النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
ب - نقد الشيعة وآراؤها
ب - نَقْدُ الشّيعة وآراؤها
كتاب ((منهاج السنة»:
لقد قام الإمامُ ابن تيمية بالردِّ على الشيعة في غير موضع من مؤلَّفاته ، وأدَّى
حقَّ الدفاع القوي عن السُّنة ، وعقائد أهل السنة ، وعن الخلفاء الراشدين ،
والصحابة الكرام رضي الله عنهم ، إلا أنه أفرد في موضع الردِّ على الشيعة كتاباً
مستقلاً سمّاه ((منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية)).
أمَّا الباعثُ على هذا التأليف فهو: أنَّ العالم الشيعيّ المعاصر الكبيرَ ابنَ
المطهّر الحِلِّي ألَّف كتاباً ضخماً لولي نعمته ، ومخدومه الملك التاتاري
((أوليجا خدا بنده خان)» ، الذي كان قد تَشيَّع بفضل جُهوده التي بذلها في دعوته
إلى الشيعية ، وقد سَمَّى هذا الكتاب باسم ((منهاج الكرامة في معرفة الإمامة))
لإثبات الشيعة والإمامة ، والرد على السُّنية والخلافة .
وقد وَصل هذا الكتاب إلى الشام ، حيث اطَّلَع عليه شيخُ الإسلام ، وكان
الشيعة يعتزُّون بهذا الكتاب ، ويظنون: أنَّ الَّد عليه مستحيلٌ ، ومعظم ما كان
يحتوي عليه هذا الكتاب هو إثباتُ الإمامة لسيدنا علي كرَّم الله وجهه ، وعصمةُ
أهل البيت رضي الله عنهم ، وعلى ردِّ خلافة الخلفاء الثلاثة ، والطعن عليهم
وعلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، كما بُذلت فيه محاولةٌ لتفضیل سيدنا
علي رضي الله عنه على غيره من الخلفاء، وذكرُ فضائل الأئمة الاثني عشر،
وإمامتهم ، وعصمتهم ، مؤيّداً كلَّ ذلك بنصوص الكتاب والسنة ، مع توجيه
المطاعن إلى الخلفاء الثلاثة والصحابة رضي الله عنهم مُبرهِناً عليها بالآيات ،
والأحاديث ، والتاريخ ، والسير، وقد تجلّى في كلّ ذلك ذكاءُ المؤلف ، وقوَّة

٦٦٢
ب - نقد الشيعة وأراؤها
استدلاله ، وتبخّره العلمي بغايةٍ من الوضوح والقوة ، واقتنع بأنه أقام بذلك
الحجة على أهل السنة .
وبما أنَّ المؤلِّف معتزلي العقيدة في الأصول والعقائد كعامة المتأخرين من
الشيعة؛ تصدى للبحث في الذات، والصفات ، وفي عقائد أهل السنة ،
وأصولهم بحثاً كلامياً فلسفياً.
وقد ألخَّ أهلُ السنة على ابن تيمية بأن يؤلّف ردًّاً على هذا الكتاب ، ومعلوم
أنَّ هذا الكتاب يشمل أبحاثاً كثيرةً لعلم الكلام، والعقائد ، والفلسفة ،
والتفسير ، والحديث ، والتاريخ، والآثار ، فكان من المناسب جداً أن يقوم
للرد عليه رجلٌ يجمع بين النظرة العميقة الواسعة في جميع هذه العلوم
والمواضيع ، وبين النَّقد والمعرفة لها.
وممَّا لا يخفى: أنَّ للمؤلِّفين من الشيعة جرأةٌ، ومهارة في وضع الأحاديث،
واختراع الرواية ، وكان عِلمُ الحديث قد توسّع آنذاك ووضعت له مجموعات ،
ودواوينُ كثيرة كان من الصعب أن يميّز الموضوعُ فيها من الصحيح ، وأن تنقد
الروايات في ضوء مبادىء الجرح والتعديل ، وتوزن في ميزان فنّ الرجال بغايةٍ
من الدقة والإتقان ، لذلك كانتِ الحاجة ماسّةً إلى رجل نابغةٍ في علم
الحديث ، متبخّرٍ في أسماء الرجال ، مُطَّلع على جميع ذخائر الحديث ،
عارفٍ بأحوال الروايات والرواة بحيث لا يمكنَ لَبْسُها عليه .
كما يكون ذا اطلاع واسع على التاريخ الإسلامي حتى يستطيعَ أن يضع
أُصبعه على موطن كل خطأ تاريخي ، ولا يفوتُه أُّ افتراض، أو اختلاق في
الرواية .
ومن المسلَّم المعلوم: أنَّ توجيه الاعتراض والنقد إلى شخصية تاريخية
عمل سهل جداً من بين ذخائر التاريخ الواسعة ، أما تزكيتها والدفاعُ عنها فأمرٌ
صَعْب . وكان من المواضع المعجَب بها لدى الشيعة هو الطعن في الصحابة

٦٦٣
ب - نقد الشيعة وآراؤها
رضي الله عنهم الذي كانوا يتَّخذونه مجالاً واسعاً لصَبِّ غيظهم، وحِقدهم
الدفين ضد أصحاب الرسول اليه .
ومِن حُسن حظِّ المسلمين: أنَّ الله تعالى قيَّض في نفس ذلك الزمن الذي
أُلِّف فيه هذا الكتاب عالماً من علماء أهل السنة كان يُعتبر أمير المؤمنين في
الحديث في عصره ، وقد عُني بالرد عليه. وكانت مكتبة الحديث ، والرجال
ككتاب مفتوح أمام عينيه ، ذلك الرجل الذي قيل عنه في معرفته بالحديث: إنَّ
الحديث الذي لا يعرفه هو ليس بحديث ، والحقيقة أنه (ابن تيمية) أدَّی فرض
الكفاية عن الأمة في الرد على مطاعن الصحابة ، وقام بعمل تَعذَّر على غيره من
العلماء بعدَه، ولا شك: أنَّ علماء الإسلام بعده إنما يستفيدون منه في هذا
الموضوع.
إنَّ كتابه ((منهاج السنة)) (١) الذي ألَّفه رداً على كتاب ((منهاج الكرامة)) لابن
المطَهِّر الحِلِّي ، إنما يمتاز عن سائر مؤلفاته بميزة خاصة ، فمن أراد أن يطَّلع
على تبخُّره العلمي ، وسَعةِ نظره ، وحُضور بديهته ، وقُوَّةِ حفظه واستحضارِه
للمسائل، ونُضجهِ ، وإتقانه، وذكائِه، وألمعيته؛ فليقرأ هذا الكتاب:
يَكَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَكِنَهِكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
[النمل: ١٨].
العَامِلُ في هذا الكتاب والباعِثُ عليه:
إنَّ العاملَ الرئيسيّ في تأليف هذا الكتاب عندَ ابن تيمية ، والباعث عليه في
الحقيقة هو أَنَّ صاحبَ ((منهاج الكرامة)) أطلقَ لسان الطَّعْن بأسلوب شائن في
الخلفاء الراشدين ، والسابقين الأولين الذين يعتقدهم الإمام ابن تيمية - كسائر
(١) يحتوي هذا الكتاب على أربعة مجلَّدات بالقطع الكبير، ويقع في ١٢١٤ صفحة ، طبع
في المطبعة الأميرية في مصر باهتمام الشيخ مصطفى البابي الحلبي ، وقد لخّصه العلامة
الذهبي باسم ((المنتقى)) الذي صدر حديثاً من مصر بعناية الشيخ محمد نصيف ، واهتمام
الأستاذ محب الدين الخطيب.
-

