النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية معرفة ذلك)) (١) ، ولذلك فقد وقع فيها التزوير بصفة عامة، وكثيرٌ منها تزوير بَحْتٌ لا يستند إلى أيِّ أصل ولکن ینخدعُ به خَلْقٌ کثیرٌ. قصصٌ يُزوّرونها لإنجاز أغراضهم من المشاهد: ومِنَ الفتن التي شاعتْ ، وانتشرتْ في الناس هي أنَّ هذه المشاهد ، والقبور تُوفُّرُ الشِّفاء للمرضى المزمِنين ، ويُستجاب عندها الدعاء، وكان الناس يتحدَّثون في ذلك عن تجارِبهم، ومُشاهداتهم الشخصية ، ولكنَّ ابن تيمية لم يكن ليتأثر بمثل هذه الإشاعات والدَّعاوى الكاذبة لما كان يتمتع به من الرسوخ في الدين وقُوَّة الإيمان واليقين ، ولم يكن ليترك قطعيات الدين ومنصوصات الكتاب والسنة لمُجَّد إشاعات وروايات يتناقلها الناس. إنَّه ظلَّ قائماً على فِراسته الإيمانية، وفَهمه النَّر للدين ، وأثبت أنَّ هذه الإشاعات ، والدعاوى كلها وَهم على وَهم لا يمثُ إلى الحقِّ والصدقِ بِصِلَةٍ ما ، وكثيراً ما كان الناس يَروون عن شفاء الحيوانات والبهائم على هذه المشاهد والقبور ، ولكنَّ ما ذكره ابنُ تيميّة لهذه الأحداث من تأويل عجيب إنما يستلفتُ الأنظار ، ويُنَوِّرُ الأبصار ، إنَّه يقول: ((وكان بالبلد جماعةٌ كثيرون يَظنُّون في العُبيديين: أنَّهم أولياء لله تعالى صالحون ، فلما ذكرتُ لهم أن هؤلاء كانوا منافقين زنادقة ، وخيارُ مَن فيهم الرافضة ، جعلوا يتعجَّبون، ويقولون: نحن نذهب بالفَرس التي بها مَغْلٌ إلى قبورهم ، فقلتُ: إن هذا من أعظم الأدلة على كفرهم ، وطلبتُ طائفة من سُيَّاس الخيل، فقلتُ: أنتم بالشام ومصر إذا أصاب الخيل المَغْلُ أين تذهبون بهم؟ فقالوا: في الشام نذهب إلى القبور التي ببلاد الغلاة كالعليقة ، والمنقية ، ونحوهما. وأمّا في مصر فنذهب بها إلى دئرٍ هناك للنصارى، ونذهبُ بها إلى قبور هؤلاء (١) الرد على البكري: ص ٣١٢. ٦٠٢ الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية الأشراف، وهم يَظُّون أن العبيديين شرفاءُ لِما أظهروا أنَّهم من أهل البيت. فقلتُ: هل تذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين مثل قبر الليث بن سعد، والشافعي ، وابن القاسم ، وغير هؤلاء؟ ، فقالوا: لا ، فقلت لأولئك: اسمعوا إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار ، والمنافقين ، وبيَّنتُ لهم سبب ذلك ، قلت: لأن هؤلاء يُعذَّبون في قبورهم ، والبهائم تسمع أصواتهم كما ثبتَ ذلك في الحديث الصحيح ، فإذا سمعت ذلك فزعت ، فبسبب التُّعب الذي يحصل لها تنحلُّ بطونها ، فتَرُوثُ فإنَّ الفَزِع يقتضي الإسهال ، فَيَعْجَبون من ذلك ، وهذا المعنى كثيراً ما كنت أذكُره للناس ، ولم أعلم أحداً قاله ، ثم وجدتُه قد ذكره بعضُ العلماء)) (١). تَمثيلُ الشَّياطين للمُشْركين: ويتحدَّثُ ابنُ تيمية عن عِلَّة ما يحدث على قبور الأولياء والصالحين من استجابة الدعاء ، وانقضاء الحاجة، ومن كلام صاحبِ القبر، وزيارته، فيقول: ((وكثيرٌ مِن هؤلاء إذا استغاث بالشيخ رأى صورته ، وربما قضى بعض حاجاته ، فيظنُّ أنه الشيخ نفسه ، أو إنه ملك تصوَّر على صورته ، وأنَّ هذا من كراماته ، فيزداد به شركاً وفيه مُغالاة ، ولا يعلم: أن هذا من جنس ما تفعله الشياطين بِعُبَّاد الأوثان ، حيث تتراءى أحياناً لمن تَعْبُدها ، وتخاطبهم ببعضٍ الأمور الغائبة ، وتقضي لهم بعض الطلبات ، ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضّلة)) (٢). ويقُولُ في مكان آخر: ((إنَّ هذه الشياطين تتصوَّر على صُورة المستغاثِ بهِ ، وحَكى لي غير واحد من أصحاب الشيوخ: أنَّه جرى لمنِ استغاث بهم مثلُ ذلك ، وحكى خلقٌ كثيرٌ : أنَّهم استغاثوا بأحياءَ وأموات ، فرأوا مثل ذلك ، واستفاض هذا ، حتى عُرِف (١) الرد على البكري: ص ٣١٠، ٣١١. (٢) المرجع السابق: ص ٢٣٣ . ٦٠٣ الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية أنَّ هذه من الشياطين تغري الإنسان بحسب الإمكان فإن كان ممَّن لا يَعرفُ دينَ الإسلام؛ أو قَعَتْهُ في الشرك الظاهر ، والكفرِ المحض، فأمَرَتْهُ ألا يَذْكُرَ ، وأن يَسجُدَ للشيطان، ويذبَح له ، وأَمَرتْهُ بأكل الميتة ، والدم ، وفعل الفواحش ، وهذا يجري كثيراً في بلاد الكُفر المحض ، وبلاد فيها كُفر، وإسلام ضعيف ، ويجري في بعض مدائن الإسلام في المواضع التي يَضْعُف إيمان أصحابها ، حتى قد جرى ذلك في مصر ، والشام على أنواع يطولِ وصفها، وهو في أرض الشرق قبل ظهور الإسلام في التتار كثيرٌ جداً، وكلَّما ظهر فيهم الإسلام ، وعرفوا حقيقته؛ قَلَّتْ آثار الشياطين