النص المفهرس

صفحات 301-320

فقال الأفشينُ : هذا يدَّعي على أخي ، ولو كنتُ قد كتبتُ بهذا إليه
لِخدَعه ، لكان غيرَ مستنكر ، وكنتُ آخذُ برقَبِتِه . فزجرهُ ابنُ أبي دُواد ،
وقال : أخَتينٌ أنتَ؟ قال : لا ، قال : لم ؟ قال: خِفْتُ التَّلَفَ . قال:
أنت تلقى الحروبَ وتخافُ من قطعة قُلْفَة ؟ قال : تلكَ ضرورةٌ أصبِرُ
عليها ، وتلك القلفةُ لا أخرُجُ بها من الإِسلام ، فقال أحمدُ: قد بانَ لكم
أمرُه(١) .
وفيها سقطت أكثرُ الأهوازِ من الزَّلزَلة ، ودامت أياماً(٢) .
وفي سنةٍ ستٍّ : وقع بَرَدّ كالبيض من السماءِ قَتَلَ. ثلاثَ مئةٍ وسبعين
نفساً .
ومُنِعَ الأفشينُ المذكورُ من الطعام ، حتى هلكَ ، ثم صُلِبَ ميتاً ،
وأحرِقَ مع أصنامٍ عندَه ، وهو من أولاد الأكاسرة ، وكان أكبر الدولة(٣).
وأما المازيار ، واسمُه محمدُ بن قارن ، فظالمٌ غاشمٌ جبّار ، ظهر
بِطَبَرِسْتَان ، وحارب عسكر المُعتصم ، ثم أُسِرَ فضُرب حتى مات ،
وصُلب، وتَرَكَ أموالاً لا تنحصِر (٤).
وفي سنةٍ ٢٢٧: ظهر أبو حَرْب المُبَرْقَعِ بِفَلَسْطين ! وزعمَ أنه
(١) انظر هذه المناظرة في ((تاريخ الطبري)) ١٠٧/٩ - ١١٠، و((الكامل)) لابن الأثير
٥١٣/٦ - ٥١٦، و((عيون التواريخ)) ٨ / لوحة ١٠٣ - ١٠٧.
(٢) ((عيون التواريخ)) ٨ / لوحة ١٠٧ .
(٣) ((تاريخ الطبري)) ١١١/٩، و((الكامل)) ٥١٧/٦، وانظر قصيدة أبي تمام التي مدح
بها المعتصم ، ومطلعها :
الحق أبلج والسيوفُ عَوَارٍ
فحذارِ من أسد العرين حذارِ
وهي في (( ديوانه)) ١٩٨/٢ - ٢٠٩ بشرح التبريزي.
(٤) انظر ((الوافي بالوفيات)) ٣٣٧/٤، ٣٣٨، و((عيون التواريخ)) ٨/ لوحة ١٠٨.
٣٠١

السَّفياني ، ودعا إلى إقامةِ الحقّ، وكان قتل جندياً آذى زوجته
ثم ألبس وجهه برقعاً، وأقام بالغَور ، واستفحل أمرُه، واجتمع
عليه أهلُ البِرِّ ، وتفاقم الأمرُ ، فسارَ لحربِهِ أميرُ دمشق رجاء الحصَّاري في٠،
ألفٍ فارس ، فوجده في زُهاءِ مئة ألف ، فهابَه ، فلما جاءَ وقتُ الزِّراعة
تفرَّقوا ، حتى بقيَ في نحو ألفين ، فالتقوا ، وكان المُبَرْقَعُ شُجاعاً مِقداماً ،
فحملَ على الجيش ، فأفرجوا ، فأحاطُوا به ، فأسرُوه وسُجن ، فمات(١) .
قال ابنُ عائذ : واقعَ رجاء أهلَ المَرْجِ ، وجِسرين ، وكَفْر بَطْنا ،
وسَقْبًا(٢) ، وقُتِلَ خلق .
وقيل : بَيَّت أهلَ كفربطنا ، فقتل أزيدَ مِن مئة ألف ، وقتل الأطفالَ ،
وفُتِلَ من الجند ثلاثُ مثة .
قال نِفطويه : يُقال للمُعتصم: المُثَمِّن ، فإنه ثامِنُ بني العباس ،
وتملَّكَ ثماني سنين ، وثمانيةً أشهر . وله فتوحات [ ثمانية ] : بابَك ،
وَعَمُّورِية ، والُّطّ، وبَحر البصرة، وقَلعة الأَجْراف ، وعرب ديار ربيعة ،
والشاري ، وفتح مصرَ - يعني قهرَ أهلَها - قبل خلافته . وقتَل ثمانيةً :
بابَك، والأفشين ، ومازَيار، وباطِيس، ورئيسَ الزَّنادقة، [ و] عُجيفاً ،
وقارون ، وأمير الرافضة (٣).
وقال غيرُ نِفطويه : خلَّف من الذهب ثمانية آلاف ألف دينار ، وثمانية
عشر ألف ألف درهم ، وثمانين ألف فرس ، وثمانية آلاف مملوك، وثمانية
(١) ((تاريخ الطبري)) ١١٦/٩ - ١١٨، و((الكامل)) ٥٢٢/٦، ٥٢٣، و((عيون
التواريخ ٨/ لوحة ١١٧، ١١٨.
(٢) وهي قرى من غوطة دمشق الشرقية.
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٣٤٣/٣، و((العبر)) ٤٠١/١، و((الوافي بالوفيات)) ١٤٠/٥.
٣٠٢

آلاف جارية ، وبنى ثمانية قصور . وقيل : بلغَ مماليكُه ثمانيةَ عشر ألفاً ،
وكان ذا سطوةٍ إذا غضب لا يُبالي من قتل(١) .
قال إسحاق الموصليُّ : دخلتُ عليه ، وعنده قَينةٌ تُغَنِّي ، فقال:
كيفَ ترى ؟ قلتُ : تقهَرُ الغِنَاءِ برِفق ، وتُجيله برِفق ، وتخرُجُ من شيءٍ إلى
ما هو أحسنُ منه ، وفي صوتِها شَجاً وشُذُور أحسنُ من دُرٍّ على نُحور .
فقال : وصفُك لها أحسنُ ، خُذْها لكَ، فامتنعتُ لعلمي بمحبَّتِه لها ،
فأعطاني مقدارَ قيمتها (٢) .
قيل: لما تجهّز لغزو عَمُّورية، زعم المُنَجِّمون أنه طالِعُ نحسٍ
ويُكسَرُ ، فانتصر، فقال أبو تمّام تلكَ القصيدة(٣):
السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءٌ مِنَ الكُتُب
في حدِّهِ الحَدُّ بْنَ الجِدِّ واللَّعِبِ(٤)
والعِلْمُ في شُهُبِ الأَرْماحِ لَامِعَةً
بَيْنَ الخَمِيسَيْنِ لا في السَّبعةِ الشُّهُب(٥)
(١) ((فوات الوفيات)) ٤٨/٤، و((عيون التواريخ)) ٨/ لوحة ١١٩، والعبر ٤٠١/١،
٤٠٢.
(٢) (( تاريخ الطبري)) ١٢٢/٩.
(٣) وتعدُّ من أجود قصائده، وتقع في واحد وسبعين بيتاً ، وفيها يقول :
عنك المنى حُفَّلاً معسولةَ الحَلَبِ
يا يومَ وقعةِ عَمُّوريَّةَ انصرفتْ
والمشركين ودازَ الشركِ فِي صَبْبٍ
أبقيتَ جدَّ بني الإِسلام في صَعَدٍ
وكان فتح عمورية سنة ٢٢٣ هـ وهي من أعظم بلاد الروم في آسيا الصغرى. انظر (( ديوان
أبي تمام )) ٤٠/١ - ٧٤ بشرح التبريزي .
(٤) وبعده في ((الديوان)):
مُتونهنَّ جِلاءُ الشّكِّ والرِّيَبِ
بيضُ الصفائحِ لا سودُ الصحائفِ في
(٥) قال التبريزي : يردُّ على المنجمين ما حكموا به ، لأنّ الظفر كان بعد حكمهم ، =
٣٠٣

