النص المفهرس
صفحات 721-740
٧٢١ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته مكانّتُه العِلْميَّة: شارَكَ في جميع العلوم الإسلامية ، ولكنه تفرَّد بالتفسير ، كما يقول الحافظُ ابن رجب ، ونبغَ في أصول الدين ، وبلغ فيها إلى القمة ، لم يُوجد له نظيرٌ في الحديث ، وفقه الحديث ، ودقائق الاستنباط . كما برع في الفقه ، وأصول الفقه ، والعربية ، وعلم الكلام ، وحَصل له اطلاعٌ واسعٌ على إشارات أهل القلوب ، ودقائق أصحاب المعرفة والتصوف. يقول ابن رجب: ((لم أجدْ عالماً أكبرَ منه في معاني الكتاب والسنة ، والحقائق الإيمانية ، إنه لم يكن معصوماً عن الخطأ إلا أنني لم أرَ أحداً يحمل هذه الصفات مثله)» . ويقول العلاَّمةُ الذهبي: ((كانْت له عِنايَة فائقةٌ بمتُون الحديث ورجالِه ، إنه كان يشتغل بدراسة الفقه ، ويكتب مسائله في غايةٍ من التفصيل ، كما كانتْ له براعة في تدريس النحو ، وأصول الفقه ، وأصول الحديث)) . زُهْدُه وعِبادَتُه: كان كثيرَ العبادة ، كثيرَ إحياء الليالي ، يُطيل الصلاة ، ويخشع فيها ، يُداوم على ذكرِ الله ، ويَغلب عليه ، ويأخذ بمجامع قلبه حُبُّ الله ، وحالةٌ خاصة من الإنابة إليه ، يعلو وجهَه نورٌ من التواضع، والافتقار إلى الله، حَجَّ مَرَّاتٍ عديدة ، وأقام بمكة المكرمة مُدَّةٌ طويلة . يحكي أهلُ مكة حكايات من كثرة عبادته، وطوافه مما يبعث على الاستغراب والدهشة. تَحدَّث عنه العلامة ابن كثير في تاريخه فقال: «كانَ كثيرَ التودُّد ، لا يَحسُدُ أحداً، ولا يؤذيه، ولا يَستغيبه، ولا يحقِد على أحد، وكنتُ من أصحَبِ الناس له ، وأحبِّ الناس إليه ، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثرَ عبادةٌ منه ، وكانت له طريقةٌ في الصلاة يُطيلها جدّاً، ويَمُدُّ ركوعها، وسجودها، ويَلُومه ٧٢٢ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته كثيرٌ من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يَرجع، ولا ينزع عن ذلك - رحمه الله -. وبالجُملة كان قليلَ النظير في أموره وأحواله)) (١). محنتُه: مَرَّ بمراحل المحنة والمُجاهدات الشَّاقة كأستاذه وشيخه ، عندما حُبس شيخه ابنُ تيميّة في القَلِعة في المرة الأخيرة حُبس هو معه أيضاً ، ولكن فُرِّق بينهما في السجن ، وأُفرج عنه بعد وفاة شيخه ، وقد ظلَّ طوالَ هذه المدة مشغولاً بتلاوة القرآن ، ودراسة معانيه ، والتدبُّر فيها. يقول عنه ابنُ رجب : ((ففتح عليه من ذلك خيرٌ كثيرٌ، وحصل له جانبٌ عظيمٌ من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدُّخول في غوامضهم ، وتصانيفُه ممتلئةٌ بذلك)). تَلاميذهُ ومُعاصروه يَعترفُون بِفَضله: تلقَّى منه العلمَ جماعةٌ كبيرةٌ من العلماء في حياة شيخه ابن تيمية ، وبعدَ وفاته ، واستفادوا من مَناهل علمه ، وكان علماؤه المعاصرون يُبجِّلونه كثيراً ، وَيَرَوْنَ التَّلمذةَ عليه شرفاً كبيراً ، فمِن تلاميذه ابنُ عبد الهادي ، وابنُ رجب ، ولقد قال عنه القاضي بُرهان الدين الزُّرعي ((لا يوجدُ الآن رجلٌ أوسعَ علماً مِنه تحتَ هذه السَّماء)» . التّدريسُ والتَّأليفُ: قامَ ابنُ القيِّم بتدريس العلوم الشرعية في المدرسة الصَّدْرية(٢)، وتولَّى (١) البداية والنهاية: ج١٤، ص ٧٣٥. (٢) [هي من مدارس الحنابلة، أنشأها أسعدُ بن عثمان بن المنجا التنوخي ثم الدمشقي، كانت بدربٍ ، يقال له: درب الريحان ، وقد درس فيها ابن عبد الهادي، وابن القيِّم، وابن إبراهيم وغيرهم، وقد محيت آثارها، وصارت دُوَلاً ، ولا ذكرَ لها اليوم]. ٧٢٣ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته إمامةَ المدرسة الجوزية إلى مدة طويلة ، وقد ألَّف بقَلمه كُتباً كثيرة ، يشهد ابنُ رجب بشغَفه الزائد بالكتابة ، والمطالعة ، والتأليف ، واقتناءِ الكتب ، ونتيجةً لهذا الشوق تألفتْ لديه مكتبةٌ واسعةٌ ، كانت تحتوي على كثير من الكتب الخطية التي انتَسخها بيده. بماذا تمتاز مؤلّفاته؟ تمتازُ مؤلّفاته بحُسن الترتيب ، وجودة التأليف ، وهي تفوق في هذا المجال مؤلفاتٍ شيخه ابن تيمية أيضاً ، وهي بجانب ذلك تتميّز بِرقَّة الأسلوب ، وسَلاسة العبارة ، وتأثيرِها ، ولعلَّ ذلك جاء من قِبل نَفسه التي تحلَّت بالجمال أکثر منها بالجلال. أهمٌّ مُؤْلَّفاته: لمؤلَّفاته قائمةٌ طويلة ، نُدرِجَ فيما يلي ما له أهميةٌ كبيرة: ١ - تهذيب سنن أبي داود. ٢ - مَدارج السالكين بين منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾. هذا الكتابُ شرح لكتاب ((منازل السائرين)) لشيخ الإسلام عبد الله الأنصاري الهَروي ، ويُعتبر من أجود كتب التصوف والمعرفة. ٣ - زاد المعاد في هدي خير العباد. ٤ - جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام. ٥ - إعلام الموقِّعين عن رب العالمين: وهذا الكتاب مرجع كبير للمشتغلين بالفتاوى والحديث ، ومن أجود تصانيفه . ٦ - الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية. ٧ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة . ٨ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: في وصف الجنة وأحوالها ، وهذا الكتاب على هامش ((إعلام الموقعين)). ٧٢٤ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته ٩ - كتاب الداء والدواء. ١٠ - مفتاح دار السعادة. ١١ - اجتماعُ الجيوش الإسلامية على غَزو المعطلة والجهمية. ١٢ - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين. ١٣ - بدائع الفوائد. ١٤ - الكلم الطيب والعمل الصالح. ١٥ - تحفة المودود بأحكام المولود. ١٦ - کتاب الروح. ١٧ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل. ١٨ - نفحة الأرواح وتحفة الأفراح. ١٩ - الفوائد. ٢٠ - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية. ٢١ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (١). ٢٢ - روضة المحبين ونزهة المشتاقين. ٢٣ - إغاثة اللهفان في مكايد الشيطان. ٢٤ - طريق الهجرتين وباب السعادتين(٢). وأمَّا كتابه ((زاد المعاد في هدي خير العباد))، فإنه أكثر جمعاً لخصائص مؤلفاته ، ويحتوي في نفس الوقت على مواضيع مختلفة من السِّيرة ، والسنة ، والفقه ، وعلم الكلام ، والتزكية ، والإحسان ، وأعتقد أنه ليس هناك كتابٌ جامع أُلِّف للعمل والإصلاح بعد كتاب ((إحياء العلوم)) للإمام الغزالي ، بل وقد يفوقه من ناحية التحقيق ، والاستناد ، والتطبيق بين الكتاب والسنة. ويبدو أنه أراد أن يُؤلِّف كتاباً يُنُوب عن المكتبة الدينية إلى حدٍّ كبير ، ويقوم (١) [هو - والله أعلم - كتاب ((الداء والدواء)) السابق ذكره]. (٢) [قد طُبع معظم كُتبه في بلاد الشام بتحقيق الأستاذين الفاضلين: يوسف علي بديوي، ومحمد بشير عیون، في دار ابن كثير ، ودار البيان]. ٧٢٥ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته مقام مُربٍّ ومرشدٍ ، وفقيهٍ ومحدِّثٍ ، ولقد شُغف بهذا الكتاب ، وأولع به من كانوا يتذوَّقون الحديثَ ، ويحرصون على اتّباع السنة والآداب النبوية ، وكانوا يهتمون بھا (١) . وقد تحلَّى الكتاب بالطبع لأول مرةٍ في الهند سنة ١٢٩٨ هـ، وفي مصر ١٣٢٤ هـ، وتقع الطبعة الهندية في ٩٣٧ صفحة بالقطع الكبير ، ولكن الطبعة المصرية بالحروف الحديدية تقع في ٩٢٦ صفحة(٢). وقد تحدَّث المؤلِّف عن الكتاب في أوله ، فقال: («وهذه كلماتٌ يسيرةٌ لا يَستغني عن معرفتها من له أدنى هِمةٍ إلى معرفة نبيه