النص المفهرس

صفحات 701-720

٧٠١
الفصل الرابع: ب ـ بعث الفكر الإسلامي
والتوجيه مهما كان ذلك مستحيلاً ، وبعيداً عن القياس.
لقد أثبتَ ابنُ تيميَّة في مواضع كثيرة: أن الإيمان بالرسول واجبٌ لا محالة
من غير شَرط ، ولا قيد ، وأن مكانة الرسول الصحيحة ومَنصبه الذي يتَوَّؤُه
لَيُوجبان ذلك ، وذلك هو الإيمان في الحقيقة .
أمَّا الاشتراط في تصديق الرسول، والإيمان به ؛ فليس من الإيمان في
شيء ، يقول:
((ففي الجملةِ لا يكون الرجل مؤمناً حتى يُؤمن بالرسول إيماناً جازماً ، ليس
مُشروطاً بعدم مُعارضٍ ، فمتى قال أؤمن بخبره إلا أن يظهر له معارض
يدفع خَبره؛ لم يكن مؤمناً به، فهذا أصلٌ عظيمٌ تجب معرفتُه)) (١).
ويَقولُ في مكانٍ آخرَ :
((كان مِن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام: أَنَّه يجب على الخلق
الإيمانُ بالرسول إيماناً مُطْلَقاً جازماً عاماً بتصديقه في كلّ ما أخبر به ، وطاعته
في كلِّ أمر ، وإنَّ كل ما عارضَ ذلك؛ فهو باطل ، وإنَّ من قال: يجب تصديق
ما أدركتُه بعقلي ، ورَدُّ ما جاء به الرسول لرأيي، وعقلي، وتقديمُ عقلي على
ما أخبر به الرسول مع تصديقي بأنَّ الرسول صادق فيما أخبر به ؛ فهو
متناقضٌ ، فاسد العقل ، مُلحدٌ في الشرع.
وأمّا من قال: لا أُصدِّق ما أخبرَ به حتى أعلمه بعقلي؛ فكُفرهُ ظاهر)) (٢).
أَوهَامُ العَقْلِ:
ثم يستعرضُ ابنُ تيميَّة دعوى هؤلاء ((العقلاء)) التي تقول بالتعارض بين
العَقل والنقل في أكثر الأحيان ، وأنَّ الأمور التي جاء بها الأنبياء والرسل كعقائد
وحقائق دينية قد تتعارض مع العقل الصريح والهداية ، وتتصادم مع تلك
(١) صريح المعقول: ج ١، ص ١٠١ .
(٢) المرجع السابق: ج١، ص ١٠٨.

٧٠٢
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
الحقائق والمُسلَّمات؛ التي أنتجَتها الفلسفة بعد دراسات طويلة الأمد ، والتي
تُعتبر أساس الفلسفة، يُثبت الإمام ابن تيميّة: أن هذه العقليات التي تتعارض مع
أخبارِ الرسل، ونصوص الكتاب، والسنة لا تعدو إلا أوهاماً، وأباطيل اخترعها
العقل بحيث إذا تولت بالنَّقد العلميِّ والمحاسبة الدقيقة؛ ظهر أنها ليست إلا
مجموعةً من الألفاظ والتوقُّمَات التي لا تستند إلى أساس مِن العلم ، يقول:
((على أنَّ ما يدَّعونه من العقليات المخالفة للنصوص لا حقيقةً لها عند الاعتبار
الصحيح ، وإنما هي من باب القعقعة بالشّنان لمن يُفزعه ذلك من الصبيان ،
وإذا أُعطي النظر في المعقولات حقَّه من التمام وجدها براهين ناطقة بصدق
ما أخبر به الرسول وأنَّ لازم ما أخبر به لازمٌ صحيح وأن من نَفاه؛ نفاه لِجَهله
بحقيقة الأمر ، وفزعاً باطناً وظاهراً ، كالذي يَفزع من الآلهة المعبودة دون الله
أن تضرَّه، ويفزع من عدو الإسلام لما عِنده مِن ضعف الإيمان)) (١).
ويقول في موضع آخر: «هؤلاء من رُعبهم من الألفاظ الهائلة التي لم يَعلموا
حقيقتها أشبه بمنَ رَأى العدوَّ المخذول، فلمَّا رأى لِباسَهم رعِبَ منهم قبل
تحقّق حالهم الذي هو في غاية الضعف والعجز ، ولكن قال تعالى: ﴿ سَنُلْقِى
فِي قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلَ بِهِ، سُلْطَانًا﴾(٢)
[آل عمران: ١٥١].
جَهْلُ العقلاء:
إذا نظر المُنصِف في هذه الأقوال ، والتدقيقات التي يفتخر بها الفلاسفة ،
ويُسمونها ((الإلهيات)) والتي يُقدّمها أتباعهم بإزاءِ كلام الأنبياء، وأقوالهم ،
سوف لا يجد فرقاً بينها وبین کلام المجانين ، يقول:
((ليتأمَّلِ اللَّبِيبُ كلامَ الذين يَدَّعون من الحِذْق والتحقيق ما يدفعونَ به
ما جاءت به الرسل كيف يتكلمون في غاية حكمتهم ، ونهاية فلسفتهم بما يُشبه .
(١) صريح المعقول: ج ٤، ص ١٥٣.
(٢) المرجع السابق: ص ١٥٤ .

