النص المفهرس

صفحات 681-700

٦٨١
ب - نقد الشيعة وآراؤها
ولا ريَب: أنَّ منْ فعل ما قالته الرافضة فهو قليلُ العقل (وقد برَّأ الله رسوله
وصِدّیقه من گَذِبهم)) (١) .
ثم تناولَ ابنُ تيمية كلام صاحب كتاب ((منهاج الكرامة)) جزءاً جزءاً ، رَدَّ
عليه بتفصيل ، وذكر المواضع التي جاء فيها ذِكر الحزن ، والخوف في القرآن
الكريم ، وأنَّ الحزن ، والخوف إنما ثَبتا لأولي العزم من الرسلِ ، والأنبياء ،
وكبار الأولياء، والصلحاء، وأفراد أهل البيت ، أما قول الحِلِّي: إنَّ القرآن
حيثُ ذَكر إنزال السكينة على رسول الله بَّ أشرك معه المؤمنين ، يُوهمُ أنه ذكر
ذلك في مواضع متعدِّدة، وليس كذلك ، بل لم يذكر ذلك إلا في قصة حُنين
كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيَرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيّنٍ إذْ
أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا
رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْثُم مُّدْبِرِينَ (٥) ثُمَّ أَنَزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَّهُ عَ رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ
جُودًا لَّوْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦] فذكر إنزال السكينة على الرسول والمؤمنين
بعد أن ذكر تَوليتهم مدبرين»(٢).
وقد ذَكر إنزالَ السكينة على المؤمنين وحدَهم في مواضع عديدة من
القرآن ، وتناول ذلك بالبحث ، والتفصيل.
والنموذجُ الثاني لهذا التعصب والجهل الأعمى لما جاء في كتب السِّير: أنَّ
النبي ◌َ * عندما كان في العريش يوم بدر كان أبو بكر رضي الله عنه أنيسَه ، يقول
الحِلّي :
((وأمَّا كونَه أنيسه في العريش يوم بدر فلا فضل فيه؛ لأن النبي وَ لِّ كان أُنْسُه
بالله مُغنياً له عن كل أنيس ، لكن لما عرف النبي ◌ِّ أنَّ أمره لأبي بكر بالقتال
يُؤدي إلى فساد الحال ، حيث هَرب عِدة مرار في غزواته))(٣).
(١) منهاج السنة: ج٤ ، ص ٢٥٦.
(٢) المرجع السابق: ج ٤، ص ٢٧٢ .
(٣) المرجع السابق: ج ٤، ص ٢٨٤.

٦٨٢
ب - نقد الشيعة وآراؤها
وقد حرّكتِ ابنَ تيميَّة هذه التهمةُ، فثارت فيه حماسةُ الإيمان
والصِّدق ، وردَّ عليه بقوله: ((الجواب أن يقال لهذا المفتري الكذَّاب ما ذكرته
من أظهرِ الباطل بوجوه :
أحدها: أنَّ قوله ((هَرب عدةً مرار في غزواته)) يقال له هذا الكلام يدل على
أن قائله من أجهل الناس بمغازي رسول الله بَّه وأحواله ، والجهلُ بذلك غير
منكّرٍ من الرافضة ، فإنهم من أجهل الناس بأحوال الرسول ، وأعظمهم تصديقاً
بالكذب فيها ، وتكذيباً بالصدق منها ، وذلك أن غزوة بدر هي أولى مغازي
القتال لم يكن قَبْلها لرسول الله وٍَّ ولا لأبي بكر غزاةٌ مع الكفار أصلاً،
وغزواتُ القتال التي قاتل فيها النبي ◌َّ تسع غزوات، وأما الغزوات التي لم
يقاتل منها؛ فهي نحو بضعَ عشرة.
وأمَّا السرايا فمنها ما كان فيه قتال ، ومنها ما لم يكن فيه قتال ، وبكل حال
فبَدرٌ أوَّلُ مغازي القتال باتفاق الناس ... وليس قبلَها غزوة ، ولا سريّة كان
فيها قتال إلا قصة بني الحضرميِّ ولم يكن فيها أبو بكر ، فكيف يُقال: إنه هربَ
قبل ذلك عدَّة مراتٍ في مغازيه .
الثاني: أنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - لم يَهْرب قط حتى يوم أُحد لم ينهزم
لا هو، ولا عمر ... فمن أثبتَ ذلك عليهما هو المدَّعي لذلك؛ فلا بدَّ من
إثبات ذلك بنقْلٍ يَصْدُق.
الثالث: أنَّه لو كان في الجُبْن بهذه الحالة لم يخُصَّه النبي ◌َّ دون أصحابه
بأن يكون معه في العريش ، بل لا يجوز استصحابُ مثل هذا في الغزو ، فإنه
لا ينبغي للإمام أن يُقدمه على سائر أصحابه ، ويجعله معه في عريشه (١).
التناقض في سيدنا علي رضي الله عنه:
يَتَحدَّثُ ابنُ تيمية عن سيدنا علي رضي الله عنه ، ويُشبّه الرافضة بالنصارى،
(١) منهاج السنة: ج٤، ص ٨٤ - ٢٨٥.