وَّر، وسيرتهِ وهديه، اقتضاها الخاطرُ المكدود على عُجَره وبجَرِه ، مع البضاعة المزجاة ، .. مع تعليقها في حال السفر لا الإقامة ، والقلبُ بكل وادٍ منه شُعبة ، والهمة قد تفرقت شذَر مذَر، والكتاب مَفقودٌ، ومن يَفتح بابَ العلم لمذاكرته معدوم غير موجود» (٣). إذا كان بيانُ المؤلِّف هذا يتعلَّق بأول الكتاب وببعض الفصول والأبواب ، فلا يَبعث على الاستغراب الكثير ، ولكنه إذا كان عن الكتاب كُلِّه فلا شك: أنه مَبعثُ دهشة وغرابة ، وذلك لأن البُحوث المفصّلة الدقيقة لِمتُّون السنة والأسانيد والرَّجال والدقائق من السيرة، والتاريخ، والأحكام التي يشتمل عليها هذا الكتاب يُؤكد للقارىء: أن هذا الكتاب لم يؤلّف إلا في مكتبة واسعة كبيرة ، فإنْ صَحَّ أن هذا الكتاب كُله إنما أُلّف في حال السفر، فلا بدَّ من (١) وقد جاء في ترجمة العالم المتورع، الزاهد الإمام عبد الله الغزنوي: أنَّه كان شديد الشغف بهذا الكتاب ، ويدعو الله تعالى ويقول: يا أرحم الراحمين يسر لي وجود هذا الكتاب ، واجعله خير زاد المعادي ، وكان عزيز الوجود في زمانه وبلاده (أفغانستان) ، اقرأ ترجمته الحافلة في كتاب ((نزهة الخواطر)) ج٨. (٢) [قد طُبع هذا الكتاب بتحقيق وتعليقات الأستاذين الجليلين: الشيخ شعيب الأرناؤوط والشيخ عبد القادر الأرناؤوط في ستّ مجلَّدات في مؤسسة الرسالة ببيروت]. (٣) زاد المعاد: ج ١٥ ، ص ١ . ٧٢٦ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته الاعتراف بأنَ مُؤلِّفه كان متبحراً في العلوم الإسلامية كُلّها وخاصة في الفقه والسنة ، وأنَّ مكتبة العلوم الدينية كانتْ تموج في صدره ، وكان خيرَ خَلَفٍ لخير سَلف من المحدِّثين المتقدِّمين في قوة الذاكرة ، واستحضارِ العلوم ، وخليفةَ صِدْقٍ لأستاذه العظيم. لقد شَرح الحافظُ ابنُ القيِّم في أول هذا الكتاب موضوعَ البعثة المحمدية ومَراتبَ الوحي ، إنَّه استوعب في بيانِ مراتب الوحي وأنواع الوحي ما لا يُوجد له نظير في كتب السيرة العامة (١). ثم ذكَرَ تلك المدارج التي مرَّت بها الدعوةُ الإسلاميةُ، كما تناول الأسماءَ المباركة ، ومعانيها ، ودقائقها ببحثٍ لطيف ، ولم يَترُك في هذا البحث مسائل ونكتاً من النحو والفقه ، وما يتعلَّق بالذوق والوجدان؛ إلا وقد ذكرها كلّها کعادته وعادة شيخه في ذلك. وبهذه المناسبة جمع كُلَّ ما يتصل بالسيرة، وشخصية النبي ◌َّةٍ من التفاصيل ، حتى تكوَّنتْ ذخيرةٌ قَيِّمة للأخلاقِ ، والشمائل، والعادات النبوية (٢). ثم إنَّه تَناول عباداتِ النبي ◌َّه وهيئةَ صلواته، وسُنَتها ، وعاداته بتفصيل دقيق يُعتبر عصارة دِراسته للحديث والعلوم الدينية ، وهو يتجلَّ في ذلك بلون المحدِّث، وأسلوب المُحقِّق ، وقد تضمن هذا البحث كلاماً دقيقاً لأصول الحديث ، والفقه (٣) ، ومعلوماتٍ مهمَّةً بفَنِّ الرجال (٤). إنَّ أبوابَ الكتاب التي تشمل بيان العبادات ، والأركان الأربعة ليست مجرد كتاب للأحكام والخلافيات الفقهية ، بل إنها تتضمَّن نُكتاً عِلميةً لطيفةً ، (١) زاد المعاد: ص ١/١٨ للمطبعة النظامية. (٢) المرجع السابق: ص ٢٥ - ١/٤٩. (٣) المرجع السابق: ١/٦٩ - ١/١٠٥. (٤) المرجع السابق: ١/٧٣ - ١/٩٩. ٧٢٧ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته ومعاني غزيرةً للذوق والوجدان ، تَبعثُ الإيمان من جديد. وقد ذكر في بيان الزكاة والصدقة: ((كان ◌َّةٍ أشرحَ الخلق صَدْراً، وأطيَبهم نفساً، وأنعمَهم قلباً، فإنَّ للصدقة وفعلِ المعروف تأثيراً عجيباً في شَرح الصدور انْضاف ذلك إلى ما خصَّه الله به من شَرْح صدره للنبوة ، والرسالة، وخصائِصها، وتوابعها، وشَرح صدره حسّاً، وإخراج حظّ الشيطان منه)) (١) . واهتمّ المؤلِّف ببيان حِكمة العبادات، والأركان، والأحكام ، وأسرارها ، وفوائِدها قبل أن يتحدَّث عنها ، وقد تصدَّى بعرض تاريخي للتشريع وحِكمته في هذه العبادات والأركان وفوائدها ، بأسلوب شيق جذاب . أمَّا الجُزء المهمُّ لهذا الكتاب الذي يَشهدُ على عُلو كعب المؤلف ، وسعة اطلاعه ، واستحضاره للعلم هو باب الحج ، فإنَّني لم أطلع في أيٍّ كتاب على مثل هذه الذخيرة العلمية ، والتحقيق الجامع ، والبحث الدقيق على الحجِّ، ومناسكه، وحِجَّةِ النبيِّ ◌َّلِ وأحكامِها، ويمتدُّ هذا البحث في الطبعة المصرية من ص ١٨٠ إلى ص ٣٤٩ ، يعني في ١٦٩ صفحة ، تناول المؤلف بيان حجة النبي ◌َ ◌ّ بغاية من التفصيل من خروجه من المدينة إلى عودته إليها، وهو مُلخّص الذخائر مختلفةٍ للحديث، ومجموعةٌ للروايات الصحيحة، والجزئيات الكثيرة (٢). إنّه في ضمن هذا البحث يُلقي ضوءاً على كثير من مباحث الحج الخلافية والمسائل المختلف فيها ، ذكَر حكمها في ضوء الحديث باجتهاده ، وبرأيه ، ويبدو: أنه لا يتقيد في ذلك بمذهب معين ، على الرّغم مِنْ أنه حنبلي يثبت بالدلائل أن النبيَّ ◌َّليٍّ لم يكن مفرداً بل قارناً. ثم إنَّه يضع الأصبع في مواضع الخطأ والخلافات التي ترجع إلى المتقدمين (١) زاد المعاد: ١/١٥٨. (٢) وللاطلاع على التفاصيل والجزئيات راجع كتبَ الفقه. ٧٢٨ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته والمتأخرين في بيان كيفية حَجِّ القِران للنبي ◌َُّ، ويُشير إلى مصدرها وعُذرِهم فیھا (١). كما أوضَحَ الأوهام التي عرضت لكبار العلماء، والمحققين في حِجَّةٍ النَّبِي ◌َّ قديماً وجديداً، وذكر القول الفصل في ذلك ، فمن التابعين طاووس ، ومن المتقدِّمين الطَّبري ، ومن المتأخِّرين القاضي عياض ، والعلامة ابن حزم، وأمثالهم من أساطين العلم والرجال وقعوا في بعض الأخطاء والأوهام في تفاصيل حِجَّة النبي ◌َّ، التي (٢) صحَّحها المؤلف ، وبذلك نستطيع أن نُقدِّر مدی رُسوخه وتبخُّره في العلم. والحقيقةُ: أنَّ مجرد باب الحج في هذا الكتاب يكفي لمعرفةٍ قيمة الكتاب ، وإمامة مؤلفه ، وجلالة قدره. وقد جاء المؤلِّف في ثنايا الكتاب بمباحث كلامية وعقائدية تشهدُ بعُلوّ مكانته ، وسَعة نظره وتحقيقه ، وحاول التعبير الصحيح عن روح الشريعة ، مُتَّبعاً في ذلك ذوقَه وذوق شيخه. وممَّا يَجدُر بالدراسة والاستفادة في هذا الموضوع هو ما بحث فيه عن حقيقة التوكل ، والتوسل بالأسباب في تحقيق دقيق (٣). وقبل أن يبدأ الكلام عن الغزوات بحثَ عن حقيقة الجهاد ، ومراتبه في غاية من التحقيق والمعرفة كعادته ، وذكر بدء دعوة الإسلام ، وأحوالَ مكة آنذاك ، والهجرةَ إلى المدينة ، وفَرضيَّة الجهاد والغنيمة، والصُّلح والأمان ، والجزية والمعاملة مع أهل الكتاب ، وأحكام المنافقين بتفصيل كبير. وهو بمناسبةٍ ذكر فرضية الجهاد ومشروعيته تحدث عن قيمة النفس ، وضآلتها بإزاء حقيقة الجنة ونعيمها بحماس، وقوة ، وأسلوب يستهوي (١) زاد المعاد: ص ١/١٨٥ - ١/١٩٠. (٢) انظر ((فصل في الأوهام)) ١/٢٤٩ - ١/٢٥١. (٣) زاد المعاد: ١/٢٦٤ - ١/٢٦٦. ٧٢٩ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته القلوبَ ، وهو نموذج رائع لقوة كتابته ، وإيمانه. ثم تعرَّضَ بذكر مغازي النبيِ بَّهِ، وبعوثه، ومهماته بترتيب، وبما أنَّ له اطَّلاعاً واسعاً على الحديث والسيرة معاً، وهو نَقَّاد ومُحدِّث أكثر من مؤرخ. يتميّز هذا الجزء من كتابه بالنسبة إلى كتب السيرة الأخرى ، وأَنَّ قوله فَصل في الأمور الخلافية ، وهو عندما يتحدَّث عن الوقائع والأحداث يأتي بتفسير الآيات ، ولطائفها ، وأسرارها في أسلوبه الخاص به. ومِن دَأْبِه في بيان الغزوات: أنَّه يتناول