٧٠٣
الفصل الرابع: ب ـ بعث الفكر الإسلامي
كلام المجانين ، ويجعلون الحق المعلوم بالضرورة مردوداً ، والباطلَ الذي
يعلم العلماء بطلانَه بالضرورة مقبُولاً بكلام فيه تلبيس، وتدليس)) (١).
لا تعارض بينَ صريح العقل وصَحيح النقل:
ولكنَّه يُلاحِظ حرمةَ العقل ، وقيمتَه ، فإن القرآن قد أشار في آيات كثيرة إلى
استخدام العقل ، والتفكير به ، إنه لا يرى أيَّ تعارض في أي حالٍ بين صريح
العقل ، وصحيح النقل ، لأنه لم يعثر على أي تعارض بين العقل والنقل خلال
دراسته الطويلة الواسعة ، بشرط أن يكون العقل سليماً، والنقلُ صحيحاً
محفوظاً ، فقد ألَّف في هذا الموضوع كتاباً ضخماً باسم ((بيان موافقة صريح
المعقول لصحيح المنقول)) (٢)، أثبتَ فيه بالدلائل ، وبكل تفصيل ألاّ تعارض
بين المعقول والمنقول ، فإنَّ الأمور التي ثَبتَتْ صِحَّتها بالكتاب ، والسنة ،
والوحي، والنبوة يُصدِّقها العقلُ الكامل الصحيح ، وظلّ العقل يؤيد
النصوص ، والمنقولات على الدوام ، وكُلّما يُستخدمُ العقلُ بالدّقة، والإمعان
يوجّدُ أنه يُصدِّق هذه المنقولات ، ويؤيِّدُها ، يقول:
((إنَّ الأدلةَ العقلية الصحيحة البيّنة التي لا ريب فيها ، بل العلوم الفِطرية
الضرورية تُوافق ما أخبرتْ به الرسل ولا تخالفه ، وإنَّ الأدلة العقلية الصحيحة
جميعُها موافقةٌ للسمع ، لا تُخالف شيئاً من السمع ، وهذا ولله الحمد قد
اعتبرَته فيما ذكرتُه عامةُ الطوائف)» (٣).
ويقولُ في مناسبة أخرى:
((المَنقولُ الصحيحُ لا يُعارضه معقولٌ صريح قط ، وقد تأملتُ ذلك في عامة
(١) صريح المعقول: ج٣، ص ٢٧٢.
(٢) [ظهر هذا الكتاب على هامش ((منهاج السنة)) في أربعة مجلدات ثم أعيد طبعه في (١٢)
مجلَّداً في جامعة محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم بعنوان
((درء العقل عن مناقضة النقل))].
(٣) صريح المعقول: ج١، ص ٨٣.

٧٠٤
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
ما تنازع الناس فيه ، فوجدتُ ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شُبهاتٍ
فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها ، بل يُعلم بالعقل ثُبوت نقيضها الموافق للشرع ،
وهذا تأمَّلْته في مسائل الأصول الكبار ، كمسائل التوحيد ، والصفات ، ومسائل
القَدر ، والتُّبوءات ، والمعاد وغير ذلك.
ووجدتُ ما يُعلَم بصريح العقل لم يُخالفه السمع قط ، بل السَّمع الذي يقال
إنه يُخالفه إما حديثٌ موضوع ، أو دلالة ضعيفة ، فلا يصلح أن يكون دليلاً لو
تجرد عن معارضة العقل الصريح ، فكيف إذا خالفه صريح المعقول.
ونحن نَعلم: أنَّ الُسل لا يُخبرون بمُحالات العقول، بل بمحارات
العقول ، فلا يُخبرون بما يعلمُ العقلُ انتفاءَه ، بل يُخبرون بما يعجز العقل عن
معرفته)) (١).
إنه يدَّعي (ولما يدَّعيه أهميةٌ ووَزنٌ كبير) إنه لا يوجد حديثٌ واحدٌ ، أو نَقلٌ
واحدٌ معارضٌ للعقل ، فإن كان هناك حديث يعارض العقل السليمَ فهو
مَوضوعٌ، أو ضعيفٌ لدى أصحاب الفنِّ.
القُرآن يحتوي على دلائل عَقلِيَّة جَيِّدة:
إنَّه يرفض دعوى هؤلاء المتكلّمين والفلاسفة: أنَّ القرآن الكريم صحيفةٌ
تقوم على أساس النقليات ، والسمعيات ، فقد أثبتَ في مواضع كثيرة: أن
القرآن يحتوي على دلائلَ عقلية جيّدة ، تَبلُغ من الإحكام ، والقوة ، والوضوح
مبلغاً لا تستقرُّ أمامه دلائلُ المتكلمين والفلاسفة التي لا تعدو بيت العنكبوت
بعد البحث والنقد ، إنه يقول:
((إنَّ الله سبحانه وتعالى بيَّن الأدلةَ العقليةَ التي يحتاج إليها في العلم بذلك
ما لا يقدر أحدٌ من هؤلاءِ قَدْرهُ ، ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بُخلاصته على
أحسنٍ وجه)) (٢).
(١) صريح المعقول: ج ١، ص ٨٣.
(٢) المرجع السابق: ج ٣، ص ٦٨ .