٦٦٤
ب - نقد الشيعة وآراؤها
أهل السنة - أفضلَ الخلق بعد الأنبياء ، وأصلحَ أفراد النوع البشري ، ولكنَّ
صاحب المنهاج أثبتهم شرار الخلق ، وأرذل الكائنات ، الأمر الذي أزعج
ابنَ تيميَّة ، وجعله يعلن بصراحة: أنَّ مثل هذا الاعتقاد يُرادف تقويض أركان
الإسلام ويفتح باب الطعن والاعتراض على النبوة المحمدية ، ويُؤدي إلى
الإلحاد والزَّندقة ، يقول في موضع ما معناه:
(لولا أنَّ هذا الرجلَ الجائر المتعدِّي حدودَ الأخلاق والحشمة لم يتناول
الصحابة الكرام رضي الله عنهم بالنَّقد اللاذع ، أولئك هم الرعيلُ الأول لأولياء
الله، وأئمةُ أهل الأرض، وأفضلُ الخلق بعد الأنبياء ، ولولا أنَّ انتقاده سبَّب
الفِتنة في الدين ، ووفّر الحُجةَ للكفار ، والمنافقين ، وأحدث الشكوك في
قلوب كثير من المؤمنين ؛ لم نر حاجة إلى كشف القناع عن نَقْد هذا الرجل .
أَنْصَفَ الله من هذا الرجل ، وأتباعِه في العقيدة)).
الشّيعة يرون أن اليهود والنصارى أفضلُ من خَير الأمم:
وفي مناسبةٍ أخرى يتحدَّث عن مطاعن الشيعة ، ونَيلهم من مكانة الصحابة
الكرام - رضي الله عنهم - فيقول: ((وهذه الأمةُ خيرُ الأمم ، وخيرُها القرن
الأول ، كان القرن الأول أكملَ الناس في العلم النافع والعمل الصالح.
وهؤلاء المفترون وَصفوهم بنقيض ذلك بأنهم لم يكونوا يعلمون الحقَّ ،
ويتّبعونه ، بل كان أكثرهم عندهم يعلمون الحق ، ويُخالفونه ، كما يزعمونه في
الخلفاء الثلاثة ، وجمهور الصحابة والأمة ، وكثيرٌ منهم عندهم لا يعلم الحق ،
بل اتّبع الظالمين تقليداً لعدم نظرهم المفضي إلى العلم ، والذي لم يَنظره قد
یکون لقُصوره ، ونقص إدراكه.
وأدَّى: أنَّ منهم مَن طلب الأمر لنفسه بحقٌّ يعني علياً ، وهذا مما علمنا
بالاضطرار: أنه لم یکنْ.
فلزم من ذلك على قول هؤلاء أن تكونَ الأمة كلَّها كانتْ ضالَّةً بعد نبيها ،
لیس فيها مُهْتَدٍ.

٦٦٥
ب - نقد الشيعة وآراؤها
فتكون اليهودُ، والنصارى بعد النَّسخ، والتبديل خيراً منهم؛ لأنهم كانوا كما
قال الله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩].
وقد أخبر النبي ◌َِّ أنَّ اليهود والنصارى افترقتْ على أكثر من سبعين فرقة فيها
واحدةٌ ناجية ، وهذا الأمة على موجب ما ذكروا لم يكن فيهم بعدَ موت
النبي ◌َّ أمةٌ بالحقِّ ولا تَعدِل به ، وإذا لم يكن ذلك في خيار قرونهم؛ ففيما
بعد ذلك أولى ، فيلزمُ من ذلك أن يكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل
خيراً من خير أمة أُخرِجت للناس)) (١).
خيار الأمة شرارُها عند الشيعة:
ويقول في موضع آخر:
(«فإنَّهم عمدوا إلى خيار أهل الأرض من الأوَّلين بعد النبيّين والمرسلين ،
وإلى خير أمة أخرجت للناس ، فجعلوهم شرارَ الناس ، وافتروا عليهم
العظائم ، وجعلوا حسناتهم سيئاتهم.
وجاؤوا إلى شرِّ من انتسب إلى الإسلام من أهل الأهواء وهم الرافضة
بأصنافها غاليها ، وإماميِّها ، وزيديِّها ، والله يعلم ، وكفى بالله عليماً ، ليس
في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة شرٌّ منهم ، لا أجهل،
ولا أكذب ، ولا أظلم ، ولا أقرب إلى الكفر ، والفسوق ، والعصيان ، وأبعد
عن حقائق الإيمان منهم ، فزعموا أن هؤلاء هم صفوةُ الله من عباده.
فإنَّ ما سوى أمة محمدٍ كفارٌ ، وهؤلاء كفَّروا الأمة كلَّها ، أو ضلَّلوها سوى
طائفتهم التي يزعمون: أنَّها الطائفة المُحقّة ، وأنها لا تجتمع على ضلالة ،
فجعلوهم صفوةَ بني آدم ، فكان مَثلهم كمن جاء إلى غَنم كثيرة ، فقيل له: أعطنا
خيرَ هذا الغنم؛ لنضحي بها ، فعمد إلى شرِّ تلك الغنم إلى شاة عوراءَ ،
عجفاء ، عرجاء ، مهزولة ، لا نِقْيَ لها ، فقال: هذه خيار هذا الغنم لا تَجوز
(١) منهاج السنة: ج١، ص١٥٢.