فيهم)) (١). يقول ابنُ تيمية: إنَّ ذلك لا يحدث مع الصالحين فقط ، بل يحدث ذلك العُبَّاد الكواكب أيضاً ، ويحصلُ لهم مثل هذه الانتصارات والأحاسيس: ((والذين يَدْعون الكواكب تنزل عليهم أشخاصٌ، يسمونَها روحانية الكواكب ، وهو شيطان نزل عليه لمَّا أشرك ليُغويه ، كما تدخل الشياطين في الأصنام، وتكلّم أحياناً بعض الناس، وتتراءى للسَّدنة أحياناً ولغيرهم أيضاً» (٢). دورُ ابنِ تيميَّة في إصلاح العقيدة وتأثيرُه: إنَّ القرنين السابع والثامن (وقد مضى الحديث عن خصوبتهما وإنتاجاتهما في أول الكتاب) وإن كانا حافلين بكبار العلماء والشيوخ ، وكان العمل في كل مجال من مجالات التأليف ، والوعظ ، والإرشاد ، والدعوة ، والتبليغ مستمراً بكل قوة لا يترك مجالاً للشكِّ في أن العلماء الراسخين وحمَلة الكتاب والسنة لابدَّ أنهم قد استنكروا هذا الشرك الجَليَّ، والجاهلية، والوثنية كلَّ الاستنكار ، وعارضوها بالقلم واللسان. ولكنَّ ابن تيمية يمتاز بأنه كان في طليعة العلماء الذين رفعوا راية الجهاد (١) تفسير سورة الإخلاص: ص ١١٨. (٢) كتاب النبوات: ص ٢٧٤ . ٦٠٤ الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية لمحاربةِ هذا الوضع ، وتصدَّوا لمقاومة هذه الفتنة الكبرى رغم اشتغالهم ويَخثهم في العلم ، وخاطبوا عقول الجماهير، وتبنَّوا مُهِمَّة الرد على الشرك الصريح ، غايةَ حياتهم، وكانوا يتمتّعون بمكانة عالية في العلم والدين ، وخلَّفوا ذخيرة علمية ذات قيمة كبيرة في هذا الموضوع تُخَلَّد شخصيَّتهم وتجدِّدُ مهمَّتهم الإصلاحیة حیناً لآخر . والحقيقةُ: أنَّ مقاومة هذه الفتنة العامة ، وشرحَ عقيدة التوحيد ، وبَعثَ الفكر الإسلامي الصحيح ، واستعراض هذه التقاليد والعقائد المشركة التي كانت تُغَطِّي المجتمع، وتُسَيْطِرُ عليه ، والردَّ عليها رداً قويّاً حاسماً ، كل ذلك كان يحتاج إلى شخصية ابن تيمية القوية ، وطبيعة التوحيد تأبى أن تلوذ بالتأويل والمداهنة أو المحاباة إنها تتطلَّب خطاب الأنبياء الواضح الحاسم وأسلوب دعوتهم الصريح الذي يتسم بميزة ((الفرقان)). ولا شكَّ أنَّ ابن تيمية ، إنما قام بمسؤولية النيابة عن الأنبياء في عصره ، وعمل بمصداق ﴿ فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. حتى إن هذه العقائد والتقاليد الباطلة التي كانت قد عمَّت في المجتمع الإسلامي باختلاط غير المسلمين وصحبتهم وتأثير الفرق الضالة والمُغرضين قد انهزمتْ ، وذهبتْ ريحُها ، وتمثَّلت عقيدةُ التوحيد التي ترتكز عليها دعوة الأنبياء ، وتُعتبر غايتهم الكبرى بملامحَ أوضح وأجمل من جديد: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَخْبِى مَنْ حَىَّّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] . إنَّ هذا العملَ الذي قام به ابن تيمية كفاه دليلاً على ما خصَّهُ الله به من مكانة عالية في مجال الإصلاح ، والتربية ، والدعوة ، والتجديد ، وقد وُجِد بتأثير كتاباته ومؤلفاته رجالٌ من أهل الدعوة والتربية بين حين وآخر ممن رفعوا راية الجهاد ضد هذه التقاليد و((الوثنية الجاهلية)) بكل صَدْع وإعلان ، وارتفع صوت القرآن مدوّياً عالياً: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣٩]. فارتجَّ العالمُ الإسلاميُ، وتجاوَب معه السهلُ والجبل. ٦٠٥ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام الفصل الثاني نَقْدُ الفلسفة والمنطق وَعلم الكلام وَترجيحُ أسلوب الكِتاب والسّنة مُهِمَّة الإصلاح والتّجديدِ الثانيةُ: أمَّا مهمّة الإصلاح والتجديد الثانية التي قام بها شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فهي أَنَّه تناول الفلسفة ، والمنطق، وعلم الكلام بنَفْد مفَصَّل ، وأثبت فضلَ أسلوب الكتاب والسنة إزاء هذه العلوم مؤيّداً بالدلائل والبراهين. ولكي نُقدِّر مدى عظمة هذه المهمة يجب أن نَعرف ما كان يتمتع به المنطق والفلسفة من مكانة عالية في العالم الإسلامي ، وما كان لهما من سيطرة على الأفكار ، والآراء ، وفي مثل أي ظرفٍ وبيئة قام شيخ الإسلام بمهمثُّه هذه. تأثيرُ فلسفة اليونان وسيطرتُها على العالم الإسلامي: لا يَخفى: أَنَّ مهمة تَرجمةِ كتب الفلسفة والمنطق اليوناني كانت قد بدأت منذ عهد الخليفة المنصور عام ١٣٦ هـ ، وكانَ المُعتزلة قد درسوا هذه الكتبَ واستفادوا منها ، ومنذ ذلك العهد دخلت في كتبهم مُصطلحات الفلسفة اليونانية . إلاَّ أنَّ علوم اليونان ازدهرت في الحقيقة في عصر المأمون ، ذلك الذي ٦٠٦ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام أشرف