النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ أ - الرد على المسيحية على تاريخ الديانات ، والصحف السابقة ، إنه لم يكتفِ فيه بأسلوب الدفاع والتزكية ، بل إنه نقد أُسس المسيحية ، ولم يعتمدْ في إثبات النبوة المحمدية على الدلائل القديمة المصطلحة التي تتّسم بها كتب علم الكلام ومناظرة الفِرق ، بل إنه جاء ببراهينَ جديدة تُؤثر في النفس ، وتبعَث الإيمان في القلوب ، وتضطر كلّ رجل مُنصِف عاقل إلى الاعتراف بالحقيقة. كما أنَّه شحَن هذا الكتابَ بمواد غزيرة لتاريخ المسيحية ، وعلم الكلام المسيحي ، وإيرادات علماء المسيحية ، وتعبيراتهم، وتأويلاتهم ، وبذخيرةٍ كبرى من بشارات البعثة المحمدية ، ودلائل نبوءة النبي ◌َّالر، ونبوءاته لا توجد مجتمعة في أي كتاب آخر ، بل يحتاج المرء للاطلاع على مِثلها إلى عملية تنقيب واسعةٍ في مكتبة كبيرة ، ولقد صدق الشيخُ محمد أبو زهرة عالمُ مصرَ الكبير عندما قال عن هذا الكتاب: ((وإنَّ هذا الكتابَ أهدأُ ما كتبه ابن تيمية في الجدال ، وهو وحده جديرٌ بأن يُكتب ابنَ تيمية في سجل العلماء العاملين، والأئمة المجاهدين ، والمفگِّرین الخالدين)) (١) . وفي الصفحات التالية نَقوم باستعراض إجمالي لهذا الكتاب؛ لكي نُقَدِّم ملخّصاً منه تتضح به وجهة نظره ، وتتجلى فيه روح الكتاب. المسيحيّةُ مزيجٌ مِن تعاليم سيدنا المسيح والوثنية الرومانية: إنَّ معظمَ العلماء المسلمين ، والمؤلِّفين الذين تصدوا للردِّ على المسيحية ونقدِها ، وحاولوا الكتابة حولها كانوا قليلي المعرفة بتاريخ المسيحية ، إنهم زعموها مجموعةً لأقوال ، وأحوال سيدنا المسيح وبحثوا فيها كدينٍ سماويٍّ ، فأكرموها بما لم تكن جديرة به ، أمَّا ابن تيمية فله اطّلاعٌ واسعٌ على تاريخ المسيحية ، ونموها التدريجي، وتغيراتها، ولا يجهل حقيقة أنَّ المسيحية الموجودة في عصره إن هي إلا مجموعة لتعاليم سيدنا المسيح ، وعقائد (١) ابن تيمية: لمحمد أبي زهرة ص ٥١٩. ٦٤٢ أ - الرد على المسيحية الروم ، واليونان المشركة ، وتقاليدهم ، وعلم الأصنام ، ولذلك فإنه لا يقع فريسة الخطأ التاريخي الذي يقع فيه العامة من النُّقَّاد ، ويتناول المسيحية الحاضرة بالنقد ، والرد عليها بكل جرأة وشجاعة ، إنه يقول: ((وكانَ الزُّومُ، واليونان، وغيرُهم مشركين، يَعبدون الهياكلَ العُلويةَ، والأصنام الأرضية ، فبعثَ المسيحُ عليه السلام رسلَه يدعونهم إلى دين الله تعالى ، فذهب بعضُهم في حياته في الأرض ، وبعضُهم بعدَ رفعه إلى السماء ، فدعَوْهم إلى دين الله تعالى، فدخل مَن دخل في دين الله وأقاموا على ذلك مدَة ، ثم زيَّن الشيطان لمن زيَّن له أن يُغيرَ دين المسيح ، فابتدعوا ديناً مركَّباً من دين الله ورسله دينَ المسيح عليه السلام، ومِنْ دين المشركين)) (١). ويقول في مكان آخر : ((ولكنَّ النصارى رَكَّبوا ديناً من دينَين من دين الأنبياء الموحدين ودين المشركين ، فصار في دينهم قِسط مما جاءت به الأنبياء ، وقِسط مما ابتدعوا من دين المشركين في أقوالهم وأفعالهم ، كما أحدثوا الأقانيم وهي ألفاظ لا توجد في شيء من كلام الأنبياء، وكما أحدثوا الأصنام المرقومَة بدل الأصنام المُجسّدة ، والصلاة إلى الشمس والقمر والكواكب بدل الصلاة إليها ، والصيام في وقت الربيع ليجمعوا بين الدّين الشرعي، والأمر الطبيعي)) (٢). المَسيحيَّة الحاضرةُ من وَضْعٍ عَهْدٍ قسطنطين: ويَتقدَّم خُطوةً ويوضّحِ: أنَّ المسيحية أُصيبتْ بتحريفٍ ، وتغيير أكبر في عهد الملك قسطنطين ، الذي كان مَلِكَ الروم الشهير في القرن الرابع الميلادي ، والذي هو مؤسِّس المملكة المسيحية الأولى ، وذلك عدا ذلك التحريف الذي دخل المسيحية في بدء عهدها أیام بولس يقول: (١) الجواب الصحيح: ج ١، ص ١١٩، ١٢٠ . (٢) المرجع السابق: ص١٩٩ . ٦٤٣ أ - الرد على المسيحية ((النَّصارى تضعُ لهم عقائدَهم، وشرائعَهم أكابرُهم بعد المسيح ، كما وضع لهم الثلاثمئة وثمانية عشر الذين كانوا في زمن قسطنطين الملك الأمانَة التي اتفقوا عليها ، ولعنوا من خالفها من الأريُوسيَّة ، وغيرهم ، وفيه أمور لم يُنزِّل الله بها كتاباً بل تُخالف ما أنزله الله من الكتب مع مخالفتها للعقلِ الصريح)) (١) . وفي موضع آخر : ((ولم يقولوا ما قاله المسيحُ، والأنبياء ، بل ابتدعوا اعتقاداً لا يُوجَد في كلام الأنبياء ، فليس في كلام الأنبياء لا المسيح، ولا غيره ذكر أقانيم لله لا