النص المفهرس

صفحات 81-100

والاختلاف ، وأما يحيى، فأعلم بالرجال والكُنى .
محمد بنُ عثمان بن أبي شَيْبَة: سمعت علي بن المديني ، يقول : كنت
إذا قدِمتُ إلى بغداد منذ أربعين سنة ، كان الذي يذاكرني أحمد ، فربما اختلفْنا
في الشيء ، فنسأل أبا زكريا ، فيقوم فيخرجه ، ما كان أعرَفَه بموضع حديثه .
وقال أبو الحسن بن البراء : سمعتُ ابن المديني، يقولُ : ما رأيتُ يحيى
استفهم حديثاً قَطُّ ولا ردَّه .
بكر بن سهْل : حدثنا عبد الخالق بن منصور ، قلتُ لابن الرومي :
سمعتُ بعضَ أصحاب الحديث يحدثُ بأحاديث يحيى ، ويقول : حدثني من
لم تطلع الشمس على أكبر منه . فقال : وما تعجب ؟ سمعت علي بن المديني ،
يقول : ما رأيت في الناس مثله .
وعن ابن المديني ، قال : ما أعلمُ أحداً كتبَ ما كتبَ يحيى بن معين .
وقال أبو الحسن بن البراء ، سمعت علياً يقولُ: لا نعلمُ أحداً من لَدُنْ آدم
كتب من الحديث ما كتب يحيى .
قال أحمد بنُ عُقْبَة ، سألتُ يحيى بنَ معين : كم كتبتَ من الحديث ؟
قال : كتبتُ بيدِي هذه ست مئة ألفٍ حديث - قلتُ : يعني بالمكرر .
قال صالح بن أحمد الحافظ : سمعتُ أبا عبد الله محمد بن عبد الله ،
سمعتُ أبي ، يقول: خلَّف يحيى من الكتب مئة قِمَطْر ، وأربعةَ عشراً قِمَطْراً،
وأربعةً حِباب(١) شرابيّة مملوءةٍ كُباً .
وقال عبد المؤمن : سمعت صالحاً جَزَرة يقول : ذُكر لي أن يحيى بن
(١) جمع الحُب ، وهي الجرة ، أو الضخمة منها .
٨١
سير ٦/١١

معين خَلَّفَ من الكتب ثلاثين قمطراً وعشرين حُبّاً ، فطلب يحيى بن أكثم كتبَه
بمئتي دينار ، فلم يدع أبو خيثمة أن تباع .
وبإسنادي إلى الخطيب: أخبرنا الماليني ، أخبرنا ابنُ عدي ، حدثنا
موسى بنُ القاسم بن الأشيب عن بعض شيوخه ، قال : كان أحمد ویحیی
وعلي عند عفان أو عند سليمان بن حرب ، فأتى بصك ، فشهدوا فيه ، وكتب
يحيى فيه . فقال عفان : أما أنتَ يا أحمد ، فضعيفٌ في إبراهيم بن سعد ،
وأما أنتَ يا علي ، فضعيفٌ في حماد بن زِيد ، وأما أَنْتَ يا يحيى ، فضعيفٌ
في ابن المبارك . فقال يحيى : وأنتَ يا عفان فضعيفٌ في شُعبة . ثم قال
الخطيب : لم يكن واحد منهم ضعيفاً وإنما هذا مزاح .
قلت : كلَّ منهم صغير في شيخه ذلك ، ومقِل عنه .
عبد الخالق بن منصور : سمعتُ ابن الرومي ، يقولُ: ما رأيتُ أحداً قط
يقولُ الحقَّ في المشايخ غير يحيى ، وغيرُه كان يتحاملُ بالقول .
قلت : هذا القول من عبد الله بن الرومي غيرُ مقبول ، وإنما قاله باجتهاده،
ونحن لا ندعي العِصمَة في أئمة الجرح والتعديل ، لكن هم أكثر النَّاسِ.
صواباً ، وأندرهم خطأً ، وأشدهم إنصافاً ، وأبعدهم عن التحامل . وإذا أ
اتفقوا على تعديل أو جرحٍ ، فَتَمَسَّكْ به ، واعضضْ عليه بناجِذَيْك ، ولا
تتجاوزه ، فتندم . ومن شَذَّ منهم ، فلا عبرة به . فخلّ عنك العناء ، وأعطٍ
القوس باريها، فوالله لولا الحُفَّاظُ الأَكابر ، لخَطَبَتِ الزَّنَادِقَةُ على المَنَّابِرِ ،
ولئن خَطَبَ خَاطِبٌ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ ، فإِنَّما هُوَ بسيف الإِسلام وبلسان
الشريعة، وبِجاهِ السنَّة وبإظهار متابعة ما جاء به الرسولُ وَ﴿ه، فنعوذُ بالله من
الخذلان .
ومن نادر ما شذَّبه ابن مَعين ، رحمه الله ، كلامُه في أحمد بن صالح حافظ
٨٢

مصر ، فإنه تكلم فيه باجتهاده ، وشاهَد منه ما يُلیّنه باعتبار عدالته لا باعتبار
إتقانه ، فإنه متقِن ثَّبْتٌ ، ولكن عليه مأخذ في تيٍ وبأوٍ كان يتعاطاه ، والله لا يُحِبُّ
كُلَّ مُخْتالٍ فَخور ، ولعله اطلع منه على حال في أيام شبيبة ابن صالح ، فتاب منه أو
من بعضه ، ثم شاخ ، ولزم الخير ، فلقيه البخاري والكبار ، واحتجوا به . وأما
كلام النسائي فيه ، فكلامُ موتورٍ ، لأنه آذى النسائي ، وطرده من مجلسه ، فقال
فيه : ليس بثقة .
قال الحسن بن عُلَيْل : حدثنا يحيى بن معين ، قال : أخطأ عفان في
نَيّفٍ وعشرين حديثاً ، ما أَعلمتُ بها أحداً ؛ وأعلمتُه سرّاً، ولقد طلب إليَّ
خلف بن سالم أن أخبره بها فما عرَّفْتُه ، وكان يُحِبُّ أن يجد عليه .
قال يحيى : ما رأيت على رجل خطأ إلا سترتُه، وأحببت أن أُزَيِّن أمره ،
وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمريكرهه ، ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه ، فإن
قبل ذلك ، وإلا تركته .
وقال ابن الغَلابِي : قال يحيى : إني لأحدث بالحديث فأسهر له مخافة أن
أكون قد أخطأت فيه .
وبإسنادي إلى الخطيب : حدثنا علي بن طلحة ، أخبرنا صالح بن أحمد
الهَمَذَاني، حدثنا عبد الرحمن بن حمدان بن المرزبان، قال: قال لي أبو حاتم
الرازي : إذا رأيتَ البغدادي يُحِبّ أحمد بن حنبل ، فاعلم أنه صاحب سنة ، وإذا
رأيته يُبغض يحيى بن معين ، فاعلم أنه كذاب .
وقال محمد بن هارون الفَلّس : إذا رأيتَ الرجل يقع في يحيى بن معين ،
1
فاعلمْ أَنَّهُ كَذَّاب، يَضَعُ الحديث ، وإنما يبغضه لما يُبين من أمر الكذابين .
قال الأَبّار في ((تاريخِهِ )) : قال ابنُ معين : كتبنا عن الكذابين، وسجرنا
٨٣