على حركةِ الترجمة إشرافاً مَلكياً ، واحتضنَ هذه الحركة ، فقد كان من أحرص الناس على هذه العلوم ، وأكثرِهم تقديراً لها ، فقد ذكر صاعد الأندلسي في كتابه ((طبقات الأمم)) أنَّه طَلب من ملوك الروم كُتب حكماء اليونان ، فأرسلوا إليه مؤلَّفات أفلاطون ، وأرسطو ، وبقراط ، وجالينوس ، وإقليدس ، وبطليموس كهديّةٍ ، وأمر المأمونُ بترجمتها في غاية من الاهتمام ، وحثَّ الناس على دراستها ، وفي عهده نالتْ هذه المؤلفات رَواجاً عاماً ، ونالت الفلسفة ازدهاراً كبيراً ، وأقبل الشباب هم الآخرون على إتقان هذه المواد ، وجاء به كُلٌّ كَهديّة غالية إلى بلاط المأمون السخي، وأُكرموا بالجوائز ، والصلات ، والمناصب العالية ، وهكذا فإن الدولة العباسية أصبحتْ منافسة للدولة الرومية في هذه العلوم (١). وظلَّ عملُ الترجمة هذا مستمراً إلى ما بعد المأمون ، وفي التاريخ ما يدلُّ على أنَّ ذخائر وجيهة من علوم اليونان كانت قد انتقلت إلى العربية حتى القرن الرابع الهجري (٢) . وعلى أنَّ هذه الذخيرة العلمية إنما كانت تحتوي على مؤلفات وتحقيقات أفلاطون وغيره من حكماء اليونان ، إلا أن كتب أرسطو نالتِ القبول والإعجاب في أوساط العالم الإسلامي العلمية والمدرسية أكثر من غيره ، ولعل ذلك جاء من قبل المترجمين الذين كانوا في الغالب من النصارى النَّسطوريين، واليَعقوبيين، ومن فلاسفة جُنْد يسابور، وحرَّان ، إما لاتجاهاتهم الشخصية ، أو لأن عصر أرسطو أقرب بالنسبة إلى غيره ، وأنَّ كتبه تحتوي على مباحث الفلاسفة المتقدِّمين بشكل أكثر تدويناً وترتيباً ، حتى أصبحتْ هي الأخرى مُمثِّلةً فلسفة اليونان ، والحاميّة لها ، ورمزَ الفلسفة وآيتَها في العالم الإسلامي ، ومِن سوء حظّ العالم الإسلامي: أنَّه لم يحظَ من فلاسفة (١) طبقات الأمم: ص ٤٧ . (٢) وللاطلاع على التفاصيل، راجع ((فهرست ابن النديم)»، و«طبقات الأطباء)) لابن أبي أصيبعة ، و((أخبار الحكماء للقفطي))، وما إلى ذلك. ٦٠٧ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام اليونان إلا بمن كان أبعدَ ، وأجهل من الجميع في تَفْهُّم روح الأديان السماوية ، ومفاهيمها ، وحقائقها، وكانَ أكبر داعية للفكرة المادية ، ومن كبار أنصارها ومؤيّديها (وستأتي تفاصيل البعض منهم في كتابات الإمام ابن تيمية وانتقاداته). عَهْدُ تَقليد الفَلسفَةِ: في أَوَّل الأمر رفض علماءُ الفلسفة في العالم الإسلامي قبول فلسفة أرسطو ومنطقه على علاَّتهما ، وما رأوه فوق النقد والتحقيق ، بل تصدَّى كثير منهم ، وألفوا كتباً في الرد عليه ، وتناولوا بحوثه الفلسفية والمنطقية بالنقد الحرِّ ، وتجاهروا بكل ما ظهر عليهم ضعفُه وركاكته ، وكان المعتزلة أوَّل من حملوا لواء ذلك ، وَيجدر بالذكر منهم النظّام ، وأبو علي الجبّائي. وجاء حسن بن موسى النّوبخْتي في القرن الثالث ، فألف «كتاب الآراء والديانات))، ورد على بعض المسائل المنطقية لأرسطو ، كما ألف الإمام أبو بكر الباقلاني كتاباً باسم ((الدقائق)) في القرن الرابع ، فَنَّدَ فيه الفلسفة ، وأثبتَ فضْلَ منطق العرب على منطق اليونان. أمَّا في القرن الخامس؛ فنهضَ العلاَّمة عبد الكريم الشهرستاني صاحب كتاب ((الملل والنحل)) وألَّف كتاباً في الرد على برقلس ، وأرسطو ، ونقض فيه دلائلهما وِفق قواعد المنطق. وفي أواخر هذا القرن نفسه تصدى الإمام الغزالي كمنافس للفلسفة ، وألف كتابه المعروف باسم ((تهافت الفلاسفة)) ذلك الذي أحدث ضجة في إيوان الفلسفة بقيت إلى قرن كامل (١). وقامَ أبو البركات البغدادي في القرن السادس فواصلَ هذا العمل ، وتقدم به إلى الأمام، وألف كتاباً باسم ((المعتبر)) أصبح موضعَ البحث والنقد فيما بعد ، أبطل فيه أفكار أرسطو في معظم المسائل ، وفي هذا القرن برز الإمام فخر (١) اقرأ التفاصيل في المجلد الأول من هذا الكتاب. 1 ٦٠٨ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام الدين الرازي (٦٠٦ هـ) ((كمحام)) لمتكلمي الإسلام ، والأشاعرة ، واستهدف الفلسفة لإيراداته . أمّا الأوساط العلمية في العالم الإسلامي التي كانت تُعتبر حاملةً لواء الفلسفة اليونانية في الواقع، وتُرجمانها؛ فقد ظَلَّت مسحورةً بشخصية أرسطو ، وعظمته ، وكانت تراه فوق كل نقدٍ وتحقيق ، وكان هذا الهيام ، والإعجاب بشخصية أرسطو يتزايد مع مرور الأيام لدى علماء الفلسفة ، ويكاد يَحتلُّ في أوساط الفلسفة محل القدسية والعظمة ، فكلُّ خلَفٍ يفُوق سلَفه في تقدیسه وتعظيمه . يقول أبو نصر الفارابي والمتوفى ٣٣٩ هـ - ٩٥٠ م عن أفلاطون، وأرسطو: ((وكان هذان الحكيمان