ثلاثةً ولا أكثر ، ولا إثباتُ ثلاث صفات ، ولا تسمية شيءٍ من صفات الله ابناً لله ، ولا رباً ، ولا تسميةُ حياته روحاً ، ولا أن للهِ ابناً هو إله حق من إله حق من جوهر أبيه ، وأنه خالق كما أن الله خالق إلى غير ذلك من الأقوال المتضمِّنة لأنواع من الكفر ، لم تُنقل عن نبيِّ من الأنبياء)) (٢). المَكانةُ الصَّحيحة للأناجيل: أخطأَ بعضُ علماء الإسلام، فوضعوا الإنجيل في بحوثهم بإزاء القرآن ، والصُّحف السماوية الأخرى ، واعترفوا بأنَّه كتابٌ سماوي كسائر الكتب السماوية بتأثيرٍ من دعاوي العُلماء والمبشرين المسيحيين ، ولقد كان ذلك خطأ أساسياً ناتجاً عن مُجَّد الجهل بتاريخ العهد الجديد ، أما الإمام ابنُ تيمية؛ فإنه يُحلُّ الإنجيل محله الذي يستحقه ، إنَّ قيمة الصحُف الأربع للإنجيل عنده لا تعدو قيمة كُتب السيرة والحديث العامة في أيِّ حال ، يقول: ((إنَّ هذه المقالاتِ الأربعة التي يُسمُّونها الإنجيل، وقد يُسمُّون كلّ واحد إنجيلاً ، إنما كتبها هؤلاء بعد أن رُفع المسيح ، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله ، ولا أن المسيح بلَّغها عن الله، بل نَقلوا فيها أشياء من كلام المسيح ، وأشياء من (١) الجواب الصحيح: ج ١، ص ١١٨. (٢) المرجع السابق: ج ٣، ص ١٣٤. ٦٤٤ أ - الرد على المسيحية أفعاله ، ومعجزاته ، وذكروا أنهم لم يَنقُلوا كل ما سمعوه منه ورأوه ، فكانت من جنس ما يرويه أهل الحديث والسير والمغازي عن النبي ◌َّ من أقواله ، وأفعاله التي ليست قُرآناً ، فالأناجيل التي بأيديهم شبه كتاب السيرة ، وكُتب الحديث)) (١). ويقول في موضع آخر: ((وأمَّا الإنجيل الذي بأيديهم؛ فإنَّهم معترفون بأنه لم يَكتُبه المسيح عليه السلام، ولا أملاه على مَنْ كتبه، وإنما أَملوه - بعد رفع المسيح - مَتَّى، ويوحنا - وكانا قد صحبا المسيح ، ولم يحفظه خَلْقٌ كثير يبلغون عدد التواتر - ومُرقس ولوقا، وهما لم يَريا المسيح عليه السلام ، وقد ذكر هؤلاء: أنهم ذكروا بعض ما قاله المسيح ، وبعضَ أخباره ، وأنهم لم يستوعبوا ذكر أقواله ، وأفعاله. ونَقْلُ اثنين، وثلاثة ، وأربعة يجوز عليهم الغلط لا سيما وقد غلِطوا في المسيح نفسه حتى اشتبه عليهم بالمصلوب)) (٢). وهو لا يتحدَّث عن الإنجيل وحده بل يقول عن التوراة أيضاً: ((أمَّا التوراة فإنَّ نَقْلَها انقطع لما خَرِبَ بيتُ المقدس أولاً ، وأُجلي منه بنو إسرائيل ثم ذكروا: أنَّ الذي أملاها عليهم بعد ذلك شخصٌ واحد يقال له عازر، وزعموا: أنه نبي ومن الناسٍ من يقول إنه لم يكن نبياً وأنها قُوبلت بنسخة وجدوها عتيقة ، وقيل: إنه أُحضرت نسخة كانت في المغرب ، وهذا كله لا يوجب تواتر جميع ألفاظها، ولا يمنع وقوع الغَلط في بعضها، كما يجري مثل ذلك في الكتب التي يَلي نسخَها ومُقابلتها وحفظها القليلُ الاثنانِ والثلاثة))(٣). ويَستنتجُ في الأخير بقوله: (١) الجواب الصحيح: ج ٣، ص ١٠. (٢) المرجع السابق: ج ١، ص ٣٦٨، ٣٦٩. (٣) المرجع السابق: ج ١ ، ص ٣٦٨. ٦٤٥ أ - الرد على المسيحية ((ليس مِن النصارى نَقلٌ متواتر عن المسيح بألفاظ هذه الأناجيل ، ولا نقلٌ متواتر ، ولا آحاد بأكثرَ ما هم عليه من الشرائع. ولا عند اليهود نقل متواتر بألفاظ التوراة ، ونبوات الأنبياء كما عند المسلمين نقلٌ متواتر بالقرآن وبالشرائع الظاهرة المعروفة للعامة والخاصة)) (١). ويتحدَّثُ عن الفَرق بين القرآن، والتوراة، والإنجيل فيقول: ((إنَّ المسلمين تواتر عنهم عن نبيِّهم ألفاظُ القرآن ومعانيه المجمعُ عليها والسنة المتواترة ، وعندهم عن نبيهم أخبار كثيرة معلومةُ الصدقِ بطُرق متنوعة ، كتصديق الأمة المعصومة ، ودلالة العادات وغير ذلك ، وهم يحفظون القرآن في صدورهم لا يحتاجون في حفظه إلى كتاب مسطور ، فلو عُدمت المصاحفُ من الأرض لم يقدح ذلك فيما حفظوه ، بخلاف أهل الكتاب فإنه لو عدمت نُسخ الكتب لم يكن عندهم به نقل متواتر بألفاظها إذ لا يحفظها إلا قليل لا يوثق بحفظهم. فلهذا كان أهل الكتاب بعد انقطاع النبوة عنهم يقع فيه من تبديل الكتب إما تبديلُ بعض أحكامها ، ومعانيها ، وإما تبديلُ بعض ألفاظها . ما لم يقوموا بتقويمه ولهذا لا يوجدُ فيهم الإسناد الذي للمسلمين ولا لهم كلامٌ في نقلةِ العلم، وتعديلِهم، وَجرْحهم، ومعرفة أحوال نَقلة العلم ما للمُسلمين)) (٢). التَّحريفُ في الأناجيل: اشتُهِرَ عن ابن تيمية بوجه عام: أنه لا يقول بالتحريف اللفظي في