به التُّّور، وأخرجنا به خبزاً نضيجاً .
قال أبوداود : سمعتُ يحيى يقول : أكلت عَجينة خبز ، وأنا ناقِهُ من عِلَّة.
قال الدُّوري : سئل يحيى بن معين عن الرؤ وس فقال: ثلاثة بین اثنين
صالح .
قال علي بن الحسين بن حِبّان : حدثني يحيى الأحول ، قال : تلقينايحيى
ابن معين مقدمه من مكة، فسألناه عن الحسين بن حبان ، فقال : أحدثكم أنهلما
كان بآخر رمق ، قال لي : يا أبازكريا : أترى ما مكتوب على الخيمة ؟ قلت : ما
أرى شيئاً . قال : بلى ، أرى مكتوباً: يحيى بن معين يقضي أو يفصل بين
الظالمين . قال : ثم خرَجَتْ نَفْسه .
الخطيب: أخبرنا أبو نعيم ، حدثنا أبو الشيخ، حدثنا إسحاق بن بُنان:
سمعت حبیش بنمبشر ،يقول: كان يحيى بن معین یحج[فیذهب إلى مكة]على
المدينة ، ويرجع عليها . فلما كان آخر حجة حجها ، رجع على المدينة ، فأقام
بها يومين أو ثلاثة ، ثم خرج حتى نزل المنزل مع رفقائه ، فباتوا ، فرأى في النوم
هاتفاً يهتف به : يا أبازكريا، أترغب عن جواري ؟ فلما أصبح، قال لرفقائه: امضوا
فإني راجع إلى المدينة ، فمضوا ورجع ، فأقام بها ثلاثاً ثم مات . قال : فحُمِل
على أعواد النبي، وَّه، وصلى عليه الناس، وجعلوا يقولونَ: هذا الذابُ عن
رسول الله، وَ﴾، الكَذِبَ .
قال الخطيب : الصحيح موتُه في ذهابه قبل أن يحُج .
قال عباس الدوري : سمعتُیحیی يقولُ : لولم نكتب الحدیثخمسين
مرة ، ما عرفناه .
وفي ((تاريخ دمشق )) من طريق محمد بن نصر ، سمع يحيى بن معين ،
٨٤

يقول : كتبتُ بيدي أَلْفَ أَلْفِ حديث - قلتُ: يعني: بالمكرر، ألا تراه يقول : لو
لم نكتب الحديثَ خمسين مرة ما عرفناه .
أنبئتُ عن أبي المكارم اللَّبَّان وغيره ، عن عبد الغفار بن محمد ، أخبرنا
محمد بن إبراهيم الكَرْماني ، سمعتُ محمد بن أحمد غُنْجار ، سمعتُ عبد الله
ابن موسى السَّلامي ، سمعتُ الفضلَ بنَ شاكر ببلد الديلم ، سمعتُ يزيد بن
مجالد ، سمعت يحيى بنَ معين ، يقول : إذا كتبتَ فقمِّشْ، وإذا حدثت
ففتش . وسمعته يقول : سيندم المنتخِب(١) في الحديث حيث لا تنفعه الندامة .
الأصم : حدثنا عباس ، سمعت يحيى بن معين ، يقول : كنا بقرية من
قرى مصر ، ولم يكن معنا شيء ، ولا ثَمَّ شيء نشتريه ، فلما أصبحنا إذا نَحْنُ
بِزِنْبِيلٍ مُلىءَ بسمك مشوي ، وليس عند أحد ، فَسَأَلوني ، فقلت : اقتسموه
وكلوه ، فإني أظن أنه رزق رزقكم الله تعالى . وسمعت يحيى مراراً يقول :
القرآنُ كلامُ الله وليس بمخلوق ، والإِيمانُ قول وعمل يزيد وينقص .
وروى عبدُ الله بنُ أبي زياد القَطَواني ، عن أبي عبيد ، قال : انتهى
الحدیث إلى أربعة : أحمد بن حنبل ، وهو أفقههم فيه ، وإلی یحیی بن معين ،
وهو أكتبهم له ، وإلى علي بن المديني ، وهو أعلمهم به ، وإلى أبي بكر بن أبي
شيبة ، وهو أحفظهم له .
وفي رواية عن أبي عُبيد : وإلى ابن معين ، وهو أعلمهم بصحيحه
وسَقِيمِه .
قال عُبيد الله القواريري: قال لي يحيى القطان : ما قدم علينا البصرة
مثل أحمد ويحيى بن معين .
(١) أي الذي ينتقي الأحاديث ، ولا يكتبها كلها .
٨٥