هما المُبدعان للفلسفة ، والمنشئان لأوائلها ، وأصولها ، والمتمِّمان لأواخرها وفروعها ، وعليهما المُعوَّل في قليلِها و کثیرها)) (١). وهذا ((أبو علي ابن سينا)) (م ٤٢٨ هـ) أكثر اعترافاً بعظمة أرسطو وسلطانه من الفارابي ، إنه يقول في كتابه ((الشفاء)) ما معناه: ((إن أرسطو مضى عليه أمد طويل إلا أن القضايا والتحقيقات التي أدلى بها لم تحتج إلى زيادة)) (٢). ولم تُنجِبْ أوساطُ الفلسفة بعد أبي علي ابن سينا أيَّ عالمٍ ومحامٍ للفلسفة أكبرَ من ابن رشد (م ٥٩٥ هـ) إنه يتقدم خطوةً في تقديس وتعظيم أرسطو من أبي علي ابن سينا أيضاً ، واسمحوا لي بهذه المناسبة أن أُعبر عن ذلك بما اعتاده المتصوِّفون من كلمة ((التفاني في الشيخ)) يَتحدَّث أحدُ مُترجميه عن خصِّيصَتِه هذه ، فيقول: ((أمَّا تَمجيدُ ابن رِشد لأرسطو فلا حذَّ له، فيكاد يُؤَلِّهه ، وقد وضع له ((الجمع بين رأيي الحكيمين)). (١) (٢) مأخوذ من مقال العلاّمة شبلي النعماني ((بين الإسلام وفلسفة اليونان)) المنشور في مجلة ((الندوة)) ج١، رواية عن كتاب «الشفاء)». ٦٠٩ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام أوصافاً تجعلُه فوق درجات الكمال الإنساني عقلاً، وفضلاً ، ولو كان ابنُ رُشد يقول بتعدُّد الآلهة لجعلَ أرسطو ربَّ الأرباب)) (١). وفي القرن السابع تَبرُز شخصية نصير الدين الطُّوسي (م٦٧٢ هـ) في أوساط الفلسفة ، ذلك الذي عرفته حلقات المدارس الفلسفية بالمحقّق الطوسي ، وكانَ العالم الإسلامي قد أصابَتْه دهشة الفتْح ، وأصيب بالذهول في هذا الزمن بهجوم التتار، وسقوط بغداد ، وأظلَّ العالم الإسلامي كله انحطاط علمي عام ، وقد كان نصير الدين الطوسي هو حامل لواء العلم ، والفلسفة اليونانية ، وهو من مُقرَّبي هولاكوخان، ومستشاريه ، وتولى تلاميذُه أمور التدريس ، والتأليف (وأَخُصُّ بالذكر منهم قطب الدين الشِّيرازي ، وسَميّه قطب الدين الرَّازي) ، وعلى يدهم وُجد ذلك المنهج الخاص للتعليم السائد في إيران ، الذي يَخُل فيه المنطق ، والفلسفة محلاً رئيسياً، وقد كان نصير الدين الطوسي يتصل بالمدرسة التي كانت تعتبر أرسطو العقلَ الكلَّ ، وتَرى في نظراته ، وتحقيقاته المرجع الأخير ، وقد دافع عن فلسفة أرسطو مخالفاً للإمام الرازي ، وكان قد نفخ في فلسفة أرسطو روحاً جديدة. المُحاسبة العلمية للفلسفة والمنطق ومأثرة ابن تيمية في هذا المجال: وُلِد شيخُ الإسلام ابن تيمية قبل وفاةٍ نصير الدين الطوسي بعشر سنين ، وكان للفلسفة والمنطق اليونانيين غلبةٌ ، وازدهار عظيم ، بتأثير نصير الدين الطوسي ، وتلاميذه البارعين ، وكان يُعتبر منتهى الذكاء ومقياس الفضل آنذاك أن يفهم المرء مسائلهما وبحوثهما ، ولم يكن لأحد أن يتجرَّأ على القول بإزائهما أو ضدهما ، ولم يكن المحدِّثون والفقهاءُ فرسان هذا الميدان ، وجُلّ ما كان يَسعُهم هو أن يُفتوا بحُرمتها ، إلا أن هذا السَّيل ما كان يقف بهذا ومثله من الأعمال ، فقد كان العالم الإسلامي كُلُّه يعيش تحت ضغطهما ، ولقد كان (١) تاريخ فلاسفة الإسلام في الشرق والغرب: لطفي جمعة، ص ١٥٥ . ٦١٠ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام للتشكُّكِ ، والارتياب جولةٌ في بعض الأوساط التي كانت تتَّصل بالفلسفة اليونانية مباشرةً ، ويوجد فيها اتجاهٌ نحو إنكار حقائق الأشياء. أمّا الطّبقةُ التي ابتعدت عنها، ولم تتصل بها مباشرة؛ فقد وقعتْ فريسة مركَّب النقص ، والشعور بالعَجز. ولِمُحاربة هذا الوضع كانتِ الحاجة ماسَّة إلى نَقْدٍ صريح ، واستعراضٍ علمي حُرِّ للفلسفة والمنطق ، وإلى إزاحة الستار عن مواضع ضعفها العلمية ، وقد أنجزَ حاجةَ الساعةِ هذه شيخُ الإسلامِ ابن تيمية ، وقام بنَقْدِ الفلسفة اليونانية ، ومحاسبتها العملية مُؤيِّداً بحوثه بالدلائل والبراهين ، وناظرَ أرسطو مناظرة علمية وجهاً لوجه ، ذلك الذي كان علماءُ الفلسفة يعتبرونه شخصيةً فوق مستوى البشر ، وغنيةً عن النَّقدِ والردِّ. ولكنْ لِنُدرك مكانَة علمه هذا وطبيعَته ، ونعلم معيارَ نقدِه ومحاسبته ، ووجهةَ نظرٍه ، وأساس خِلافه معه ، نرجع إلى كتبه ، ونقتطف فيما يلي ملخصات من كتاباتِه بعناوينَ مختلفة ، ومقتطفاتٍ من كتبه تُبيِّن وجهةَ نظره ، وأسلوب تفكيره. الاعترافُ بالطّبعيات والرياضيات: إنَّ رأيه في تلك الذخيرة العلمية التي تنتمي إلى أرسطو ، وفلاسفة اليونان مُتَزِنٌ معتدل ، إنه يُفرّق بين الطَّبعيات ، والرياضيات ، والإلهيات ، ويعترف بصحة معظم مسائل الطبعيات ، والرياضيات ، وبذكاءٍ علماء اليونان في هذا الموضوع ، كما فعل