٧٠٥
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
وفي موضع آخر:
((إنَّ ما جاء به الرسول وَّهِ هو الحقُّ الموافق لصريح المعقول، وإنَّ ما بيَّنه
من الآيات ، والدلائل ، والبراهين العقلية في إثبات الصانع سبحانه ، ومعرفة
صفاته ، وأفعاله هو فوق نهاية العقول، وإنَّ خيار ما عند حُذَّاق الأولين
والآخرين من الفلاسفة والمتكلمين هو بعضُ ما فيه، لكنهم يُلبِّسون الحقَّ
بالباطلِ ، فلا يأتون به على وجهه)) (١).
لا لَبْسَ في تعاليم الرسول اَليات:
إِنَّ كثيراً مِن الفلاسفة والمتكلِّمين وأنصارهم كانوا يعتقدون: أنَّ الرسول وَل
لم يتناول ذات الله تعالى، وصفاته بالشرح والتفصيل، بل إنَّه أجمل هذا
الموضوع ، مما ترك فيه إبهاماً وغموضاً ، كما أن جزءاً كبيراً من القرآن يحتاج
إلى شرح، وقد وفّق الله المتكلمين فيما تقدَّم من الزمان أن يَشرحوه، ويُفْصِّلوه،
ويعرضوا العقائد ، والحقائق الدينية أمام الأمة بتفصيل مُؤيد بالدلائل.
يقول ابنُ تيميّة: إنَّ الرسول كان مأموراً بالبلاغ المبين ، فقام بتفصيل
وشرح كل شيء كان الدين بحاجة إليه ، فهل كان من الممكن أن يترك
العقائد ، وأصول الدين وأساسه ، وذات الله تعالى ، وصفاته التي يتوقف على
علمها معرفةُ الدين ، وسعادة الإنسان ، ونجاتُه؟!
وكيف يترك كل ذلك مجملاً من غير شرح وتفصيل؟!
وكذلك هل كان ممكناً أن يترك الكتاب الذي دعا الناس إلى تَفْهُمه ، والتدبر
فيه مُبهماً مجملاً؟ يقول:
((إنَّ الرسول بلَّغ البلاغَ المبينَ، وبيَّن مراده، وإن كل ما في القرآن
والحديث من لَفْظٍ يقال فيه: إنَّه يحتاج إلى التأويل الاصطلاحي الخاص الذي
هو صَرْفُ اللفظ عن ظاهره ، فلا بُد أن يكون الرسول قد بيَّن مراده بذلك اللفظ
(١) صريح المعقول: ج٣، ص ٦٨ .

٧٠٦
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
بخطاب آخر لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ، ومدلُوله باطل
ويسكت عن بيان المراد الحق ، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من
كلامه تعالى ما لم يُبيِّنه لهمِ، ويَدلُّهم عليه لإمكان معرفة ذلك بعقولهم ، وأن
هذا قَدْحٌ في الرّسول الذي بلّغ البلاغ المبين)) (١).
ويقول في موضع آخر:
((إنَّ الله تعالى أمَرَ الرسولَ بالبلاغ المُبين ، وهو أطوع الناس لربِّه ، فلا بُد
أن يكون قد بلَّغ البلاغ المبين ، مع أن البلاغ المبين لا يكون بيانُه مُلْتبساً
مدَّساً ، والآيات التي ذكر الله فيها: أنها متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله إنما
نفى عن غيره علمَ تأويلها (٢) لا علم تفسيرها ومعناها))(٣).
دَعوةُ ابن تيميَّة ومأثّرته:
ركَّزَ ابنُ تيمية كُلَّ جهوده على إثبات: أنَّ مصدر العقائد إنما هو الكتاب ،
والسنة ، والوحيُ ، والنبوة، وأنَّ نصوص الكتاب والسنة هو المقياس الأصيل
في هذا الكتاب ، إنَّه دعا إلى الإيمان بهذه الفكرة طول عمره ، وقد لا يخلو أيُّ
كتابٍ من مؤلفاته من هذه الدعوة.
وهكذا استطاعَ ابنُ تيمية أن يُنشِّط الفكرَ الإسلاميَّ، ويبعثَه من جديد ،
الذي كان قد جُرح ، واضمحل بتأثير الفلسفة ، وعلم الكلام ، والروح العَجميَّة
في ذلك الحين .
(١) صريح المعقول: ج١، ص ١٠.
(٢) لقد أثبت ابن تيمية في مؤلَّفاته المختلفة بغاية من التفصيل: أنَّ التأويل له ثلاثة معان:
أوَّلاً: المصطلح القرآني الذي يراد به الحقيقة والمآل.
ثانياً: مصطلح المتقدِّمين الذي يعني التفسير.
وثالثاً: مصطلح المتأخِّرين والمتكلِّمين الذي يُراد به مدلول اللفظ الخفي ، ولا يراد
به مدلوله الظاهر لسبب خاص.
(٣) صريح المعقول: ص ١٦٧ .