أَيْنَ الرِّوَايَةُ أَمْ أَيْنِ النُّجومُ وَمَا
صَاغُوهِ مِنْ زُخْرُفٍ فيها ومِنْ كَذِبٍ(١)
تَخَرُّصَاً وَأحادِيئاً مُلَفَّقَةً
لَيْسَتْ بِنَبْعِ إذا عُدَّتْ وَلَ غَرَبٍ(٢)
عن أحمد بن أبي دُواد ، قال : كان المعتصمُ يُخرِجُ إليَّ ساعدَهُ ،
ويقول : عَضَّه بأكبر قوَّتك، فأقول: ما تطيبُ نفسي ، فيقولُ : لا
يضرُّني، [ فَأَرومُ ذلك ] فإذا هو لا تعملُ فيه الأسنَّةُ فضلًا عن الأسنان .
وقبضَ على جنديِّ ظالمٍ ، فسمعتُ صوتَ عظامِه، ثم أرسلَه ،
فسقط (٣) .
وعن ابنٍ أبي دُواد ، وذكر المعتصمَ ، فبالغ وقال : كنتُ أُزامِلُه في
سَفَرِه ، ووصفَ سعةَ أخلاقه(٤) .
=ويعني بـ ((شهب الأرماح)): أسنتها، وبـ (( السبعة الشهب)): الطوالع التي أرفعها زحل ،
وأدناها القمر. وقوله: ((لامعةً)) نصب على الحال من ((شهب الأرماح)). والخميسان:
الجيشان .
(١) أصل الزخرف: ما يعجبك من متاع الدنيا، وربما خُصَّ به الذهب ، ويقال للقول
المحسَّن المكذوب : زخرف ، لأنه حُسِّن ليغر .
(٢) التخرُّص: التكذب وافتراء القول. و((ملفقة)) أي: ضم بعضها إلى بعض،
وليست من شكل واحد . و((النبع)): شجر صلب ينبت في رؤوس الجبال ، وتتخذ منه
القسي ، وإذا وصف الرجل بالجلادة والصبر شبه بالنبع ، أي : أنه صلب لا يقدر على كسره ،
ومن أمثالهم: ((النبع يقرع بعضه بعضاً)) يضرب مثلاً للقوم الأشداء يبلون بمثلهم في الشدة .
و(( الغَرَب)): شجر ينبت على الأنهار ليس له قوة . يقول: هذه الأحاديث ليست بقوية ولا
ضعيفة ، أي : غير شيء ، كما يقال : ما هو بخلٍّ ولا خمر ، أي : هو كالمعدوم ليس عنده
خير ولا شر .
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٣٤٦/٣، و((الوافي بالوفيات)) ١٤٠/٥، و((فوات الوفيات))
٤٩/٤، وفيها أن هذا الجندي أخذ ابناً لامرأةٍ ، فأمره بردّه، فامتنع ، فقبض عليه ..
(٤) انظر ما وصفه به في ((تاريخ بغداد )) ٣٤٥/٣.
٣٠٤

قال الخطيبُ : كثُر عسكرُ المُعتصم ، وضاقت عليهم بغدادُ ، فبنى
مدينة ((سُرّ مَن رأى)) وتحوَّل إليها. وتُسمّى أيضاً: العسكر (١).
وقيل : كان عليق دوابِّ المعتصم خمسين ألف مخلاة(٢).
وقيل: إنَّه قال في مرضه: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بما أُوتوا أخذناهُم
بَغْتَةً﴾ [الأنعام : ٤٤] .
وقال عليُّ بنُ الجَعْد : جعلَ المُعتصِمُ يقول : ذهَبَتِ الحيلةُ ، فليس
حيلة ، حتى صَمْتَ(٣) .
وقيل : إنَّه قال : أُوخذ وحدي من بين هذا الخلق .
وله نظمٌ وسَط(٤) ، وكلماتٌ جيدة .
وقيل : إنه جعلَ زَنْدَ رجلٍ بين أُصبعيه ، فكسره(٥).
قيل : إنه قال : عاقل عاقل مرّتين أحمق .
(١) ((تاريخ بغداد)) ٣٤٦/٣، و((فوات الوفيات)) ٤٩/٤. ويقال: إن السبب في بنائها
أن المعتصم أمر أبا الوزير أحمد بن خالد الكاتب أن يأخذ مالاً ، ويشتري به في هذه الناحية
( أي : ناحية سامراء) موضعاً يبني فيه مدينة ، وقال له : إني أتخوّف أن يصيح هؤلاء الحربية
صيحة ، فيقتلوا غلماني ، فإذا ابتعت لي هذا الموضع كنت فوقهم ، فإن رابني رائب أتيتهم في
البر والبحر ، حتى آتي عليهم، فاشترى أبو الوزير الموضع ، وخرج المعتصم في آخر سنة
٢٢٠ حتى نزل القاطول ، وبدأ بالبناء سنة ٢٢١، وما زالت تعمر حتى أصبحت من أعظم
الحواضر الإسلامية أيام المعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر ، ثم بدأت في التناقص منذ خلافة
المستعين حتى ولي الخلافة المعتضد ، فتركها إلى بغداد ، وبدأ الخراب يزحف نحوها . انظر
((معجم البلدان)) ١٧٤/٣ - ١٧٨ .
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٣٤٦/٣، و((فوات الوفيات)) ٤٩/٤.
(٣) انظر ((فوات الوفيات)) ٤ /٤٩.
(٤) انظر شيئاً من نظمه في ((فوات الوفيات)) ٤٩/٤، ٥٠ .
(٥) ((فوات الوفيات)) ٤٩/٤، و((الوافي بالوفيات)) ١٤٠/٥.
٣٠٥
سیر ٢٠/١٠