٦٦٦
ب - نقد الشيعة وأراؤها
الأضحية إلا بها ، وسائر هذه الغنم ليست غنماً، وإنما هي خنازير ، يجب
قَتلها ، ولا تجوز الأضحية بها)) (١).
الإمام الشعبي يقول:
يُرُوى عن الشعبيِّ: أنَّ اليهود ، والنصارى أعرَفُ بمنزلة الأنبياء بالنسبة إلى
الرافضة ((سُئلت اليهودُ: مَنْ خَير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحابُ موسى ،
وسُئلتِ النصارى: من خير أهل ملِّتكم؟ قالوا: حواريُّو عيسى، وسُئلت
الرافضةُ: من شؤُّ أهل ملَّتكم؟ قالوا: أصحاب محمد، أمروا بالاستغفار لهم،
فسَُوهم))(٢) .
المُعاداة للسابقينَ الأوّلين والمُوالاة للكفار:
((وهذا دَأْبُ الشيعة دائماً، يتجاوزون عن جماعة المسلمين إلى اليهود ،
والنصارى ، والمشركين في الأقوال ، والموالاة ، والمعاونة ، والقتال ، وغير
ذلك ، ومَنْ أضلُّ من قوم يُعادون السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ،
ويُوالون المنافقين، والكفار» (٣).
ثم يقول بعد ما ذكر مُناصرةَ الشيعة للكفار ، ومساعدتهم إيَّاهم :
((وكثيرٌ منهم يُوادُّ الكفار من وسَطِ قلبه أكثرَ من موادته للمسلمين ، ولهذا
لمَّا أخرج التركُ الكفارَ من جهة الشرق ، وقتلوا المسلمين ، وسفكوا دماءهم
ببلاد خراسان، والعراق ، والشام ، والجزيرة ، وغيرها؛ كانت الرافضة معاونةً
لهم على المسلمين.
وكذلك الذين كانوا بالشام، وحلب ، وغيرهم من الرافضة كانوا من أشد
الناس معاونة لهم على قتال المسلمين.
(١) منهاج السنة: ج٣، ص ٤٠.
(٢) المرجع السابق: ج ١، ص ٦.
(٣) المرجع السابق: ج٢، ص ٨٣.

٦٦٧
ب - نقد الشيعة وأراؤها
وكذلك النصارى الذين قاتلوا المسلمين بالشام كانت الرافضة من أعظم
المعاونين لهم.
وكذلك إذا صار لليهود دولةٌ بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم
أعوانهم ، فهم دائماً يُوالون الكفار من المشركين ، واليهود ، والنصارى ،
ويُعاونوهم على قتال المسلمين ، ومعاداتهم)) (١) .
العَصبيَّة والانْجِرافُ:
يذكر ابنُ المُطهر الحِلِّي في إحدى المناسبات في كتابه خواجه نصير الدين
الطُوسي ، فيبالغُ في تقديسه ، وتعظيمه ، ويُضفي عليه الألقاب العظيمة
فيقول: ((شيخنا الإمام الأعظم خواجه نصير الملَّة والحقِّ والدين محمد بن
الحسن الطوسي قدَّس الله روحَه)) وهنالك جاشت في ابن تيمية حميته الدينية
فلم يَلْبَث أن تناول خواجه نصير الدين الطوسي ، وفضائِحَه ، ومؤامراته على
قتل الخليفة العباسي (٢)، وصنيعته في مجزرة بغداد ، وأفكارَه، وعقائده
المُلحِدة ، ويقول في غاية من الاستغراب:
((ومِنَ العجب: أنَّ هذا المصنّف الرافضي، الكذَّاب ، المفتري يذكر
أبا بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وسائر السابقين، والتابعين ، وسائر أئمة
المسلمين من أهل العلم والدين بالعظائم التي يفتريها عليهم هو وإخوانه ،
ويَجيء إلى من قد اشتُهر عند المسلمين محاربتُه لله ورسوله ، يقول عنه: ((قال
شيخنا الأعظم)) ويقول: ((قدَّس الله روحَه)) مع شهادته عليه بالكفر، وعلى
أمثاله، ومع لعنه طائفة خيار المؤمنين من الأولين، والآخرين ، وهؤلاء
داخلون في معنى قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ
يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) منهاج السنة: ص ٨٤ .
(٢) حيث كان وزيراً لهولاكو.

٦٦٨
ب - نقد الشيعة وآراؤها
سَبِيلاً ﴾ٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَّجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾(١) [النساء: ٥١ - ٥٢].
تناقضات الشيعة:
يقولُ الإِمامُ ابن تيمية: ((ثم مِن جهل الرافضة: أنَّهم يُعظِّمون أنساب
الأنبياء، آباءهم، وأبناءهم، ويَقدحون في أزواجهم، كل ذلك عصبيةٌ ،
واتباعٌ للهوى، حتى يُعظِّمون فاطمة ، والحسن، والحسين، ويقدحون في
عائشة أمِّ المؤمنين))(٢).
ومِن تَناقض الشيعة: أنَّهم يُبالغون في تعظيم محمد بن أبي بكر (رضي الله
عنه) ويَقدحون من شأن والده أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، يقول ابن تيمية:
والرافضةُ تغلو في تعظيمه على عادتهم الفاسدة في أنهم يمدحون رجالَ
الفِتنة الذين قاموا على عثمان، ويُبالغون في مدح من قاتل مع علي حتى
يفضِّلون محمد بن أبي بكر على أبيه أبي بكر ، فيلعنون أفضلَ الأمة بعد نبيها ،
ويمدَحون ابنه الذي ليس له صُحبة ، ولا سابقةٌ ، ولا فضيلة ، ويتناقضون في
ذلك في تعظيم الأنساب))(٣).
البُغضُ للصَّحابة الكرامِ دليلٌ على ما في القلب من غلّ وخُبْثٍ:
إنَّه يقول ما معناه: ((أَكْبُرُ خُبثٍ للقلوب ومَرَضها أنَّ تنطوي على بُغض
أولئك الرجال العظام؛ الذين كانوا خيار المؤمنين ، ورَعيل أولياء الله الأُول ،
وتاج مفرقِهم.
ولذلك فإنَّ في الفَيْء سَهماً لأولئك الذين ليس في قلوبهم غل للمهاجرين ،
والأنصار، والسابقين الأولين، بل يَذْعون، ويستغفرون لهم:
: وَالَّذِينَ جَلُّو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُوْنَا
(١) منهاج السنة: ص ١٠٠ .
(٢) المرجع السابق: ص ١٩٣ .
(٣) المرجع السابق: ص ٢٠٠ - ٢٠١ .

٦٦٩
ب - نقد الشيعة وآراؤها
بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآَ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
الطّاعن في الشّيخين لا يَخلُو من الحالين:
لا يجترئ على الطعن على أبي بكر ، وعمر - رضي الله عنهما - إلا نَوعان
من الرجال :
إمَّا منافق زنديق ، عدوٌّ للإسلام الذي يتَّخذ الطعن عليهما ذريعةً للطعن
على شخصية رسول الله وٍَّ وعلى الإسلام، وفي هذه الحال عاش المُعلّم
الأول(١) للرافضة ، وتلك هي معاملةُ أئمة الغلاة.
وإمَّا جاهلٌ غالٍ في اتباع هواه وجهله ، وهذه هي حالة العامة من الشيعة ،
إذا كانوا مسلمين في باطنهم يقول في ((منهاج السنة)):
((قد عُرف بالتواتر الذي لا يَخفى على العامة والخاصةِ: أنَّ أبا بكر،
وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم- كانَ لهم بالنبي ◌َّ اختصاصٌ عظيم،
وكانوا مِن أعظم الناس اختصاصاً به وصُحبة له وقُرباً إليه واتصالاً به ، وقد
صاهرهم كلَّهم ، وما عُرف عنه: أنَّه كان يَذُمُّهم ولا يلعنهم بل المعروف عنه:
أنه كان يُحبُّهم، ويُثني عليهم ، وحينئذٍ فإما أن يكونوا على الاستقامة ظاهراً
وباطناً في حياته وبعد موته.
وإمّا أن يكونوا بخلاف ذلك في حیاته ، أو بعد موته ، فإن کانوا علی غیر
الاستقامة مع هذا التقرب؛ فأحد الأمرين: إما عَدمُ عِلمه بأحوالهم ، أو مُداهنته
لهم ، وأيُّهما كان؛ فهو من أعظم القَدْح في الرسول چلے کما قيل:
فإن كُنتَ لا تدري فتلكَ مُصيبةٌ وإن كنتَ تدري فالمُصيبةُ أعظَمُ
وإنْ كانوا انحرفوا بعد الاستقامة؛ فهذا خُذلانٌ من الله للرسول في خواصٌ
أُمته ، وأكابر أصحابه ، ومن قد أَخبر بما سيكون بعد ذلك أين كان عن عِلم
(١) [لعلَّه أراد به عبد الله بن سبأ، والذي كان رأس الطائفة البيئية، وكانت تقول بألوهية
علي رضي الله عنه، كان أصلُه من اليمن، كان يهودياً وأظهر الإسلامَ].

٦٧٠
ب - نقد الشيعة وأراؤها
ذلك؟! وأين الاحتياطُ للأمة حتى لا يولَّى مثل هذا أمرها ، ومن وُعد أن يظهر
دينه على الدين كله ، فكيف يكون أكابر خواصه مرتدِّين ، فهذا ونحوه من
أعظم ما يقدَح به الرافضة في الرسول وَّةِ .
كما قال مالكٌ وغيره.
((إنَّما أراد هؤلاء الرافضة الطَّعن في الرسول؛ ليقول القائل: رجلُ سوء كان
له أصحابُ سوء ، ولو كان رجلاً صالحاً؛ لكان أصحابه صالحین)).
ولهذا قال أهل العلم: ((إنَّ الرافضة دَسِيسَةُ الزَّندقة)) (١).
فَضائِلُ الصحابة ومَناقِبُهُم مُتواترةٌ قَطْعية:
يعتقد الإمامُ ابن تيمية: أنَّ عدالة الصحابة الكرام أساسٌ مُهِمٌّ للإسلام ، إنه
يؤمن بصدقهم، وثقتهم ، ويراهم أصدقَ مثال، وأروع نموذج لتعاليم
الإسلام، وتربية الرسول عليه الصلاة والسلام، وأطيبَ ثمرة لصحبته ومَّر ،
وإنَّ فضل الصحابة الثابت عنده بالقطعية ، والتواتر ، وبنصوص الكتاب ،
وآياتِه ، وصحيح الأحاديث ، والروايات ، بحيث لا يتطرق إليه شكِّ بأيِّ رواية
تاريخية ، أو حديثٍ غريب شاذ ، إنه يقول:
((وإذا كان كذلك ما عُلم بالكتاب ، والسنة ، والنقل المتواتر من محاسن
الصحابة ، وفضائلهم لا يجوز أن يُدفعَ بنقولٍ بعضُها متقطّع، وبعضُها مُحرَّف،
وبعضها لا يقدح فيما عُلم ، فإنَّ اليقين لا يزول بالشك ، ونحن قد تيقنًّا ما دلَّ
عليه الكتاب ، والسنة ، وإجماع السلف قبلَنا ، وما يصدِّق ذلك من المنقولات
المتواترة عن أدلة العقل من أنَّ الصحابة رضي الله عنهم أفضلُ الخلق بعد الأنبياء
فلا يَقدح في هذا أمورٌ مشكوكٌ فيها ، فكيف إذا عُلم بُطلانها)) (٢).
(١) منهاج السنة: ج٤، ص ١٢٣.
(٢) المرجع السابق: ج٣، ص ٢٠٩.