التوراة والإنجيل إلا أن دراسة هذا الكتاب تنفي هذا الظن. أمَّا حقيقة ما يقولُهُ ابنُ تيمية فهي أنه يؤكّد مراراً، وتكراراً: أن الناس كلهم مُتَّفقون على وقوع التحريف المعنوي ، وبما أنَّ علماء اليهود والنصارى يقولون بالتحريف المعنوي ، فإنه يعتمد على ذلك في استدلالاته ، ويُقدِّمها بإزاء (١) الجواب الصحيح: ص ٣٧٢. (٢) المرجع السابق: ج ٢، ص ١٢، ١٣ . ٦٤٦ أ - الرد على المسيحية علماء اليهود والنصارى ، إنه يقول في إحدى المناسبات: ((وإذا عُرف أنَّ جميع الطوائف من المسلمين والنصارى يشهدون: أنه قد وقع في هذه الكتب تحريف ، وتبديلٌ في معانيها ، وتفاسيرها ، وشرائعها ، فهذا القدر كاف)) (١). ويقول في مناسبةٍ أخرى: ((ولكنَّ علماء المسلمين ، وعلماء أهل الكتاب متفقون على وقوع التحريف في المعاني ، والتفسير)) (٢). ولكنْ هل وقع تحريفٌ في ألفاظ التوراة والإنجيل؟ . فإنَّه لا يوافق على أن هذه الكتب مُحرَّفة من أولها إلى آخرها ، وليست فيها ألفاظها الأصيلة ، يقول: ((ثم زعموا أن المسلمين يدَّعون أن ألفاظ هذه الكتب حُرّفت كلها بجميع لغاتها بعد مبعث محمد نَّه، وهذا لم يَقُلُّه أحد من المسلمين فيما أعلم)) (٣). ولكنَّه يقول بالتَّحريف الجُزئي في هذه الكتب ، بحيث إنَّ ألفاظها قد بُدِّلت في مواضع عديدة ، وذلك هو مذهب الجمهور كما يقول: ((فجمهور المسلمين يمنعون هذا ، ويقولون: إنَّ بعض ألفاظها بُدِّل كما قد بدل كثيرٌ من معانيها)) (٤). ويقول في محلٌّ آخر: ((والصَّواب الذي عليه الجمهور أَنَّه بُدِّل بعضُ ألفاظها)) (٥). (١) الجواب الصحيح: ج ١، ص ٣٧٦. (٢) المرجع السابق: ج ١، ص ٣٨٠. (٣) المرجع السابق: ج١، ص ٣٧٤. المرجع السابق: ج ١، ص ٣٧٣. (٤) (٥) المرجع السابق: ج٢ ص٤. ٦٤٧ أ - الرد على المسيحية إنَّ النَّصارى لم يفهموا ألفاظ الأنبياء: إنَّه يعتقدُ: أن السببَ الكبير في ضلال النصارى ومنه الفساد الذي تسرّب إليهم من التثليث والعقائد المشركة إنما يرجع إلى أنهم لم يفهموا كثيراً من ألفاظ الأنبياء عليهم السلام، ولا أدركوا مفاهيمها، كما قد حرَّفوا مفاهيم ألفاظ كثيرة ، إنه يقول: ((وإن القوم عندهم من ألفاظ الأنبياء ما لم يفهموا كثيراً منه ، وما حرَّفوا كثيراً منه ، وعندهم من المعقول في ذلك ما يفضُلُهم اليهود فيه، لكنَّ اليهود وإن كانوا أعظم منهم فَهماً أعظمُ عناداً، وكِبراً، وجَحداً للحقِّ)) (١). إنَّه يؤكِّد على: أنَّ فَهْمَ هذه الكتب السماوية ، والاستفادة منها بطريقٍ صحيح يتطلَّب فهمَ لغات الأنبياء ، ومصطلحاتهم ، يقول: ((إنَّ معرفة اللغة التي خاطَبنا بها الأنبياء، وحملَ كلامهم عليه أمرٌ واجب مُتعيّن ، ومَنْ سلك غير هذا المسلك فقد حرَّف كلامهم عن مواضعه ، وكذب علیھم ، وافترى)) (٢) . ونتيجةً لذلك وقع خطأً عظيم في فهم معاني ((ابن)) و((روح القدس)) وظهرتْ عقيدةُ التثليث. المَفْهومُ الصَّحيحُ للألفاظ: إنَّه يقول: ((فأهلُ الكتاب نَقلوا عن الأنبياء: أنَّهم تكلَّموا بلفظ الأب ، والابن، ومرادهم عندهم بالأب الرَّب، وبالابنِ المصطفى المختارُ المحبوب، ولم ينقلْ أحدٌ منهم عن الأنبياء أنَّهم سمَّوا شيئاً من صفَات الله ابناً ، ولا قالوا عن شيء من صفاته: أنَّه تولَّد عنه، ولا أنه مولود له ، فإذا وجد في كلام المسيح عليه السلام أنه قال: عَمِّدوا الناس باسم الأب ، والابن، وروح القدس ، ثم فسروا الابن بصفةِ الله القديمة الأزلية ، كان هذا كذباً بيّناً على (١) الجواب الصحيح: ج٢، ص ١٠٩. (٢) المرجع السابق: ج ١، ص ١٨١ . ٦٤٨ أ - الرد على المسيحية المسيح حيث لم يكن في لغته: أنَّ لفظ الابن يراد به صفةُ الله القديمة الأزلية ، كذلك إذا لم يكن في كلام الأنبياء: أنَّ حياة الله تُسمَّى روح القدس ، وإنما يريدون بروح القدس ما ينزله الله تبارك وتعالى على الأنبياء ، والصالحين ، ويؤيّدهم)) (١). ويقول في موضع آخر حیث یخاطِب النصارى: ((إنَّكم إنما ضَللتم بعُدُوْلِكم عن صريح كلام الأنبياء، وظاهره إلى ما تأوَّلتُموه عليه من التأويلات التي لا يدل عليها لفظه ، لا نصاً ولا ظَاهراً ، فعدلتُم عن المُحكَم، واتبعتمُ المتشابه ابتغاء الفتنة ، وابتغاء تأويله ، فلو تمسَّكتم بظاهر هذا الكلام لم تضلوا ، فإن ((الابن)) ظاهرُه في كلام الأنبياء لا يراد به شيء من صفات الله، بل يراد به وَليُّه ، وحبيبه ونحو ذلك ، وروح القدس لا يراد به صفته ، بل يراد به وَحيه ، ومُلكه ، ونحو ذلك ، فعدلتم عن ظاهر اللفظ ، ومفهومه إلى معنى لا يدلُّ عليه اللفظ البنَّة)) (٢). كلمتا ((الابن)» و«روح القدس)) مشتركتان عامتان: ثم إنَّه يُثبت من عبارات التوراة ، والإنجيل، والنصوص: أنَّ كلمتي ((الابن)) و((روح القدس)) لا يختصَّان بسيدنا المسيح بل طالما استُعملتا في حق غيره يقول: ((لفظُ ((الابن)) و((روح القُدس)) قد جاء في حقّ غير المسيح عندكم حتى الحواريين عندكم يقولون: إنَّ المسيح قال لهم: إنَّ الله أبي ، وأبوكم ، وإلهي وإلهكم ، ويقولون: إنَّ روح القدس تحلُّ فیھم. وفيما عندكم من التوراة: أن الرَّب قال لموسى: اذهب إلى فرعون ، فقُل له يقول لك الرب: ابني بكري أرسله يعبدُني ، فإن أبيت أن ترسل ابني بكري؛ قتلتُ ابنك بكرك ، فلمَّا لم يرسل فرعون بني إسرائيل كما قال الله؛ قتلَ الله (١) الجواب الصحيح: ج٣، ص ١٨١، ١٨٢. (٢) المرجع السابق: ص ١٥٥ . ٦٤٩ أ - الرد على المسيحية أبكار فرعون ، وقَومَه من بكر فرعون الجالس على السرير إلى الأول من أولاد الآدميين ، إلى ولد الحيوان إليهم. فهذه التوراة تُسمِّي بني إسرائيل كلَّهم أبناء الله ، وأبكاره ، وتسمِّي أبناء أهل مصر أبناءَ فرعون ، وتتوسع ، فتسمى سخال الحيوان أولاد المالك للحيوان. وفي مزامير داود يقول: ((أنت ابني سَلْني أُعطك)). وفي الإنجيل يقول عن المسيح: ((أنا ذاهب إلى أبي ، وأبيكم، وإلهي وإلهكم)). وقال: ((إذا صليتم؛ فقولوا: يا أبانا الذي في السماء قُدُّوس اسمكَ افعل بنا كذا وكذا)). ويقولون عن القِدِّيسين: ((أن روح القدس يَخُلُّ فيهم)) (١). وهكذا فإنه أثبت بالدلائل: أنَّ الألفاظ التي يستدل به النصارى على ابنيَّة سيدنا المسيح ، وعلى الحلول ، والاتحاد ، والألوهية إنما جاءت في التوراة والإنجيل مِراراً وتكراراً لغير سيدنا المسيح ، وأنَّ كل هذه الكلمات كنايات ، ومجازات ، وتعبيرات ، وفي الأخير يستنتج بقوله : ((وجماع هذا: أنَّ النبوات المتقدمة ، والكتب الإلهية ، كالتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، وسائر نبوات الأنبياء لم تَخُصَّ المسيح بشيء يقتضي اختصاصه باتحاد اللاهوت به ، وحُلوله فيه كما يقوله النصارى ، بل لم تخصَّه إلا بما خَصَّه به محمد بنَّ في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]. فكُتُبُ الأنبياء المتقدمة، وسائر النبوات موافقة لما أخبر به محمد اليه يُصدِّق بعضهم بعضاً. وسائر ما تَستدلُّ به النصارى على إلهيته من كلام الأنبياء قد يوجد مثل تلك (١) الجواب الصحيح: ص ١٨٥، ١٨٦. ٦٥٠ أ - الرد على المسيحية الكلمات في حق غير المسيح ، فتخصيص المسيح بالإلهية دون غيره باطل ، وذلك مثل اسم الابن والمسيح ، ومثل حلول روحَ القدس فيه ، ومثل تَسميته إلهاً ، ومثل ظهور الرب ، أو حلوله فيه ، أو سكونه فيه ، أو في مكانه ، فهذه الكلماتُ وما أشبهها موجودة في حق غير المسيح عندهم، ولم يكونوا بذلك آلهة)) (١). وقد يُعرِض المسيحيُّ عن هذه المنقولات ، ويَبحثُ في الأقانيم ، والحلول، والاتحاد عن طريق العقل ، بحيث يُحوِّله إلى بحث فلسفي ، أو صوفي ، ولكن ابن تيمية تناولَ هذا الموضوع ، وأشبَعه بحثاً من وجهة النظر الفلسفية ، وبما أنَّ هذا الموضوع مما يَخصُّه ، وقد بحثه غير مرة بصدد الكلام حول العقائد ، ووحدة الوجود ، وعلم الكلام ينصرف إلى البحث فيه بكامل الانشراح والاهتمام ، ويُثبت: أنَّه ليس كلاماً معقولاً ، بل إنَّه فلسفة مزعومة ، لا تَمُثُّ إلى الحقائق والمعلومات بصلة ما)» (٢). أمور تُنافي العقل: وعندما يُورِد على المسيحيين من الناحية العقلية حولَ عقيدة التثليث ، ويُثبت أنَّ هذه العقيدة ليست مما يقبله العقل ، بل إنها تُعارض العقل الإنساني العام سُرعان ما يلتجئون إلى المنقولات ، ويقولون: هكذا تتحدثُ لنا الكتبُ السماوية ، وأنَّ هذه الأمور، والعقائد حقائق هي وَراء طَوْر العقل، والقياس ، فلا مناص من تصديقها والإيمان بها ، من غير أن نُحاول الاعتماد على العقل فيها. أمّا الإمام ابن تيمية؛ فإنه يرفض قبل كل شيء أنَّ هذه العقائد ، والتعاليم توجد في الكتب السماوية ، بل الحقُّ: أنَّ الكتب السماوية تحتوي على عكس هذه التعاليم ، والعقائد. (١) الجواب الصحيح: ج٢ ص ١٨٩، ١٩٠. (٢) ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ((الجواب الصحيح)) ج٣، ص ١١٩ - ٩٠ - ١٩١ - ٢١٥. ٦٥١ أ - الرد على