قال إسحاقُ المصعبي : والله ما رأيتُ مثلَ المعتصم رجلاً، لقد
رأيتُه يُملي كتاباً، ويقرأ كتاباً ، ويعقِدُ بيده ، وإنه ليُنشِدُ شعراً يتمثّلُ به .
مات المعتصمُ يومَ الخميس لإِحدى عشرة ليلةٌ خَلَت من ربيع الأول
سنةً سبعٍ وعشرين ومئتين ، وله سبعٌ وأربعون سنة وسبعة أشهر ، ودفن
((بسُرَّ من رأى)) وصلّى عليه ابنُه الواثق.
وقيل : إنه قال : اللهُمَّ إني أخافُك مِنْ قِبَلي ، ولا أخافُك من
قِبَلِك، وأرجوك من قِبَلِك، ولا أرجوكَ من قِبَلي(١).
ولنذكر معه ابنه الواثق، وله من الولدِ أيضاً : جعفرٌ المتوكل ،
والعباس، وعليَّ، وأحمدُ ، ومحمدٌ ، وعبدُ الله، وسُليمان، وإبراهيمُ ،
وفاطمةُ، وأمُّ القاسم ، وأُّ العباس ، وأمُّ موسى ، وعائشةُ ، وأُمُّ الفضل ،
وأمُّ محمد، وأمّ عيسى، وأمّ موسى ، وأُمُّ أبيها ، وأم عبدِ الله .
٧٤ - الواثق بالله *
الخليفةُ أبو جعفر، وأبو القاسم هارونُ بنُ المعتصم بالله أبي إسحاق
محمدٍ ، بن هارون الرشيد ، بن المهدي محمد ، بن المنصور العباسي
البغدادي، وأَمُّ رُومِيَّةٌ اسمُها ((قراطيس))(٢)، أدركت خلافته.
(١) ((تاريخ بغداد)) ٣٤٦/٣.
* تاريخ اليعقوبي ٢٠٤/٣، تاريخ الطبري ١٢٣/٩، مروج الذهب للمسعودي.
١٤٥/٧، الأغاني ٢٧٦/٩ - ٣٠٠، تاريخ بغداد ١٥/١٤، الكامل في التاريخ ٥٢٨/٦،
النبراس لابن دحية: ٧٣ - ٨٠، فوات الوفيات ٢٢٨/٤ - ٢٣٠، تاريخ الخلفاء : ٣٦٧، تاريخ
الخميس ٣٣٧/٢.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١٦/١٤، و((مروج الذهب)) ١٤٥/٧، و((فوات الوفيات))
٢٢٨/٤، و(عيون التواريخ)) ٨/ لوحة ١١٨.
٣٠٦

ولي الأمر بعهدٍ من أبيه في سنة ٢٢٧ .
وكان مولده في شعبان سنة ستّ وتسعين ومئة .
قال يحيى بنُ أكثم : ما أحسنَ أحدٌ إلى الطالبيين ما أحسنَ إليهم
الواثقُ ، ما ماتَ وفيهم فقير (١).
وقال حمدون بن إسماعيل : كان الواثِقُ مليحَ الشِّعر ، وكان يُحِبُّ
مولىّ أهداهُ له مِن مصر شخصٌ، فأغضبَه ، فحَرِدَ ، حتى قال لبعضٍ
الخَدَم : واللهِ إنَّ مولايَ ليرومُ أَنْ أُكَلِّمه مِن أمس ، فما أفعل ، فعمل
الواثقُ :
يا ذا الذي بِعَذَابِي ظَلَّ مُفْتَخِرا
ما انتَ إلّ مليكٌ جارَ إِذْ قَدَرا
لولا الهوى لَتَجازَيْنا على قَدَرٍ
وإن أُفِقْ منه يوماً ما فسوفَ ترى(٢)
قال الخطيبُ : استولى أحمدُ بن أبي دُواد على الواثق ، وحملَهُ على
التشدُّد في المحنة ، والدعاءِ إلى خلقِ القرآن(٣).
وقيل : إنَّه رجعَ عن ذلك قُبيل موته .
قال عُبيدُ الله بنُ يحيى: حدثنا إبراهيمُ بن أسباط ، قال: حُمِل
رجلٌ مقيدٌ ، فَأُدخِلَ على ابن أبي دُواد بحضُور الواثقِ ، فقال لأحمد :
(١) ((تاريخ بغداد)) ١٩/١٤، و((فوات الوفيات)) ٢٢٥/٤، و((تاريخ الخلفاء)) ص
٣٤٢ .
(٢) البيتان في ((الأغاني)) ٢٩٧/٩، و((فوات الوفيات)) ٢٢٩/٤، و(( تاريخ الخلفاء))
ص ٣٦٨. وفي الأصل: ((جاد)) بالدال بدل ((جار)) وهو خطأ.
(٣) ((تاريخ بغداد)) ١٩/١٤، و((فوات الوفيات)) ٢٢٩/٤.
٣٠٧

-
أخبرني عن ما دعوتُم النّاسَ إليه، أَعَلِمَهُ رسولُ اللهِ وَ فما دعا إليه ، أم
شيءٌ لم يَعلمه؟ قال : بل عَلِمَه . قال : فكان يَسَعُه أن لا يدعوَ الناسَ
إليه ، وأنتم لا يسَعُكم؟! فَبُهِتُوا، وضَحِكَ الواثقُ ، وقام قابضاً على
فمه ، ودخل مجلساً، ومدَّ رجليه وهو يقولُ: أمرٌ وَسِعَ رسولَ اللهِ وَ﴿ أن
يسكُتَ عنه ولا يَسَعُنَا! ثم أمر أن يُعطى الشيخُ ثلاث مئة دينار، وأن يُرَدَّ
إلى بلده (١) .
وعن طاهر بن خلف قال : سمعتُ المهتدي بالله بن الواثق يقولُ :
كان أبي إذا أرادَ أن يَقْتُلَ رجلاً، أحضَرَنا ، قال : فأتي بشيخٍ مخضوبٍ
مُقِيَّدٍ، فقال أبي : ائذنوا لأحمدَ بنِ أبي دُواد وأصحابِهِ ، وأُدخِل الشيخُ ،
فقال : السلامُ عليكم يا أميرَ المؤمنين ، فقال : لا سلَّم الله عليكَ، قال :
بئسَ ما أَدَّبَك مُؤَدِّبُك، قال اللهُ تعالى: ﴿وإذا حُيِّئْتُم بتحيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ
منها أو رُدُّوها ﴾ [النساء: ٨٦]، فقال أحمدُ: الرجلُ متكلمٌ . قال:
كَلِّمه . فقال : يا شيخُ ، ما تقولُ في القُرآنِ ؟ قال : لم تُنصِفْني ولي
السؤالُ ، قال : سَلْ . قال : ما تقولُ أنتَ ؟ قال : مخلوقٌ . قال : هذا
شيءٌ عَلمهُ رسولُ اللهِ وَهِ وأبو بكر وعُمر والخلفاءُ ، أم لم يَعْلموه ؟ فقال:
شيءٌ لم يَعلموه ، قال: سبحانَ الله ، شيءٌ لم يعلموه وعلمتّه أنت ؟!
فخجل ، وقال : أَقِلْنِي . قال : المسألةُ بحالِها ، ما تقولُ في القُرآن ؟
قال : مخلوقٌ، قال : شيءٌ علمهُ رسولُ الله؟ قال: عَلِمَه، قال: أَعلمه
ولم يَدْعُ الناسَ إليه؟ قال : نعم . قال : فوسِعَه ذلك ؟ قال : نعم . قال :
أفلا وَسعَكَ ما وسِعَه ، ووسِعَ الخُلفاء بعده ؟ فقامَ الواثِقُ، فدخَل الخَلوة ،
(١) ((فوات الوفيات)) ٢٢٩/٤، و((عيون التواريخ)) ٨/ لوحة ١٦٨، و((تاريخ الخلفاء))
ص ٣٦٨ .
٣٠٨