٦
قال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول: كان أعلمَنا بالرجال يحيى بنُ
معين ، وأحفظَنا للأبواب سليمانُ الشاذَكَونِي ، وأحفَظَنا للطّوال عليٍّ.
أبو عبد الله الحاكم : سمعت الزبير بن عبد الواحد الحافظ ، قال : حدثنا
إبراهيم بن عبد الواحد البكري ، سمعت جعفر الطيالسي ، يقول : صلَّى أحمدُ
ابن حنبل ، ويحيى بنُ معين في مسجد الرُّصافة ، فقام قاصٌّ ، فقال : حدثنا
أحمد بن حنبل ، ويحيى بنُ معين ، قالا : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة، عن أنس قال: قالَ رَسُولُ اللهِ، وَ،: ((مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّ الله، خَلَقَ
الله مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْها طَيْراً، مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَرِيشُهُ مِن مَرْجان)) وَأَخَذَ في قصةٍ
نحو عشرين ورقة(١) . فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ، ويحيى ينظر إليه ، وهما
يقولان : ما سمعنا بهذا إلّ الساعة ، فسكتا حتى فرغ(٢) من قَصَصه، وأخذ
قِطاعه ، ثم قعد ينتظر بقُبَّتِها . فأشار إليه يحيى ، فجاء متوهماً لنوال يُجيزه ،
فقال : مَن حدثك بهذا الحديث ؟ فقال: أحمد وابن معين، فقال: أنا يحيى وهذا
أحمد ، ما سمعْنَا بهذا قطُّ ، فإنْ كان ولا بُدَّمن الكذب، فعلى غيرنا . فقال :
أنت يحيى بن معين؟ قال : نعم . قال : لم أَزَلْ أسمعُ أن يحيى بن معين
أحمق ، وما علمت إلَّ الساعةَ، كأنَّهُ ليس في الدنيا يحيى بنُ معين ، وأحمد بن
حنبل غيركما !! كتبتُ عن سبعةَ عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين . قال :
فوضع أحمد كمَّه على وجهه ، وقال : دعه يقوم ، فقام كالمستهزىء بهما .
هذه حكاية عجيبة، وراويها البكري لا أعرفُه، فأخافُ أن يكونَ وَضَعَها .
عن أحمد بن عقبة ، قال : سمعتُ يحيى بن معين ، يقول : من لم يكن
:
(١) سيورد المصنف هذا الخبر مع الحكاية في الصفحة ٣٠٠ من هذا الجزء، وقد جزم
هناك ببطلانها .
(٢) في الأصل: ((فرغاً)) وهو خطأ .
٨٦

سَمْحاً في الحديث ، كان كذاباً . قيل : كيف يكون سَمْحاً ؟ قال : إذاشك في
حديثه ، تركه .
وقال جعفر بنُ أبي عثمان : كنا عند يحيى بن معين ، فجاءه رجل
مُستعجل ، فقال: يا أبا زكريا، حدثْني بشيء أَذْكُرْكَ به ، فقال يحيى : اذكرني
أنك سألتني أن أحدثك فلم أفعل .
الحسين بن فهم : سمعت يحيى بن معين ، يقول : كنتُ بمصر ، فرأيتُ
جاريةً بِيعَتْ بألف دينار ، ما رأيتُ أحسن منها ، صلى الله عليها . فقلت : يا أبا
زكريا، مثلك يقول هذا؟ قال : نعم ، صلى الله عليها وعلى كل مليح .
هذه الحكاية محمولة على الدُّعابة من أبي زكريا. وتُروى عنه بإسناد آخر .
قال سعيد بن عمرو البَرْذَعِي : سمعتُ الحافظ أبا زرعةَ الرازي ، يقول :
كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التَّمَّار ، ولا عن يحيى بن معين ،
ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب .
قلت : هذا أمر ضيِّق ولا حرج على من أجاب في المحنة ، بل ولا على من
أكره على صريح الكفر عملًا بالآية . وهذا هو الحق . وكان يحيى رحمه الله من
أئمة السنة ، فخاف من سطوة الدولة ، وأجاب تقية .
عباس الدوري : سمعتُ يحيى بنَ معين ، يقولُ : كنتُ إذا دخلتُ منزلي
بالليل ، قرأتُ آية الكرسي على داري وعيالي خمس مرات ، فبينا أنا أقرأ ، إذا
شيءٌ يكلمني : كم تقرأ هذا ؟ كأَنْ ليس إنسانٌ يُحسن يقرأ غيرك ؟ فقلت :
أرى هذا يسوءُك؟ والله لأزيدنَّكَ . فصِرتُ أقرؤُها في الليلة خمسين ستين
مرةً .
وقال عباسٌ : قلتُ ليخبى : ما تقول في الرجل يقوِّم للرجل حديثه ؟
٨٧

يعني : ينزع منه اللحن ، فقال : لا بأس به ، وسمعته يقول : لو لم نكتبٍ
الحديث من ثلاثين وجهاً ، ما عقّلناه .
قال إبراهيم بنُ عبد الله بن الجنيد : سمعتُ يحيى بن معين ، يقول : ما
الدنيا إلا كَحُلُم، والله ما ضَرَّرجلاً اتَّقى الله على ما أصبح وأمسى، لقد حججتُ
وأنا ابنُ أربعٍ وعشرين سنة ، خرجتُ راجلاً من بغداد إلى مكة ، هذا من خمسين
سنة كأنما كان أمسٍ . فقلت ليحيى : ترى أن ينظر الرجل في رأي الشافعي ،
وأبي حنيفة ؟ قال : ما أرى لأحد أن ينظر في رأي الشافعي ، ينظُرُ في رأي
أبي حنيفة أحب إليَّ .
قلت: قد كان أبو زكريا رحمه الله حنفياً في الفروع ، فلهذا قال هذا، وفيه
انحراف يسير عن الشافعي .
قال ابنُ الجُنيد : وسمعتُ يحيى ، يقول : تحريمُ النبيذ صحيح ، ولكن
أقف ، ولا أحرّمه ، قد شربَهُ قومٌ صالحون بأحاديثَ صِحَاح ، وحَرَّمَهُ قومٌ
صالحون بأحاديثَ صِحَاح .
وسمعتُ يحيى بن سعيد القطان ، يقول : حديثُ الطَّلاءِ(١) وحديثُ
(١) في ((الموطأ)) رقم (١٥٤٣) من طريق محمود بن لبيد الأنصاري أن عمر بن الخطاب
حين قدم الشام ، شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها ، وقالوا ، لا يُصلحنا إلا هذا الشراب .
فقال عمر : اشربوا هذا العسل . قالوا : لا يصلحنا العسل . فقال رجل من أهل الأرض : هل
لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئاً لا يُسكِر؟ قال : نعم . فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان ،
وبقي الثلث ، فأتوا به عمر ، فأدخل فيه عمر إصبعه ، ثم رفع يده ، فتبعها يتمطط ، فقال : هذا
الطلاء ، هذا مثل طلاء الإِبل ، فأمرهم عمر أن يشربوه . فقال له عبادة بن الصامت : أحللتُها
والله . فقال عمر : كلا والله ، اللهم إني لا أحل لهم شيئاً حرمته عليهم ، ولا أحرم عليهم شيئاً
أحللته لهم .
وأخرج سعيد بن منصور من طريق أبي مِجْلز، عن عامر بن عبد الله ، قال : كتب عمر إلى
عمار : أما بعد : فإنه جاءني عير تحمل شراباً أسود كأنه طلاء الإِبل فذكروا أنهم يطبخونه حتى =
٨٨