٧٠٧
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
٢ - مصدرُ الفِقه الكتابُ والسُّنة
قَبْلَ عهدِ التَّقلید:
يؤكِّد لنا التاريخُ أن تقليد إمام من أئمة الفقه ، أو اتباعَ مذهب من المذاهب
الفقهية لم يُعرف قبل القرن الرابع الهجري ، فكانَ الناسُ يعملون في قضايا
الحياة من غير تقليد ، والتزام ، واثقين بأنَّ عملهم هذا لا يعدو روحَ الشريعة ،
بل إنَّهم يتبعون سنة الرسول وَله مباشرة، وكلما اعترتْهمْ حاجة إلى السؤال عن
مسألةٍ فقهية؛ راجعوا من شاؤوا من العلماء ، وعملوا بها .
وفي القرن الرابع أيضاً لم يَعُمَّ التقليد الخالص لمذهب ، ولا جرت العادةُ
بدراسة الفقه ، والإفتاء وفق مذهب خاص ، يقول شيخ الإسلام ولي الله
ابن عبد الرحيم الدَّهلوي في كتابه ((حُجة الله البالغة)):
((إنَّ أهل المئة الرابعة لم يكونوا مُجتمعِين على التقليد الخالص على مذهب
واحد ، والتفقُّه له والحكاية لقوله. كما يظهر من التَّتبع ، بل كان فيهم العلماء ،
والعامّة .
وكان من خبر العامَّة: أنهم كانوا في المسائل الاجماعية التي لا اختلاف فيها
بينِ المسلمين ، أو جمهور المجتهدين لا يُقلِّدون إلا صاحب الشرع، وكانوا
يتعلّمون صفة الوضوء ، والغسل ، والصلاة ، والزكاة ، ونحو ذلك من آبائهم،
أو مُعلِّمي بلدانهم ، فيمشون حَسْب ذلك، وإذا وقَعتْ لهم واقعةٌ؛ استفتوا
فيها أيَّ مُفْتٍ وجدوا من غير تعيين مذهب .
وكان مِن خبر الخاصة: أنَّه كانَ أهلُ الحديث منهم يشتغلون بالحديث
يَخْلُص إليهم من أحاديث النبي ◌َِّ وآثارِ الصحابة ما لا يحتاجون معه إلى شيء

٧٠٨
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
آخر، فالمسألة من حديثٍ مستفيضٍ أو صحيح قد عملَ به بعضُ الفقهاء ولا عذر
لتارك العمل به أو أقوال متظاهرة لجمهور الصحابة والتابعين مما لا يحسن
مخالفتها ، فإن لم يجد في المسألة ما يَطمئنُّ به قلبه لتعارُض النقل ، وعدم
وضوح الترجيح ، ونحو ذلك؛ رجع إلى كلام بعض من مضى من الفقهاء ، فإنْ
وجد قولين؛ اختار أَوْثَقهما سواء كان من أهل المدينة ، أو من أهل الكوفة.
وكان أهلُ التخريج منهم يُخرِّجون فيما لا يجدونه مُصرَّحاً ، ويجتهدون في
المذهب ، وكان هؤلاء يُنسبون إلى مذهب أصحابهم ، فيقال: فلانٌ شافعيٌّ ،
وفلانٌ حنفيٌّ ، وكان صاحب الحديث أيضاً قد يُنسب إلى أحد المذاهب لكثرة
موافقته له، كالنَّسائي، والبيهقي ينسبان إلى الشافعي ، فكان لا يتولَّى
القضاء، ولا الإفتاء إلا مجتهد، ولا يُسمَّى الفقيهُ إلا مجتهداً)) (١).
بَدءُ التَّقليد وأسبابُه:
وظهرتْ حاجةُ التقليد بعد القرن الرابع لأسبابٍ عدَّةٍ ترجع إلى خلافات بين
العلماء، وفُشؤُ الجدال ، والمناظرة ، وانخفاضٍ مستواهم الديني ،
والخلقي ، والانحطاط العلمي ، وقصر الهمة ، وقلة الاجتهاد.
فمراعاةً للمصالح الدينية رأى الناسُ تقليد الأئمة المجتهدين الذين سبقوا ،
واتّباع المذاهب الفقهية المدونة ، والعملَ بفتاوى المتقدمين بدلاً من
المعاصرين .
إلا أنَّ هذا التقليد لم يكن يتقيَّد إلى مدَّة طويلة بالالتزام، والتعيين ،
والتقليد الشخصي الذي شاع في القرون المتأخِّرة ، ولكنَّ الناس تعودوا هذا
النوع من التقليد تدريجياً ، وكان شيئاً يقوم على رعاية المصلحة ، وتَوخِّي
السهولة ، والتفادي من الفوضى ، والتقاط الرخص ، واتباع الهوى ، لا أنه
كان شيئاً تشريعياً لا يجوز العدول عنه، وكان ذلك طبيعياً، وأمراً وفق
الأحداث تماماً ، وسيَّما ما أصاب العالم الإسلامي ، من انحطاط فكري ،
(١) حجة الله البالغة: ج١، ص ١٢٢ .