واستلقى وهو يقول: شيءٌ لم يعلمه النبيُّ بَّه، ولا أبو بكر ، ولا عمر،
ولا عثمان ، ولا علي، علمته أنت! سبحان الله، عَرَفُوه ، ولم يدعُوا إِليه
النّاس! فهلا وسِعَكَ ما وسِعَهُم! ثم أمرَ برفعِ قيدِ الشيخ ، وأمرَ له
بأربعِ مئةٍ دينار ، وسقطَ من عينه ابنُ أبي دُواد ، ولم يمتحن بعدها
حداً .
في إسنادها مجاهيلُ ، فاللهُ أعلمُ بصحتها .
وروى نحواً منها أحمدُ بن السندي الحداد ، عن أحمد بن
المُمتنع ، عن صالحِ بن علي الهاشمي ، عن المُهتدي بالله . قال
صالح : حضرتهُ وقد جلس ، والقِصصُ تُقرأ عليه ، ويأمرُ بالتوقيع عليها،
فسرَّني ذلك ، وجعلتُ أنظُرُ إليه ، فَقَطِنَ ، ونظرَ إليَّ، فَغَضَضْتُ عنه ،
قال : فقال لي : في نفسِك شيءٌ تحبُّ أن تقوله، فلما انفضَّ المجلِسُ ،
أُدخلت مجلسَه، فقال : تقولُ ما دارَ في نفسكَ، أو أقولُه لك ؟ قلتُ : يا
أميرَ المؤمنين ، ما ترَى؟ قال : أقولُ : إنه قد استحسنْتَ ما رأيتَ منا ،
فقلتَ في نفسِك : أيُّ خليفةٍ خليفتُنا إن لم يكن يقولُ : القرآن مخلوق .
قال : فورَدَ عليَّ أمرٌ عظيم ، ثم قلتُ : يا نفسُ ، هل تموتين قبل
أجلك؟! فقلتُ : نعم ، فأطرق، ثم قال : اسْمَعْ، فواللهِ لتسمَعَنَّ
الحقَّ، فسُرِّيَ عِنِّي ، وقلت : ومَنْ أولى بالحقِّ مِنك وأنتَ خليفةُ ربِّ
العالمين(١)؟ قال : ما زِلتُ أقولُ: القرآن مخلوقٌ صَدراً من أيامِ الواثق
حتى أَقْدمَ شيخاً من أذَنَة ، فأُدخِلَ مُقِيَّداً، وهو شيخٌ جميلٌ ، حسنُ
الشَّيبةِ ، فرأيتُ الواثِقَ قد استحيا منه ، ورقَّ له ، فما زال يُدنیه حتى قَرُب
(١) الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لم يعطوا هذا اللقب لأبي بكر الصديق ، وهو
أفضل الناس بعد رسول الله وَّل#، وإنما قالوا له : يا خليفة رسول الله.
٣٠٩

جـ
منه ، وجلَسَ ، فقال : ناظرٍ ابنَ أبي دُواد ، قال: يا أميرَ المؤمنين ، إنه
يضعُفُ عن المُناظرة ، فَغَضِب وقال : أبو عبد الله يضعُفُ عن مناظرتِك
أنتَ ؟ قال : هَوِّن عليك، وائْذَنْ لي ، واحفظ عليَّ وعَليه ، ثم قال : يا
أحمدُ ، أخبرني عن مقالِكَ هُذه ، هيَ مقالةٌ واجبةٌ داخلةً في عقدِ الدين ،
فلا يكونُ الدينُ كامِلاً حتى تُقال ؟ قال : نعم . قال : فأخبرني عن رسولِ
اللهِ وَ﴾له حين بَعثَه اللهُ، هل سَتَر شيئاً مما أُمِرَ به؟ قال: لا، قال: فدعا
إلى مقالتِكَ هُذه ؟ فسكت ، فقال الشيخُ: يا أميرَ المؤمنين ، واحدة . قال
الواثق: واحدة . ثم قال : أخبرني عن اللَّهِ تعالى حين قال: ﴿اليَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُم دِينَكُم﴾ [المائدة : ٣]، أكانَ اللهُ هو الصادقَ في إكمالٍ
ديننا ، أو أنتَ الصادقُ في نُقصانه حتى يُقال بمقالتك ؟ فسكتَ أحمدُ ،
فقال الشيخُ : اثنتانٍ يا أميرَ المؤمنين ، قال : نعم . فقال : أخبرني عن
مقالتِك هذه ، أعَلِمَها رسولُ الله أم جَهِلَها؟ قال: عَلِمَها ، قال : فدعا
إليها؟ فسكتَ، قال الشيخُ: ثلاثة، ثم قال: فَأَتَّسَعَ لرسولِ اللهِّ أن
يُمْسِكَ عنها، ولم يُطالِبْ أُمَّتَه بها؟ قال : نعم ، قال : واتَّسعَ ذلك لأبي
بكرٍ وعُمر وعُثمان وعلي ؟ قال: نعم . فأعرضَ الشيخ عنه ، وقال : يا أميرَ
المؤمنين، قد قدَّمتُ القولَ بأنَّ أحمدَ يَضْعُفُ عن المُناظرة ، يا أميرَ
المؤمنين ، إن لم يتَسِعَ لكَ من الإمساكِ عن هذه المقالةِ ما زَعم هذا أنَّه
اتَّسْعَ للنبي :﴿ وأصحابِهِ ، فلا وسَّعَ اللهُ عليكَ، قال الواثق : نعم ، كذا
هو، اقطعوا قيدَ الشيخ، فلما قطعوه، ضربَ بيدِه، فَأَخَذَه ، فقال
الواثِقُ : لِمَ أَخَذْتَه ؟ قال : لأنِّي نويتُ أن أُوصيَ أن يُجعل معي في كَفني
لُأخاصِم هذا به عندَ الله ، ثم بكى، فبكى الواثِقُ، وبكينا، ثم سألَهُ
الواثقُ أن يُحلَّه، وأمرَ له بصِلَةٍ ، فقال: لا حاجة لي بها . ثم قال
المهتدي : فرجعتُ عن هذه المقالة ، وأظنُّ الواثق رجعَ عنها في يومئذ .
٣١٠