ذلك الإمام الغزالي يقول في إحدى المناسبات: «نَعَمْ لهم في الطَّعيات كلامٌ غالِبُه جيد ، وهو كلامٌ كثير واسع ، ولهم عُقولٌ عَرفوا بها ذلك، وهم قَد يقصدون الحق لا يَظهرُ عليهم العناد)) (١) . كما يَعترفُ في محلٌّ بوضوح بالغ: أنَّ الطَّبعيات ، والرياضيات ، وما إلى (١) الرد على البكري: ص ١٤٣ . ٦١١ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام ذلك موضوعٌ خاص بفلاسفة اليونان ، ومجالٍ تفكيرهم ، ودراستهم ، يقول: ((لكنْ لهمْ معرفةٌ جيدة بالأمور الطبعية ، وهذا بَحرُ علمهم، وله تفرغوا ، وفيه ضيَّعوا زمانهم)) (١) . إنَّه يُبدي رأيه في العلم الرياضي لليونان ، يقول في كتابه الشهير ((الرد على المنطقيين)» : («فهذه الأمورُ وأمثالُها مما يتكلَّم فيه الحُسَّاب أمرٌ معقول مما يشترك فيه ذوو العقول ، وما من أحد من الناس إلا يَعرف منه شيئاً ، فإنه ضروري في العلم ، ضروريٌّ في العمل ، ولهذا يُمثِّلون به في قولهم: الواحد نصف الاثنين ، ولا ريب أن قضاياه كلِّية واجبة القبول، لا تَنتقِض ألبتَة)) (٢). فلسفة الإلهيات ، المجالُ الرئيسيُّ للخلاف: إنَّ الجانبَ المهم الذي يُعارضه ابن تيمية في فلسفة اليونان هو جانب ((الإلهيات)) إنَّه يؤكد عجزَ فلسفة اليونان عن إدراك سرِّ الإلهيات، وفقرها، وقلة بضاعتها في ذلك ، ويُثبت مرة أخرى إخفاق فلاسفة اليونان ، وخيبتَهم ، وجهلَهم بذلك ، إنه يعتقد: أنَّ هذا الجانب المهم لم يكن مجالاً لفلسفة اليونان ، ولا مضماراً لتفكير فلاسفتها، وموضع بحثٍ لدراستهم ، وإنَّهم بخوضهم في هذا الموضوع إنما تعدّوا حدُودهم ، ومَهَّدوا الطريق لتحقير شأنهم ، والضحك عليهم يقول: (للمُتَفْسِفة في الطبعيَّات خوضٌ، وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات ، فإنهم أجهلُ الناس بها ، وأبعدُهم عن معرفة الحق فيها ، وكلامُ أرسطو معلِّمهم فيها قليلٌ كثيرٌ الخطأ)) (٣). (١) تفسير سورة الإخلاص: ص ٥٧ . (٢) الرد على المنطقيين: ص ١٣٤ . (٣) معارج الوصول: ص ١٨٦ . ٦١٢ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وفي موضع آخر حيث يعترف باطّلاعهم على الطبيعيات ، ويذكر إفلاسهم في الإلهیات یقول: ((وأمَّا معرفةُ الله تعالى فحظُهم منها مَبخوسٌ جداً ، وأما ملائكتُه، وكتبه ، ورسُله؛ فلا يعرفون ذلك ألبتة ، ولم يتكلَّموا فيه لا بنَفي ، ولا بإثبات ، وإنما تكلّم في ذلك متأخروهم الداخلون في الملل)) (١) . يقولُ ابن تيمية: إنَّ أساطين فلسفة اليونان ، وأركانَها يعترفون هم أنفسُهم بأنَّهم لا يملكون وسائل ، ومبادىءَ اكتساب هذا العلم ، وصرّحوا بأن التوصل إلى اليقين في هذا الموضوع يصعبُ عليهم أيَّما صعوبة ، يقول: ((بل قد صرَّح أساطين الفلسفة: أنَّ العلوم الإلهية لا سبيل فيها إلى اليقين ، إنما يُتكلم فيها بالأحرى والأَخْلق ، فليس لهم فيها إلا الظَّن ، وإن الظنَّ لا يُغني من الحق شيئاً» (٢). المُقارنةُ بين الإلهيات اليونانية وعلوم الأنبياء وتعاليمِهم: إنَّه يتعجَّب حينما يتناول مباحثَ العلوم الإلهية لفلسفة اليونان ، وأقوال فلاسفتهم الذين يُقرنونها بالعلوم والحقائق التي يأتي بها الأنبياء عليهم السلام ، يقول في حماسٍ زائد وقوةٍ بالغة: ((إذا نَظر في كلام مُعلُّمهم الأول - أرسطو - وتَدبَرهُ الفاضلُ العاقل لم يُفِذْه إلا العلم بأنهم كانوا من أجهلِ الخلق برب العالمين ، وصار يتعجَّب تَعجُّباً لا ينقضي ممن يقرنُ عِلمَ هؤلاء بالإلهيات بما جاءت به الأنبياء ، ويرى: أنَّ هذا من جنس من يقرِن الحدَّادين بالملائكة ، بل من يقرن دهاقين القُرى بملوك العالم ، فهو أقرب إلى العِلم والعدل ممن يَقرن هؤلاء بالأنبياء ، فإنّ دُهقان القرية مُتَولِّ عليها كتولِّي الملكَ على مملكته ، فلَه جُزءٌ من المُلك)». (١) تفسير سورة الإخلاص: ٥٧ . (٢) نقض المنطق ص ١٨٧ . ٦١٣ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام ((وأمّا ما جاءت به الأنبياء؛ فلا يَعرفه هؤلاء ألبتة ، وليسوا قريبين منه ، بل كُفَّار اليهود ، والنصارى أعلمُ منهم بالأمور الإلهية ، ولست أعني بذلك ما اختصَّ الأنبياء بعلمه من الوحي الذي لا يناله غيرهم ، فإن هذا ليس من علمهم، ولا من علم غيرهم ، وإنما أعني العلومَ العقلية التي بيَّنها الرسلُ للناس بالبراهين العقلية في أمر معرفة الرب وتوحيده ، ومعرفةِ أسمائه وصفاته ، وفي النُّبوات والمعاد ، وما جاؤوا به من مصالح الأعمال التي تُورِث السعادة في الآخرة ، فإن كثيراً من ذلك لم يشموا رائحتها ، ولا في علومهم ما يدل عليها ، وأما ما