عتبة بن فَرقد(١) جميعاً صحيحان .
٠
قال عباس الدوري : حدثنا یحیی بنُ معین ، قال : حضرتُ نعيم بن
حماد(٢) بمصر ، فجعل يقرأ كتاباً صنفه ، فقال : حدثنا ابن المبارك ، عن ابن
عون ، وذكر أحاديث ، فقلت : ليس ذا عن ابن المبارك ، فغضب ، وقال : ترد
عليَّ ؟ قلت: إي والله، أريد زَيْنَك، فأبى أن يرجع ، فلما رأيتُه لايرجع. قلت:
لا والله ، ما سمعتَ هذه من ابن المبارك ، ولا سمعها هو من ابن عون قط .
فغضب ، وغضب من كان عنده ، وقام فدخل ، فأخرج صحائف ، فجعل
= يذهب ثلثاه الأخبثان ، ثلث بريحه، وثلث ببغْيه، فمُرمَنْ قِبَلَّك أن يشربوا.
ومن طريق سعيد بن المسيب أن عمر أحل من الشراب ما طبخ ، وذهب ثلثاه ، وبقي ثلثه .
وأخرج النسائي ٣٢٩/٨ من طريق عبد الله بن يزيد الخطمي ، قال : كتب عمر : اطبخوا
شرابكم حتى يذهب نصيب الشيطان منه ، فإن للشيطان اثنين ، ولكم واحد . قال الحافظ في
((الفتح)) ٥٥/١٠ بعد أن ذكرها: وهذه أسانيد صحيحة ، وقد أفصح بعضها بأن المحذور منه
السكر ، فمتى أسكر ، لم يحل .
(١) عتبة بن فرقد صحابي مترجم في ((أسد الغابة)) ٥٦٧/٣، ٥٦٨ و((الإصابة))
٣٧٩/٦، ٣٨٠، و(( الاستیعاب ) ١٤/٨ ولم نتبين الحديث الذي یعنیه یحیی بن سعيد ، وليس
له في الكتب الستة إلا حديث واحد عند النسائي ١٢٩/٤ ، ١٣٠ في الصوم ، أخرجه من طريق
محمد بن منصور، قال : حدثنا سفيان بن عطاء بن السائب ، عن عَرْفَجَة ، قال : عُدْنا عتبة بن
فرقد ، فتذاكرنا شهر رمضان ، فقال : ما تذكرون ؟ قلنا : شهر رمضان . قال : سمعت رسول الله
، وَ﴿، يقول: تُفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار ، وتُغَل فيه الشياطين ، وينادي منادٍ
كل ليلة : يا باغي الخير هلم ، ويا باغي الشر أقْصِر. قال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا خطأ
أخبرنا به محمد بن بشار ، قال : حدثنا محمد ، قال : حدثنا شعبة ، عن عطاء بن السائب ، عن
عرفجة ، قال : كنت في بيت فيه عتبة بن فرقد ، فأردت أن أحدث بحديثٍ ، وكان رجل من
أصحاب النبي، ، كأنه أولى بالحديث مني، فحدَّث الرجل عن النبي، ◌َّ ر، قال: ((في
رمضان تفتح فيه أبواب السماء ، وتغلق فيه أبواب النار ، ويُصفَّد فيه كل شيطان مَرِيد . وينادي منادٍ
كل ليلة: يا طالب الخير هلم، ويا طالب الشر أمسك)). فإن يكن يعني هذا الحديث ، فإسناده
صحيح ، لأن عطاء بن السائب قد سمع منه سفيان وشعبة قبل الاختلاط .
(٢) هو الخزاعي أحد الأئمة الأعلام ، على لين في حديثه ، وثقه أحمد وغيره . انظر
ترجمته في ((ميزان)» المؤلف ٢٦٧/٤، و((تاريخ بغداد)) ٣٠٦/١٣.
٨٩

يقول ، وهي بيده : أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين
في الحديث ؟ نعم ، يا أبا زكريا : غَلِطْتُ ، وإنما روى هذه الأحاديث غير ابن
المبارك ، عن ابن عون .
قال الحسينُ بنُ حِبان ، قال ابنُ معين : دفع إليَّ ابنُ وهب كتاباً عن معاوية
ابن صالح [ فيه ] خمس مئة حديث أو أكثر ، فانتقيتُ منها شِرَارَها ، لم يكن لي
يومئذ معرفة . قلتُ : أسمعتَها من أحدٍ قبل ابن وهب ؟ قال : لا . قلت : كذاكل
من يكون مبتدئاً ، لا يحسن الانتخاب . فعلنا نحو هذا ، وندمنا بعد .
قال محمد بن جرير الطبري : خرج ابنُ معين حاجاً ، وكان أكولاً ،
فحدثني أبو العباس أحمد بن شاه أنه كان في رُفقَتِه ، فلما قدموا فَيْد، أُهدِي إلى
يحيى فالوذج لم ينضج ، فقلناله : يا أبا زكريا، لا تأكله ، فإنا نخاف عليك .
فلم يعبأ بكلامنا وأكله ، فما استقر في مَعِدته حتى شكاوجع بطنه وانسهل ، إلى أن
وصلنا إلى المدينة ولا نهوض به . فتفاوضْنَا في أمره ، ولم يكن لناسبيل إلى المُقام
عليه لأجل الحج ، ولم ندر ما نعمل في أمره . فعزم بعضنا على القيام عليه وترك
الحج . وبتنا فلم يُصبح حتى وصَّى ومات ، فغسلناه ودفناه .
قال أبوزرعة الرازي : لم يُنتفع بيحيى ، لأنه كان يتكلم في الناس . وقد
رأيتُ حكاية شاذة ، قالها أبو عبد الرحمن السُّلمي عن الدَّارقُطْني ، أن يحيى بن
معين مات قبل أبيه بعشرة أشهر .
قال مَهيب بن سُليم البخاري ، حدثنا محمد بن يوسف البخاري الحافظ ،
قال : كنا في الحج مع يحيى بن معين ، فدخلنا المدينةَ ليلةَ الجُمعة ، وماتَ من
ليلته ، فلما أصبحنا تسامَعَ الناسُ بقدومِهِ وبموته ، فاجتمع العامَّةُ ، وجاءت بنو
هاشم، فقالوا: نُخْرِج له الأعوادَ التي غُسِّل عليها رسول الله، وَلّر، فكره العامة
ذلك، وكثر الكلام ، فقالت بنوهاشم: نحن أولى بالنبي، وَلّر، وهو أهل أن
٩٠