قال إبراهيمُ نِفطويه : حدَّثنا حامدُ بنُ العبّاس ، عن رجلٍ ، عن
المُهتدي بالله أنَّ الواثقَ مات وقد تاب عن القول بخلق القرآن(١).
قال ابنُ أبي الدنيا : كان أبيضَ تعلُوه صُفرةٌ ، حسنَ اللحية ، في عينِهِ
نكتة (٢).
قلتُ : وكان وافِرَ الأدَبِ . قيل : إنَّ جاريةُ غنّْهُ شِعْرَ العَرْجي(٣):
أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُم رَجُلاً رَدَّ السَّلَامَ تَحِيَّةُ ظُلْمُ
فَمِن الحاضرين مَن صوَّبَ نَصْبَ ((رجلاً)) ومنهم [مَن ] رفع ،
فقالت : هكذا لقِّتَني المازِنِيُّ ، فطلبَ المازني ، فلما مَثُلَ بين يديه ، قال :
مِمَّن الرجلُ ؟ قال : مِن مازِن ، قال : أيُّ الموازن ، أمازِنُ تميم ، أم مازنُ
قَيس ، أم مازِنُ ربيعة ؟ قلت : مازن ربيعة ، فكلَّمني حينئذٍ بلُغةٍ قومي ،
فقال : با اسمُكَ ؟ - لأَنَّهم يَقلِبُون الميم باءً، والباءَ ميماً - فكرهتُ أن
أُواجِهه بـ ((مكر )) ، فقلتُ : بكر يا أميرَ المؤمنين ، فَفَطِن لها وأعجبته ،
قال : ما تقولُ في هذا البيتِ ؟ قلتُ: الوجهُ النَّصبُ، لأنَّ ((مُصابكم))
مصدر بمعنى (( إصابتكم)) فعارَضني ابنُ اليَزِيدِيِّ، قلتُ : هو بمنزلةٍ : إنَّ
(١) ((تاريخ بغداد)) ١٨/١٤، و((فوات الوفيات)) ٢٢٩/٤.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٢١/١٤، و((فوات الوفيات)) ٢٢٨/٤.
(٣) وكذا نسبه ابن خلكان ٢٨٤/١، والحريري في ((درة الغواص)): ٤٣ إلى العرجي،
وهو في ((ديوانه)): ١٩٣، ونسبه صاحب ((الأغاني)) ٢٣٤/٩ إلى الحارث بن خالد
المخزومي، ونقله عنه ياقوت في ((معجم الأدباء)) ١١١/٧، وقال الصلاح الصفدي في
((الوافي)) ٢١٢/١٠ بعد أن نقل نسبته إلى العرجي عن المبرد: وقال آخرون - وهو
الصحيح - : إنه للحارث بن خالد المخزومي من أبيات أولها :
فالعنزتان فأوحش الخطمُ
أقوى مِنْ آل ظليمةً الحزم
فَلْيَهْنَهُ إِذْ جاءك السلمُ
وبعد البيت المذكور :
أقصيته وأراد سلمكمُ
٣١١

ضَرْبَكَ زَيداً ظُلْمٌ، فالرجلُ مفعول (( مصابَكم)) ، والكلام معلَّقٌ إلى أن تقول
((ظلم ))، فيتُّ الكلامُ . فَأُعجِب الواثِقُ، وأعطاني ألف دينار(١).
قيل : إنَّ الواثقَ كان ذا نَهْمَةٍ بالجِماع بحيثُ إِنَّه أكلَ لحم سَبُعٍ
لذلك ، فولَّد له مَرَضاً صعباً كان فيه حتفُه .
وفي العام الثاني مِن دولته قدَّم مولاه أَشْنَاس على القُوَّاد ، وألبسَه
تاجاً، ووِشّاحين مجوهَرَيْنِ(٢) .
وفي سنة تسعٍ وعشرين : صادرَ الدَّوَاوين ، وضربَ أحمدَ بن أبي
إسرائيل ، وأخذ منه ثمانَ مئة ألف دينار ، ومِن سليمان بن وهب أربعَ مئة ألف
دينار ، وأخذَ مِن أحمد بنِ الخصيب وكاتِبه ألفَ ألف دينار(٣).
وفي سنة إحدى وثلاثين : قَتَل أحمدَ بنَ نصرِ الخُزاعي (٤) الشهيد
ظُلماً ، وأمرَ بامتحانِ الأئمة والمُؤَذِّنين بخلقِ القرآن ، وافتكَّ من أَسْرِ الروم
أربعةَ آلاف وستَّ مئةٍ نفس ، فقال ابنُ أبي دُواد : مَن لم يقل : القرآنُ
مخلوقٌ ، فلا تفتگُّوه (٥) .
وفيها جاءَ المجوسُ الأردمانيون في مراكب من ساحل البحر الأعظم ،
(١) ((نزهة الألباء)) ١٨٣ - ١٨٥، و((وفيات الأعيان)) ٢٨٤/١، و((إنباه الرواة))
٢٤٩/١، و((الأغاني)) ٢٣٤/٩، ٢٣٥، و((الوافي بالوفيات)) ٢١٢/١٠، ٢١٣، و(( عيون
التواريخ ) ٨/ لوحة ١٣٥ .
(٢) ((تاريخ الطبري)) ١٢٤/٩، و((الكامل)) لابن الأثير ٩/٧.
(٣) ((تاريخ الطبري) ١٢٧/٩، ١٢٨، و((الكامل)) لابن الأثير ١٠/٧، و((فوات
الوفيات)) ٢٣٠/٤ وفيه: في سنة (٢٠٢) بدل (٢٢٩) وهو خطأ ، لأن خلافة الواثق إنما كانت
في أول سنة (٢٢٧ هـ) .
(٤) سترد ترجمته في الجزء الحادي عشر من الكتاب ص ١٦٦ .
(٥) انظر خبر الفداء بين المسلمين والروم في ((تاريخ الطبري)) ١٤١/٩، و((الكامل))
لابن الأثير ٢٤/٧ .
٣١٢