اختصتِ الرسل بمعرفته ، وأخبرتْ به من الغيب؛ فذلك أمر أعظم من أن يُذكر في ترجيحه على الفلسفة ، وإنما المقصود الكلام في العلوم العقلية، دع ما جاءت به الأنبياء فإنَّه مرتبة عالية)) (١). جَهْلُ فَلاسفةٍ اليُونان وإنكارهم: وَيشرحُ ابنُ تيمية الأسباب التي دعتْ فلاسفة اليونان إلى الجهل بالعلوم الإلهية ، وقِصر باعهم فيها، وفي كثيرٍ من الحقائق الغيبية، وإنكارٍ الموجودات ، يقول: ((أمَّا الغيب الذي تُخبر به الأنبياء، والكُلِّيات العقلية التي تَعم الموجودات كلها ، وتقسِم الموجودات قِسمةً صحيحة؛ فلا يعرفونها ألبتة ، فإن هذا لا يكون ممن أحاطَ بأنواع الموجودات وهم لا يعرفون إلا الحساب ، وبعض لوازمها ، وهذا معرفةٌ بقليل الموجودات جداً ، فإنَّ ما لا يشهده الآدميون من الموجودات أعظمُ قدراً وصفة مما يشهدونه بکثیر . ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفَتْهُ الفلاسفة إذا سمعوا إخبار الأنبياء بالملائكة ، والعرش ، والكرسي ، والجنة ، والنار ، وهم يظنون أنْ لا موجود إلا ما علموه ، وهم والفلاسفة يصيرون حائرين متأوِّلين لكلام الأنبياء على ما عرفوه ، وإن كان هذا لا دليل عليه ، وليس لهم بهذا النفي عِلم ، فإنَّ عدم (١) الرد على المنطقيين: ص ٣٩٤ - ٣٩٥. ٦١٤ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام العلم ليس علماً بالعدم ، لكن نفيهم هذا كنفي الطبيب للجن؛ لأنه ليس في صناعة الطِّب ما يَدُكُّ على ثبوت الجن ، وإلا فليس في علم الطب ما ينفي وُجُودَ الجن . وهكذا تجد من عرف نوعاً من العلم، وامتاز به على العامة الذين لا يعرفونه ، فيبقى بجهله نافياً لما لا يعلمه، وبنو آدم ضَلالُهم فيما جحدوه ، ونفُوه بغير علم أكثرُ من ضلالهم فيما أثبتوه، وصدَّقوا به ، قال تعالى: : بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيَّهُ ﴾ [ يونس: ٣٩])) (١). اليُونان عُبَّاد الكواكب والأوثان: يَتَبيَّنُ من تاريخ يونان القديم: أنَّ يونان التي مَنحتِ العالم تُراثاً واسعاً من العلوم الطبيعية والرياضية ، وتولَّت قيادة الدنيا العقلية والفكرية لآلاف من السنين ، ظلَّت تعبد الكواكب والأصنام في مُعظم أجزاء تاريخها ، وكانت فريسَة الأوهام والخرافات الكثيرة. إنَّ التاريخ الجديد قد أزاح الستار عن وجه عِلم الأصنام في اليونان ، ووثنيَّتها القومية ، فلم يعدِ الآن من شك: أنَّ يونان القديمة كانت ترزح تحت نير الآلهة والإلهات ، ومعابد الكواكب ، وهياكلها ، إنَّ فلسفة اليونان التي وصلت إلى العالم الإسلامي عن طريق الترجمة ، ثم انتقلت إلى أوربة إنما هي مُصطبغة بصبغة الوثنية ، وعبادة الكواكب هذه ، لقد نقل فلاسفة اليونان عقائدَهم الدينية ، وأفكارهم المشركة إلى مُصطلحات الفلسفة الهائلة ، وتلقَّاها علماءُ الفلسفة المسلمون - الذين لم يكونوا مطّلعين على تاريخ اليونان الديني - كحقائق علمية ، وجعلُوها موضع دراستهم ، وتفكيرِهم ، وبذلوا جهودهم لإثباتها . وممّا يدل على ذكاء ابن تيمية ، وألمعيَّته: أنَّه كشف الستار عن هذه النقطة قبل قرون ، يقول : (١) تفسير سورة الإخلاص: ص ٦٠ - ٣٥٦. ٦١٥ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام ((أمَّا قُدماء اليونان؛ فكانوا مشركين من أعظم الناس شِركاً ، وسحراً ، يعبدون الكواكب ، والأصنام ، ولهذا عَظُمتْ عناياتهم بعلم الهيئة ، والكواكب لأجلٍ عبادتها ، وكانوا يَبنون لها الهياكل)) (١). ويقول في موضع آخر : «ولهذا كان رُؤوسهم المتقدمون ، والمتأخّرون يأمرون بالشرك ، فالأَولون يُسمُّون الكواكب الآلهة الصغرى ، ويَعبدونها بأصناف العبادات ، كذلك كانوا في مِلَّة الإسلام لا ينهون عن الشرك، ويُوجبون التوحيد ، بل يُسوِّغون الشرك، ويأمرون به ، أو لا يُوجبون التوحيد)) (٢). الفَرْقُ بين المتقدّمين والمتأخرين من فلاسفة اليونان: وممَّا يُؤكِّد دِقَّة الفهم، وحُسن التوصل إلى الحقيقة لدى ابن تيمية: أنَّه قام بالتَّفريق بين المتقدمين والمتأخرين من فلاسفة اليونان ، إنه يعتقد: أنَّ المتقدمين على ((أرسطو)) كانوا أقربَ إلى فهم الحقائق الغيبية ، ومعرفةٍ المفاهيم الدينية وأفكارها؛ إذ لا يتجلى فيهم ذلك الاتجاه نحو رَفْضٍ الحقائق الغيبية وإنكارها الذي يتجلى في أرسطو بكلِّ وضوح ، إنه يقول في موضع : («هؤلاء المتفلسفة أتباعُ أرسطو لم يَسلُكوا مسلك الفلاسفة الأساطين المتقدمين ، فإن أولئك كانوا يقولون بحدوث هذا العالم ، وكانوا يقولون: إن فوق هذا العالم عالماً آخر يصفونه ببعض ما وصف النبي وَلّ الجنة ، وكانوا يُثبتون