٦٨٣
ب - نقد الشيعة وآراؤها
فكما أنَّ النصارى اتخذوا أربابهم ، ورهبانهم أرباباً من دون الله ، واتخذوا
المسيح ابن الله، ثم صوَّروا حادثَ صلبه بحيث إنه إنما يبدو إنساناً عاجزاً
لا يَملك من أمرِه شيئاً، ويُستهدف لكل إهانة، وذُلِّ ، واستهزاء ،
وسخرية .
كذلك الرافضة الذين خلعوا على سيدنا علي رضي الله عنه صفات تثبت: أنَّ
مكانته أرفع من مكانة النبي ◌ّلل ولولاه لم يزدهر الإسلام، ولم ينتشر في
الآفاق ، ولم ينهزم الكفر ، ثم أثبتوا عَجْزه وضعفه بإزاء الخلفاء الثلاثة إلى أنه
لم يستطع أن يستنكرَ ما قد كان يراه خلافاً لضميره ، وعقيدته ، ويحتملُ كل
إهانة ، وذلة لنفسه ، ولأهل البيت من غير أن يحارب ذلك ، أو يدافع عنه،
فهذا تناقضٌ صريح، يَعرفه كلُّ ذي عقلٍ ، يقول ابنُ تيمية :
((وهؤلاء الرافضة يجمعون بين النقيضين لفَرْط جهلهم ، وظُلمهم يجعلون
علياً أكملَ الناس قدوة ، وشجاعة حتى يجعلوه هو الذي أقام دينَ الرسول، وأنَّ
الرسول كان محتاجاً إليه، ويقولون مثل هذا الكفر؛ إذ يجعلونه شريكاً لله في
إقامة دين محمد ◌ّ، ثم يصفونه بغاية العَجز، والضَّعْف، والجَزَع ، والتَّقيَّة
بعد ظهور الإسلام ، وقوّته ، ودخول الناس فيه .
ومِن المعلوم قطعاً: أنَّ الناس بعد دخولهم في دين الإسلام أتبعُ للحق منهم
قبل دخولهم فيه، فمن كان مشاركاً لله في إقامة دين محمد حتى قهر الكفار ،
وأسلم الناس ، كيف لا يفعل هذا في قهر طائفة بَغَوْا عليه هم أقلُّ من الكفار
الموجودين عند بعثة الرسول ◌َ له، وأقلُّ منهم شوكة، وأقربُ إلى الحقِّ منهم)) (١).
مَبحَثُ الإمامة:
تناولَ ابنُ تيمية مبحثَ الإمامة بغايةٍ من التفصيل ، وأنكر بقوة ما يقولُه
الإمامية في تعريف معنى الإمامة ، واعتبارها ركناً من أركان الدين ، وردّ على
جميع الدلائل التي يستدلُّون بها على إثبات الإمامة عقلاً، ونقلاً ، ولا سيَّما
(١) منهاج السنة: ج ٤ ، ص ٥٦.

٦٨٤
ب - نقد الشيعة وآراؤها
عقيدة الإمام الغائب ، فقد استهزَأ بها ، وأثبت: أنَّ هذه العقيدة لا تُثمِرُ سوى
الفساد، والخِلاف، والبطالة، والتعطُّل)) (١).
الشيعة لا تَغْتني بالكِتاب والسُّنة:
يقول ابنُ تيمية: ((والرافضة لا تعتني بحفظ القرآن ، ومعرفة معانيه ،
وتفسيره ، وطلب الأدلة الدالة على معانيه، ولا تعتني بآثار الصحابة ،
والتابعين حتى تَعرفَ مآخِذَهم، ومسالكهم، بل عُمدتُها آثارٌ تنقل عن بعض
أهل البيت، فيها صِدْقٌ، وكَذبٌ))(٢).
تَعطيلُ الشيعةِ المساجدَ وَرَفْضُهم الجُمعةَ والجماعة:
ويقول: ((وكذلك الرافضةُ غلوا في الُّسل ، بل في الأئمة حتى اتخذوهم
أرباباً من دون الله ، فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرَهم بها الرسل،
فتجدُهم يعطِّلون المساجد التي أمر الله أن تُرفع ويذكر فيها اسمه ، فلا يُصلُّون
فيها جمُعة ، ولا جماعة، وليس لها عندهم كبيرُ حرمة، وإن صلَّوا فيها صلَّوا
فيها وُحداناً، ويُعظّمون المشاهد المبنيّة على القبور، فيعكُفون عليها مشابهة
للمشركين، ويحجون إليها كما يُحَجُّ إلى البيت العتيق))(٣).
متأخّرو الشّيعة أتباعٌ للمعتزلة:
ويقول شيخُ الإسلام: ((وهم في دينهم لهم عَقليات، وشرعيات ،
فالعقلياتُ متأخِّرُوهم فيها أتباع المعتزلة ، إلا من تفلسف منهم ، فيكون إمّا
فيلسوفاً وإما مُمتزجاً من فلسفةٍ واعتزال. ويَضمُّ إلى ذلك الرفض مثل مُصنَّف
هذا الكتاب)) (٤).
(١) منهاج السنة: ج٣، ص ٥٠ - ٢٤٩.
(٢)
المرجع السابق: ص ٤٠.
(٣) المرجع السابق: ج١، ص ١٣١ .
(٤) المرجع السابق: ج٣، ص ٤٠.

٦٨٥
ب - نقد الشيعة وآراؤها
فإنَّ مؤلّف كتاب ((منهاج الكرامة)» قد أثار في هذا الموضوع بُحوثاً للعقائد
والكلام يتجلَّى فيها لون الاعتزال والفلسفة بوضوح.
وقد ردّ عليها جميعاً ابنُ تيمية بغايةٍ من التفصيل ، ويتضمَّنُ كلامه هذا بحوثاً
فلسفية ، وكلامية عميقة ، وبما أنَّ شيخ الإسلام غوَّاصٌ في بحور المعقول ،
والمنقول كليهما تناول الموضوع كعادته بشرح وافٍ ، وإيضاح كافٍ (١) ، ولم
يُغادر صغيرة ، ولا كبيرة إلا أحصاها، وتَوصَّل إلى نتيجة: أنَّ اطلاع هذه
الفرقة على العلوم العقلية عابرٌ سَطحي، حتى إنَّ علماءهم لا يُعدُّون تلاميذ
الابتدائية في هذا العِلم.
التاريخ الماضي:
لقد أشار ابنُ تيمية في مواضعَ متعددة من مؤلّفاتِه إلى أنَّ الشيعة في كل دور
من أدوار التار یخ ((يوالون أعداء الدين الذين يعرف كل أحد معاداتهم من
اليهود ، والنصارى ، والمشركين، وليس لهم سعيٌ إلا في هدم الإسلام،
ونقض عراه، وإفساد قواعده))، حتى اضطر أخيراً إلى أن يصرح فيقول:
(فأيامهم في الإسلام كلُّها سود))(٢).
أَهلُ السُّنة على طريق عادل:
يعتقد ابنُ تيمية: أنَّ أهل السنة هم وحَدهم الذين يأخذون بالقَصْد ، والعدل
في طريقهم من بين جميع فِرق المسلمين ، وهم الذين يُعتبرون بمَعزِلٍ عن كلِّ
إفراطٍ وتفريط ، لا تعَارُضَ عندهم بين حُبِّ أهل البيت ، وتعظيم الصحابة
الكرام رضي الله عنهم ، إنَّهم يجمعون بين هاتين النعمتين ، وكِلتا الحسنيين ،
وذلك هو الإسلام الصحيح ، إنه يقول:
(وأمَّا أهلُ السنة؛ فيتولَّون جميع المؤمنين، ويتكلَّمون بعلمٍ، وعذْلٍ،
(١) منهاج السنة: ص ٣٠ - ١٢٩.
(٢) المصدر السابق: ج٤، ص ١١١.