المسيحية ثمّ إنّه يقول: إنَّ هناك شیئین مختلفين: الأول: ما هو باطل ، ومستحيل عقلياً ، والكل يعلم: أنَّ ذلك محال. والثاني: ما يتقاصر عنه العقل، ولا يستطيع أن يتوصل إلى حقيقته ، ولا أن يحكم فيه بنفي أو إيجاب ، إنَّه يعتقدُ أنَّ تعاليم الأنبياء إنما هو من النوع الثاني ، ومعنى ذلك أن كلامهم ليس فيه ما يعارض العقل ، بل فيه ما وراء العقل ، والفرق بين ما يعارض العقل ، وبين ما هو وراء العقل كبير ، إنه يقول: ((لا يُميِّزون بين ما يُحيله العقل، ويبطله ، ويعلم أنه ممتنع ، وبين ما يعجز عنه العقل ، فلا يعرفه ، ولا يعمل فيه بنفي ، ولا إثبات ، وأنَّ الرسل أخبرت بالنوع الثاني ، ولا يجوز أن تُخبرَ بالنوع الأول ، فلم يُفرّقوا بين مُحالات العقل ومحارات العقول ، وقد ضاهوا في ذلك من قبلهم من المشركين الذين جعلوا لله ولداً وشريكاً) (١) . إِنَّه يُثبت بكلِّ قوَّةٍ وتأكيدٍ ، وكتُبه كلها مليئةٌ ببيان: أنَّ الدين الصحيح لا يضادّ العقل الصريح ، يقول: «وهذا الموضوع غَلِطَتْ فيه طائفتان من الناس : غالية غَلَتْ في المقولات ، حتَّى جعلتْ ما ليس معقولاً من المعقول ، وقدَّمته على الحسِّ ، ونُصوصِ الرسول. وطائفةٌ جَفَتْ عنه، فردَّتِ المعقولات الصريحة ، قدَّمت عليها ما ظنَّته من السمعيات ، والحسيات. وهكذا الناس في السَّمعيات نوعان ، وكذلك هم في الحسِّيات الباطنة والظاهرة نوعان ، فيجب أن يُعلم: أنَّ الحق لا ينقُض بعضه بعضاً ، بل يُصدِّق بعضه بعضاً ، بخلاف الباطل فإنه مختلف متناقض كما قال الله تعالى في (١) الجواب الصحيح: ج٢ ص ٨٩ . ٦٥٢ أ - الرد على المسيحية المخالفين للرسل: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُّكِ حَ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ تُخْتَلِفٍ ٨ ـَ يُؤْفَثُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾ [الذاريات: ٧ - ٩]. وإنَّ ما عُلم بمعقولٍ صريح لا يخالفه قط ، لا خبرٌ صريح، ولا حسِّ صحيح ، وكذلك ما عُلمٍ بالسّمع الصحيح لا يعارضه عقلٌ ، ولا حسٌّ ، وكذلك ما عُلم بالحسِّ الصحيح لا يُناقضه خبرٌ، ولا معقول)) (١) . وذلك هو الفرق بين المسيحية والإسلام ، ففي الإسلام اتحاد تام بين العقل والنقل ، اللهم إلا الحقائق الغيبية التي هي وراء العقل ، ولكنها لا تُعارض العقل ، خلافاً للمسيحية التي تَحتوي على كثير من المسائل، والعقائد المخالفة للعقل ، ويعتبرُها كثيرٌ من علمائها معارضاً للعقل أيضاً ، إلا أنهم يقولون: إنَّ هذه الأمور إنما هي وراء مرتبة العقل ، ولا مناص من اعتقادها ، والإيمان بها . علماء النصارى القائلون بالتوحيد وعبدية المسيح عليه السلام: وقد أحسنَ (ابنُ تيميّة) في كتابه (الجواب الصحيح) وأوسعَه علماً مفيداً ، وهو أنّه نقلَ فيه آراءَ علماءِ المسيحيّة ، وأئمتها ، وأقوالهم، الذين كانوا يعتقدون بعبدية المسيح عليه السلام ، ويقولون بالتوحيد ، إلا أنَّهم لم ينالوا أيَّ قبولٍ في العالم المسيحيِّ لأسبابٍ عدّة ، وقد تناولَ بالمناسبةِ فِرَقَ النصارى ، والمذهب الغالب عندَهم بنوع من التفصيلِ، والشَّرْحِ ، الأمر الذي يدل على اطلاعِه العميقِ ، ومعلوماتهِ الواسعةٍ ، ودِقَّةِ النظرِ؛ كما نقل بصدد الموضوع رسالةً طويلةً لعالمٍ حديثِ العهدِ بالإسلام اسمه (حسن بن أيوب) بسطَ فيهاَ الأسبابَ التي دفعته إلى قبولِ الإسلامِ، والدلائل التي رجَّحَ بها الإسلامَ على الديانات الأخرى ، وهذه الرسالةُ تحتوي على معلوماتٍ قيّمةٍ(٢). (١) الجواب الصحيح: ج ٣ ص ١٢٦ . (٢) المرجع السابق: ٣٦٢/٣ - و٢/٣. ٦٥٣ أ - الرد على المسيحية بَشائرُ عن النبي ◌َّ في التوراةِ والصُّحفِ السماوية: وبعد انتهائهِ مِن ذلك نَقل ابنُ تيمية تلكَ البشائر ، والنبوءات التي تُخبر بنبوة النبي ◌َّر، وبعثته، وقد سار في ذكر هذه البشارات والنبوءات منهجَ الاستقصاء والاستيعاب ، ولم يألُ جُهداً في نقل كلام وعبارة أشعياء النبي ، وحبقوق، ودانيال، وسيدنا المسيح عليه السلام، ممَّا يتعلّق بالنبي وَل . وقد اجتمعَ في هذا الموضوع من المعلومات في هذا الكتاب ما يتعذَّر وجوده في أيِّ كتاب آخر ، إنَّه تناول هذه النبوءات بالشرح، وأثبت: أنَّها لا تنطبق إلا على النبي والي(١). ومِن بَين هذه النبوءات نُبوءةٌ من إنجيل يوحنا بأن سيدنا المسيح عليه السلام قال: ((إن أركونَ العالم سيأتي وليس لي شيءٌ) ومعنى أركون في