٧٠٩
الفصل الرابع: ب ـ بعث الفكر الإسلامي
وتسقُّل علمي عامٌّ بعد هجوم التتار ، وما واجه العالم الإسلامي من فُقدان
الشخصيات الكبيرة في ذلك الحين التي تتمتع بكفاءة الاجتهاد ، وما شاهده
العالم الإسلامي في تلك الفترة من كثرة الفِرق ، وتطلع الفتن.
رأى الناسُ العافيةَ في أن يعملوا بالمذاهب الفقهية التي ثبتتْ صحتها
بالكتاب والسنة ، والتي مرَّتْ بمراحل البحث ، والنقد ، وتم تدوينها ، وتلك
ميزة استوفَتْها المذاهبُ الفقهية الأربعة ، فكان إقبال الناس عليهم بوجه عام.
مَكانَةُ التَّقليد ووَضْعِيَّتُها:
لم تكنْ وضعيةُ هذا التقليد إلا أنَّ المرء عندما كان يُقلِّد مذهباً من هذه
المذاهب كان يرتاح إلى أنه يعمل بالكتاب والسنة ، ويتَّبع سُنَّةَ صاحب الشريعة
عليه الصلاة والسلام ، أمَّا إمامُ ذلك المذهب الذي يُقلِّده فليس إلا واسطة بينه
وبين الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومكانتُه في ذلك كمكانة شيخ معاصر ،
فهو ليس إلا تُرجماناً وشارحاً ، لا مُطاعاً وشارِعاً ، يقول شيخ الإسلام ولي الله
الدَّهْلوي:
((لا يَدين إلا بقولِ النبيِّ ◌َله ولا يعتقد حلالاً إلا ما أحله الله ورسوله ،
ولا حراماً إلا ما حرمه الله ورسوله ، ولكنْ لما لم يكن له علم بما قاله
النبي ◌ََّ ، ولا بطريقِ الجمع بين المختلفات من كلامه، واتبع عالماً راشداً
على أنه مُصِيب فيما يقول ويفتي ظاهراً متبع سنة رسول الله بَّر، فإن خالفَ
ما يظُنه أقلعَ من ساعته من غير جدال ولا إصرار)) (١).
وقد وُجِد هذا النوعُ من التقليد، وعادةُ الرجوع إلى فقيه معين أو غير مُعيَّن ،
والاستفتاء منه في المسائل الفقهية في كل زمان ، وسواءٌ كان هذا الرجوع في
فتراتٍ مختلفة ، أو بصفة دائمة ، لا يسوغ الاعتراض عليه ، يقول شيخ الإسلام
الدهلوي :
(١) حجة الله البالغة: ج ١، ص ١٢٤.

٧١٠
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
((إنَّ الاستفتاءَ، والإفتاء لم يزلْ بين المسلمين في عهد النبي ◌َُّ ولا فَرْق
بين أن يسَتفتي هذا دائماً، أو يَستفتي هذا حيناً ، وذلكَ بعد أن يكون مُجمعاً
على ما ذكرناه ، كيف لا ولم نُؤمن بفقيه أيّاً كان أنه أوحى الله إليه الفقه وفرضَ
علينا طاعتَه ، وأنَّه معصوم ، فإن اقتدينا بواحدٍ منهم؛ فذلك لِعلمنا بأنه عالِمٌ
بكتاب الله وسنة رسوله، فلا يخلو قوله إما أن يكونَ من صريح الكتاب
والسنة ، أو مستنبَطاً عنهما بنحوٍ من الاستنباط ، أو عُرف بالقرائن أنَّ الحكم
في صورةٍ ما مَنوطة بعلةِ كذا، واطمأنَّ قلبُه بتلك المعرفة، فقاسَ غير
المنصوص على المنصوص. فكأنه يقول ظَننتُ: أنَّ رسول الله ربَّ قال كلما
وجدت هذه العلة فالحُكم ثمةَ هكذا ، والمَقيس مُندرِجٌ في هذا العمومِ ، فهذا
أيضاً مَعْزُوٌ إلى النبيِ بََّ، ولكن في طريقة ظُنون، ولولا ذلك لما قلّد مؤمنٌ
مجتهداً .
فإن بلغنا حدیثٌ من الرسول المعصوم -الذي فرض الله علینا طاعته- بسندٍ
صالح يدلُّ على خلاف مَذهبه وتركنا حديثه واتَبَعْنا ذلك التخمين ، فمن أظلمُ
منا ، وما عُذرنا يومَ يقوم الناس لربِّ العالمين؟!))(١).
انحرافُ القُرونِ المتأخّرة وغُلُؤُها:
وظَلَّ الجهلُ يُؤثِّر في الجماهير من الناس ، حتى أَحَلُّوا هؤلاء الأئمة في
بعض المناطق محلَّ المقصود، وجعلوهم كالشارع والمُطاع عوضاً عن
الوسائط والوسائل ، وقد تعصَّب الناس لهذه المذاهب ، ونالت منهم إعجاباً
لم يسمح لهم بالتنازل عن أي جزء منها في أيِّ حال.
ولكنَّ الذنبَ في هذا لا يرجع إلى العامة كثيراً؛ لأنهم قلّدوا هذه المذاهب
اتِّباعاً للسنة ، ولم يكن لهم من السهل الميسور أن يتتبعوا أسباب الترجيح
فيتركوا التقليد ، أو ينتقلوا من مذهب إلى آخر.
(١) حجة الله البالغة: ج ١، ص ١٢٥ .

