النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
أركان الإصلاح والتجديد الأربعة
في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية
الدَّور الذي مثَّله شيخُ الإسلام ابن تيمية في تاريخ الإسلام الدعويِّ الفكريِّ
- وإن كان ذا جوانب علمية وعملية كثيرةٍ - يمكن توزيعه في أربعة أجزاء ، تلك
التي لها أهميةٌ خاصة في تاريخ الإصلاح والتجديد ، وهي كما يلي:
١ - تجديدُ عقيدة التوحيد ، وإبطال العقائد والتقاليد المشركة.
٢ - نَقْدُ الفلسفة، والمنطق، وعلم الكلام، وترجيحُ منهج الكتاب
والسنة ، وأسلوبهما على كل منهج وأسلوب.
٣ - الرَّدُّ على الفرق، والمِلَل غير الإسلامية، ومقاومة عقائدِها،
وتقاليدها ، وتأثيرها.
٤ - تجديدُ العلوم الشرعية ، وبعثُ الفِكر الإسلامي.

٥٨٣
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
الفصل الأوَّل
تجديد التوحيد
و
وإبطالَ العقائد والتقاليد الشركية
العقائد والتقاليد في عهد ابن تيمية:
كانت العقائدُ والتقاليدُ المشركة قد نالتْ رواجاً بين عامة المسلمين
باختلاطهم مع غير المسلمين ، والعَجم ، ونُفوذ الحكومة الباطنية ، وتأثيرها ،
وانتشار تعليماتِ الجهلَة ، والضالة من الصوفية وأعمالهم.
فقد وُجد عددٌ وجيهٌ من المسلمين في ذلك الحين يعتقدون في أئمة دينهم ،
ومشايخهم ، والأولياء، والصالحين منهم من الاعتقادات الفاسدة ، ويحملون
من الأفكار المشركة ما كان يعتقده اليهود ، والنصارى في عُزير ، والمسيح
عليهما السلام ، وأحبارهم ، ورُهبانهم.
وكلُّ ما كان يدور حول قبور الأولياء ، والمشايخ إنما كان تقليداً ناجحاً
للأعمال ، والتقاليد التي كانت تُنجز في معابد غير المسلمين ، وقبور
المقدسين عندهم ، فالاستغاثة بهم، والاستعانة بهم ، ومَدُّ يد الطلب ،
والضراعة إليهم ، كل ذلك كان عاماً شائعاً بينهم.

٥٨٤
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
كما عمَّت عادةُ بناء المساجد الفخمة على قبورهم ، وجَعلِها مسجداً ،
وعَقْدُ المهرجانات عليها عاماً فعاماً ، وقطع المسافات الطويلة للوصول إليها .
وقد تفاقمتْ هذه العقائدُ السيئةُ ، وانتشرت هذه البدع ، والمنكرات في
أواخر القرن السابع بشكل فظيع ، ولكي نُقدّر مدى هذا الفساد نُقدِّم مقتطفات
من مؤلفات شيخ الإسلام وكتاباته نفسه ، فقد تناول فيها ذكر بعض الضلالات
الشائعة في عصره ضِمن بحث أو رَدَّ على سؤالٍ ، وهي تشير بعض الشيء إلى
الانحطاط الديني ، والهجمات التي شنتها الجاهلية على قلب الإسلام في ذلك
العصر ، يقول:
((وآخرون قد جعلوا الميِّتَ بمنزلة الإله ، والشيخَ الحيّ المتعلَّق به كالنبيِّ ،
فمِن الميتِ يُطلب قضاء الحاجات ، وكشف الكُربات ، وأما الحيّ فالحلال ما
حلَّله ، والحرام ما حرَّمه ، وكانوا في أنفسهم قد عزلوا الله عن أن يتخذوه
إلهاً، وعزلوا محمداً ◌ٍَّ عن أن يتخذوه رسولاً ، وقد يجيء الحديث العهد
بالإسلام أو التابعُ لهم لحُسن الظن بهم، أو غيره يطلب من الشيخ الميِّت إما
دفعَ ظُلم ملك يريد أن يظلمه ، أو غير ذلك ، فيدخل ذلك السادن فيقول: قد
قلت للشيخ ، والشيخُ يقول للنبي ، والنبي يقولُ لله ، والله قد بعث رسولاً إلى
السلطان فلان ، فهل هذا إلا محض دين المشركين ، والنصارى؟! وفيه من
الكذب والجهل مالا يستجيزُه كل مشرك ، ونصراني، ولا يروج عليه ،
ويأكلون من النذور ما يؤتى به إلى قبورهم ما يدخلون به في معنى قوله تعالى
﴿﴿إِنَّ ككَثِيرًامِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْ كُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) [التوبة: ٩].
عبادة القُبور السافرة:
((فطائفةٌ مِن هؤلاء يُصلُّون إلى الميت ، ويَدعو أحدُهم الميّتَ ، فيقول:
اغفر لي ، وارحمني ، ونحو ذلك ، ويسجد لقبره.
(١) الرد على البكري: ص ٢٩٨.

