجلاً ليناً ، فانتفختْ أوْداجُه ، واحمرَّت عيناه، وذهب ذلك اللِّينُ. فقلتُ: إنه قد غضب الله، فقلتُ أَبْشِر: حدثنا ابن فُضيل ، عن الوليد بن عبد الله بن جُميع ، عن أبي سَلَمة ، قال : كان مِن أصحاب رسول الله، وَل﴿، مَنْ إذا أُرِيدَ على شيء مِن أمر دينه ، (أيتَ حماليق عينيه في رأسه تدورُ كأنه مجنون . أخبرنا عمر بن القَوَّاس ، عن الكِندي ، أخبرنا الكَروخي ، أخبرنا شيخ الإِسلام ، أخبرنا أبو يعقوب ، حدثنا الحسين بن محمد الخَفَّف : سمعتُ ابن أبي أسامة ، يقول : حُكي لنا أنَّ أحمد قيل له أيامَ المحنة : يا أبا عبدِ الله ، أَوَلاَ ترى الحَقَّ كيف ظهر عليه الباطلُ ؟ قال : كلا ، إن ظهورَ الباطِل على الحق أن تُنْتَقِل القلوبُ مِن الهُدَى إلى الضلالة ، وقلوبُنا بعدُ لازمةٌ للحق . الأصم : حدثنا عباس الدُّوري : سمعتُ أبا جعفر الأنباري ، يقول : ٢٣٨ لما حُمِلَ أحمد إلى المأمون ، أُخبرت ، فعبَّرْتُ الفراتَ ، فإذا هو جالس في الخان ، فسلمتُ عليه ، فقال: يا أبا جعفر ، تَعَنِيْتَ . فقلتُ: يا هذا أنت اليومَ رأسٌ ، والناسُ يقتدون بك ، فوالله لئن أجبتَ إلى خلق القرآن، لَيُجِيبَنَّ خلقٌ ، وإن أنتَ لم تُجِبْ ، ليَمتَنِعَنَّ خَلْقٌ من الناس كثير . ومع هذا فإنّ الرجل إن لم يقتُلْكَ فإنَّك تموتُ ، لا بَّد من الموت ، فاتق الله ولا تجب . فجعل أحمد يبكي ، ويقول : ما شاء الله . ثم قال : يا أبا جعفر، أعِدْ عليّ فأعدت عليه ، وهو يقول : ما شاء الله . قال أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدَميُّ : حدثنا الفضل بن زياد ، سمعت أحمد بن حنبل يقول : أول يوم امتَحنه إسحاق ، لما خرج من عنده ، وذلك في جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة ومئتين ، فقعد في مسجده ، فقال له جماعة: أخبرْنا بمَن أجاب . فكأنه ثَقُل عليه ، فكلموه أيضاً . قال : فلم يُجِبْ أحدٌ من أصحابنا ، والحمدلله . ثم ذكر من أجاب ومن واتاهم على أكثر ما أرادوا . فقال : هو مجْعُول مُحْدَث . وامتحنهم مرة مرة ، وامتحنني مرتين مرتين . فقال لي : ما تقول في القرآن ؟ قلت : كلام الله غير مخلوق . فأقامني وأجلسني في ناحية ، ثم سألهم ، ثم ردني ثانية ، فسألني وأخذني في التشبيه . فقلت : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [ الشورى: ١١] فقال لي: وما السميعُ البصير؟ فقلتُ : هكذا قال تعالى . قال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي : جعلوا يُذاكرون أبا عبد الله بالرّقة في التَّقِيَّة وما رُوي فيها . فقال : كيف تصنعون بحديث خَبَّب: ((إنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ كان يُنْشَرُ أَحَدُهُمْ بالمِنْشَارِ ، لَا يَصُدُّهُ ذُلِك عَنْ دِينه))(١) فأيسنا منه . (١) أخرجه أحمد ١٠٩/٥ و١١٠، والبخاري ٢٨١/١٢ في أول الإكراه ، وأبو داود= ٢٣٩ وقال : لستُ أبالي بالحبس ، ما هو ومنزلي إلا واحد ، ولا قتلاً بالسيف ، إنما أخاف فتنةَ السَّوْط . فسمعه بعضُ أهل الحبس ، فقال : لا عليك يا أبا عبد الله ، فما هو إلَّ سَوطان ، ثم لا تدري أين يقعُ الباقي، فكأنَّه سُرِّي عنه . قال : وحدثني مَن أثقُ به ، عن محمد بن إبراهيم بن مُصعب ، وهو يومئذٍ صاحبُ شرطة المعتصم خلافة لأخيه إسحاق بن إبراهيم، قال: ما رأيتُ أحداً لم يُداخِل السلطانَ ، ولا خالط الملوكَ ، كان أثبت قلباً من أحمد يومئذ ، ما نحنُ في عينه إلا كأمثال الذُّباب . وحدثني بعضُ أصحابنا عن أبي عبد الرحمن الشافعي ، (١) ، أو هو حدثني أنهم أنْفَذوه إلى أحمد في محبسه ليكلمه في معنى التقيَّة ، فلعله يجيب . قال : فصِرت إليه أكلمه ، حتى إذا أكثرت وهو لا يُجيبني . ثم قال لي : ما قولُك اليوم في سجدتي السهو؟ وإنما أرسلوه إلى أحمد للإلف الذي کان بینه وبینَ أحمد أیام لزومهم الشافعي . فإن أبا عبد الرحمن کان يومئذ ممن يتقشَّفُ ويلبس الصوفَ ، وكان أحفَظ أصحابِ الشافعي للحديث من قبل أن يتبطّن بمذاهبه المذمومة . ثم لم يُحدِّث أبو عبد الله بعد ما أنبأتُك. أنه حدثني في أول خلافة الواثق ، ثم قطعه إلى أن مات ، إلا ما كان في زمن المتوكل . = (٢٦٤٩) من طريق قيس بن أبي حازم ، عن خباب بن الأرت ، قال : شكونا إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : ((قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل ، فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار ، فيوضع على رأسه ، فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه ، فما يصده ذلك عن دينه . والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون)) . (١) هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن العباس .. ، وهو ابن بنت الشافعي الإِمام رضي الله عنه، وأمه زينب بنت الشافعي، انظر ترجمته في ((تهذيب الأسماء واللغاتَ)) للإِمام النووي برقم (٥٥٧)، وفي ((طبقات الشافعية ))١٨٦/٢. ٢٤٠