٦٧١
ب - نقد الشيعة وآراؤها
الصَّحابة الكِرام ليسُوا معصومين عَنِ الخطأ:
إنَّه يعتقد: أنَّ الصحابة الكرام لم يكونوا معصومين عن الخطأ
كالرسول ◌َّه، كأَنْ يستحيلَ صُدور الذنوب منهم، ولكنَّه يعتقدُ أنَّهم كانوا
أعدلَ الأمة ، وأتقاها ، وأصدقَ الناس ، وأشدّهم أمانة ، فإن صدرتْ منهم
أخطاء؛ أو ذنوب فقد تَبعها حسناتٌ ، وأعمالٌ ترضي الله ورسوله ، كفَّرت
عنهم سيئاتهم ، وعلى كلٍّ فإن كَفَّة حسناتهم ، وأعمالهم الصالحة راجحةٌ على
تقصيراتهم ، وأخطائهم ، يقول: ((وقد قدَّمنا أنّا لا نَدَّعي عصمةً في أحدٍ بعد
رسول الله ي ليه من الذنب فضلاً عن الخطأ في الاجتهاد، وقد قال سبحانه وتعالى:
وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِةٍ أُوْلَبِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُ ونَ عِنْدَ
رَيِّ ذَلِكَ جَزَّآءُ الْمُحْسِنِينَ
◌ِيُكَفِرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم
٣٤
بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣ -٣٥] وقال تعالى:
﴿أُوْلَ الَّذِينَ تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِىَ أَصْحَبِ الْجَنَّةِ وَعْدَ
الصِّدّقِ اَلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ (١) [الأحقاف: ١٦].
لا نظير لهم في التاريخ:
إِنَّه يُصرّح بأنَّه ليس هناك جيلٌ في التاريخ البشريِّ من حيث المجموع أجملَ
سيرة ، وأروعَ سلوكاً من الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - عدا الأنبياءِ عليهم
السلام على رغم جميع الزَّلات ، والتقصيرات التي هي من خَواصِّ البشر ، فإن
وُجد في حياتهم آثار من الأخطاء، والزَّلات؛ فمَثُلها كمثل الثوب الأبيض يخالطُه
شيء من السَّواد في بعض أجزائه ، والذَّنْبُ في الحقيقة يرجع إلى أولئك
المنتقِدين؛ الذين يُدركون النُّقط السوداء في الثوب الأبيض ولا يدركون بياضه.
أمَّا حياة الطوائف الأخرى؛ فكلُّها سوداء ، ويخالطها نُقَطْ بيضاء في بعض
جوانبها ، إنَّه يقول:
(١) منهاج السنة: ج٣، ص ٢٤٢.

٦٧٢
ب - نقد الشيعة وأراؤها
((وخِيار هذه الأمَّةِ همُ الصحابة ، فلم يكن في الأمة أعظمُ اجتماعاً على
الهدى ودين الحق ، ولا أبعدَ عن التفرق والاختلاف منهم ، وكل ما يُذكر
عنهم مما فيه نقصٌ فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في غيرهم من الأمة كان قليلاً من
كثير ، وإذا قِيس ما يوجد في الأمة إلى ما يوجد في سائر الأمم كان قليلاً من
کثیر.
وإنَّما يَغلَطُ من يَغلطُ: أنَّه ينظر إلى السواد القليل في الثوب الأبيض ،
ولا ينظر إلى الثوب الأسود الذي فيه بياض ، وهذا من الجهل ، والظُّلم بل
يُوزن هؤلاء بنظرائهم ، فيَظهر الفَضلُ ، والرَّجحان.
وأمَّا ما يقترحُه كلُّ أحد في نفسه مما لم يُخلق ، فهذا لا اعتبار به ، فهذا
يقترح معصوماً من الأئمة ، وهذا يقترح ما هو كالمعصوم، وإن لم يُسَمِّه
معصوماً ، فيقترح في العالم، والشيخ ، والأمير ، والملك ، ونحو ذلك مع
كثرة علمه ، ودينه ، ومحاسنه ، وكثرة ما فعل الله على يديه من الخير ، يقترحُ
مع ذلك ألاّ يكون قد خَفيَ عليه شيء ، ولا يُخطىءُ في مسألة ، وأن يخرجَ عن
حدّ البشرية ، فلا يغضب ، بل كثيرٌ من هؤلاء يُقترح فيهم ما لا يُقترح في
الأولياء)) (١).
ويشدِّدُ ابنُ تيمية على نقطة مهمة، وهي أن مَن يكون مُطَّلعاً على التّاريخ ،
وتكونُ قد مرت عليه أحوال أممٍ، وشعوبٍ، وملل مختلفة ، وتجارب
جماعات بشرية متعددة يتيَقَّن: أنَّه لا جماعة أكثرُ اتحاداً، واتباعاً للحق ،
وأبعدُ عن الفُرقة ، والفتن ، وأشدُّ نفوراً من النفسانية وحُب الدنيا من جماعة
الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، يقول:
((فمَن استقرأَ أخبارَ العالَم في جميع الفِرق ؛ تبيَّن له أنه لم يكن قَطُّ أعظمَ
اتفاقاً على الهدى والرشد عن الفتنة والتفرق والاختلاف من أصحاب رسول الله
وَ﴿ الذين هُم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك؛ إذ يقول: ﴿كُتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
(١) منهاج السنة: ج ٣، ص ٢٤٢.

٦٧٣
ب - نقد الشيعة وآراؤها
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ
أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًاً لَّهُمَّ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ اُلْفَسِقُونَ﴾ (١)
[آل عمران: ١١٠].
كُلُّ خَير يوجد لدى المسلمين إنما هو بفضل الصحابة الكرام:
وقد أصَاب الإمامُ ابنُ تيمية حينما قال: كُلُّ خيرٍ فيه المسلمون إلى يوم
القيامة من الإسلام، والإيمان، والقرآن ، والعلم ، والمعرفة ، والعباداتِ ،
وعوامل الخير والتوفيق إنما هو ببركةٍ ما قام به الصحابة رضوان الله عليهم من
الجهاد ، والعمل، والإخلاص، وعلو الهمة ، ونتيجة لتضحياتهم ،
وإيثارهم ، وقُدسيتهم ، يقول في غاية من الحماس:
«وأمّا الخُلفاءُ والصحابةُ فكلُّ خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة من
الإيمان ، والإسلام، والقرآن، والعلوم، والمعارف، والعبادات ، ودخول
الجنة ، والنجاة من النار ، وانتصارِهم على الكفار ، وعُلوِّ كلمة الله ، فإنما هو
ببركة ما فعله الصحابة الذين بلَّغوا الدين ، وجاهدوا في سبيل الله ، وكلُّ مؤمنٍ
آمن بالله فللصَّحابة رضي الله عنهم عليه فضلٌ إلى يوم القيامة ، وكلُّ خير فيه
الشيعةُ وغيرهم فهو ببركة الصحابة ، وخير الصحابة تَبَعٌ لخير الخلفاء
الراشدين، فهم كانوا أقوَم بكلِّ خير في الدين والدنيا من سائر الصحابة (٢).
خلافة سيدنا أبي بكر الصديق دليل على الثُّبوة والصّدق:
وقد صَدَقَ الإمامُ ابن تيمية عندما قال: إن خلافة أبي بكر الصديق - رضي
الله عنه - دليلٌ على كمال النبوة ، وشهادةٌ على صدق النبوة أيضاً ، فقد كانت
طبيعتُهُ بَُّ طبيعةَ النبوة ، لا طبيعةَ السياسة، ولا شَبه بينه وبين مُلوك العالم
وسلاطينه الذين يختارون أولادهم أو أفراد أسرهم خلفاءَهم، وأولياءَ
(١) منهاج السنة: ح ٣، ص ٢٤١.
(٢) المرجع السابق: ج ٣، ص ٢٤٥.