٧١١
الفصل الرابع: ب ـ بعث الفكر الإسلامي
بل قد كان هناك عددٌ كبيرٌ من العلماء ممن إذا ثبتَ لديهم في مسألة فقهية:
أنَّ مذهب إمامهم لا يوافق فيها الكتاب والسنة ، وعلموا بالقطعيَّة: أن ذلك
المذهب مرجوحٌ في تلك المسألة ومذهبُ غيره راجح يتفق مع الكتاب والسنة ،
وبالرغم من توافر الأحاديث الصريحة والصحيحة خلافُ تلك المسألة
لا يجدون في نفوسهم مَندوحةً لترك تلك المسألة ، والعمل بالأحاديث
الصحيحة الواردة خلافها .
ولعلَّ شيخ الإسلام عزَّ الدين ابن عبد السلام العالم الشافعي الشهير في
القرن السابع يتحدّث عن أمثال هؤلاء ، فيقول:
((ومِن العجب العجيب: أنَّ الفُقهاء المقلِّدين يقفُ أحدهم على ضعف
مأخذٍ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً ، وهو مع ذلك يقلِّده فيه ، ويترك من
شهد الكتاب، والسنة ، والأقْيِسَةُ الصحيحة لمذاهبهم جمُوداً على تقليد
إمامه ، بل يتحيل لدفْع ظاهر الكتاب والسنة ، ويتأوَّلها بالتأويلات البعيدة
الباطلة نِضالاً عن مُقلَّدِهِ) (١).
كما كانتْ هناك جماعةٌ من العامة تَظُنُّ في إمامها العصمةَ ، وقد رسخ في
نفسها: أنه لا يجوز ترك التقليد لإمامه في أيٍّ حالٍ ، يتحدَّث شيخ الإسلام ولي
الله الدَّهلوي عن مثل هؤلاء العامة فيقول:
((وفي من يكون عامياً ويُقلّد رجلاً من الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع مِنْ مِثله
الخطأ ، وأنَّ ما قاله هو الصواب البتةَ ، وأضمر في قلبه ألَّ يترك تقليده وإن
ظهر الدليل على خلافه ، وذلك ما رواه الترمذيُّ عن عديٍّ بن حاتم: أنَّه قال
سمعته (يعني رسول الله وَلَه) يقرأ: ﴿أَخَذُوَأْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن
دُوُنِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قال: ((إِنَّهم لم يكونوا يعبُدُونَهم، ولكنهم كانوا إذا
أحلُّوا لهم شيئاً استحلُّوه ، وإذا حزّموا عليهم شيئاً حَرَّموه)) (٢).
(١) حجة الله البالغة: ص ١٢٤.
(٢) حجة الله البالغة: ج١، ص ١٢٤ [والحديث أخرجه الترمذي في أبواب تفسير القرآن =

٧١٢
الفصل الرابع: ب ـ بعث الفكر الإسلامي
التَّقليد والاجتهاد كما يراهُما ابن تيميَّة:
قد أنكرَ المحقّقون من العلماء الراسخين في كل عصر مثلَ هذا التقليد
المطلق الذي يوازي اتباع الرّسول ◌َله وطاعته، إنهم لا يُحرِّمون التقليد كابنٍ
حزم وغيره من غلاة العلماء ، ولا يجيزون التقليدَ المطلق الذي لا يُفرِّق بين
الرسولِ ، والإمام في الاتباع ، والطاعة.
فمِن العلماء الذين يحملون رأياً مُتَّزناً جداً في هذا الموضوع ، شيخُ
الإسلام ابن تيمية في المتقدِّمين ، وشيخُ الإسلام ولي الله الدهلوي في
المتأخرين ، ويعترف ابن تيمية بواقع أن العامة وغيرَ المجتهدين من العلماء
لا بُدَّ لهم من الرجوع إلى الفقهاء والمجتهدين وتقليدِهم ، وأن الأئمة
كالوسائل والوسائط ، وأنَّ تقليد المذاهب حاجةٌ عملية وأمر طبعي ، يقول في
موضعٍ :
(«فطاعةُ الله ورسولِهِ ، وتحليلُ ما أحله الله ورسوله ، وتحريمُ ما حَّمه الله
ورسوله ، وإيجاب ما أوجبه الله ورسوله واجبٌ على جميع الثَّقلين الإنس ،
والجن ، واجبٌ على كل أحد في كل حال سِراً، وعلانية.
لكنْ لمَّا كان من الأحكام ما لا يعرفه كثير من الناس؛ رجَع الناس في ذلك
إلى من يُعلِّمهم ذلك؛ لأنه أعلمُ بما قاله الرسول، وأعلَم بمراده ، فأئمة
المسلمين الذين اتَّبعوهم وسائلُ، وطُرق ، وأدلةٌ بين الناس وبين الرسول ،
يُلُّغونهم ما قاله، ويفهِّمونهم مُرادَه بحسب اجتهادهم واستطاعتهم ، وقد
يَخُصُّ الله هذا العالِمَ من العِلْم والفَهم ما ليس عند الآخر ، وقد يكون عند ذلك
في مسألة أخرى من العلم ما ليس عند هذا، وقد قال تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ
يَحْكُمَانِ فِي الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا ◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ ﴿ فَفَهَمْنَهَا
سُلَيْمَنَّ وَكُلًا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ -٧٩] فهذان نَبيَّان كريمان حكما في
في تفسير سورة التوبة ، برقم (٣٠٩٥) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من
حديث عبد السلام بن حرب ، وغُطَيْف بن أَعْيَنَ ليس بمعروف في الحديث].
=