٦٨٦
ب - نقد الشيعة وأراؤها
ليسوا من أهل الجهل ، ولا من أهل الأهواء ، ويتبرؤون من طريقة الروافض ،
والنواصب جميعاً ، ويتولَّون السابقين الأولين كلَّهم ، ويعرفون قَدْرَ الصحابة،
وفضلَهم، ومناقِبَهم، ويَرَعَوْن حُقوق أهل البيت التي شرَعها اللهُ لهم)) (١) .
(١) منهاج السنة: ج١، ص ١٦٥ .

٦٨٧
الفصل الرابع: أ - تجديد علوم الشريعة
الفصل الرابع
تجديدُ عُلوم الشريعَةِ
وتَنشيطُ الفِكر الإسلامي
أ - تجديد علوم الشريعة
العَصْرُ الذي عاش فيه ابن تيمية
كانت العلوم الشرعية والدينية قد توسّع نِطاقُها في العصر الذي وُلد فيه ابن
تيمية سيَّما علوم التفسير ، والحديث ، والفقه ، وأصول الفقه ، فقد تكونت لها
مكتبةٌ واسعةٌ ، إذا اطّلع أحد على علم من هذه العلوم ، وعثرَ على الذخائر
العلمية الموجودة آنذاك - ولو بإجمال ــ كان يُعتبر ذلك مأثرةً علمية كبرى لرجل
متوسّط .
وأمَّا عصْرُ ابن تيمية فقد امتاز بوجود عددٍ وجيه من علماءً ، ومدرسین کان
كلٌّ مطلعاً على هذه المكتبة الواسعة ، كما وُجد من بينهم عددٌ أتقن جزءاً كبيراً
من هذه المكتبة ، وحفظها في الصدور ، نظراً إلى ما كان يتمتع به من قوة
الذاكرة والاشتغال بالعِلم، وكثرة المطالعة ، والدراسة ، والتدريس ، وكان
يتمكنُ من إعادة ما كان يحفظه من العلم، والاستفادة منه بدون تكلُّف كلما
ألجأتهمُ الضرورة إلى المُناظرة ، والتدريس ، فمثلاً العلامة كمالُ الدين ابنُ

٦٨٨
الفصل الرابع: أ - تجديد علوم الشريعة
الزَّمَلْكاني، وتقي الدين عليُّ ابنُ السُّبْكي، وشمسُ الدّين الذَّهبي،
وأبو الحجاج المزيُّ ◌ُلُّھم نموذجٌ لذلك.
إنَّ دراسة كتاب ((طبقات الشافعية الكبرى)) تُفيد تقدير المدى الذي بلغ إليه
هؤلاء العلماء من استحضار العلم والتبحر فيه ، وكثرة المحفوظات والتفنن في
العلم ، وقد كان عديدٌ من رجال ذلك العصر ممن استحقوا أن يُسمَّوا دائرةً
معارف العلوم الشرعية بكل جدارة.
إنَّ هؤلاء الرجال وإن كانوا مُتوسِّعين في العلم والمعلومات إلا أن النقل
كان فيها غالباً على العقل والتفكير ، فكانت الحاجةُ ماسَّةً إلى رجال لهم نظرةٌ
ناقدةٌ وخِبرةٌ تامةٌ بهذه الذخائر العلمية كلها ، يحملون قوة الموازنة بين آراء
المتقدمين ، وأفكارهم ، كما يتفرَّدون بآرائهم، ونظرياتهم الخاصة في
المسائل والمشكلات.
لقد كان المتأخّرون من العلماء في ذلك العصر يكتفون بالتبحر في التراث
العلمي الذي كان قد خلَّفه المتقدّمون ، والاشتغال بشرحهٍ ، وتوضيحه ،
واختصاره ، وتلخيصه ، فكان العَمل العلمي راكداً لم يكن يَنال من زيادةٍ
قيمة ، ولا كانت تتوسعُ آفاقه ، وكانتِ المكتبة العلمية تشكو فقدان الكتب التي
تتسم بالأصالة ، والاجتهاد.
أمّا الكُتب التي كانت تُعتبر منعدمة النظير في ذلك العصر؛ فلم تكن لها ميزة
سوى أنَّ مؤلّفيها كانوا قد جمعوا فيها المواد المُبعثرةَ، ورتّبُوا المعلومات
المتفرِّقة السابقة بتنسيق جيد ، أو أنها كانت شرحاً جيداً لمتنٍ فِقهيٍ سابقٍ.
خَصائِص ابنِ تيميَّة العلميةُ والتَّأليفية:
تبخّر ابنُ تيمية - بفضل ذكائه ، وقوةٍ ذاكرته الموهوبة - في هذه الذخائر
العلمية بأكملها ، واستساغها فكرياً ، واستفادَ منها في مؤلفاته استفادة كاملة ،
إلا أن نفسَه الطموحة المضطربة ، وعقلَه النادر الكبير ، وقلَمه السَّيالَ البليغ ،
لم يكن كلُّ ذلك يُقنعه بأن يكتفي بالنقل ، والرواية ، والشرح ، والتلخيص ، أو