٦٧٤
ب - نقد الشيعة وآراؤها
عهدهم ، فلو كانتْ عنده شائبةٌ من الملوكية ، أو إيثار لقرابة ، لوُجد هناك
أفرادٌ كثيرون من بني هاشم - عدا علي بن أبي طالب وعباسٍ بن عبد المطلب
رضي الله عنهما - يستخلِفِهُم رسول الله وَِّ وأَسَّس مُلوكية خاصةً بأسرته ،
وحَصر تلك الغَلَبة والعِزَّة التي أكرمه الله بها في قبيلته ، وأسرته إنَّه يقول:
((ثُمَّ خلافة أبي بكر، وعمر هي من كمال نُبِوَّة محمد ◌َّهِ ورسالتِهِ، وما يُظهر
أنَّه رسولٌ حقّ ليس مَلِكاً من الملوك ، فإن عادة الملوك إيثارُ أقاربهم،
والموالاةُ بالولايات أكثر من غيرهم ، وكان ذلك مما يُقيمون به مُلْكَهم.
وكذلك مُلوك الطوائف ، كبني بُويه ، وبني سَلْجق ، وسائر الملوك بالشرق
والغرب ، والشام ، واليمن ، وغير ذلك.
وهكذا مُلوك الكفار من أهل الكتاب ، والمشركين ، كما يوجد في ملوك
الفرنج وغيرهم ، وكما يوجد في آل جنكشخان بأن الملوك تبقى في أقارب
الملك. ويقولون هذا من العَظْم وهذا ليس من العَظْم أي من أقارب الملك.
وإذا كان كذلك فتولية أبي بكر، وعمرَ بعد النبيِّ ◌َ لّ دون عمه العباس،
وبني عمه عليٍّ، وعقيلٍ ، وربيعةً بن الحارث بن عبد المطلب ، وأبي سفيان بن
الحارث بن عبد المطلب ، وغيرهم ، ودون سائر بني عبد مناف ، كعثمان بن
عفان ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وأبان بن سعيد بن العاص وغيرهم من
بني عبد مناف؛ الذين كانوا أجلَّ قريش قدْراً، وأقربَ نسباً إلى النبي وَّهُ مِنْ
أعظم الأدلة على أنَّ محمداً عبد الله ، ورسولُه ، وأنه ليس مَلِكاً حيث لم يُقدِّم
في خلافتهِ أحداً لا بقُرب نَسَبٍ منه ، ولا بشرَفِ بَيتهٍ ، بل إنما قدَّم بالإيمان ،
والتقوى .
ودلَّ ذلك على أنَّ محمداً ◌َّهِ وأمَّته من بعده إنما يَعبدون الله، ويُطيعون
أمره ، لا يُريدون ما يريده غيرهم من العُلوِّ في الأرض ، ولا يريدون أيضاً
ما أُبيح لبعض الأنبياء من الملك ، فإن الله خيَّر محمداً بين أن يكون عبداً
رسولاً ، وبين أن يكون نبياً ، فاختار أن يكون عبداً رسولاً .

٦٧٥
ب - نقد الشيعة وأراؤها
وتوليةُ أبي بكر ، وعمر بعده من تمام ذلك ، فإنه لو أقام أحداً من أهل بيته؛
لكانت شبهةً لمن يَظن: أنَّه جمع المال لورثته)) (١).
عَصبيَّة النَّسَب الجاهليةُ:
الواقعُ أنَّ الفِرَق التي تدَّعي وصاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه ،
والتي لا تستسيغُ أن يَنال الخلافة أحدٌ آخر بالرغم من وجود ابن عمه الحقيقي
وصهرهِ إنما يتغلب عليها لونُ الجاهلية بأوسع معناه ، وهي تعيش في عصبيةٍ
جاهلية للنسب والقرابة ، وتتقاصر عن إدراك: أنَّ المناصب ، والمنازل
لا تُعطى على أساس النسب ، والقرابة بل على أساس الكفاءة ، والفضائل ،
والجدارة التي تُوجد في الإنسان.
وكانتِ الأممُ كلُّها سواء في الهندِ ، أو العَرَب ، أو الفرس تصطبغ بهذه
الصِّبغة الخاصة ، ولذلك فإن الذين حكموا بِقطعيَّة: أنَّ الخليفة لا بُدَّ هو
عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، إنما فعلوا بحُكم عادتهم القومية ، وطبائعهم
الجاهلية ، من غير أن يُدركوا مكانة الأنبياء عليهم السلام، وطبيعتَهم ،
وسماحَتهم، وهِمَّتهم العالية التي يعيشون فيها ، يقول الإمام ابن تيمية :
كلامُ الرَّافضة من جِنْس كلام المشركين الجاهلين يتعصبون للنَّسب ، والآباء
لا للدين، ويَعيبون الإنسان بما لا ينقص إيمانَه ، وتقواه ، وكلُّ هذا مِن فعل
الجاهلية)»(٢) .
انتِسابُ الرَّافضة إلى ولَد الحسين ومَدخُهم لهم مُصيبة عليهم:
يرى ابنُ تيمية: أنَّ الرافضة أصدقاء حمقى لأهل البيت ، فإن مبالغتهم في
أمر أهل البيت ، وغُلُوَّهم، ونسبة الأحداث ، والروايات المزورة إليهم تنالُ من
سمعتهم ، وتحطُّ من شأنهم ، يقول:
(١) منهاج السنة: ج٤، ص ١٢٥ - ١٢٦.
(٢) المرجع السابق: ج ٣، ص ٢٨٧ .