٧١٣
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
قضية واحدة ، فخّصَّ الله أحدهما بالفهم ، وأثنى على كل منهما ، والعلماء
ورثة الأنبياء ، واجتهاد العلماء في الأحكام كاجتهاد المستدلّين على جهة
الكعبة ، فإذا كان أربع أَنْفُس يصلي كل واحد بطائفة أربع جهات لاعتقادهم:
أنَّ الكعبة هناك، فإن صلاة الأربعة صحيحة. والذي صلَّى إلى جهة الكعبة
واحدٌ وهو المصيب الذي له أجران كما في الصحيح عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إذا
اجتهدَ الحاكمُ، فأصابَ؛ فله أجران، وإنْ اجتهد، فأخطأ؛ فله أجرٌ)) (١).
ويتقدَّمُ فيعترفُ ابنُ تيميّة بأنَّ نشأة المرء على مذهب فقهي خاصٌّ ، وقيامَه
بأداء العبادات والأحكام وفق مذهب خاصِّ أمرٌ طبيعي ، تَعوَّده الناسُ من
قديم ، ولكن شأنُ المؤمن أن يَعتقد نفسَه مُتَبعاً لله والرسول في الحقيقة ، ويتهيأ
دائماً لاتّباعِ ما يَثبُت من الكتاب ، والسنة من غير تَلَكُّئٍ ، ولا تَردُّدٍ ، يقول:
((إنَّ الإنسان يَنشأ على دين أبيه، أو سيِّده، أو أهل بلده كما يتبع الطفلُ في
الدين أبويه وسادته ، وأهل بلده ، ثم إذا بلغ الرجلُ فعليه أن يلتزم طاعة الله
ورسوله حيثُ كانت لا يكونُ ممن إذا قيل لهم اتَّبعوا ما أنزل الله ، قالوا بل نتبع
ما ألفينا عليه آباءنا ، فكُلُّ من عدل عن اتباع الكتاب والسنة ، وطاعة الله
ورسوله إلى عادته ، وعادة أبيه وقومه؛ فهو من أهل الجاهلية المستحقّين
للوَعيد. وكذلك من تبيَّنَ له في مسألة من المسائل الحقُّ الذي بعث الله به
رسوله ، ثم عَدل عنه إلى عادته؛ فهو من أهل الذَّم والعقاب)) (٢) .
والعالِمُ الذي يَصْلُّح للتَّحقيق والاستدلال، ويَستطيع أن يتبيَّن أسباب
الترجيح في المسائل ، فيتحدَّث عنه ، ويقول:
((أمَّا القادرُ على الاستدلال ، فقيل: يحرمُ عليه التقليد مطلقاً، وقيل:
(١) فتاوى شيخ الإسلام: ج٢، ص ٢٠١ - ٢٠٢ [والحديث أخرجه ابن الجارود في
((المنتقى)) (٢٤٩/١) برقم (٩٩٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وذكره العيني في
((عمدة القاري)) (١٧١/٢)، والنووي في ((شرح مسلم)) (٩١/١١)].
(٢) فتاوى شيخ الإسلام: ج ٢، ص٢٠٢.

٧١٤
الفصل الرابع: ب ـ بعث الفكر الإسلامي
يجوز مطلقاً ، وقيل: يجوز عند الحاجة ، كما إذا ضاق الوقت عن
الاستدلال ، وهذا القولُ أعدل)) (١).
وأمَّا من يقدر على الاجتهاد قُدرةً تامة ، فيُحكَمُ فيه: أنه إذا اطّلع على
النصوص في جانب، ولم يجدْ في جانب آخر ما يُقاوم به النصوص ، ويَدفَعُها؛
يلزمُه اتباع تلك النصوص ، يقول:
((أمَّا إذا قدرَ على الاجتهادِ التام الذي يعتقد معه: أنَّ القول الآخر ليس معه
ما يدفع به النص؛ فهذا يَجب عليه اتِّباع النصوص ، وإن لم يفعل؛ كان مُتَّبعاً
للظنِّ وما تَهوى الأنفُس، وكان أكبرَ العُصاة للهِ ولرسوله)) (٢).
عَملُ ابنِ تيميَّة ومكانتُه الفقهية:
أمّا تعامُلُه في المسائل الفقهية؛ فإنه أفتى في معظم المسائل على مذهب
الإمام أحمدَ بن حنبل وأصوله ، وإنَّ فتاواه وآراءه الفِقهية في أكثر المسائل تتفق
مع فتاوى ومذاهب الأئمة الأربعة ، أو مذهب إمام من أئمة المسلمين ،
واجتهاده ، كما قام بالاجتهاد في بعض المسائل ، وأفتى فيها في ضوء
الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، وبالنَّظر إلى جميع هذه الوجوه
والموازنة بينها يصح أن يُقال: إنه كان مجتهداً منتسباً (٣) للمذهب الحنبلي)) (٤).
دَعوةُ ابنُ تيميَّة وتأثيرُها:
ومِن مآثر ابن تيميَّة التجديدية: أنه عندما دعا الناس بقُوة إلى اعتبار الكتاب
والسنة مصدراً للعقائد ، وعملَ بها نفسُه في غاية من الاهتمام ، دعاهم كذلك
(١) فتاوى شيخ الإسلام: ص ٣٨٤.
(٢)
المرجع السابق: ص ٣٨٥.
(٣) المجتهد المنتسب هو الذي يكون مجتهداً في الفروع والأصول ، ولكنه يتفق مع أي إمام
في طريق استدلاله، واستنباطه، ولا يتجاوز نطاقه بوجهٍ عامٍ.
(٤) وللاطلاع على فقه ابن تيمية ومكانته ، والتفاصيل عن مكانته الاجتهادية راجع كتاب
(ابن تيمية)) للشيخ أبو زهرة ، ص ٣٥٠ - ٤٥٢.

٧١٥
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
بقوة بالغة إلى اتخاذ الكتاب والسنة مصدراً للفقهيات ، والأحكام ، ومِقياساً
للحق ، وقدَّم نموذجاً عالياً للعمل بهذه الدعوة بقوله تعالى: ﴿فَإِن نَنَزَعْتُمْ فِى شَىءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
إنَّ دعوةً ابن تيمية هذه أثارتْ رُوحاً ونشاطاً من جديد في أوساط الأمة
الفِقهية ، والعلمية التي كانت قد توقفت منذُ مدة بعيدة عن دراسة الأحكام
والمسائل ، والتفكير فيها ، ومقابلتها مع الكتاب والسنة ، وكان بابُ الاجتهاد
والاستنباط مُغلَقاً من زمن طويل ، وهكذا فإنه قام بِبعثِ الفكر الإسلامي
الصحيح الذي وُجد في القرون الأولى ، وقامتْ عليه حياةُ المسلمين ، وهو
على أساس هذه المآثر العلمية والعملية كُلُّها يُعتبر من شخصيات التاريخ
الإسلامي المصطفاة التي اختارَها الله لتجديد هذا الدين ، وبعثه من جدید.
﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: ٢١]

النَّاسُ الثالثةُ
تلاسية شيخ الإسلام ابن عية النجباء
الفصل الأول: شمس الدين محمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية.
الفصل الثاني: عماد الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي.
الفصل الثالث: عماد الدين إسماعيل بن كثير.
الفصل الرابع: زين الدين عبد الرحمن بن رجب الحنبلي.