يغسل عليها ، فغُسل عليها ، ودُفِنَ يَوْمَ الجُمعةِ في ذي القَعدة . قال مَهيب : فيها
ولدت يعني : سنة ثلاث وثلاثين ومئتين .
قال عباس الدُّوري: مات قبل أن يَحُج عامئذٍ ، وصلى عليه والي
المدينة ، وكلم الحِزامي الوالي، فأخرجواله سرير النبي، وَ ل﴿، فحمل عليه.
أحمد بن أبي خَيْئمة ، قال : مات يحيى لسبع بقين من ذي القعدة سنة
ثلاث وثلاثين ، وقد استوفى خمساً وسبعين سنة ، ودخل في الست ، ودفن
بالبقيع .
قال حُبَيْش بن مبشِّر الفقيه - وهو ثقة - : رأيت يحيى بن معين في النوم ،
فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : أعطاني وحباني وزوّجني ثلاث مئة حوراء ، ومهَّد
لي بين البابين(١)، أوقال: بين الناس. سمعها جعفربن أبي عثمان من حُبيش.
ورواها الحسین بن الخصیب ، عن حُبیش ، قال : رأیت یحیی بن معین
في النوم ، فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : أدخلَني عليه في داره ، وزوجني ثلاث
مئة حوراء . ثم قال للملائكة : انظروا إلى عبدي كيف تَطْرَى وحَسُنَ .
قال أحمد بن يحيى بن الجارود : قال ابن المديني : ما أعلم أحداً كتب ما
كتب يحيى بن معين .
وقال ابن البَراء : سمعتُ علياً يقول : لا نعلمُ أحداً من لَدُن آدم كتب من
الحديث ما كتب ابن معين .
محمد بن علي بن راشد الطبري ، عن محمد بن نصر الطبري ، قال :
دخلت على يحيى بن معين ، فوجدتُ عنده كذا وكذا سِفْطاً دفاتر ، وسمعتُه
(١) في ((التهذيب)): ((المصراعين)).
٩١

يقولُ : كتبتُ بيدي ألف ألف حديث ، وكلُّ حديث لا يوجد هاهنا ، وأشار بيده
إلى الأسفاط فهو كَذِب .
وعن مجاهد بن موسى ، قال : كان يحيى بنُ مَعين يكتب الحديث نَيِّفاً
وخمسين مرة .
وقال محمد بن علي بن داود : سمعتُ ابنَ معين ، يقول : أشتهي أن أقع
على شيخ ثقة ، عنده بيت مُلِىء بكتبٍ ، أكتبُ عنه وحدي .
قال محمد بن سَعد : يحيى بن معين أكثرَ مِنْ كتابة الحديث ، وعُرف به ،
وکان لا یکاد یحدّث .
محمد بن أحمد بن أبي مهزول ، عن محمد بن حفص ، سمع عَمْراً
الناقد ، يقول : ما كان في أصحابنا أحفظُ للأبواب من أحمد ، ولا أسردُللحديث
من ابن الشاذَكُوني ، ولا أعلم بالإِسناد من يحيى ، ما قدر أحد يقلب عليه إسناداً
قط
القواريري : قال لي يحيى بن سعيد : ما قدِم علينا مثل هذين : أحمد ،
وابن معين .
قال هارون بن بشير الرازي : رأيتُ يحيى بن معين استقبل القبلة رافعاً
يديه ، يقول : اللهمّ إن كنتُ تكلمتُ في رجل ، وليس هو عندي كذّاباً ، فلا تغْفِر
لي .
هذه حكاية تُستنكر .
الحسن بن عُلَيْلِ العَنَزِي : حدثنا يحيى بن معين ، قال : أخطأ عفان في
نيف وعشرين حديثاً ، ما أعلمت بها أحداً ، أعلمتُه سراً، وطلب إليَّ خلف بن
سالم ، فقال : قلْ لي : أيُّ شيء هي ؟ فما قلت له ، كان يحب أن يَجِدَ عليه .
٩٢

قال بشر بن موسى : سمعتُ ابنَ معين ، يقول : ويل للمحدِّث إذا
استضعفه أصحاب الحديث . قلت : يعملون به ماذا ؟ قال: إن كان كَوْدَناً(١)،
سرقوا كتبه ، وأفسدوا حديثه ، وحبسوه -وهو حاقن -حتى يأخذه الحَصْر ، فقتلوه
شرقتْلة . وإن كان فحلاً، استضعفهم ، وكانوا بين أمره ونهيه . قلتُ : وكيف
يكون ذكراً؟ قال : يَعرفُ ما يخرج من رأسه .
قال عباس، سمعتُ يحيى يقول في قوله: ((لا تَمْنَعُهُ نَفْسَها وَلَوْ كانَتْ عَلَى
قَتَّبٍ))(٢) قال : كانت المرأة في الجاهلية إذا أرادت أن تلد تقعدُ على قتب ،
ليكون أسرع لولادتها .
وقال : لستُ أعجبُ ممن يحدِّث فيخطىء ، بل ممن يصيب .
وسمعتُه يقولُ لِحُبَّى المدَنِيَّة : أيُّ الرجال أعجب إلى النساء؟
[ قالت: ] الذي يُشْبِه خذُّه خدَّها .
وقال يحيى في زكاة الفطر: لا بأس أن تُعطى فِضَّة .
وقال يحيى فيمن صلى خلف الصف وحده ، قال : يُعيد .
وقال في من صلى بقوم على غير وضوء ، قال : لا يعيدون ويعيد .
وقال لي : أنا أُوتِر بثلاث ، ولا أَقْنت إلا في النصف الأخيرِ من رمضان ،
(١) الكودن : البغل أو الحصان الهجين ، ويشبه به الرجل البليد .
(٢) أخرجه الإمام أحمد ٣٨١/٤، وابن ماجة (١٨٥٣) من طريق القاسم بن عوف
الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: لما قدم معاذ من الشام، سجد للنبي، وَط 1، قال :
(( ما هذا يا معاذ))؟ قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ، فوددت في
نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله، 8﴿،: ((فلا تفعلوا، فإني لو كنتُ آمراً أحداً أن
يسجد لغير الله ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها . والذي نفس محمد بيده ، لا تؤدي المرأة حق
ربها حتى تؤدي حق زوجها ، ولو سألها نفسها ، وهي على قتب ، لم تمنعه )) . وسنده حسن ،
وصححه ابن حبان (١٢٩٠ ).
٩٣