معاد الأبدان كما يوجد هذا في كلام سقراط ، وتاليس ، وغيرهما من أساطين الفلاسفة)) (٣). (١) تفسير سورة الإخلاص: ص ٦٠ - ٣٥٦. (٢) نقض المنطق: ص ١٧٧ . (٣) تفسير سورة الإخلاص: ص ٦٧ . ٦١٦ الفصل الثانى: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام أَرسطو أبعدُ عن الحقائق الدِّينية: وسَببُ هذا الفرق الذي يراه ابن تيمية بين المتقدمين منهم ، والمتأخرين هو: أنَّ المتقدمين من هؤلاء الفلاسفة اتفقتْ لهم السياحةُ في البلدان التي بُعث فيها الأنبياء عليهم السلام ، فتسنَّى لهم الاطلاع على الحقائق الدينية ، أما أرسطو فلم يَتَّفْق له ذلك ، إنه يتحدث عن ذلك روايةً عن بعض المؤرخين : ((وسببُ ذلك ما ذكره طائفة ممَّن جمع أخبارهم: أنَّ أساطين الأوائل - كفيثاغورس ، وسقراط ، وأفلاطون - كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام ، ويَتلقَّون عن لقمان الحكيم ومن بعده من أصحاب داود ، وسليمان ، وأنَّ أرسطو لم يُسافر إلى أرض الأنبياء ، ولم يكنْ عنده من العلم بأثارةِ الأنبياء ما عند سلفه ، وكان عِنده قدر يسيرٌ من الصائِئيّة الصحيحة ، فابتدَع لهم هذه التعاليم القياسية ، وصارت قانوناً مشى عليه أتباعُه)) (١). ومِن سوء الحظّ: أنَّ فلسفة أرسطو هي التي نالتْ رواجاً في العالم الإسلامي ، وهي التي اشتهرت في العهد الأخير بفلسفة اليونان ، يقول ابن تيمية : ((ولكنَّ هذه الفلسفة التي يسلكها الفارابي، وابن سينا ، وابن رشد ، والسَّهرورديُّ المقتول ، ونحوه فلسفة المشَّائين ، وهي المنقولة عن أرسطو الذي يُسُّونه المعلِّمَ الأول)) (٢). مَكانة الإله في الفلسفة اليونانية: وفي فلسفة أرسطو هذه لم تعد فكرة الإله ، وذاتِه إلا وجوداً ذهنياً فقط ، يقول : ((فإذا تصوَّر العاقل أقوالهم حق التَّصوُّر؛ تَبيَّن له: أنَّ هذا الواحد الذي (١) نقض المنطق: ص ١١٣. (٢) الرد على البكري: ص ٢٠٦ . ٦١٧ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام أثبتوه لا يُتصور وجوده إلا في الأذهان، لا في الأعيان)) (١). إنَّ أسلوب المبالغة الذي اتَّخذه الفلاسفة في بيان النفي لأفعال الإله ، وصفاته ، وفي تجريده عن جميع صفات الكمال، وعن المحاسن ، والامتيازات التي يتمتع بها أدنى الخلق ، يعتقدُ ابن تيمية على أساس هذه الاعتقادات الفاسدة: أنَّه لا يُمكن إهانةُ الله أكثر من هذا ، إنَّه يتحدث عن هذه الحقيقة ضمن ما ينقل من الأقوال: ((لقد أحسَن بعضُ الفضلاء؛ إذ قال: الصَّفعُ أحسن من توحيد الفلاسفة ، بل قصَّرَ فيما قال)) (٢) . فَلاسفةُ الإسلامِ مُقلِدون بَحتّ لليونان: إنَّه يرى: أنَّ المتأخِّرين من الفلاسفة الذين نشؤوا في العَهد الإسلامي إنما هم مُقلّدون عميان لأرسطو وفلسفته ، وبتَقيُّدهم بالتقليد تقع منهم أخطاء فاحشة كبيرة ، ويُوجد في كلامهم تناقض شديد ، يشكو ابن تيمية تألمه الشديد ، ويُبدي عتابه على هؤلاء الفلاسفة المسلمين الذين جَحدوا تلك النعمة التي وصلت إليهم عن طريق رسول الله وَّر، ولم يستفيدوا من نور الهداية الذي كان بمتناول أيديهم ، بل إنهم أرادوا أن يَحجُبوا ذلك النور ، ويحولوا دون ضیائه ، يقول: ((إنَّ هؤلاء المتفلسفة المتأخرين في الإسلام من أَجهل الخلق عند أهل العلم والإيمان ، وفيهم من الضَّلال ، والتناقض ما لا يخفى على الأذكياء الصبيان؛ لأنهم لما التزموا ألَّ يسلكوا إلا سبيل سَلَفهم الضالين، وألَّ يُقروا إلا بما يَبْنُونه على تلك القوانين ، وقد جاءهم من النور والهدى والبيان ما ملأ القلوب ، (١) تفسير سورة الإخلاص: ص ٣٧. (٢) الرد على المنطقيين: ص٢٢١. ٦١٨ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام والألسنة ، والآذان ، صاروا بمنزلة من يُريد أن يطفئ نور الشمس بالنَّفخ في الهَباء، أو يُغطي ضوءها بالعَباءِ)) (١). ابنُ سينا جاهلٌ بحقيقة النبوة وَمنْصِبها: إنَّ الفلاسفة الذين حاولوا شرح الحقائق الغيبية ، والعقائد الدينية تقليداً للفلسفة ، واتباعاً لأرسطو ، وأرادوا تفهم هذه الحقائق والعقائد ، وإفهامها في ضوء الفلسفة ، ومعتمدين عليها؛ يتناولهم ابنُ تيمية بنقدٍ لاذع ، ولا يترك في ذلك حتى أولئك الفلاسفة الذي يُسمَّون بحكماء الإسلام ؛ إذ أن هذه الحقائق والعلوم الغَيبية لا تُدرك بمساعدةِ فلسفة اليونان ، ومُجرَّد أصولِها ومبادئها ، إنَّه ينتقد قبل كل شيء ابنَ سينا الذي يُعتبر خليفةَ أرسطو الكبير في الشرق الإسلامي ، وشارحَ فلسفته العظيم ، يقول: ((بيَّن ابنُ سينا أمرَ النبوة: أنها من قوى النفس، وقوى النفوس متفاوتةٌ ، وكل هذا كلامُ من لا