٧١٩
الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته
الفصل الأول
الحافظ ابنُ قَيِّم الجَوزِيَّة
تلميذهُ وخليفَتُه
عُرف شيخُ الإسلام ابن تيمية بكثرةٍ تلاميذه والمستفيدينَ منه ، وكان من
الطبيعي أن يكون له نفوذ قوي في عصره الذي عاش فيه بما قد رَزقه الله من حياة
مشغولة بالعمل الإسلامي العظيم ومن شخصيَّة عملاقة جبَّارة، ولا غَرْوَ أن
یتجمّع حوله حشدٌ کبیر من تلاميذه والمعجبين به.
وقد تميَّز مِن بين هؤلاء التلاميذ تلميذُه النجيب الحافظ ابنُ قيّمِ الجوزية
الذي يُعتبرخليفته الراشد ، ومُدوِّن علومه من بعده ، إنَّه تفرَّد بخصائص ومزايا
لم تتوافر في غيره من تلاميذه ، فقد ظلَّ يُشارك أستاذه في أحواله ، وأعماله
طول حياته ، ولم يُفارقه حتى آخر لمحة من حياته ، وثَبت على جادّته بعد وفاته
من غير أن يفتُر حبُّه له ، وإعجابه به .
إنَّ خَدماته العلمية، وجلالة قدره وفضائِله لَجديرةٌ بتأليف كتابٍ مستقلٌّ (١)
(١) وقد صدرت عشرات الرسائل: الماجيستر، والدكتوراه حول سيرة ومؤلَّفات ومنهج
الحافظ ابن قيم الجوزية، ومن أشهر ممَّا كُتب عنه: ((ابن قيم الجوزية)) للأستاذ عبد
العظيم شرف الدين، و: ((ابن قيم الجوزية)) للشيخ مسلم الغنيمي، و: ((ابن قيم
الجوزية وآراؤه التربوية)) للأستاذ عبد الرحمن النحلاوي ، و: «ابن قيم سيرته ومؤلّفاته»
للأستاذ أبو بكر زيد] ((وابن قيم الجوزية وآراؤه النحوية)) للدكتور أيمن الشَّؤَّا.

٧٢٠
الفصل الأول: الحافظ ابن قيم الجوزية تلميذه وخليفته
عنه ، يبحث عن مؤلفاته ، ودراساته العلمية بغايةٍ من التفصيل ، ومما يَبعثُ
على الدهشة والاستغراب: أنَّ التاريخ لا يتحدَّث عن سيرته إلا بإيجاز ،
والمعتمدُ في ذلك هو ماذكره تلميذُه النابغة الشهير الحافظ ابن رجب الحنبلي
عن سيرته في ((طبقات الحنابلة)).
والحقيقةُ: أنه أذاب شخصيته في حياة شيخه وأستاذه بحيث لم يَعُد له
وجود مستقل ولا شخصيةٌ وحدها ، وإلى القارىء نُبذة من سيرته التي اطّلعنا
عليها وظفِرنا بها .
اسمهُ ونَسَبُه:
هو مُحمَّدٌ الملقَّب بشمس الدين، ويُكنى أبا عبد الله ، وهو في النسبة
زرعِيٌ(١)، واسم والده أبو بكر بن أيوب.
ولد في دمشق حيث قضى حياته ، توفِّي هناك، ودُفن فيها ، وكان
والده(٢) قيِّمَ المدرسة الجوزية(٣) فقيل له ابنُ قَيِّم الجوزية نسبة إلى مَنْصب
والده ، ويُؤْثِرُ بعضُ الناس الإيجازَ فيقولون ابنُ القيم.
سمعَ الحديث من الشّهاب النابلسي العابر ، والقاضي تقي الدين سليمان ،
وفاطمة بنت جوهر ، وعيسى بن مطعم ، وأبي بكر بن عبد الدائم ، وغيرهم
من شيوخ عصره.
برَع في الفقه على المذهب الحنبلي ، وأفتى ، ولازمَ ابنَ تيميَّة حتى آخر
لحظة من حياته ، يقول العلامةُ ابن كثير: «لازمَه إلى أن مات الشيخ ، فأخذ عنُه
عِلماً جمَّاً)) (٤).
(١) [نسبة إلى قرية ((زُرَع)» من قُرِى حَوْرَان قُرْب دمشق].
(٢) [كان عالماً مشهوراً في علم الفرائض].
(٣) [الكائنةُ اليوم في سوق البُزوريّة بدمشق، وصفها الحافظُ ابن كثير بأنها أحسن
المدارس ، جُعل فوقها مسجدٌ صغيرٌ تقام فيه بعضُ الصلوات إلى يومنا هذا].
(٤) البداية والنهاية: ج١٤، ص ٢٣٤.