فدخلوا إشبيلية بالسيفِ ، ولم يكن لها سورٌ بعدُ ، فجهَّزَ لحربِهم أميرُ
الأندلس عبدُ الرحمن المرواني جيشاً ، فالتقوا، فانهزمَ الأردمانيون ، وأُسِرَ
متهم أربعةُ آلاف ولله الحمد .
قال زُرْقَانُ بن أبي دُواد : لما احتُضِرَ الواثق ، ردَّدَ هذين البيتين :
المَوْتُ فِيهِ جَمِيعُ الخَلقِ مشترِكٌ لَا سُوقَةٌ مِنْهُمُ يَبْقَى وَلا مَلِكُ
ماضَرَّ أهلَ قَليلٍ في تَفرُّقِهم وليسَ يُغني عن الأَمْلاكِ ما مَلَكوا
ثم أمر بالبُسطِ ، فطُويت ، وألصَقَ خذَّهُ بالتُّرابِ ، وجعل يقولُ : يا من
لا يزولُ ملكُه، ارحمْ من قد زالَ مُلكُه(١).
وروى أحمدُ بن محمد الواثقي أميرُ البصرة ، عن أبيه ، قال : كنتُ
أُمَرِّضُ الوَائِقَ ، فلحقته غَشيةٌ ، فما شكَكْنا أنَّه ماتَ ، فقال بعضُنا لبعض :
تقدَّموا ، فما جَسَرَ أحدٌ ◌ِوايَ ، فلما أَن أردتُ أن أضعَ يدي على أنفهِ ، فتح
عينيه، فَرُعِبْتُ، ورجعتُ إلى خلفٍ، فتعلَّقَتْ قَبِيعَةُ(٢) سيفي بالعَتَبَة،
فعَثرتُ ، واندَقَّ السيفُ ، وكادَ أن يَجرحَني، واستدعيتُ سَيفاً، وجئتُ ،
فوقفتُ ساعةً ، فَتَلِفَ الرجلُ ، فشددتُ لَحَيْهِ وغمَّضتُه وسجَّيتُه، وأخذَ
الفَرَّاشُون ما تَحته ليردُّوه إلى الخزائن ، وتُرِكَ وحدَه ، فقال ابنُ أبي دُواد : إنا
نُريدُ أن نَتشاغلَ بعقدِ البيعة ، فاحفَظْه ، فرددتُ بابَ المجلس ، وجلستُ
عند الباب ، فَحَسَسْتُ بعدَ ساعةٍ بحركةٍ أَفزعتني ، فأدخلُ ، فإذا بجرذَونٍ قد
استلَّ عينَ الواثِق فأَكَلها ، فقلتُ : لا إله إلا الله، هذه العينُ التي فتحها من
(١) البيتان في ((تاريخ بغداد)) ١٩/١٤، و((الكامل)) لابن الأثير ٢٩/٧، و((فوات
الوفيات)) ٢٣٠/٤، وفيهما: ((تفافرهم)) بدل ((تفرقهم)) و((تاريخ الخلفاء)): ٣٤٤ وفيه :
(( تفارقهم » .
(٢) هي التي على رأس قائم السيف ، وربما اتخذت من فضة .
٣١٣

ساعة ، فاندقَّ سيفي هَيبةً لها(١)!
قلتُ : كانت خلافتُه خمسَ سنين ونصفاً ، مات بسامرًّا لِستٍ بقينَ من
ذي الحجة سنةَ اثنتين وثلاثين ومئتين(٢)، وبايعوا بعده أخاهُ المُتوكِّل.
٧٥ _ مُسلِم بن إبراهيم * ( ع)
الإِمامُ الحافِظُ الثِّقةُ، مُسنِدُ البصرة ، أبو عمرو الأزْدي الفراهيدي
مولاهم البَصري ، القَصَّاب .
وُلِدَ في حدود الثلاثين ومئة .
وحدَّث عن : عبدِ الله بنِ عَون يسيراً ، وعن قُرَّةَ بنِ خالد ، ومالك بن
مِغْوَل ، وسَعيد بن أبي عَرُوبة ، وهشامِ الدَّستُوائي ، وإسماعيلَ بنِ مُسلم
العَبدي ، وأَبي(٣) الغُصْن دُجَين اليربوعي ، وأبي خَلْدَة خالدِ بنِ دینار ،
وشُعبةَ بنِ الحجَاجِ، وهَمّام، وأَبَّان ، وسلَّم بنِ مسكين، ويَزِيدَ بن
إبراهيم ، وعبدِ الله بن المُثَنِى ، والأسود بنِ شَيبان ، ومحمد بن فَضَاء ،
والمُسْتَمِرِّ بنِ الرَّيَّان ، ووُهيب ، والقاسمِ بن الفَضل الحُدَّاني، ومُباركٍ بن
فَضَالة ، وخلقٍ سواهم .
(١) ((تاريخ بغداد)) ١٩/١٤، ٢٠، و((الكامل)) لابن الأثير ٣٠/٧، و((عيون التواريخ))
٨/ لوحة ١٦٧ .
(٢) ((تاريخ بغداد)» ٢٠/١٤.
* طبقات ابن سعد ٣٠٤/٧، طبقات خليفة ت ( ١٩٤٤)، تاريخ خليفة : ٤٧٦، التاريخ
الكبير ٢٥٤/٧، التاريخ الصغير ٣٤٦/٢، الجرح والتعديل ١٨١/٨، تهذيب الكمال لوحة
١٣٢٢، تذهيب التهذيب ٤ / ٢/٣٥، تذكرة الحفاظ ٣٩٤/١، العبر ٣٨٥/١، الكاشف
١٣٩/٣، تهذيب التهذيب ١٢١/١٠، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٧٤، شذرات الذهب
٥٠/٢.
(٣) في الأصل: ((ابن)) وهو خطأ، انظر ((الجرح والتعديل)) ٤٤٣/٣.
٣١٤

وعنه : البخاريُّ ، وأبو داود ، وهو أكبرُ شيخٍ لأبي داود ، ويَحيى بنُ
مَعِين ، ونَصرُ بنُ علي ، ومحمدُ بن يحيى ، وزيدُ بن أُخْزَم ، وحجَاجُ بن
الشَّاعر، وعَبْدُ بن حُميد ، وعبدُ الله بن عبد الرحمن الدارمي ، وأبو زُرعة ،
وأبو حاتم ، وأحمدُ بن أبي خَيْئمة، وأحمدُ بنُ الفُرات ، ويَحيى بن
مُطَرِّف، وإسماعيل سَمّويه ، وحفصُ بن عُمر الرِّقِّي سِنْجَه ، ومحمدُ بنُ
أَيُّوب بن الضُّرَيس ، وأبو مُسلم الكَجِّي ، ومحمدُ بنُ عثمان بن أبي سُويد ،
وأبو خَليفة ، وعليُّ بنُ عَبد العزيز، ومحمدُ بن عبد الله بن سَنْجَر
الجُرجاني ، وخلقٌ كثير .
روى أحمدُ بنُ زهير، عن يحيى بنِ مَعِين : ثقة مأمون(١).
وقال الفضلُ بنُ سهلِ الأعرج : كان يحيى بنُ مَعِين يُقدِّم مُسلمَ بن
إبراهيم على مُعاذٍ بنِ هشام ، ويقولُ : لا أجعلُ رجلاً لم يروِ إلا عن أبيه ،
كرجلٍ روى عن الناس(٢).
وقال أبو إسماعيل الترمذيُّ: سمعتُ مُسلِمَ بنَ إبراهيم يقول : كتبتُ
عن ثمان مئةٍ شيخ ، ما جُزْتُ الجِسر(٣).
قال أبو داود : ما رحلَ مسلمٌ إلى أحدٍ ، وكتبَ عن قريبٍ من ألفٍ
شيخ ، وهؤلاء أصحابُ شيوخ : مسلم بن إبراهيم ، وعبد الصمد ،
وإسحاق بن إدريس (٤)
وقال أيضاً : كان مسلمٌ يحفَظُ حديثَه عن قُرَّة ، ويحفظُ حديثَ هِشام ،
(١) ((الجرح والتعديل)) ١٨١/٨.
(٢) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٣٢٣.
(٣) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٣٢٣.
(٤) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٣٢٣.
٣١٥