العبرانية جليلٌ القَدْر ، والشأن ، ويقال للعظماء والكبار أراكنة ، يقول ابن تيمية: وهو يثبت: أنَّ مصداق هذه النبوة إنما هو النبيُّ نَّهِ : ((فمعلومٌ باتفاق أهل الأرض ، والاضطرار: أنَّه لم يأتِ بعد المسيح من ساد العالم باطناً وظاهراً وانقادتْ له القلوب ، والأجساد ، وأَطيع في السر والعلانية في محياه وبعد مماته في جميع الأعصار ، وأفضلِ الأقاليم شرقاً وغرباً أحدٌ غير محمد ، فإنَّ الملوك يطاعون ظاهراً لا باطناً، ولا يُطاعون بعد موتهم، ولا يُطيعُهم أهل الدين طاعةً يرجُون بها ثواب الله في الدار الآخرة ، وَيخافون عقاب الله في الدار الآخرة بخلاف الأنبياء. ومحمَّدٌ أظهرَ دينَ الُّسل مثلَ موسى، والمسيح، وغيرهما في أمم عظيمة ولولا محمد لم يؤمنوا بهم ، ومن كان يعرف هؤلاء من أهل الكتاب كانوا مختلفين فيه كاختلاف أهل الكتاب في المسيح ، وكانوا يقولون في داود ، وسليمان ، وغيرهما بما هو معروف عندهم ، وأيضاً فإنه ذكر لهم من الرسل (١) الجواب الصحيح: ج ٣، ص ٣٦٢. ٦٥٤ أ - الرد على المسيحية ما لم يكونوا يعرفونه ، مثل هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم)) (١). المُعجزاتُ ودَلائل النبوءة: وبعدَ الانتهاءِ من هذا الموضوع انتقلَ ابنُ تيمية إلى بيان معجزات النبي وَّل ويَرى: أنَّها إذا سُمِّت بها آيات الأنبياء؛ كانتْ أدلَّ على المقصود من لفظ المعجزات. وقد جمع من ذخائر المعلومات شأنه في هذا الصدد ما لا يوجد مجتمعاً في كتاب واحد (٢) ، وقد احتوى هذا البحثُ على تعريف المعجزات ، وطريق إثباتها ، وعلى كثيرٍ من البحوث الكلامية ، والموضوعية ، والتّكتِ اللطيفة . ولم يكتفِ ابنُ تيمية في هذا البحث ببيانٍ تلك المعجزات الشهيرة التي تتحدّثُ عنها كتب السيرة والكلام ، بل إنه وسَّع نطاق الآيات ، ودلائل النبوة إلى أن تضمن جميعَ سيرِه وشمائله التي هي أكبرُ حجة على النبوءة ، وأسطعُ برهان على النبوة المحمدية لدى المُنْصِفين، وأصحاب النظر ، والبصيرة ، كأنه يلتقي مع الشيخ الرومي على هذه النقطة ، الذي يقول ما معناه: (كُلُّ قَلْبٍ يتمثَّعُ بلذَّةِ العلمِ، ويتحلَّى بالبصيرة يُدرِكُ ما في وجه النبي (وَلَ، وصوته من معجزةٍ)). وقد عرضَ في هذه المناسبة عُصارة جيدة لسيرته بَّ وشمائله، إنَّه يوسع هذا النطاق ، ويقول : ((وسيرةُ الرسول وَّهِ من آياته، وأخلاقُه، وأقوالُه، وأفعالُه، وشريعتُه من آياته، وأمَّتُه من آياته، وعِلم أمته، ودينُهم من آياته ، وكراماتٌ صالح أُمَّتِه من آياته)) (٣). (١) الجواب الصحيح: ج٤، ص ١٦. (٢) المرجع السابق: ج٤ ص٦٦ - ٢٢٤. (٣) المرجع السابق: ج٤ ص ٧٨. ٦٥٥ أ - الرد على المسيحية ثَورةُ الإسلامِ والأمَّة المحمدية معجزةٌ بذاتها: وبعد بيانٍ خلاصة السيرة الطيبة التي تَبعث قراءَتها إيماناً بأنه ◌َّ نبيّ صادقٌ ، مُؤْيَّدٌ من الله ، ورسولٌ حق ، يقول: ((حتَّى ظهرتِ الدعوةُ في جميع أرض العرب التي كانت مملوءةً من عبادة الأوثان ومن أخبار الكهان، وطاعةِ المخلوق في الكفر بالخالق ، وسَفْك الدماء المحرمة ، وقَطيعة الأرحام، لا يَعرفون آخرةً، ولا معاداً ، فصاروا أعلم أهل الأرض ، وأدينهم، وأَعدَلهم، وأفضلَهم؛ حتى إنَّ النصارى لمَّا رأوهم حين قدموا الشام قالوا: ما كان الذين صَحِبُوا المسيحَ بأفضلَ من هؤلاء، وهذه آثار عِلمِهم، وعَمَلهم في الأرض، وآثار غيرهم، يَعرف العقلاء فرق ما بين الأمرين. وهو ◌َّ - مع ظهور أمرِه، وطاعة الخلق له، وتقديمهم له على الأنفس والأموال - مات ◌َّ ولم يُخلّف درهماً، ولا ديناراً، ولا شاةً، ولا بعيراً إلا بغلته ، وسلاحه ، ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقاً من شعير ابتاعها لأهله ، وكان بيده عَقار ينفق منه على أهله، والباقي يصرفه في مصالح المسلمين ، فحكم بأنه لا يُورَث ، ولا يأخذُ ورَثتُه شيئاً من ذلك. وهو في كلِّ وقتٍ يَظهر على يديه من عجائب الآيات ، وفُنون الكرامات ما يَطولُ وصفه ، ويخبرهم بخبر ما كان ، وما يكون ، يأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ، ويُحرم عليهم الخبائث ، ويُشرِّع الشريعة شيئاً بعد شيء ، حتی أکمل الله دينه الذي بُعث به)) (١) . ((وأُقَتُه أكمَلُ الأمم في كلِّ فضيلةٍ ، فإذا قيس علمهم بعلم سائر الأممِ؛ ظهر فضل علمهم. (١) الجواب الصحيح: ج٤، ص ٨١. ٦٥٦ أ - الرد على المسيحية وإنْ قيس دينُهم ، وعبادتهم ، وطاعتُهم