٦٨٩
الفصل الرابع: أ - تجديد علوم الشريعة
الاختبار ، فما كاد يُفارقه علمه العميق بكتاب الله تعالى ، واطِّلاعه الواسع
الصحيح على مقاصد الشريعة ، وملكته الراسخة في أصول الفقه وأصول
التشريع في أي مرحلة من مراحل تأليفه ، وكُلُّ موضوع يريد أن يؤلِّف فيه يَنفخُ
فيه روحاً جديدة بعلمه الناضج الطري ، ولذلك لا نجد أي كتاب من كتبه يخلو
من حقائِقَ علمية جديدةٍ ، وبحوث ناقدة ، ومباحثَ أصولية جديدة ، بل إنَّ
مؤلفاته تَشُقُّ طريقاً جديداً لفهم الكتاب ، وتَفتح باباً جديداً إلى إدراك مقاصد
الشريعة .
وقد سبقَ أن تناولنا كتابين ضخمين من كُتبه بالنقد والتلخيص في تفصيل ،
وهما: ((الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح)) و((منهاج السنَّة)) وله عدا هذين
الكتابين عدَّةُ مؤلَّفات تشهد بأفكاره ، وآرائه الاجتهادية ، وذكائهِ الخارق ،
وقوة نقده ، وتُهيىء للعقول في كل عصر غذاءً دَسماً صالحاً من العلم والفكر ،
ويَجدُ فيها أهلُ العلم في كل زمان بُغيتهم من المعلومات الجديدة ، والدلائل
الطريفة، والتحقيقاتِ الحديثة، فمثلاً ((كتاب النبوءات)) و((الردُّ على
المنطقيين)) و((اقتضاء الصراط المستقيم)) (١)، ليستْ منَ المؤلفات العلمية
القيمة ذات المستوى العالي والمتفرِّدة في مواضيعها فحسب ، بل إنها كُتبٌ
تفتح آفاق الفكر ، وتُعِدُّ العقول للتفكير ، وتَعرِض عليها مجالاتٍ جديدة ،
للمسائل العلمية ، والقضايا الفكرية .
التَّفْسِيرُ:
خَصَّ ابنُ تيمية التفسيرَ بتأليفه، وتفكيره ، كموضوع مُفضَّل ، وقد غلب
عليه ذوق التفسير إلى حدٍّ لا يخلو أي كتاب من كتبهً عن مواد التفسير ،
(١) إنَّ هذا الكتاب وإنَّ كان يدور حول عدم التمسك بتقاليد غير المسلمين، وشعائرهم،
والامتناع عن الاشتراك في مناسباتهم، وأعيادهم الدينية ، إلا أنَّ الکتاب يحتوي - كما
هو المألوف من المؤلِّف - على مباحث، وعلوم نفيسة، ويصلح أن يحتلَّ محلاً عالياً
بين مؤلّفات شيخ الإسلام ، أصدرت إحدى طبعاتها جمعية أنصار السنة في القاهرة.

٦٩٠
الفصل الرابع: أ - تجديد علوم الشريعة
والاستدلال بالآيات ، وشرحِها وتفسيرها ، إنه لا يمر بآية إلا ويتناولها بالشرح
والتفسير ، ولذلك فإن الذخائر التفسيرية التي تركها تربو على ثلاثين مجدداً ،
كما يقول تلاميذه ، ولا شكّ فإنها إذا جُمعت؛ لتكوَّنت ذخيرة تفسيرية لها
قيمتها واعتبارها ، ولكانَ تفسير ابن تيمية من أجود التفاسير ، وأجمعها لما قد
رزقه الله تعالى من نِعمة التعمُّق في الفِكر والنظر ، وسلامَة الذوق ، والتبخُر
الكامل في الروايات ، والاستشهادِ بها ، وتطبيق الآيات على الحياة ،
والاطلاع على المجتمع الذي عاش فيه ، وروح الدعوة ، ودوافع الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحَمیة الدین.
ولو أنَّ تفسيره الكامل المتَّصل مفقودٌ ، ولكنَّ تفسيرَه لسور عديدة مطبوع
موجود ، وهو يكفي لتقدير خصائصه التفسيرية ، وقد صدر ((تفسير سورة
الإخلاص))، و((تفسير المعوذتين))، و((تفسير سورة النور)) منذ زمن طويل في
مصر ، كما صدرت مجموعة من التفسير ، مأخوذة من كتبه المختلفة ، منذ
زمن قريب (١) ، لقد عُرِفتْ صلتُه بالتفسير واشتغالهُ به في حياته أيضاً ، وكانت
تُعتبر ميزتَه العلمية ، ولما نودي للصلاة عليه بعدَ وفاته سُمِّي بهذا الاسم:
((الصَّلاة على تُرجمان القرآن))، وله رسالة وجيزةٌ في أصول التفسير، وهي
رسالته الأولى الخاصة بأصول التفسير فيما نعلم.
الحدیثُ:
وإنْ لم يكنْ له كتابٌ مستقلُّ في فَنِّ الحديث وشرحه ، وكان هذا الفنُّ قد
بلغ ذروة الاتساع، والكمال في القرنين السابع ، والثامن حيث لم تَعُدْ هناك
حاجةٌ إلى تأليف ، أو شرح للحديث ، إلا أنَّ مؤلفاته تحوي مواد غزيرة لأصول
الحديث ، وأسماء الرجال، والجرح والتعديل، ونقدِ الحديث ، وفِقه
الحديث ، حتى إذا جُمعت في كتاب مستقل؛ تكوَّنت ذخيرةٌ قيمة(٢) ، وكانت
(١) صدر هذا التفسير باسم ((تفسير ابن تيمية)) من المطبعة القيمة في بمبائي.
(٢) [ولشيخ الإسلام كتابٌ في علوم الحديث، طُبع في دار الحرم للتراث بالقاهرة ، بتحقيق=