وأرفع يدي إذا قَنَتُّ ، ولا أرى المسحَ على العِمامة ، ولا أرى الصلاةَ على رجل
يموتُ بغير البلد -کان یحیی یُومِنُ هذا الحديث -ولا أرى أن يهب الرجل بنته بلا
مهر ، ولا أن يزوجها على سُورَةٍ. رأيت يحيى يُوَهِّنُ هذه الأحاديث(١).
أنبأنا عليُّ بنُ أحمد، أخبرنا عمر بنَ طَبَرْزَد ، أخبرنا هبة الله بن عبد الله
الشُّروطي ، وأبو الحسن بن الزّاغُوني ، قالا : أخبرنا عبد الصمد بن المأمون ،
أخبرنا علي بن عمر الحَرْبيُّ (٢) ، حدثناعيسى بن سُليمان القرشي ، أنشدني داود
ابن رشيد ، أنشدني يحيى بن معين :
المالُ يَذْهَبُ حِلُّهُ وَحَرَامُهُ يَوْمَاً وتَبْقِى فِي غَدٍ آثَامُهُ(٣)
لَيْسَ النَّقِيُّ بِمُتَّقٍ لِإِلهِهِ حَتَّى يَطِيْبَ شَرَابُه وَطَعَامُهُ
ويكونَ في حُسْنِ الحَدِيثِ كلامُه
وَيَطِيبَ مَا يَحوِي وَتَكْسِبُ كَفُّه
فَعَلَى النَّبِّ صَلَتُه وَسَلامُهُ
نَطَقِ النَّبِيُّ لنا بِهِ عَنْ رَبِّهِ
قال أبو بكر بن المُقْرِىء: سمعتُ محمد بن عقيل البغدادي ، يقول : قال
إبراهيم بن هانىء (٤): رأيت أباداود يقع في يحيى بن معين ، فقلتُ له : تقع في
مثل يحيى ؟ فقال : من جرّ ذيول [ الناس ](٥) جروا ذيله .
(١) انظر ((التاريخ)): ٦٥٩ و٦٦١ و٦٦٢
(٢) بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين ، وفي آخرها باء معجمة بواحدة ، وهي نسبة إلى
محلة الحَرْبية غربي بغداد . وعلي بن عمر هذا هو أبو الحسن الحربي السُّكَّري ، ويقال له :
الحميري والصيرفي والكيال. انظر ترجمته في (( الميزان)) للمؤلف ١٤٨/٣ .
(٣) رواية ((تاريخ بغداد)): ((طراً)) بدل ((يوماً))، وأما رواية ابن العماد في ((الشذرات))
فهي: ((طوعاً)). انظر الأبيات في ((تاريخ بغداد)) ١٤ / ١٨٥، وفي ((تهذيب الكمال)) ورقة :
١٥٢٠، وفي ((وفيات الأعيان)) ١٤١/٦، وفي ((طبقات الحنابلة)) ١ /٤٠٥، ٤٠٦، وفي
(( شذرات الذهب)) ٧٩/٢ .
(٤) هو أبو إسحاق النيسابوري ، كان أحد الأبدال ، ورحل إلى العراق والشام ومصر
ومكة ، ثم استوطن بغداد وحدث بها. انظر ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٢٠٤/٦ .
(٥) الزيادة من تهذيب الكمال لوحة: ١٥٢٠ .
٩٤

قال أبو الربيع محمد بن الفضل البلخي : سمعتُ أبا بكر محمد بنَ
مهرويه ، سمعتُ علي بن الحسين بن الجنيد ، سمعتُ يحيى بنَ معين ، يقول :
إنا لنَطْعُنُ على أقوامٍ لعلَّهم قد حَطُوا رِحَالَهُم في الجنّةِ مِنْ أکثر من مئتي سنة . قال
ابن مَهَرَوَيه : فدخلتُ على ابن أبي حاتم ، وهو يقرأ على الناس كتاب (( الجرح
والتعديل )) ، فحدّثْتُه بهذه الحكاية ، فبكى وارتعدتْ يداهُ حتى سقط الكتابُ من
يده ، وجعل يبكي ، ويستعيدني الحكاية ، أو كما قال .
-
قال الحسين بنُ فهم :سمعتيحيى بن معين ، يقول : وُلدت في خلافة
أبي جعفر سنة ثمان وخمسين ومئة في آخرها .
قلت : وقد ارتحل وهو ابن ستٍّ وخمسين سنة إلى مصر والشام . ولقي أبا
مُسْهِر ، وسعيد بنَ أبي مريم ، وكاتِب الليث ، وسمعوا إذ ذاكَ بهذه البلاد.
قال عباس الدُّوري : ماتَ فحمل على أعواد النبي ، بَلۇ ، ونودي بین
يديه: هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله الفه .
وقال جعفر بن محمد بن گُزال : کنت مع ابن معين بالمدينة ، فمرض
وتوفِّي بها ، فحمل على سرير رسول الله، وَل ﴿، ورجل ينادي بين يديه : هذا
الذي كان ينفي الكذب عن حديث رسول الله .
قال الخطيب : حدث عن ابن معین محمدُ بنُ سعد ، وأحمدبن محمدبن
عُبيد اللّه التَّمَّار ، وبين وفاتيهما خمس وتسعون سنة أو أكثر .
قلت : هذا التَّمَّارهو آخر من زعم أنه لقي یحیی ، وعاش إلى سنة خمس
وعشرين وثلاث مئة .
وماتَ مع ابنِ معين في العام أَبُوطالب عبدُ الجبار بنُ عاصم ببغداد ، وعلي
٩٥
:

ابن قَرِين(١) - وما هو بثقة - وإبراهيم بنُ الحجاج السَّامَي ، وإبراهيم بنُ إسحاق
الصِّينِي الضرير ، ويحيى بنُ أيوب العابد ، وسليمان بنُ عبد الرحمن الدمشقي ،
وحامد بنُ عمر البَكْراوي قاضي كَرمان ، ويزيد بنُ مَوْهب الرَّمْلي(٢)، ورَوحُ بنُ
صلاح المصري ، وجمعة بنُ عبد الله البلخي أخو خاقان ، وحِبَّان بنُ موسى
المروزي .
٢٩ - العُتْبِيُّ *
العلّامة الأخباري الشاعر المجوّد ، أبو عبد الرحمن محمد بن عُبيد الله بن
عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب الأمَوِي ثم العُتْبِي
البصري .
روى عن: ابن عُيينة، وأبي مِخْتَف ، ووالده .
وعنه : أبو حاتم السِّجستاني ، وإسحاق بن محمد النَّخَعي.
وكان يشرب . وله تصانيف أدبيات وشهرة .
مات سنة ثمان وعشرين ومئتين .
أما العتبي المالكي ، فآخر في الطبقة الآتية .
(١) قال يحيى: لا يكتب عنه، كذاب خبيث. وقال أبو حاتم : متروك الحديث . وقال
موسى بن هارون وغيره : كان يكذب . وقال العقيلي : كان يضع الحديث . وهو مترجم في
((الميزان)) للمؤلف ١٥١/٣، و((تاريخ بغداد)) ٥١/١٢.
(٢) بفتح الراء المشددة وسكون الميم ، نسبة إلى الرَّمْلَة ، وهي من بلاد فلسطين . وجاء
في ((اللباب)) ٣٧/٢ : فممن ينسب إليها أبو خالد يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب
الرملي الهمداني .
* المعارف: ٢٣٤، طبقات الشعراء : ٣١٤، ٣١٦، معجم الشعراء: ٤٢٠، تاريخ
بغداد ٣٢٤/٢، ٣٢٦، الأنساب ٣٨٠/٨، اللباب ٣٢٠/٢، وفيات الأعيان ٣٩٨/٤،
٤٠٠، العبر ٤٠٣/١، ٤٠٤، الوافي بالوفيات ٣/٤، النجوم الزاهرة ٢٥٣/٢، شذرات
الذهب ٦٥/٢ .
٩٦

٣٠ - هُذْبة بنُ خالِد* (خ، م، د، س)
ابن أسود بن هُدْبة ، الحافظ الصادق ، مُسند وقته ، أبو خالد القيسي
الثَّوْبانِيُّ البصري ، ويقال له : هَدَّاب . وهو أخو الحافظ أمية بن خالد .
وُلد بعد الأربعين ومئة بقليل، وصلى على شعبة .
وحدثعن : جرير بن حازم، وحمادبن سلمة ، وأبان بن یزید ، وسليمان
ابن المغيرة ، وهَمَّام بن يحيى ، ومبارك بن فَضالة ، وأبي جناب القصاب عون بن
ذكوان ، وأبي هِلال محمد بن سُليم ، وأغلب بن تميم ، ودَيْلم بن غزوان ،
وسلَّم بن مِسكين ، وشِباك بن عائذ ، وحماد بن الجعد ، ورجاء أبي يحيى
الحَرَشِي ، وصدقة بن موسى ، وهارون بن موسى النحوي ، وخلقٍ . ولم
يرحل ، وكان من العلماء العاملين .
حدث عنه: البخاريُّ ، ومسلم ، وأبو داود ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ،
وحَرْب الكَرماني ، ومحمد بن أيوب البَجَلِي ، وابنُ أبي عاصم ، وبقي بنُ
مَخلد ، وزكريا الخياط ، وعبد الله بن أحمد ، وعِمران بن موسى بن مُجاشِع ،
وتميم بن محمد الطُّوسي ، والحسن بن سُفيان ، وجعفر الفِرِيابي، وأبومَعْشَر
الحسن بن سُليمان الدارِمي ، والحسنُ بنُ الطَّيب البلخي ، والحسَنُ بن علي
المَعْمَرِي ، وأبويَعلَى الموصلي ، وعَبدان الأهوازي ، وعليُّ بنُ أحمد بن بِسطام
الزَّعْفَراني ، ومُطَيِّن ، وموسى بن زكريا التُسْتَرِي ، ويحيى بن محمد الحِنَّائي،
ومحمد بن بِشْر بن مَطَر ، وعِمران بن عبد الرحيم ، ومحمد بنُ يعقوب
طبقات خليفة: ٢٢٩، التاريخ الكبير ٢٤٧/٨، ٢٤٨، الجرح والتعديل
٠
١١٤/٩، تهذيب الكمال، ورقة: ١٤٣٤، تذكرة الحفاظ ٤٦٥/٢، ٤٦٦، العبر ٤٢٣/١،
٤٢٤، ميزان الاعتدال ٢٩٤/٤، تذهيب التهذيب ١١٢/٤، البداية والنهاية ٣١٥/١٠،
تهذيب التهذيب ٢٤/١١، ٢٥، طبقات الحفاظ: ٢٠٢ ، خلاصة تذهيب الكمال : ٤١٣،
شذرات الذهب ٨٦/٢ .
؟
٩٧
سير ٧/١١

الكرابيسي ، ويوسفُ القاضي ، وأبو بكر أحمد بنُ علي المروزي ، وأبو القاسم
الْبَغَوي ، وأبوبكر أحمد بن عمرو البَزَّار، والحسَن بنُ علي المَعْمَري(١)، وخلق
كثير . ومنهم : أبو بكر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأبُلِّي العَطَّار ، وأسد بن عمار
التميمي ، والحسين بن معاذ بن حرب الأخفش ، وأبو الحسن سعيد بن الأشعث
أخو أبي داود السِّجِسْتاني ، وسليمان بن الحسن ابن أخي حجاج بن مِنْهال ،
وسيار بن نصر ، والفضل بن محمد الطبري ، وقاسم بن العباس المَعْشَرِي ،
ومحمد بن علي بن رَوح ، ومحمد بن الفضل بن موسى القُسْطانِي (٢)، ومحمد
ابن معدان القُطْفي ، ومحمد بن ناصح السراج ، ومحمد بن يحيى العَمِّي ،
ومحمد بنُ يعقوب الكرابِيْسي ، ومُسَبِّح بن حاتم ، والهيثم بن بِشْر. ذكرت
هؤلاء للفائدة ، وليسوا بمشهورين من بعد المَعمري .
روى علي بن الجنيد ، عن يحيى بن معين : ثقة .
وقال أبو حاتم : صدوق .
واحتج به الشيخان . وما أدرى مستند قول النسائي : هو ضعيف .
وتبارد ابن عدي في ذكره في((الكامل))، ثم اعتذر ، وقال : استغنيت أن
أخرج له حديثاً ، لأني لا أعرف له حديثاً منكراً فيما يرويه وهو كثير الحديث . وقد
وثقه الناس وهو صدوق لا بأس به . وذكره ابن حبان في ((الثقات))
قال عبدان : سمعتُ عباس بنَ عبد العظيم ، يقول : هي كُتُب أميةً بن
خالد ، يعني : الذي يحدِّث بها هُدبة .
(١) ذكر هذا الاسم قبل أسطر.
(٢) بضم القاف وسكون السين وفتح الطاء المهملة ، وبعد الألف نون ، نسبة إلى
قسطانة ، وهي قرية من الري .
٩٨