٦٧٦
ب - نقد الشيعة وآراؤها
((مِن المصائب التي ابتليَ بها ولَدُ الحسين انتساب الرافضةِ إليهم،
وتعظيمُهم، ومدحهم لهم، فإنهم يمدحونهم بما ليس بمدح ، ويدَّعون لهم
دعاوى لا حجة لها، ويذكرون من الكلام ما لو لم يُعرف فضلهم من كلام غير
الرافضة؛ لكان ما تذكره الرافضة بالقَدح أشبه منه بالمدح))(١).
ويقولُ في موضع آخر :
((ولكنَّ القوم جُهَّال بحقيقة المناقب، والمثالث، والطّرق التي يُعلم بها ذلك))(٢).
نَتَائِجُ العَصبيَّة:
استطاع مؤلِّفُ ((منهاج الكرامة)) أن يجمع قدراً كبيراً من الآيات ،
والأحاديث ، والروايات كدليلٍ على إمامة سيدنا علي - رضي الله عنه-، وفي
مناقب أئمة أهل البيت رضي الله عنهم. إنَّ نظرة عابرة في هذه الآيات ،
والأحاديث، والروايات تُبيِّن مدى أضرار العصبية التي تَنْحَرف بالمرء من
الجادة الصحيحة إلى ضلال وجهل ، إنَّ معظم هذه الروايات إما لا علاقة لها
بأهل البيت بتاتاً ، أو إنها تتناقض مع المعاني التي تُريد أن يُثْبِتِهَا منها ، كما أنَّ
أكثرها ضعيفة، وموضوعة وقد وَصفها ابنُ تيمية بأنها «الروايات المُسَيَِّةُ التي
لا زِمام لها ، ولا خِطام».
وقد بلغ مُؤلِّف (منهاج الكرامة)) في ذلك من الوقاحة والجرأة مبلغاً
لا يتصوره العقل، فقد نَسب كثيراً من هذا الروايات إلى ((الصحيحين))، وكثيراً
منها إلى ((مسند أحمد بن حنبل))، وجاء ابن تيمية فكشف عنها القناع ، وأثبت:
أنها لا تُوجد في أية مجموعة من الأحاديث ، ولا في دواوين السنة .
وبما أنَّ هذه الفرقة أجهلُ الناس بالكتاب والسنة ، فإنها لا تستطيع أن تفهم
مصطلحات عادية ، فلا تتردد شيئاً في الكذب ، والتزوير بعض الأحيان.
(١) منهاج السنة: ص ١٢٥ .
(٢) المرجع السابق: ج ٢، ص ١٢٥ .

٦٧٧
ب - نقد الشيعة وآراؤها
أمّا بخصوص الآيات فقد جاء المؤلف في تفسيرها بما لا يقل عن المِلَح
الخُرافية ، وما أن يقرأ أحدٌ تفسيره للآيات إلا ويتذكر المِلحة المعروفة التي
تدور حول سَاغبٍ سُئل عن اثنين كم يكون بعد الضرب في اثنين؟ فقال: أربعةُ
أرغفة ، وقد أَدرجَ المؤلف في كتابه أربعين آية ، ويعتقد: أنها نزلت في سيدنا
علي رضي الله عنه ، نذكر منها البعض :
١ - الآية: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي ◌َخْبَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثِْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] يذكر
المؤلّف في تفسير هذه الآية حديثاً لأبي نُعيم يُفيد أنها نزلت بعد خُطبة غَدير خُمِّ
وقال رسول الله وَّر: ((الله أكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الرب
برسالتي ، وبالولاية لعليٍّ من بعدي)) (١) .
يُثبت ابنُ تيمية على طريقة المحدِّثين: أنَّ هذا الحديث موضوع بإجماع أهل
الفنِّ ، ولا يُوجد في أي کتاب من كُتب الحديث الموثوق بها .
ثم يُثبت عن طريق التاريخ، والتفسير، ويقول: ((إنَّ كُتُب الصحاحِ،
والمسانيد ، والتفسير تؤكد: أنَّ هذه الآية إنمانزلت في عرفة، وهو واقف
بها ، وقال رجل من اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين
آيةٌ في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشرَ اليهود نزلتْ لاتَّخذنا ذلك عيداً ، فقال له
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيَّهُ آيةٍ هيَ؟ قال قوله تعالى: ﴿أَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا ... ﴾ [المائدة: ٣] فقال
عمر: إنِّي لأَعلُم أيَّ يومٍ نزلت، وفي أيِّ مكانٍ ، نزلت يومَ عرفة بعرفة
ورسولُ اللهِ بَّه واقفٌ بعرفة، يقول ابن تيمية: ((وهذا مُستفيض من وجوه
أخرى، وهو منقول في كتب المسلمين الصحاح، والمسانيد، والجوامع ،
والسِّير، والتفسير، وغير ذلك، وهذا اليوم كان قبلَ يومٍ غَديرٍ خُمِّ بتسعة أيام ،
فإنه كان يوم الجمعة تاسع ذي الحجة، فكيف يُقال: إنها نزلت يوم الغدير!؟)).
(١) لم أعثر على مصدره.

٦٧٨
ب - نقد الشيعة وآراؤها
وأمَّا ما جاء في هذه الرواية من هذا اللفظ ، وهو قوله: ((اللّهم وَالٍ مَنْ
١
وَالاه ، وعادٍ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله))(١) كَذِبٌ باتفاق
المعرفة بالحديث، ويقول: إنَّ دعاء النبي ◌ََّ مُجاب، وهذا الدعاء ليس
بِمُجابٍ ، فعُلم أنه ليس من دعاء النبي ◌َِّ .
٢ - وقال مُؤلِّف ((منهاج الكرامة)): إن قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْنَفِيَانِ
بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَتَغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] علىُّ وفاطمةُ بينهما برزخ لا يبغيان
النبيُّ بَّهِ، وَأوَّلَ ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُ وَاَلْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] الحسن والحسين.
يَقولُ ابن تيميَّة رداً على هذا الكلام:
((إنَّ هذا، وأمثاله قَول من لا يَعقل ما يقول ، وهذا بالهذيان أشبهَ منه
بتفسير القرآن ، وهو مِن جِنس تفسير الملاحدة ، والقرامطة الغلاة
للقرآن ، بل هو شڑ من کثیر منه)).
وقد ذكرَ بعد ذلك ستةً وجُوه تكذِّب هذا الرأي:
أَحدُها: إنَّ هذه في سورة الرحمن، وهي مَكِّيةٌ بإجماع المسلمين ،
والحسنُ والحُسين إنما وُلدا في المدينة.
والثاني: إن الله ذكرَ أنه مرجَ البحرين هذه في آية آخرى فقال في [الفرقان: ٥٣]
* وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُّ أَجَابٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] فلو أراد
بذلك علياً، وفاطمةً؛ لكان ذلك ذمّاً لأحدهما بإجماع أهل السُّنة ، والشيعة.
والثالثُ: أنه لو أُريد بذلك عليّ، وفاطمة؛ لكان البرزخ هو النبيَّ وَّل
(١) [أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٤٥/٥) برقم (٨١٤٨)، و(١٣٠/٥) برقم
(٨٤٦٤)، والحاكم في المستدرك (١١٨/٣) برقم (٤٥٧٦)، وأحمد في المسند
(٣٦٨/٤) برقم (١٩٢٩٨) من حديث زيد بن أرقم، ورواه أيضاً أبو هريرة ، والبراء بن
عازب ، وغيرهما ، رضي الله عنهم أجمعين].