٦٩١
الفصل الرابع: أ - تجديد علوم الشريعة
تأليفاً ضخماً ، وبالأخصِّ فإن آراءه فيما يتصل بالأحاديث الموضوعة تبلُغ من
الصراحة والتحقيق إلى حدَّ يصعب العثور عليه في مكان آخر ، والمواد التي
نطَّلع عليها حول هذا الموضوع في كتاب ((منهاج السنة)) وما بحثه هو عن
عشرات من الأحاديث المشهورة ، والمتداولة ، كلُّ ذلك ذخيرةٌ نادرةٌ قيمةٌ.
أُصولُ الفقه:
كان هذا الموضوعُ ممَّا يَرَغبُ فيه، ويتذَّوقُه ، وقد حصلتْ له فيه مَلَكٌ
راسخة ومكانةٌ اجتهادية ، ولذلك نرى أنَّ مؤلَّفاته كلها تحتوي على هذه
المباحث الأصولية ، ولا سيما كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم)) ومجموعُ
فتاواه ينطويان على أكبر مقدارٍ من المباحث الأصولية ، كما أنَّ له رسائل
مستقلة في هذه الموضوع ، كـ ((رسالة القياس)) و((منهاج الوصول إلى علم
الأصول» وما إلى ذلك.
عِلمُ الكَلام:
لو ذهبنا نُحلِّل مؤلَّفات ابن تيمية؛ لوجدنا علم الكلام والعقائد یَشغل نصف
كتاباته ، أو ثُلثين منها ، ورسائلُه التي ألفها في هذا الموضوع، وعزاها (١) إلى
مُدُن، أو أمكنة مختلفة ((كشرح الأصبهانية)) و((الرسالة الحموية))،
و((التدمرية))، و((الواسطية))، و((الكيلانية))، و((البغدادية))، و((الأزهرية))،
وما إلى ذلك ، خيرُ دليل على معرفة أفكاره الأصيلة ، وقوة استدلاله ، وحَمِيَّته
الدينية ، ومرآة لعلمه وذكائه.
الفقْهُ:
أمَّا فِقه كلِّ مذهب فكان قد تناوله المدوِّنون في عصره بما لم يترك أيَّ مجال
وتعليق الأستاذ موسى محمد علي، تأليفه ليس على طراز كتب علوم ومصطلحات
=
الحديث ترتيباً ، لكنه يحتوي على الفوائد والنُّكت القيمة في الحديث وعلومه].
(١) سمَّى رسائله باسم المدينة التي ورد منها استفتاء بوجهٍ عامٍ.

٦٩٢
الفصل الرابع: أ - تجديد علوم الشريعة
للزيادة فيه ، إلا أن ابنَ تيمية درس كثيراً من المسائل ، والأحكام في ضوء
الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، وأصول الفقه ، وقام بالاستنباط ،
والاجتهاد فيها، وحاول التوفيق بين الفِقه والسنة ، وجعلَ الفروع والآراء
الفقهية تابعة للأحاديث الصحيحة، واجتهدَ في المسائل المستحدثة، والأحوال،
والمقتضيات الجديدة ، واستنبطَ أحكامَها من الكتاب والسنة شأنَ الفقهاء
والقضاة في كلِّ عصرٍ ، الذين يجتهدون في المشكلات والمسائل المعاصرة ،
وقد كانتْ شروط الاجتهاد تتوفّر فيه كما يقول بعض أهل البصيرة من
العلماء ، وخلّف ذخيرة واسعة من فتاواه، واختياراته ، وهذه الفتاوى
تحفظها أربعةُ مجلدات كبار ، وهي ليست مجموعة من المسائل ، والأحكام
الفقهية فحسب ، بل إنها ذخيرةٌ قيّمةٌ من المباحث الأصولية ، والمسائل
العلمية (١).
تَأْثيرُ ابن تيميَّة في القرون المتأخرة:
قامَ ابنُ تيمية بتجديد علوم الشريعة بجنب ما أنجز من جلائل الأعمال
العلمية التي كانت تتَّسم بالسَّعة والعُمق ، وبالامتزاج بين العقل ، والنقل ، إنه
قضى على ذلك الجمود، والاضْمحلال اللَّذين كانا قد تسربا إلى الفكر
الإسلامي ، وفتح أبواباً جديدة للفكر ، وخلَّف وراءه ذخائرَ من العلوم
والمؤلّفات التي تُوسِّع آفاقَ الذهن ، وتُنشِّط العقلَ، وتُحرِّك القلبَ ، والتي
مَثَّلتْ دوراً رائعاً في إيجاد طَبقةٍ عالية من المؤلفين ، والمفكرين ، والدعاة ،
والمصلحين في كل دور من أدوار التاريخ ، ففي الحركة الفكرية ، والإصلاحية
(١) صدرت مجموعةُ فتاوى شيخ الإسلام في أربعة مجلَّدت عام ١٣٢٦ هـ في مصر، واهتم
بطبعها الشيخ فرج الله الكردي ، وهي تقع في ١٥٨٦ صفحة ، وفي آخر المجلد الرابع
منها ملحق باسم ((الاختيارات العلمية)) وهو يحتوي على اختياراته ، وترجيحاته ، والجزء
الخامس من الفتاوى يتعلق بمسائل علم الكلام، والعقائد، ووسائلها ، أمَّا مجموعة
فتاوى شيخ الإسلام التي أصدرتها المملكةُ السعودية ، والتي تحتوي على ٣٧ مجدداً
فهي بمثابة مكتبة بأسرها ودائرة معارف مستقلة.

٦٩٣
الفصل الرابع: أ - تجديد علوم الشريعة
التي نشطت منذ القرن الثاني الهجري يرجع الفضل الأكبر إلى شيخ الإسلام ابن
تيمية ، وله الحظُّ الأوفر فيها.
إِنَّه يستحِقُّ بكل جدارة أن يُعتبر في أعلام المجدِّدين للعلوم والأفكار
الإسلامية ، وبالأخصِّ فإن مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية عامل قوي من بين .
العوامل الأخرى للحركاتِ الإصلاحية العلمية ، والفكرية التي نشأت في أرجاء
العالم الإسلامي المختلفة منذ القرن الثاني عشر الهجري.