يَعرف النبوة ، بل هو أجنبيٌّ عنها ، وهو أنقصُ ممن أراد أَن يقرر: أنَّ في الدنيا فقهَاء ، وأطباء ، وهو لم يعرف غير الشعراء ، فاستدلَّ بوجود الشُّعراء على وجود الفقهاء ، والأطباء ، بل هذا المثال أقربُ ، فإن بُعْدَ النبوة عن غير الأنبياء أعظمُ من بُعد الفقيه ، والطبيب عن الشاعر ، ولكنَّ هؤلاء من أجهل الناس بالنبوة ، ورأوا ذكر الأنبياء قد شاع فأرادوا تخريجَ ذلك على أُصول قومٍ لم يعرفوا الأنبياء)» (٢). ويقولُ في موضعٍ آخر: ((وأبعَدُ هؤلاء عن النَّبوةِ المتفلسفةُ ، والغلاة ، والملاحدةُ ، فإنَّ هؤلاء لم يَعرفوا النبوة إلا من جهة القَدْر المشترك بين بني آدم وهو المنام ، وليس في كلام أرسطو، وأتباعه كلامٌ في النُّبوة ، والفارابي جعلها من جنس المنامات فقط ، ولهذا يُفَضِّل هو وأمثالُه الفيلسوفَ على النبي ، وابنُ سينا (١) الرد على البكري: ص ١٦٨ . (٢) النبوات: ص٢٢ . ٦١٩ الفصل الثانى: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام عظّمها أكثر من ذلك ، فجعل للنبيّ ثلاث خصائص : إحداها: أن ينالَ العلم بلا تَعلم ، ويُسميها القوة القدسية ، وهي القوة الحَدسيَّة عنده . والثاني: أن يتَخيّل في نفسه ما يعلمُه، فيرى في نفسه صُوراً نورانيةً ، ويَسمع في نفسه أصواتاً، كما يرى النائم في نومه صوراً تُكلِّمه ، ويَسمعُ كلامهم ، وذلك موجود في نفسِه لا في الخارج. فهكذا عند هؤلاء جميعُ ما يختصُّ به النبيُ ممَّا يراه ، ويسمَعُه دون الحاضرين ، إنما يراه في نفسه ويسمعُه في نفسه ، وكذلك المَمرورُ عِندهم. والثالث: أن يكون له قوة يتصرَّف بها في هيولى العالم بإحداثٍ أمور غريبة ، وهي عندهم آياتُ الأنبياء ، وعندهم ليس في العالم حادث إلا عن قُوةٍ نفسانية ، أو ملكية ، أو طبعية ... وهؤلاء عندهم جميع ما يَحصُل في نفوس الأنبياء إنما هو من فَيض العَقل الفعَّال. ثم إنَّهم لمّا سمعوا كلام الأنبياء؛ أرادوا الجمعَ بينه وبين أقوالهم ، فصاروا يأخذون ألفاظ الأنبياء ، فيضَعونها على معانيهم ، ويُسمُّون تلك المعاني بتلك الألفاظ المنقولة عن الأنبياء ، ثم يتكلمون ويصِفون الكتب بتلك الألفاظ المأخوذة عن الأنبياء ، فيظن من لم يعرفْ مُراد الأنبياء ومرادَهم: أنَّهم عَنوا بها ما عَنَتْهُ الأنبياء ، وضلَّ بذلك طوائفُ ، وهذا موجود في كلام ابن سينا ، ومَن أخذَ عنه)) (١) . نقْصُ عِلْم الكَلام وتَردُّد المُتكلِّمين: لا يَكتفي شيخُ الإسلام ابنُ تيمية بتوجيه انتقاده إلى فلاسفة اليونان ومقلّديهم من متفلسفي الإسلام فحسب ، بل يتعدَّاهم إلى أولئك المتكلمين الذين وإن حاولوا الدفاع عن الإسلام إلا أنهم اتخذوا أساليب الفلسفة ، (١) النبوات: ص ١٦٨. ٦٢٠ الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام ومقدماتها ، ومُصطلحاتها الناقصة المحدودة لإحقاق الحقائق الغيبية الدينية التي كانت تختص بمفاهيمها الخاصة ، وكانت ترتبط بها تقاليدُ ، وانطباعاتٌ خاصة ، إنه يقول في «كتاب النبوات)): ((كلامُهم في الخَلْق، والبَعْثِ ، والمَبدأ، والمعاد ، وفي إثبات الصانع ليس فيه تحقيق العلم لا عقلاً، ولا نقلاً، وهم مُعترفون بذلك كما قال الرازي: ((لقد تأملتُ الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تَشفي عليلاً، ولا تَروي غليلاً، ورأيتُ أقرب الطرق طريقةَ القرآن ، أقرأ في النفي ◌ْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. وأقرأ في الإثبات ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ اُلَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ﴿ءَأَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، ثم قال: ومَن جَّب مثل تجربتي؛ عرف مِثَل معرفتي ، وكذلك الغزاليُ ، وابنُ عقيل ، وغيرهما يقولون ما يُشبه هذا، وهو كما قالوا)) (١). ويقول في موضع آخر : ((وسَببُ ذلك إعراضُهم عن الفطرة العقلية، والشرعة النبوية بما ابتدعه المُبتدعون، ممَّا أفسدوا به الفطرة، والشِّرعة، فصاروا يُسفسِطون في العقليات ، ويُقرمِطون في السمعيات)) (٢). ويَتحدَّث عن مواضع الضَّعف في المُتكلمين ، فيذكر أسئلتهم ، وشُبهاتِهم في غاية من القوة غالباً ، وأجوبتُها ضعيفةٌ بالنسبة إليها في بعض الأحيان ، إنه يرى: أنَّ ذلك أحياناً يصيب أولئك الذين يعتقدونهم مُدافعين عن الإسلام ومُمثِّليه بأضرار بالغة ، والذين لا يدورون في دراستهم إلا في فَلَكهم ، إنَّه يقول: (لمَّا تكلَّموا في إثبات النبوة؛ صاروا يُورِدُون عليها أسئلة في غاية القوة (١) النبوات: ص ١٤٨ . (٢) المرجع السابق: ص ١٤٨ .