٦٧٩
ب - نقد الشيعة وآراؤها
بزعمهم أهل أو غيرُه هو المانعُ لأحدهما أن يبغيّ على الآخر ، وهذا بالذمِّ أشبهُ
منه بالمدح)» (١) .
وهكذا فإنَّ هذا الجزء من كتاب ((منهاج الكرامة)) مَليٌ بالغرائب ،
والعجائب ، وقد تصدَّى ابن تيمية للرد عليه في ضوء الحديث ، والفقه ،
والتاريخ ، والنَّقد بما يتبيَّن به مدى ذكائه ، ووفرة علمه ، وغزارة مادته ، وقُوة
مناظرته ، إنَّه يقول وهو ينتقد دلائل المؤلف: ((فَضْلُ عليّ ، وولايته للهِ، وعُلُوُ
منزلته عندَ الله معلومٌ عند الناس - ولله الحمد - من طُرق ثابتة ، أفادتنا العلمَ
اليقين ، لا يُحتاج معها إلى كَذبٍ، ولا إلى ما لايُعلمُ صِدْقُه))(٢).
والجُزء المهمُّ الآخرُّ من كتاب ابن تيميَّة هو ما يبحث فيه عن ((منهاج
الكرامة» ويَرُدُّ على المطاعن التي يتناولُ بها الصحابة الكرام - رضي الله عنهم -
بوجهٍ عام ويطعن بها في الشيخين بوجه خاص ، وفي أبي بكر الصديق رضي الله
عنه بوجه أخص ، وهذه المطاعن والإيرادات على شخصية الصحابة والشيخين
مأخوذةٌ من القرآن أيضاً كما يزعم المؤلّف الشيعي ، ومن الأحاديثِ ، وُتُبٍ
السير ، والتاريخ أيضاً، وهي دليلٌ على أن العداوة لا تَتْرُك أيَّ إنسان مهما كان
عاقلاً ، ومتعلِّماً إلا وتُعميه، ونُورد فيما يلي نموذجين لهذه المطاعن :
إنَّ الآية الشهيرة في القرآن التي تُعتبر أكبر دليل على فضل أبي بكر الصديق
رضي الله عنه ، ومنزلتِه السامية التي يتفرّد بها ، لا يعادلُه فيها أيُّ فرد من أفراد
الأمة وهي قوله تعالى: ﴿ إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
ثَانِىَ أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاً ﴾
[التوبة: ٤٠] .
يقول صاحبُ ((منهاج الكرامة)): إنَّه لا فضلَ له في الغار لجواز أن يَستصحِبه
حذراً منه لئلا يُفشي سِرَّه، وأيضاً فإن الآية تدل على نقيضه لقوله ((لا تحزن)) فإنه
(١) منهاج السنة: ج٤، ص ٦٧ - ٦٨ .
(٢) المرجع السابق: ج٤، ص١٧٦ .

٦٨٠
ب - نقد الشيعة وآراؤها
يدل على خوفِه ، وقلّة صبره ، وعدم يقينه بالله تعالى ، وعدم رضاه بمساواته
النبي ◌َّ وبقضاء الله وقدره، ... وأيضاً فإن القرآن حيث ذكر إنزال السكينة
على رسول الله بَّ أشركَ معه المؤمنين إلا في هذا الموضع، ولا نقيضَ أعظمُ
منه))(١).
وقد أجاب عنه ابنُ تيمية أولاً بإثبات المناقب والفضائل الكثيرة التي جمعها
الله تعالى في هذه الآية لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وبأنَّ هذه المعيَّة التي
أكرم الله بها أبا بكر الصديق رضي الله عنه إنما كانت خاصةً به.
وأمَّا قول ابن المُطهّر الحِلّي: ((لجواز أَنْ يستصحبه حذراً منه لئلا يظهر أمره)»
يدل على أن النبي ◌َ ◌ّ لم يكن يثق به، ولا كان مطمئناً من قبله («فمعلومٌ أن
أضعف الناس عقلاً لا يخفى عليه حال من يَصحبُه في مثل هذا السَّفر الذي
يُعاديه فيه الملأ الذين هو بين أَظْهُرهم ويَطلبون قتلَه ، وأولياؤه هناك ،
لا یستطیعون نصره ، فکیف یصحبُ واحداً ممن يظهر له موالاته دون غيره ،
وقد أظهر له هذا حُزنه ، وهو مع ذلك عَدُوٌّ له في الباطن ، والمصحوبُ يعتقد
أنه وليُّه ، وهذا لا يفعله إلا أحمق الناس، وأجهلهم ، فقبَّح الله من نسبَ
رسوله الذي هو أكملُ الخلق عقلاً، وعلماً، وخبرة إلى مثل هذه الجهالة ،
والغباوة))(٢)
ويقول ابنُ تيمية :
((ولقد بلَغَني عن ملكِ المغول خربنداه الذي صنَّف له هذا الرافضي كتابه
هذا في الإمامة: أن الرافضة لما صارت تقول له مثل هذا الكلام: أنَّ أبا بكر كان
يُبغض النبي ◌َِّ وكان عدوَّه، ويقولون مع هذا إنَّه صحبه في سَفَر الهجرة الذي
هو أعظم الأسفار خوفاً؛ قال كلمة تلزمُ عن قولهم الخبيث - وقد برأ الله رسوله
منها - : كانَ قليل العقل.
(١) منهاج السنة: ج ٤، ص ٢٣٩.
(٢) المرجع السابق: ج٤ ، ص ٢٥٥.