٦٩٤
الفصل الرابع: ب ـ بعث الفكر الإسلامي
ب - بَعثُ الفِكر الإسْلامي
١ - مصدُر العقائدِ كُلِّها الكتابُ والسنة
مَصدَرُ العقائد والحقائق الدينية الصحيح:
ومِن مآثر ابن تيميَّة التجديدية المستقلة: أَنَّه قام ببعثِ الفكر الإسلامي ،
ولعلَّ هذه المأثرة من أجلِّ أعماله الفكرية التي تميَّز بها في حياته .
وممّا لا يخفى: أنَّ الإسلام يمتازُ بالنسبة إلى النظم الفكرية الأخرى بأنه
يقُوم على أساس الوحي ، والنبوة المحمدية ، وأنَّ عقائده، وحقائقه لا تُبتنى
على القياس، والتجارب ، والظن ، والتخمين ، والذكاء الإنساني ، والبحث،
والجدال، بل تُبتنى على تعليم الله تعالى، وتبليغ رسوله ◌َّهِ، والذي قاله لَّهِ ،
وشرحه حول ذات الله تعالى وصفاته ، وأفعالهَ ، وعن بدء العالم ومنتهاه ،
ومَبدئه ومصيره وعن المعاد والآخرة ، وخواصّ الأعمال ونتائجها ، وعن
الأمور مما وراء الطبيعة(١) التي لها علاقة بالدين، إنَّما هي العقائد،
والحقائق ، ولا سبيلَ إلى معرفتها، والإيمانِ بها في الحقيقة سوى الوحي
والنبوة ، وذلك لأنَّ الطريق إلى التوصل إلى المعلومات والحقائق كلها هي
المبادىء الأولية ، وهذه المبادىء الأولية لهذه الحقائق الدينية والغيبية لا يطلع
عليها أحدٌ.
إنَّ الوسيلة الوحيدة للاطلاع على أمر جديد هي أن تُرتّب المعلومات بحيث
يتيسَّر الوصول إلى المجهول ، إلا أننا لسنا مُطَّلعين على المبادئ الأولية لهذه
(١) [أي: عالم الغيب].

٦٩٥
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
الحقائق الغيبية ، والدينية؛ كما أننا نحن مُطَّلعون على المعلومات الأولية عن
الطبيعات ، والماديات.
إنَّ ذاتَ الله تعالى، وصفاتِهِ وراءَ الحواس ، والعقلُ الإنساني يُعْجز الإِنسان
عن أية تجربة ، أو مشاهدة عنها ، ولا أساس هناك للقياس فيها ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ولذلك فلا مناص من ذلك من الاعتماد على تلك
الطائفة من البشر التي أكرمها الله تعالى بِعِلْم ذاته ، وصفاته ، ونوَّر قلوبهم بنور
الهداية والإيمان ، كما لا يَسعنا الإنكارُ، والبحث بإزائها في أيٍّ شيء منها ،
وتلك هي الحقيقة التي تحدَّث عنها القرآن بلِسان أحدٍ الُّسل ، فقال:
أَتُحَجُّوْنِي فِىِ اَللَّهِ وَقَدْ هَدَسْنٍ﴾ [الأنعام: ٨٠].
عَجْزُ الفلسفةِ واندحارُها:
عبئاً حاولتِ الفلسفةُ البحثَ في ذات الله تعالى ، وصفاته ، وعلى الرَّغم من
وجود هذه الحقيقة الواضحة ، ولكنَّه حادث غريب في تاريخ العلم الإنساني ،
فقد واصلتِ الفلسفةُ جهودها في هذه المضمار إلى عدة آلاف من السنين ،
ورگَّزت طاقتها وذكاءها على موضوع لم تكن تعرف مبادئه ، ومقدماته ، ولم
تکن عندها ذريعة للإيمان به ، وأخذٍ فکرة حتمية عنه .
ولكنها على الرّغم من ذلك قامت بالتحقيق ، والتدقيق في هذا الموضوع ،
من غير تلكُّوٍ، ولا تردُّدٍ، كما يفعل علماءُ اللغة ، والاشتقاق حول كلمة
يبحثون عنها ، وعلماء النحو والتصريف في الإعراب والتصريف ، بل كما
يفعل علماء الكيمياء في الأدوية والعقاقير ، وجَمعت ركاماً من المباحث ،
والتفاصيل ، والتحقيق ، والتقعیر حتى ظنَّ القارىء أن البحث كله يدور حول
شخصية عاديةٍ هي في تصرُّف الإنسان ومُتناوَلِ يده.
تفَلْسُفُ المُتكلِّمين:
وأغربُ مِن هذا كلِّه أنَّ متكلِّمي الإسلام الذين كانوا يهدفون ردَّ الفلسفة
والدِّفاع عن الإسلام أخذوا مُصطلحات الفلسفة ، وافتراضاتها ذاتها ، وبدؤوا