الله بغيرهم؛ ظهر أنهم أدينُ من غيرهم. وإذا قيسَتْ شجاعتهم ، وجهادهم في سبيل الله ، وصبرُهم على المكاره في ذات الله ؛ ظهر أنهم أعظم جهاداً ، وأشجع قلوباً. وإذا قِيسَ سخاؤهم، وبذلُهم، وسماحة أنفسهم بغيرهم؛ يتبين أنهم أسخى ، وأكرم من غيرهم. وهذه الفضائل به نالوها ، ومنه تعلموها ، وهو الذي أمرهم بها ، لم يكونوا قبله مُتَّبعين لكتابٍ جاء هو بتكميلهِ كما جاء المسيح بتكميلٍ شريعة التوراة ، فكانتْ فضائلُ أتباع المسيح ، وعلومِهم بعضُها من التوراة ، وبعضُها من الزبور ، وبعضُها من النبوات ، وبعضها من المسيح، وبعضها ممَّن بعده كالحواريين ، ومَنْ بعد الحواريين ، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة ، وغيرهم حتى أدخلوا لما غيروا دين المسيح في دين المسيح أموراً من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح . وأمَّا أُمَةُ محمدٍ بَّ فلم يكونوا يقرؤون قبلَه كتاباً ، بل عامَّتُهم ما آمنوا بموسى ، وعيسى ، وداود ، والتوراة ، والإنجيل ، والزبور إلا من جهته ، فهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء ، ويُقروا بجميع الكتب المنزلةِ من عند الله، ونَهاهم أن يُفرِّقوا بين أحدٍ من الرسل (١). إعجازُ الشّريعةِ المُحمدية: ويتحدَّثُ عن كمال الشريعة المحمدية، فيقول: ((وجاءتْ شريعتُه أكمَلَ شريعةٍ ، لم يَبق معروف تعرف العقول: أَنَّه معروف إلا أمر به ، ولا مُنكَر تعرف العقول: أنَّه منكر إلا نهى عنه ، لم يأمر بشيء، فقيل: ليته لم يأمر به ، ولا نهى عن شيء ، فقيل: ليته لم يَنْهَ عنه. (١) الجواب الصحيح: ج٤، ص ٨٢. ٦٥٧ أ - الرد على المسيحية وأحلَّ الطيبات ، لم يَحِّم شيئاً منها كما حُرِّم في شرع غيره ، وحَرَّمَ الخبائث ، لم يُحلَّ منها شيئاً كما استحلّه غيره. وجمعَ محاسن ما عليه الأمم ، فلا يُذكر في التوراة ، والإنجيل ، والزبور نَوعٌ من الخبر عن الله، وعن ملائكته ، وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه . وأخبرَ بأشياء ليست في هذه الكتب ، فليسَ في تلك إيجابٌ لعدل ، وقضاء بفضْل ، وندب إلى الفضائل ، وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به ، وبما هو أحسن منه . وإذا نظر اللبيبُ في العبادات التي شرعها وعباداتٍ غيره من الأمم؛ ظهر فضلها، ورجحانها، وكذلك في الحدود، والأحكام، وسائر الشرائع)) (١). وبعد ما ذكر بصَددِ الموضوع غايةَ العبادات، وتحدَّث عن مختلف المذاهب ، ووجهات النظر عنها ، تناول العباداتِ الإسلامية ، وبحث عن مقاصدها ، وأسرارها ، وفوائدها في غايةٍ من الحكمة ، كما أَثْبتَ: أنَّ النبي وَلّ كان نموذجاً كاملاً للصدق، والعدل، وقد تجلَّى هذا الصدق، والعدل في خُلفائه الراشدين وأصحابه الكرام في حياتهم ، وحكومتهم، وخِلافتهم، ومعاملتهم، وسياستهم ، وعاشوا حياة كُلَّها ورعٌ وزَهادة ، لا يوجد لها نظير في تاريخ العالم (٢). الاعتقادُ بالنبوة المحمّديَّة واجبٌ على كُلِّ مُقِرٍّ بالنبوة: ويُثْبِت الإمامُ ابنُ تيمية بكلام واضح مُؤْيَّد بالدلائل: أنَّ كُلَّ عارف بمفهوم النبوة ، وقائلٍ بها ، ومؤمن بأيِّ نبيِّ من الأنبياء لا يَسعُه إنكار النبوة (١) الجواب الصحيح: ج٤، ص ٨١. (٢) المرجع السابق: ص ١٠٤ - ١١٩. ٦٥٨ أ - الرد على المسيحية المحمدية ، فإنَّ الدلائل التي يُعلم بها نبوة الأنبياء الآخرين يُعلم بها نبوة محمد ليلة بطريق الأولى. فإن قال قائلٌ: إن نُبوة الأنبياء تَثبت بالمعجزات؛ فإن معجزات النبي الَّه أعظمُ، وتواترها أبلغُ ، والكتاب الذي جاء به أكملُ ، وأُقَّته أفضلُ ، وشرائعُ دينه أحسنُ ، فَيَبطُل بتكذيب نبؤَّته جميع ما مع الناس من النُّؤَّات (١). ويَرى: أنَّ الإصرار على إثبات نبوات الأنبياء الآخرين، وإنكارَ نبوة محمد اَلّ مَثلُه كمثل الذي يُقرُّ بعظمة علماء الفن، وإمامتهم، ويُنكر زعيمَ ذلك الفَنِّ ، وأستاذه الأول ، إنَّه يضرب لذلك أمثلةً عديدة طريفة ، يقول: ((وصار هذا كما لو قال قائل: إن زُفر، وابنَ القاسم، والمُزنيَّ، والأثرَم كانوا فقهاءَ ، وأبا حنيفة، ومالكاً ، والشافعيّ ، وأحمدَ، لم يكونوا فقهاء. أو قال: إنَّ الأخفشَ، وابنَ الأنباري، والمبرِّد كانوا نُحاةً ، والخليل، وسيبويه ، والفرَاءُ لم يكونوا نُحاة. أو قال: إنَّ صاحب المَلكي ، والمَسيحي ، ونحوهما من كُتب الطب كانوا أطباء ، وبقراط ، وجالينوس ، ونحوهما لم