كل ما يتعلَّق بها من الأحكام ، فَمثلاً بعد ذكر غزوة خيبر عَقد فصلاً مستقلاً ((فيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية)) (١) وبعد غزوة الفتح ((فصل في إشارة إلى ما في هذه الغزوة من الفقه واللطائف (٢)) وكذلك بعد غزوة حنين ، وأوطاس ((فَصْل إلى إشارة ما تضمّنت هذه الغزوة من المسائل الفقهية والنُّكت الحكيمة)) (٣) ، وما إلى ذلك مما يَشحنُه بمواد قيمة ، ومعلوماتٍ مهمَّة. وهو في هذه الغزواتِ والوقائع ليس مُقلِّداً أو ناقلاً للمتقدِّمين من أهل السِّير والمغازي ، فإنه عارضهم في بعض المناسبات في أمور اشتهرت بين الناس ، وقدَّم فيها تحقيقاً خاصاً بدراسته الشخصية ، وفهمِه العميق ، فمثلاً يُعرف بوجه عام ، وتذكر كُتب السير والتاريخ أنَّ نِسوة الأنصار وبناتِهم أنشدن هذه الأبيات: مِن ثَنِيَّاتِ الوَدَاعْ طلَعَ الْبَدْرُ علينَا ما دَعا للهِ داغ وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنا جِئْتَ بالأَمْرِ المُطَاعْ أَيُّها المَبْعوثُ فِينا عندما كان النبيُّ وَ لَه يدخلُ المدينة مهاجراً من مكة، ولكنه يُعارضُ هذا (١) زاد المعاد: ١/٣٩١. (٢) المرجع السابق: ١/٤٠٠. (٣) المرجع السابق: ١/٤٣٩. ٧٣٠ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته الرأي، ويَرى أنَّ هذه الأبيات إنما أُنشدت لدى عودته نَّه من غزوة تبوك التي هي في جهة الشام كما يقولُ: ((وبعضُ الزُّواة يَهِمُ في هذه ويقول: إنما كان ذلك عندَ مقدَمِه المدينة من مكة ، وهو وَهم ظاهر ، فإنَّ ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام)) (١). وبعد ذِكر غزوة تبوك أيضاً تصدى لذكر أحكامها (٢) وفوائدها بتفصيل يتضمَّن فوائد مهمة ، ومعلومات فقهية ، واستنباطات لطيفة ، وأحكام اجتماعية ومدنية . ولمَّا فَرَغ من بيان الغزوات والبُعوث بدأ بذكر قُدوم وفود العرب في تفصيل (٣)، وذَكر وفد النبي ◌َّهُ ومكاتِيبه التي وجَّهها إلى ملوك العالم وأمراء (٤) القبائل (٤). وأمَّا الجُزء الثاني من الكِتاب فمُعظمُه يختصُّ بالطب النَّبوي ، ذكر فيه أسرار الطّب النبوي، وحِكمَه ، وتوجيهاته الطبية ، واجتمع في هذا البحث الأحكامُ الطبّية مع الأحكام الفقهية ، والمباحث الحديثية (٥) ، وقد بذل جُهداً في جمع تلك الأدوية ، والأغذية ، والمفردات في مكان واحد بترتيب حروف الهجاء؛ التي يتَّصل بها حديثٌ صحيحٌ ، أو ضعيفٌ، أو موضوعٌ ، وأخذ عليها من الناحية الطُّبية ، وبيَّن خواصّها (٦) ، ويُمكن تقديرُ مدى دراسته الواسعة للحياة ، وأمراض القلب ، واطلاعه الواسع على نفسيّة الإنسان بما قد ذكره في (١) زاد المعاد: ١/٤٦٦. (٢) اقرأ ((فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد)) ١/٤٦٥ - ٠١/٤٨٢ (٣) زاد المعاد: ١/٤٨٣ - ١/٥١٨. (٤) المرجع السابق: ١/٥١٨ - ٢/١٤١. (٥) المرجع السابق: ٢/١٤١. (٦) المرجع السابق: ٢/٩٨. ٧٣١ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته باب الأمراض والمعالجات من مَرض العشق، والحُبِّ وعلاجِه، وحقيقة المحبة وأسبابها الطبعية ، وأقسامها ودرجاتها ، ثم علاجها والتدبير لها (١). ولا شَكَّ أن الحقيقة ما ذكره شيخُ الإسلام ولي الله الدهلوي في كتابه ((حجة الله البالغة)) عن هذا الطب النبوي من أنَّ مكانة هذا الطب ليستْ تبليغيةً ، ولا تَشريعيةً، وإنما يُبتنى على تجاربه ◌َّهِ وعاداتِه ، وتجارب العرب، وعاداتهم (٢) . وعلى كل فإنَّ لمُعَظِّمي أقوال النبي ◌َِّ والمعجَبين بتوجيهاته في كل فَنٍّ عن إيمان ويقين معلوماتٌ قيمة في هذا الجزء من الكتاب. ولمَّا فرغ من بيان ذلك التفت إلى أحكام النبي ◌َّ في القضايا ، واستطاع أن يجمع ذخيرة