قلت : رافق أخاه في الطلب ، وتشاركا في ضبط الكتب ، فساغ له أَنْ
يروي من كُتُب أخيه ، فكيف بالماضين ، لورأونا اليوم نسمع من أي صحيفة
مصحفة على أجْهلٍ شيخ له إجازة ، ونروي من نسخة أخرى بينهما من الاختلاف
والغلط ألوانٌ، ففاضِلُنا يُصحح ما تَسِّرَ من حفظه ، وطالبُنا يتشاغل بكتابة أسماء
الأطفال ، وعالمنا ينسخ ، وشيخُنا ينام ، وطائفةٌ من الشبيبة في وادٍ آخر من
المُشَاكلة والمحادثة . لقد اشتفى بنا كلُّ مبتدع، ومجَّنا كلُّ مؤمن . أفهؤلاء
الغُثاء هم الذين يحفظون على الأمة دينها ؟ كلا والله. فرحم الله هُدبة ، وأين
مثلُ هُذْبة ؟ نعم ما هو في الحِفظ كشعبة .
وعن الفضل بن الحُباب ، قال : مررنا بهُدبَة في أيام أبي الوليد الطيالسي
وهو قاعد على الطريق . فقلنا : لو سألناهُ أن يُحَدِّثَنا، فسألناه ، فقال: الكتب
كُتُب أمية - يريد أخاه .
قال الحَسَنُ بنُ سُفيان : سمعتُ هُدبةَ بنَ خالد ، يقول : صليتُ على
شعبةَ . فقيل له : رأيتَه ؟ فغضب ، وقال : رأيت من هو خير منه حماد بن سلمة ،
وكان سُنّاً، وكان شعبة رأيُه رأي الإِرجاء .
قلت : كلا لم يكن شعبة مرجئاً ولعله شيءٌ يسيرٌ لا يضره .
وقال ابن عدي : سمعتُ أبايَعلى ، وسئل عن حُدبة وشَيْبان أيُّهما أفضل ؟
فقال : هدية أفضلهما وأوثقهما وأكثرهما حديثاً ، كان حديثُ حماد بن سلمة عنده
نسختين : واحدةٌ على الشيوخ ، وأخرى على التصنيف .
قال عَبْدان الأهوازي : كنا لا نصلي خلف هدبة من طول صلاته ، يُسبّح
في الركوع والسجود نيفاً وثلاثين تسبيحة . قال : وكان من أشبه خلق الله بهشام بن
عمار ، لحيته ووجهه ، وكل شيء منه حتى صلاته .
٩٩

قلتُ : اختلفوا في تاريخ موته فروى أبوداود عن محمد بن عبد الملك أنه
مات في سنة خمس وثلاثين ومئتين . وقال ابن حبان : مات سنة ست أو سبع
وثلاثين . وقال غيره : سنة ثمان .
وقع من عالي روايته :
أخبرنا أحمد بنُ إسحاق ، أخبرنا الفتح بن عبد الله ، أخبرنا هبة الله بن
الحسين ، أخبرنا أبو الحسين بن النَّقُور ، حدثنا عيسى بن علي إملاءً ، حدثنا
عبد الله بنُ محمد ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا سُهيل بن أبي حَزم ، عن
ثابت ، عن أنس، أن رسول اللهوَ﴾ قال: في هذه الآية ﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ
المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] ((يقول ربكم عز وجل: ((أَنا أَهْلٌ أَنْ أَتَّقى ، فَلا
يُشْرَكَ بِي غَيْرِي، وَأَنا أَهْلٌ لِمَنِ اتَّقَى أَنْ يُشْرِكَ بِي غَيْرِي أَنْ أَغْفِرَ لَهُ))(١).
أخبرنا أحمد بن إسحاق ، أخبرنا الفتح، أخبرنا الطَّرائِفي ، وابن الداية ،
والقاضي الأَرْمَوِي ، قالوا : أخبرنا ابن المسلمة ، أخبرنا عُبيد الله الزهري ،
أخبرنا جعفر الفريابي ، أخبرنا هدبة ، حدثنا همَّام ، حدثنا قتادة ، عن أنس ،
عن أبي موسى أَنَّ رَسُول الله، وَّهِ، قال: «مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ
الأَتْرُجَّة))(٢). وذكر الحديث.
(١) إسناده ضعيف، لضعف سهيل بن أبي حزم القُطَعي. وأخرجه أحمد ١٤٢/٣ و
٢٤٣، والترمذي (٣٣٢٨)، وابن ماجة (٤٢٩٩)، والدارمي ٣٠٢/٢، ٣٠٣، وأبو يعلى ،
والبزار ، وغيرهم من طرق عن سهيل بن أبي حزم به .
(٢) هو في ((صفة ذم النفاق)) ص ٥٤، وأخرجه البخاري ٥٨/٩، ٥٩ في فضائل
القرآن ، ومسلم رقم (٧٩٧) في صلاة المسافرين : باب فضيلة حافظ القرآن ، وأبو داود
(٤٨٣٠)، والترمذي (٢٨٦٩)، والنسائي ١٢٤/٨، ١٢٥، ولفظه بتمامه: ((مثل المؤمن
الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ، ريحها طيب ، وطعمها طيب . ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن
مثل التمرة ، لا ريح لها ، وطعمها حلو . ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ، ريحها
طيب ، وطعمها مر . ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة ، ليس لها ريح ، وطعمها
مر )) .
١٠٠