يكونوا أطباء. أو قال: إن كوشيار، والخِرقي، ونحوهما كانوا يعرفون علم الهيئة ، وبطليموس ، ونحوَه لم يكن له علمٌ بالهيئة . ومَنْ قال: إنَّ داود ، وسليمان، ومليخا، وعاموص، ودانيال كانوا أنبياء ، ومحمدُ بن عبد الله لم يكن نبياً ، فتناقُضه أظهرُ ، وفسادُ قوله أبيَنُ من هذا جميعه ، بل وكذلك من قال: إنَّ موسى ، وعيسى رسولان ، والتوراةَ ، والإنجيل كتابان مُنزَّلان من عند الله ، ومحمد ليس برسول ، والقرآنُ لم ينزل من الله ، فبُطلان قوله في غاية الظهور، والبيان لمن تدبر ما جاء بهِ (١) الجواب الصحيح: ص ١٨٠. ٦٥٩ أ - الرد على المسيحية محمد ◌َّ، وما جاء به مَنْ قبله، وتدبّر كتابَه، والكتب التي قبله ، وآيات نبوته ، وآياتٍ نبوة هؤلاء، وشرائع دينه، وشرائع دين هؤلاء)) (١). البعثَةُ العامَّة لرسول اللّه ◌َيّة: ومنِ الأَفضَل أَن أَختم هذا البحثَ بذِكر دعوى النصارى التي ذكرها ابن تيميَّة في أول كتابه ، وهي أنَّ النبي ◌َّ إنما كان قد بُعث خصيصاً إلى العرب الجاهلين ، وهم الذين كانوا مُطالبين بالإيمان به ، وأنَّ النصارى غير مضطرِّين إلى الإيمان به ، فإنْ لم يؤمنوا به؛ لا يؤاخذون على ذلك. وهذه العقيدةُ شائعةٌ بين النصارى العرب وعلمائهم اليوم أيضاً ، كما أن في بلادنا الهند وُجدت في بعض الأوساط فكرة: أنَّ الاتّباع الكامل للأديان السابقة يتكفَّل النجاة من النار ، ولا حاجةَ لمسيحيّ ، أو يهوديٍّ صادقٍ ، أو رجلٍ من غير المسلمين أن يُؤمن بالنبوّة المحمدية ، وبما أن هذا الاعتقادَ الفاسد يقضي على جُذور الدعوة الإسلامية ، وبعثةِ الرسولِ العامة ، ويَنسَدُّ به بابِ الدعوة ، والتبليغ للإسلام، وتذهب الجهود التي بذلت في نشر الإسلام سُدىً؛ تصدَّى الإمام ابن تيميّة لردِّ هذا الاعتقاد الفاسد ، وركّز كتابته في دحض هذا الباطل ، وتحدّث في هذا الموضوع في كتابه ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) في الجزء الأول من الصفحة ٢٨ إلى الصفحة ٢٣٠ ، وتناوَلَه من الناحيتين العِلمية ، والاستدلالية بأكمل وجهٍ، وأوسع طريق ، وهو مما يَدُكُّ على قُوَّة عارضته ، وتَعمُّق علمه ، وقد جمع في هذا البحث جميعَ نصوص الكتاب ، والسنة التي تقضي على كل شبهة تتطرّق إلى بعثة النبي ◌َّ بأنها كانتْ تختص العرب وحدهم ، أو أنَّ النجاة مأمولةٌ من غير الإيمان بنبوته ، يقول في موضع : ((وقال لَّهُ: ((وكان النبيُّ ◌َ لَه يُبعثُ إلى قومه خاصةً، وبُعثتُ إلى الناس عامة))(٢). (١) المرجع السابق: ج٤، ص ١٨٠ - ١٨١. (٢) [أخرجه البخاري في كتاب التيمم، برقم (٣٣٥)، والدارمي في السنن في كتاب = ٦٦٠ أ - الرد على المسيحية وقال تعالى: ﴿قُلّ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ كَافَّةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. وفي القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود ، والنصارى ، ومن دعوة المشركين ، وعباد الأوثان ، وجميع الإنس ، والجن ما لا يُحصى إلا بكُلفة ، وهذا كله معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ، فكيف يقال: إنَّه لم يَذكر: أنَّه بُعث إلا إلى العرب خاصة، وهذه دَعوتُه، ورسُله، وجهاده لليهود ، والنصارى، والمجوس بعد المشركين، وهذه سيرتهُ بَّ فيهم، وأيضاً فالكتاب المتواتر عنه وهو القرآن يُذكر فيه دعاؤه لأهلِ الكتاب إلى الإيمانِ به)) (١). ويقول في مكانٍ آخر : ((فهذه الدلائل، وأضعافُها مما تبيّن: أنَّه نفسه وَلَّهِ أخبر: أنَّه رسول الله إلى النصارى ، وغيرهم من أهل الكتاب ، وأنَّه دعاهم، وجاهدهم، وأمر بدعوتهم وجهادهم ، وليس هذا مما فَعَلَتْهُ أُمته بعده بدعةً ابتدعوها ، كما فعلتٍ النصارى بعد المسيح عليه السلام ، فإنَّ المسلمين لا يُجوِّزون لأحدٍ بعد محمد ◌َّه أن يُغير شيئاً من شريعته، فلا يُحلِّل ما حرم، ولا يُحرِّم ما حِلل، ولا يُوجب ما أسقط ، ولا يُسقط ما أوجب ، بل الحلال عندهم ما حلَّله الله ورسولُه، والحرام ما حَّمه الله ورسولُه، والدِّين ما شرعه الله ورسوله)) (٢). الصلاة، باب الأرض كلها طهور ... ، برقم (١٣٨٩)، وأحمد في المسند (٣٠٤/٣) = برقم (١٤٣٠٣)، وابن حبان في الصحيح (٣٠٨/١٤) برقم (٦٣٩٨)، والبيهقي في السنن (٢١٢/١) برقم (٩٥٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه]. (١) الجواب الصحيح: ج٤ ص ١١٥ - ١١٦. (٢) المرجع السابق: ص ١١٧ - ١١٨.