وحديثَ أَبَان العَطّار، يَهُذُّه هذَّاً، وهو أحبُّ إلينا من ابنٍ كَثير، كان ابنُ
كثيرٍ - يعني محمداً - لا يحفَظُ، وكانت فيه سلامة(١) .
قال نصرُ بن علي : سمعتُ مُسلِمَ بنَ إبراهيم يقول : قعدتُ مرةً أُذاكِرُ
شعبةَ عن خالد بنٍ قيس ، فقال : كِدْتَ تلقى أبا هريرة - يريد على سبيل
المبالغة (٢) .
قال أحمدُ بن عبد الله العجلي : كان مسلمٌ يسكُنُ البصرَةَ في دارٍ
كبيرة ، وإنما معه أختُه عجوزٌ كبيرة ، وكان أصحابُ الحديث إذا أرادوا أن
يَغِيظُوه قالوا: أخْتُك قَدَريَّة، فيقول : لا واللهِ إلا مُثِتَة . وكان ثقةٌ عَمِيَ
بَأَخَرةٍ ، وروى عن سبعين امرأة(٣) .
قال أبو زُرعة : سمعتُ مسلمَ بنَ إبراهيم يقولُ: ما أَتيتُ حلالاً ولا
حراماً قطُّ، وكان أتى عليه نيفٌ وثمانون سنة (٤) .
قال أبو حاتم : كان لا يَحتاجُ إليه - يعني الجماع- وهو ثقةٌ
صدوق(٥) .
مات في صفر سنةً اثنتين وعشرين ومئتين(٦)، وهو في عشر المئة ،
رحمه الله
(١) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٣٢٣.
(٢) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٣٢٣.
(٣) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٣٢٣، وهذه الظاهرة ظاهرة الإكثار من الرواية عن النساء
وأخذ العلم عنهن استمرت حتى عصر المؤلف ، وفي مشيخته تراجم لكثير من النساء اللائي
روى عنهن ، وأفاد منهن ، وهذا من أبين الأدلة على تشجيع الإِسلام للمرأة أن تتعلم ، وتستمرُّ
في العلم حتى تبلغ درجة الأستاذة ، فيؤخذ عنها ، ويستفاد منها :
(٤) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٣٢٣.
(٥) ((الجرح والتعديل)) ١٨١/٨.
(٦) ((طبقات ابن سعد)) ٣٠٤/٧.
٣١٦

أخبرنا أبو الفضل أحمدُ بنُ تاج الأمناء ، أنبأنا عبدُ المُعِزِّ بنُ محمد ،
أخبرنا زاهرُ بنُ طاهر ، أخبرنا أبو سَعد الكنجروذي ، أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد
الرَّازي، أخبرنا محمدُ بن أيوب، حدثنا مُسلمُ بنُ إبراهيم ، حدثنا سَخَّامةُ
ابنُ عبد الله قال : قدمَ علينا أَنسُ بنُ مالك واسط ، فحدَّثَنا أنَّ رجلاً جاء إلى
النبي ◌َّهِ، فذكر من أمره حاجةً وفقراً، فأُقيمت الصلاةُ، فنهضَ النبيُّ ◌َ
ليدخُلَ فيها ، فتعَلَّقَ به الرجلُ ، فقامَ معه حتى قَضى حاجتهُ ، ثم دخلَ في
الصلاة .
هذا حديثٌ حسنٌ عالٍ جداً. وسَخَّامةُ مذكورٌ في كتاب (( الثقات))
لابن حبان(١)، وقد أخرج له البخاريُّ هذا الحديثَ في كتاب ((الأدب))(٢) عن
أبي بكر بنِ أبي الأسود، عن أبي عامر العَقدي عنه .
أنبأنا عليُّ بنُ أحمد وغيره ، قالوا : أخبرنا عُمرُ بن محمد ، أخبرنا أبو
غالب بنُ البَنَّاء ، أخبرنا الحسنُ بنُ علي الجوهريُّ ، أخبرنا أبو بكر
القَطِيعيُّ ، حدثنا إبراهيمُ بنُ عبد الله ، حدثنا مُسلِمُ بن إبراهيم ، حدثنا
مُباركُ بنُ فَضَالة ، عن الحسنِ : سمعتُ عثمانَ رضي اللهُ عنه جُمَعاً مُتوالياتٍ
يأمُرُ بقتلِ الكلابِ وذبحِ الحَمَام .
في الإِسنادَين ضعفٌ من جهة زاهر وعُمَر لإِخلالهما بالصلاةِ ، فلو كانَ
فيِّ وَرَعْ لما رويتُ لمن هذا نعتُهُ(٣)
(١) وروى عنه أبو عامر العقدي، ووكيع، ومحمد بن ربيعة ، ومسلم بن إبراهيم ،
وسلم بن قتيبة .
(٢) برقم (٢٧٨ ).
(٣) رحم الله المؤلف ، فقد وصف نفسه بعدم الورع لأنّه روى عمن هذا وصفه ، مع أنه
بَيَّن حاله ، وكشف عن أمره ، فكيف يكون حال من يروي عن الكذابين والضعفاء ، ويسكت
عنهم ، ولا يبين حالهم ؟!
٣١٧