٦٩٦
الفصل الرابع: ب ـ بعث الفكر الإسلامي
يبحثون عن ذات الله تعالى ، وصفاتِه في اعتمادٍ ، وتفصيل؛ كأنهم يتحدّثون
عن شخصية مشاهدةٍ ملموسةٍ ، وعن مسألة طَبْعية .
لقد كان هؤلاء المتكلِّمون تصدَّوا للرد على الفلسفة ، ونَفِي نَظراتِها ،
وآرائها، ولكنَّهم تاهوا في غاية الفلسفة، وافتراضاتها، ومصطلحاتها الخاطئة.
إنَّهم نَسُوا في سَوْرَةِ الجدال ، والنقاش أن يَلُوموا الفلسفة على أخطائها
الأساسية ، وأَنْ يحولوا دون بحثها حَول مسألةٍ ليست من شأنها ، لا تجدُر بأن
تكون مركز نظرها ، وبحثِها في حال ما ، إنهم نَسوا أن يُوصوا الفلسفة بتحديد
مضمارها في الجدال والنقاش حول الرياضيات ، والطبعيات ، أمَّا التدخل في
موضوع الإلهيات؛ فخروجٌ عن مركزها ، وتعدٍّ عن حدِّها، و((تدخُّل غير
معقول)) وأن يُخاطبوا الفلاسفة بخطاب القرآن البليغ الحكيم: ﴿هَكَأَنتُمْ هَؤُلاء
حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلَمٌّ فَلِمَ تُعَآَجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[آل عمران: ٦٦].
انحطاطُ الفكر الإسلامي في القرون المتأخرة:
بلَغَ انحطاطُ الفكرُ الإسلاميُ في القرون المتأخِّرة إلى حدِّ اعتبروا فيه نفس
الدلائل وترتيبَ المقدمات التي كان المتكلمون قد رتبوها ، والتي قامت على
أساس الفلسفة أصلاً لإثبات ذات الله ، وحُدوث العالم ، والتوحيد ،
والمعادِ ، وجميع العقائد الأساسية.
فقد كان المتكلِّمون ، والتُّظار كلُّهم يعتبرون العقل مقياساً أصيلاً سوى
طائفة قليلة من المحدثين ، والفقهاء ، ويجعلون كتب المتكلمين مصدراً
للعقائد، والأحكام عوضاً عن الكتاب والسنة ، وكانوا يُؤولون الآيات
والأحاديث تفادياً من إيرادات الفلسفة ، أو إبقاء على بعض أصول الفلسفة
الثابتة ومُطبّقين الفلسفة على الدين ، وقد بلغ إعجابُهم بالفلسفة مبلغاً كانوا
يتناولون فيه الآيات ، والأحاديث بالتأويل والتوجيه بدلاً من إنكار الفلسفة ،
والتغيير في علم الكلام.

٦٩٧
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
يتحدُّث الإمامُ ابن تيميَّة مشيراً إلى هذه العقلية:
((ومثلُ هذا القانونِ الذي وَضعه هؤلاء يَضع كلّ فريق لأنفسِهم قانوناً فيما
جاءت به الأنبياء عن الله ، فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ، ويعتمدونه هو
ما ظنوا: أنَّ عقولهم عرفَتْهُ، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تَبَعاً ، فما وافَق
قانونهم؛ قبلوه، وما خالفه؛ لم يتبعوه)) (١) .
وبعدَ اعتبار هذه العقائد والمباحث الكلامية مِقياساً وأصلاً ، والاعتقاد بأن
هذه المباحث تحمل في جَنبها علوماً عاليةً جمّة ، وحِكَماً، ومعارف عميقة
كان يَحدثُ هناك صراع، وهو: أنَّ هذه العلوم والمعارف إذا كانت أصيلَة؛
لا ينبغي أن يَخلُو عنها كلامُ النبيِّ نَّه، وأصحابه الكرام - رضي الله عنهم - بل
وَيجبُ أن يحتويَ عليها ، وعلى جميع هذه التحقيقات ، والتدقيقات.
والذين كانوا مُعجَبينَ بالفلسفة ، وعلم الكلام، وكانت عُقولهم مسحورةً بها
يقولون بصراحة حيناً ، وبكناية حيناً آخر:
إنَّ ذلك العصر كان عصراً بدائياً ، وكان الناس في ذلك العصر بُسطاء لم
يكن لديهم اطلاعٌ على هذه الحقائق ، والعلوم العميقة ، والدقيقة.
أمّا المعترفون بقيمة الفلسفة وعظمة الصحابة - رضي الله عنهم - فكانوا
يعيشون في اضطراب ، وحَيرة من غير أن يقطعوا في ذلك رأياً.
يشيرُ ابنُ تيميّة إلى الحالة النفسية لهذه الطوائف ، ويقول:
((مَنِ اعتقدَ: أَنَّ ذلك من أصول الدين، وأنَّه يشتمل على العلوم الكلية ،
والمعارف الإلهية ، والحكمة الحقيقية ، أو الفلسفة الأولية ؛ صارَ كثيرٌ منهم
يقول: إنَّ الرسول لم يكن يَعرفُ أصول الدين، أو لم يُبيِّن أصول الدين ،
ومنهم من هاب النبي ، ولكن يقول: الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون
ذلك ، ومَنْ عظّم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقى حائراً كيف لم
يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضلُ العلوم؟!
(١) صريح المعقول: ج١، ص ٣.

٦٩٨
الفصل الرابع: ب ـ بعث الفكر الإسلامي
ومَن هو مؤمنٌ بالرسول ، مُعظّم له يستشكل كيف لم يُبيِّن أصولَ الدين مع
أَنَّ الناس إليها أحوجُ منهم إلى غيرهم)) (١).
ويتقدَّم ، فيقول عنهم: ((وهو أَنَّهم جعلوا قَول الله ورسوله من المُجمّل
الذي لا يُستفاد منه عِلْمٌ، ولا هُدى ، فجعلوا المتشابه من كلامِهم هو
المُحكَم ، والمُحكَم من كلام الله ورسوله هو المتَشابِهِ)) (٢) .
الغلو في تعظيم العقل وتقديسه:
لقد قام الفلاسفةُ، والمتكلِّمون كُلُّهم بتقديس العقل ، ورفع قيمته ،
واعتباره ميزاناً، وحكَماً في مسائل الذات ، والصفات حتى كان يبدو: أنَّ
العقل له الخبرة الكاملة للحكم في هذه المسائل شأنَ الحواس الخمس في
حُكمها في المحسوسات ، وشأن التجربة والاستقراء في الأمور العلمية ، وقد
أنتج هذا الوضع: أنَّ العقل صار أساساً لإثبات الشريعة ، سواء في الأمور
الشرعية ، أو الفقهية ، ولكن لم يَقُم هناك خلال القرون الستة الإسلامية أيُّ
عالم أو مفكر يُحارب هذا الوضع ، ويَرفعُ لواء الثورة على هذا العقل صاحب
الحكم والنفوذ اللامحدود.
تَصدَّى حُجَّةُ الإسلام الإمام الغزالي - رحمه الله - للجهاد ضدَّ تَدخُّل
الفلسفة في الإلهيات ، وَجَعلَها هدفاً بكتاباته التي نالتْ من شأن الفلسفة ،
واستهانت بها ، إلا أنَّه لم يرفع صوتاً عالياً ضد العقل وحُكومته المطلقة ، وضدً
تدُله في أمورٍ لیست من شأنه.
إنَّ الإمام ابنَ تيميَّة هو أوُّل رجلٍ - فيما نعلم - ثار على هذا الوضع الشائن ،
واحتجَّ عليه في غاية من الاستنكار، وحارَبه بكل جرأة ، وشجاعة ، وأثبت:
أنَّ مصدر العقائد، والحقائق إنَّما هو الوحي، والنبوة ، والكتاب ، والسنة ،
(١) صريح المعقول: ج١، ص ١٢ .
(٢) المرجع السابق: ص ١٦٤ .