غاليةً واسعة لأبواب الفقه المختلفة ، وكأنه ألَّف كتاباً للفقه يُبنى على الأحاديث ، والأحكام، والأقضية (٣). وإنَّ هذا الكتاب يتضمن عدا هذه الفصول والأبواب تحقيقات ولطائفَ تفسيرية ، ونحوية ، وتاريخية ، وكلامية قيِّمة تتفرَّق في ثنايا ألف صفحة من الکتاب. وممَّا يُنتقد في هذا الكتاب هو أنه خليطٌ للعلوم الإسلامية كلِّها من السيرة ، والحديث ، والفقه ، والتاريخ ، والكلام، والنحو، والصرف ، ولعلَّ نفسية أستاذه وشيخِه كانت تعمل فيه لدى تأليف هذه الكتاب ، فإنه لا يلبث إلا وينتهز أضعفَ مناسبة للتعرض في مسألة كلامية أو نحوية ثم يتفرّغ للكلام عنها بغاية من الشرح والتفصيل. فإنْ أُفرز من هذا الكتاب كلُّ موضع على حدة تسنَّت الاستفادةُ منه ، ولكنه على الرّغم من ذلك يُعتبر من أهم كتب الإسلام الذي يقوم مقام مكتبة بأسرها ، (١) زاد المعاد: ٩٢ - ٩٧ / ٢. (٢) حجة الله البالغة: باب ((بيان أقسام علوم النبي ◌َّاتٍ)) ص ١/١٠٢ الطبعة المصرية. (٣) المرجع السابق: ٢/١٤٢ إلى آخر الكتاب. ٧٣٢ الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته وإنَّ وجوده كوجُود عالمٍ كثير الفنون ، متبخّرٍ ومحقِّقٍ في العلوم ، نال به آلافٌ مؤلّفة من طُلَّب الحق ومتبعي السنة هداية دينية ، وغذاء روحياً، وحلاوة إيمانية . وفاته: توفّ في ٢٣ رجب عام ٧٥١ هـ يوم الأربعاء ليلاً، وصُلِّ عليه في اليوم التالي بعد صلاة الظهر في المسجد الجامع(١)، ودُفن في مقبرة الباب الصغیر(٢) ، رحمه الله ، ورفع درجاته! (١) [أي الجامع الأموي]. (٢) [يقع قبره على يسار الشارع خارج إحاطة المقبرة]. ٧٣٣ الفصل الثاني: ابن عبد الهادي المقدسي الفصل الثاني الحافظ ابنُ عَبْدِ الهادي المَقْدَسِي ومِن تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الذين حصل لهم تبخّرٌ في علم الحديث والسنة ، وقضوا جُلَّ حياتهم في خدمة السنة ونشرِها وفي الإصلاح والدعوة ، والذين حازوا قَصْبَ السبق والميزة والشهرة عدا الحافِظ ابنِ القيِّم؛ هم: ابنُ عبد الهادي ، وابنُ کثیر ، وابن رجبٍ بوجه خاصٍ. عاشَ ابنُ عبد الهادي أقلَّ من ٤٠ سنة، ويُقدّر مؤلِّفو السير والتاريخ: أنَّه لو امتدتَّ به الحياة لكان من كبارِ علماء عصره، وفاقَ كثيراً من العظماء ، وقد شَهد بذلك الصفدي بقوله: ((لو عاشَ؛ لكان آية)). وذكره العلامة الذهبي في ((معجمه)) فقال: («هو الفقيه ، البارع، المقرىء، المجوِّد، المحدِّث ، الحافظ ، النحوي الحاذق ، ذو الفنون، كَتَب عنِّي، واستفدتُ منه))(١). ويقول عنه العلاَّمة أبو الحجاج المِزِّي اعترافاً بفضله: ((ما التقيتُ به إلا واستفدتُ منه)) (٢) . (١) الدرر الكامنة: ج٣، ص ٣٢٢. (٢) المرجع السابق: ٣ ص ٣٣٢. ٧٣٤ الفصل الثاني: ابن عبد الهادي المقدسي ونَفسُ هذا الاعتراف مَروِيٌّ عن العلامة الذهبي أيضاً (١). ويقول الصَّفديُّ: («كنتُ إذا لقيتُه؛ سألتُه عن مسائلَ أدبية ، وفوائد عربية ، فينحَدِر كالسيل)). ويتحدَّث عنه الحافظُ ابن كثير (صاحب التاريخ والتفسير) فيقول: ((حَصَّل من العُلوم ما لا يَبلُغه الشيوخ الكبار، وتفنَّن في الحديث، والنَّحو، والتصريف ، والفِقه، والتفسير ، والأصْلَين(٢)، والتاريخ، والقراءاتِ. وله مجاميعُ ، وتآليف مفيدة كثيرة. وكان حافظاً جَيِّداً لأسماء الرجال، وطُرق الحديث ، عارفاً بالجَرح والتعديل ، بصيراً بِعِلَل الحديث ، حسَنَ الفهم له ، جَيِّد المذاكرة ، صحيحَ الذهن ، مستقيماً على طريقة السَّلَف ، واتباع الكتاب والسنة ، مُثابراً على فعل الخيرات)) (٣). حیاته بإيجاز: هو شَمسُ الدين محمَّد الملقَّب بالعماد ، يُكنى أبا عبد الله ، وأبا العباس ، عُرف بوجه عام بابنِ عبد الهادي، ونسبه هكذا: محمّد بنُ عبد الهادي بنُ عبد الحميد بن عبد الهادي بن یوسف بن محمد بن قُدامة، والموطن الأصيل لأسرته هو بيت المقدس، ولكنها انتقلت إلى دمشق، وسكنتْ في الصالحية بدمشق حين وُلد ابن عبد الهادي عام ٧٠٤ هـ (٤). قرأ القرآن بقراءات مختلفة ، وقرأ الحديثَ ، ومُعظمَ كُتب الدرس على القاضي أبي الفضل ، سليمانَ بن حمزة ، وأبي بكر بن عبد الدائم ، (١) المرجع السابق: ج ٣، ص ٣٢٢. (٢) أي أصول العلوم الشريعة كالحديث والفقه. (٣) البداية والنهاية: ج ١٤، ص ٢١٠. (٤) ابن رجب ، ولكن عند ابن كثير ٧٠٥هـ. ٧٣٥ الفصل الثاني: ابن عبد الهادي المقدسي وعيسى بن مطعم الحجَّار ، وزينبَ بنت الكمال ، وغيرهم من الشيوخ الكبار ، وأساتذة الفنِّ. واشتغل بالحديث وفنونه ، وبَرع في الرجال وعِلَل الحديث بصفة خاصة ، وتَفْقَّه في المذاهب. كما كانتْ له براعةٌ كاملةٌ في الأصلين ، وعلوم العربية ، يقول ابنُ رجب: ((ولازَم الشيخ تقيّ الدين ابن تيميّة مدَّة ، وقرأ عليه قطعة من الأربعين في أصول الدين للرّازي))(١) . أمَّا شيخُه في الفقه فهو الشيخ نجم الدين الحَّاني ، ولازم المحدِّث الشهير والعالم الكبير الحافظ أبا الحجاج المِزِّي عشر سنين ، وتلقى العلمَ من العلامة الذهبي أيضاً ، وقد اعترف الذهبي بتفوقه في الرِّجال، والعلل، والعلوم الأخرى، وتولَّى رئاسة التدريس في المدرسة الصدرية(٢)، والضِّيائية(٣) لمدة طويلة ، كما ذكره الحسيني. تحدَّث ابنُ كثير عن وفاته، فذكر: أنَّه بَقي مصاباً بجرح، وحُمَّى السّل نحو ثلاثة أشهر ، ثم اشتدَّ هذا المرض ، وكَثُر الإسهال حتى توفي يوم الأربعاء العاشر من جمادى الأولى عام ٧٤٤ هـ قبل أذان العصر. وقال ابنُ كثير: أخبرني والدهُ بالكلمات الأخيرة التي انطلق بها لسانه ، فكانت: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، اللهم اجعلني من التّوابين واجعلني من المتطهرين)). (١) [للإمام فخر الدين الرازي، وقد طبع بتحقيق الأستاذ طه عبد الرؤوف سعد في المكتبة الأزهرية بالقاهرة]. (٢) انظر حاشية صفحة (٣٠٤). (٣) [بناها الحافظُ الفقيهُ ضياء الدين محمد أبو عبد الله المقدسي الحنبلي سنة ٦٢٠ هـ، لكنها لم تَدُمْ طويلاً بسبب الكوارث التي حَلَّتْ بها من أهل البلد والغزاة على حدٍّ سواء، وُجِد شرقي جامع الحنابلة أَثَرٌ واضحٌ لمدرسة وبداخله دارٌ للسكن، ربَّما كانت هي الضيائية (خطط دمشق: ص ٢٣٠ - ٣٤٠ م)]. ٧٣٦ الفصل الثاني: ابن عبد الهادي المقدسي وصُلي عليه اليوم التالي في الجامع المظفَّري(١) حضر صلاته جميعُ أعيان البلد من القضاة ، والعلماء، والحكام ، والتجار ، والعامة من الناس ، يقول ابن كثير : ((وكانت جنازَتَهُ حافلة مليحَة عليها ضوء ونور ، ودُفن في الروضة بجوار السيف ابن المجد)) (٢). مؤلفاته: خلَّف ابن عبد الهادي عَدداً وجيهاً من مؤلفاته بالرغم من قِصر عمره ، وهي تحتلُّ أهمية كُبرى لغزارة ، مَوادِّها، وجودة تأليفها، وعدد صفحاتها (٣)، ويحتوي عددٌ منها على عِدة مجلدات ، ونذكر أهم مؤلفاته من بين ما ذكره الحافظ ابن رجب في ذيل ((طبقات الحنابلة)): ١ - الأحكام الكبرى (٧ مجلدات). ٢ - المحرر في الأحكام(٤) (مجلد واحد). ٣ - كتاب العمدة في الحفاظ (مجلَّدان). ٤ - تعليقة للثقات (مجلدان). ٥ - أحاديث الصلاة على النبي ◌َّر (مجلد واحد). ٦ - الإعلام في ذكر مشايخ الأئمة الأعلام، أصحاب الكتب الستة (أجزاء متعددة ). ٧ - كتاب ضخم في مولد النبي وَلا. (١) [يقع في حيِّ الصالحية، ويعرف اليوم بجامع الحنابلة]. (٢) البداية والنهاية: ج ١٤ ص ٢١٠. (٣) ويشبه في ذلك بعالم الهند الكبير الشيخ العلامة عبد الحي عبد الحليم الأنصاري اللكهنوي ١٣٠٤ هـ الذي عاش ٣٩ سنة فقط، ولكن خلف ذخيرةً كبيرةً ومفيدةً جداً من مؤلفاته [والتي نشرها فيما بعد العلاَّمةُ المحدِّث الشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة بتحقيقه النفيس وتعليقاته القيمة]. (٤) وهو مطبوع. ٧٣٧ ٨ - تعليقة على سنن البيهقي (مجلدان). ٩ - ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية (مجلد واحد). ١٠ - منتقى من تهذيب الكمال للمزي (٥ مجلدات). ١١ - منتخب من مسند الإمام أحمد (مجلدان). ١٢ - منتخب من البيهقي. ١٣ - منتخب من سنن أبي داود. ١٤ - شرح الألفية لابن مالك (مجلد واحد). ١٥ - نقده لمؤلفات الذهبي والتعقب عليه (في أجزاء متعددة). ١٦ - الردُّ على أبي حيان النحوي. عدا ما له من رسائل مستقلة تطول قائمتها . ولمَّا ألَّف العلامةُ تقيُ الدين ابنُ السّبكي في الردِّ على مسألة الزيارة لشيخ الإسلام ابن تيميّة كتاب ((شفاء السقام في زيارة خير الأنام)) تناوله العلامة ابن عبد الهادي بالنقد والتحقيق في ضوء الحديث ، وألف كتاباً باسم ((الصارم المنكي في الرد على السبكي)) وهو خيرُ دليلٍ على براعته العلمية ، وسَعة اطلاعه على السنة ، ورجال الحديث (١). (١) ◌ُبع هذا الكتاب لأول مرة في عام ١٣١٩ في المطبعة الخيرية بمصر. ٧٣٩ الفصل الثالث: الحافظ ابن كثير الفصل الثالث الحافظ ابن كثير اسمه ونسبه ومكانته العلمية: هو عمادُ الدين إسماعيلُ بنُ عمر ، يُكنى أبا الفداء ، ويُعرف بابن كثير ، كان قَيْسِيّ الأصل. وُلد في عام ٧٠١هـ بقرية ((مجيد)) في نواحي بُصرى الشام ، حيث كان والده خطيباً ، وانتقل إلى دمشق في عام ٧٠٦هـ مع والده ، وقرأ الفقه على الشيخ برهان الدين الفِزَاري وغيره من الفقهاء ، وسمع الحديثَ ورواه عن ابن السّويدي ، والقاسم ابن عساكر، وغيرهما من شيوخ الحديث ، وهو من أَخصِّ تلاميذ العلامة المِزِّي ، وكان صهرَه أيضاً ، وأكثرَ رواية عنه ، اشتغل بالفتاوى ، والتدريس ، والمناظرة ، وبرع في الفقه ، والتفسير ، والنحو ، توسّع في فن الرجال ، وعلل الحديث ، واشتهر فيها بدقة نظره ، وسَعة اطلاعه، دَرَّس في مدرسة ((أم الصالح)) كما درس في ((المدرسة التَّتْكِيْزِيَة))(١) بعد وفاة العلاّمة الذهبي ، وكان الذهبي يعترف بفضله وعلمه ، يقول : (١) [هي دار القرآن والحديث التنكيزيّة، بناها تنكز عام ١٣٣٨ - ١٣٣٩ م، يقع في شرقي حمام البُزورية ، وهي اليوم مدرسة خاصة للأطفال]. ٧٤٠ الفصل الثالث: الحافظ ابن كثير ((هو فَقيه مُتقنٌ، ومُحدِّث مُحقِّق، ومُفَسِّر نَقَّاد ، وله تصانيفُ مفيدة)) . وأمّا الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ فكان معجباً به ، يقول: ((كان كثيرَ الاستحضار ، وسارت تصانيفُه في البلاد في حياته ، وانتفع به الناسُ بعد وفاته)). وبالرَّغم من أَنَّه شافعيُ المذهب ، فإنه كان شديد الإعجاب بشيخ الإسلام ابن تيميَّة ، ومُعترفاً بإمامته وعظمته ، وقد تَتلمذ عليه ، يقول عنهُ ابن حجر : ((أخذَ عن ابن تيميَّة، ففُتن بحبّه، وامتُحن بسببه))، وقد اهتَّم بذكر سيرته بغاية من التفصيل ، والشغف ، ودافعَ عنه دفاعاً كاملاً في كتابه («البداية والنهاية)) الذي استفدنا منه في أكثر المواضع من كتابنا هذا الذي يحتوي على حياة شيخ الإسلام ابن تيمية . ومِن مُؤلَّفات ابن كثير(١): ١ - التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل: في خمسة مجلدات. ٢ -الهدى والسنن في أحاديث المسانيد والسنن. ٣ - تخريج أدلة التنبيه. ٤ - مسند الشيخين. ٥ -علوم الحديث. ٦ - طبقات الشافعية . وكان قد بدأ بتأليف كتاب مبسوط مُفصَّل في الأحكام ، ولكنه ما تمّ ، وقد (١) [وقد طبعت جميع هذه المؤلفات محقَّقةٌ].