بكر بن أحمد الحافظ : أخبرنا حفصُ بنُ عمر ، سمعتُ مسلمَ بنَ
إبراهيم يقولُ : طلبتُ الحديثَ ، فلم أرَ أهلَ الحديث: على مثلِ ما هُم عليه
اليومَ ، ولولا أنِّي أقولُ: إنها سنَّةٌ أُحييها، وبدعةٌ أُميتُها لعلَّ اللهَ أن يُكفِّر
عني بعضَ ما أنا فيه ، ما حدثتُ .
٠
٧٦ - البَابُتِّي
الشيخُ العالمُ المحدِّثُ ، أبو سعيد ، يحيى بن عبد الله بن الضَّحّاك
ابن بَابْلُت الأموي، مولاهم البَابْلُّي(١)، الحرّاني.
حدَّث عن : زوجِ أُمِّه أبي عمرو الأوزاعي ، وأبي بكر بنِ أبي
مَريم ، وصفوان بنِ عَمرو السَّكْسَكي ، وعبد الرحمن بن ثابت بن
ثَوبان ، وابنِ أبي ذِئب ، وأبي جعفر الرازي ، وجماعة .
وعنه : محمدُ بنُ يحيى الحَرَّاني ، وأبو إسحاق الجوزجاني ،
وإسماعيل سمّويه ، وسُليمانُ بنُ سيف ، وأبو أمية الطَّرَسُوسِي ، وإسحاقُ
ابن سَيَّار النصيبي، وحفصُ بنُ عُمر سِنْجِه ، وطائفة آخرهم موتاً ابنُ
زوجته أبو شُعيب عبدُ الله بن الحسن الحرَّاني .
قال البخاريُّ : قال أحمدُ بن حنبل : أما السَّماع، فلا يُدفع(٢).
وضعَّفه ، أبو زُرعة(٣) وغيره .
* التاريخ الكبير ٢٨٨/٨، الجرح والتعديل ١٦٤/٩، الكامل في الضعفاء ٤/ لوحة
٨٤٥، الأنساب ١٤/٢، تهذيب الكمال لوحة ١٥٠٥، الكاشف ٢٦١/٣، تذهيب التهذيب
٤ / ١٥٨/ ٢، ميزان الاعتدال ٣٩٠/٤، ٣٩١، المغني في الضعفاء ٧٣٩/٢، العبر
٣٧٦/١، تهذيب التهذيب ٢٤٠/١١، خلاصة تذهيب الكمال ٤٢٥، شذرات الذهب ٤٥/٢.
(١) نسبة إلى ((بَابْلُت)) موضع بالجزيرة. ((الأنساب)) ١٤/٢.
(٣) ((الجرح والتعديل)) ١٦٤/٩.
(٢) (التاريخ الكبير)) ٢٨٨/٨.
٣١٨

وقال ابنُ عَدِي : له أحاديثُ صالحةٌ عن الأوزاعيِّ تفرّد ببعضِها ،
وأثرُ الضعفِ على حديثِهِ بَيِّن(١).
قلتُ : مرَّ به يحيى بنُ مَعين ، فأكرم نُزُلَه ، وأُتْحَفه ، فاستحى منه ،
وما بالغَ في تليينه ، وهو مِمَّن تجوزُ روايةُ حديثه ، ووقع لنا من عواليه .
قال محمدُ بنُ يحيى : تُوفِي سَنَّةً ثماني عشرة ومئتين ، رحمه الله .
وقيل لي : إنه وجَّه إلى ابنِ مَعِين صُرَّة دنانير وأطعمة ، فقبل
الطّعامَ، وَرَدَّ الصُّرَّةَ، وقال : والله إنَّ صِلَتَه حسنةً وطعامه طَيِّبٌ إلا أنَّه لم
يسمع - والله - من الأوزاعي شيئاً (٢) .
هذه حكايةٌ مُنقطعةُ السند .
٧٧ - أَبو اليَمَان * (ع)
الحَكَمُ بنُ نافع ، الحافظُ الإِمامُ الحجةُ ، أبو اليمان البَهْرانِي
الحمصي مولى امرأةٍ بَهْرَانِيَّة تُدعى أُمَّ سلمة ، كانت عند عُمر بن رُوبة
التغلبي .
ولد في حدودٍ سنةٍ بضعٍ وثلاثين ومئة ، وطلبَ العلم سنةً بضعٍ
وخمسين .
(١) ((الكامل)) في الضعفاء ٤ / لوحة ٨٤٦ .
(٢) ((الكامل)) في الضعفاء ٤ / لوحة ٨٤٥، ٨٤٦، و((تهذيب الكمال)) لوحة ١٥٠٦.
* طبقات ابن سعد ٤٧٢/٧، تاريخ ابن معين : ١٢٧، التاريخ الصغير ٣٤٦/٢، التاريخ
الكبير ٣٤٤/٢، الجرح والتعديل ١٢٩/٣، المعجم المشتمل: ١١٠، تهذيب الكمال لوحة
٣١٩، تذهيب التهذيب ١/ ١٦٨ / ٢، الكاشف ٢٤٧/١، تذكرة الحفاظ ٤١٢/١، العبر
٣٨٤/١، ٣٨٥، مقدمة فتح الباري ص ٣٩٦، تهذيب التهذيب ٤٤٠/٢، طبقات الحفاظ:
١٦٨، خلاصة تذهيب الكمال : ٩٠، تهذيب ابن عساكر ٤١٣/٤.
٣١٩

فروى عن : صفوان بنِ عمرو ، وحَریزِ بن عُثمان ، وأبي بكر بنِ أبي
مريم ، وشُعيب بنِ أبي حمزة ، وسعيدِ بنِ عبد العزيز، وعُفَيِرِ بنِ مَعْدان ،
وأَرْطاة بنِ المُنذرِ ، وإسماعيلَ بنِ عَيَّاش ، ويَزِيدَ بن سعيد بن ذي
عُصوان ، وأبي مَهديٌّ سعيدِ بن سِنان ، وطائفة ، وما علمتُ له رحلةً .
حدث عنه : أحمدُ ، وابنُ مَعِين ، ومحمدُ بن يحيى ، وعمرُو بنُ
منصور النَّسائي، وعُبيدُ الله بنُ فَضالة، وعمرانُ بن بَكَّار، وأبو محمد
الدَّارميُّ، وأبو عبد الله البخاري ، وعثمانُ الدَّارميُّ، وأبو حاتم ، ومحمدُ
ابن عَوف، وأبو زُرْعَة الدمشقيُّ، ومحمدُ بن إسماعيل التِّرمذيُّ ، وموسى
ابن عيسى بن المُنذر، وعليُّ بن محمد الحَكَّاني ، وأحمدُ بنُ الفرات ،
وخلق سواهم .
قال أحمدُ بنُ حنبل: أمّا حديثُ أبي اليَمَان عن حريز وصفوان بن
عمرو فصحيح(١)، ثم قال أحمد : هو يقولُ: أخبرنا شُعيب، واستحلَّ
ذلك بشيءٍ عجيبٍ ، كان أمرُ شُعيبٍ في الحديث عَسِراً جداً ، وكان علي بن
عبّاس سمع منه، وذكر قصةً لأهل حمص أراها أنَّهم سألوه أن يأذن لهُم في أَن
يَرُؤُوا عنه، فقال لهم : لا تَرَؤُوا هذه الأحاديثَ عني - يعني شُعيباً - قال أبو
عبد الله : ثم كلَّمُوه، وحَضَرَ ذلك أبو اليَمَان ، فقال لهم : اروُوا تلكَ
الأحاديثَ عني . قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبد الله: مُناولة (٢)؟، قال: لو كان
مُناولةً ، كان لم يُعطِهم كُباً ولا شيئاً ، إنما سَمِعَ هذا فقط، فكان ولدُ شُعيب
يقولُ: إِنَّ أبا اليمان جاءَني، فَأَخَذَ كُتُب شُعيبٍ مني بعدُ ، وهو يقولُ :
(١) ((الجرح والتعديل)) ١٢٩/٣، و((تهذيب الكمال)) لوحة ٣١٩.
(٢) في الأصل: ((منالة)) وهو خطأ.
٣٢٠