٦٩٩
الفصل الرابع: ب - بعث الفكر الإسلامي
أما العقل؛ فليسُ مؤيّداً لها ، وليس أساساً في أيِّ حال.
يقول في بعض كتاباته :
((إنَّ العقل ليس أصلاً لثبوت الشرع في نفسه، ولا مُعطياً له صفةً لم تكن
له ، ولا مفيداً له صفةً كمال)) (١).
منصبُ العقل ومكانتُه:
إنَّه يعتقد: أنَّ ((العقل متول وَلْيَ الرسول، ثم عَزل نفسَه لأنَّ العقل دل على
أن الرسول وَله يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر ، والعقلُ يدل على
صدق الرسول دلالة عامة مطلقة ، وهذا كما أنَّ العاميّ إذا علم عينَ المفتي ،
ودلّ غيره علَيه ، وبيَّن له أنه عالم مفت ، ثم اختلف العامي الداُّ والمفتي؛
وجب على المستفتي أن يُقدِّم قولَ المفتي.
فإذا قال له العاميُ: أنا الأصل الذي أعلمك بأنَّه مُفْتٍ ، فإذا قدمتَ قولَه
على قولي عند التعارُضِ قدحتَ في الأصل الذي علمتَ به أنه مفتٍ.
قال له المستفتي: أنتَ لما شهدت أنه مفْتٍ ودلَّلْتَ على ذلك ، شَهدتَ
بوجوب تقليدك له (٢) .
إنَّه يعتقد أيضاً: أنَّ العقل لا يَسعه إلا الاعتماد على الرسول ◌َّ وطاعتُه
بعد ما اعترف بالرسالة.
کما أنَّه يجب تقليد صاحب الصناعة في كل صناعة ، وقبولُ كلامه من غیر
تردد ، مع الاعتقاد بأن ما يقوله هو القول الفصل في ذلك ، كذلك
الرسول هو سَنَدٌ في الأمور الغيبية، والأحكام، والشرائع ، وفيما بعد
الطبيعيات ، وكلامُه فصل في كل ذلك ، يقول:
((فإذا عَلِمَ الرجلُ بالعقل: أنَّ هذا رسول الله، وعلم: أنَّه أَخبر بشيءٍ ،
(١) صريح المعقول: ج ١، ص٤٦.
(٢) المرجع السابق: ج١ ، ص ٧٧.

٧٠٠
الفصل الرابع: ب ـ بعث الفكر الإسلامي
ووُجد في عقله ما ينازعه في خبره ؛ كان عقلُه يوجب عليه أن يُسلِّم موارد النزاع
إلى من هو أعلمَ منه ، وألا يُقدِّم رأيه على قوله ، ويَعلَم: أنَّ عقله قاصر بالنسبة
إليه، وأنه أعلمُ بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، واليوم الآخر منه ، وأنَّ
التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة وأهل
العلم بالطبِّ.
فإذا كان عقلُه يوجِب أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره به من مُقدَّرات من
الأغذية، والأشربة، والأضمدة، والمُسْهلات، واستعمالها على وجه
مخصوص مع ما في ذلك من الكُلفة، والألم لِظَّه: أن هذا أعلمَ بهذا مني ،
وأَنِّي إذا صدَّقَتُه؛ كانَ ذلك أقربَ إلى حصول الشفاء لي مع علمه بأن الطبيب
يُخطئ كثيراً، وأنَّ كثيراً من الناس لا يُشفى بما يَصفه الطبيب ، بل يكون
استعمالُه لما يصفه سَبباً في هلاكه ، ومع هذا يَقْبل قوله ، ويُقلِّده وإنْ كان ظنُّه
واجتهادُه يخالِفِ وَصْفه ، فكيف حال الخلق مع الرسل عليهم الصلاة
والتسليم ، والرُّسل صادقون مُصدَّقون، لا يجوز أن يكون خَبَرُهم على خلاف
ما أخبروا به قط ، وأن الذين يُعارضون أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل
والضلال ما لا يحصيه إلاَّ ذو الجلال)) (١) .
الإيمانُ بالرسول واجبٌ من غير شرط:
إِنَّ المُعجَبين بالفلسفة ، والعقلانية تكوَّنت لهم عَقليّة خاصة في قبول أمور
الشريعة ، ورفضها ، فالأمور الشرعية التي كانت تُوافِق عقولهم، وفلسفتهم
قبلوها، وتردَّدوا في قبول ما كان يُصادم عقولهم ، ومُسلّماتِ الفلسفة ، ورأوا
فیه تعقُّدات كثيرة ، والذین کانوا مُتجرِّئین ، ولا يبالون بالحيطة يرفضون کل
ما لا تستسيغه عَقْلِيَّتُهم الخاصة ، ويقولون: إنه لا بدَّ من الانسجام بين العقل
والشريعة، وبما أنّ هذا الأمر يضَادُّ العقل لا يجدر بالقبول.
أمّا من كانوا يأخذون بشيء من الحيطة في ذلك ، فيلجؤون إلى التأويل ،
(١) صريح المعقول: ص ٧٩.