٥٨٥
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
ومنهم من يستقبل القبرَ ، ويُصلِّي إليه مستدبراً الكعبة ويقول: القبرُ قِبلة
الخاصة ، والكعبة قِبلة العامة ، وهذا يقولُه من هو أكثرُ الناس عبادة وزهداً
وهو شيخ متبوعٌ ، ولعله أمثلُ أتباع شيخه يقوله في شيخه .
وآخَر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق ، والاجتهاد في
العبادة ، والزهدِ يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ ، فيعكف
علیه عكوف أهل التماثيل.
وجمهورُ هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرّقة ،
والخشوع ، والدعاء ، وحضور القلب ما لا يجد أحدهم في مساجد الله تعالى
التي أذن أن تُرفع ويذكر فيها اسمُه » (١).
يَخْشَونَ القبُور وأصحابها ولا يَخْشَونَ الله:
(«حتى إن طائفة من أصحاب الكبائر الذين لا يتَحاشون فيما يفعلونه من
القبائح كان إذا رأى قُبة الميت ، أو الهلال الذي على رأس القبة خشي من فعل
الفواحش ، ويقول أحدهم لصاحبه: ويحَك هذا هلال القبة ، فيخشون
المدفون تحت الهلال ، ولا يخشون الذي خلق السموات والأرض ، وجعل
أهلَّة السماء مواقيتَ للناس ، والحج.
وهؤلاء إذا نُوظروا خوَّفوا مناظِرَهم كما صنع المشركون بإبراهيم عليه
السلام، قال تعالى: ﴿وَحَجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَجُونٍِّ فِ اَللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَا أَخَافُ مَا
تُشْرِكُونَ بِهِةٍ إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبِ شَيْئًا وَسِعَ رَبِ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًّا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ
وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ
سُلْطَانًا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمْنِّ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُم
بِظُلْمٍ أُوْلَبِكَ لَهُمُ الْأَمَّنُّ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠ -٨٢].
(١) الرد على البكري: ص ٢٩٥.

٥٨٦
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
الاستخفافُ بشعائر الله والاستهزاءُ بالله:
((وهؤلاء الذين اتَّخذوا القبور أوثاناً تجدهم يستهزئون بما هو من توحيد الله
تعالى وعبادته ، ويُعظّمون ما اتخذوه من دون الله شفعاءً؛ حتى إن طوائف منهم
يستخفُّون بحج البيت وبمن يَحُّ البيت ، ويرون أن زيارة أئمتهم وشيوخهم
أفضل من حج البيت ، وهذا موجود في الشيعة وفي المنتسبين إلى السنة ،
وآخرون يسْتخفون بالمساجد ، وبالصلوات الخمس فيها ، ويرون أن دعاء
شيخهم أفضل من هذا، وهذا موجود في الشيعة المنتسبين إلى يونس القيسي
حتی إنهم ينشدون:
ونَجعَلْ فيه خَمَّارَه
تعالوا نخربِ الجامعْ
ونَجْعَل منه طِنْبَارَةْ
تعالوا نَكْسِر المِنبر
ونَجِعْلْ مِنهُ زَقَّارَه
تعالوا نَخْرِقِ المُصحَفْ
ونَجْعَلْ منهُ أوتارَهْ (١)
ونَنْتِِفْ لِحِيةَ القَاضي
وَقَاحَةُ المُشركين وجُرأتُهم:
((ويَحلِفُ أحدُهم اليمين الغموس كاذباً، ولا يجترىء أن يحلف بشيخه
اليمين الغموس كاذباً ، ومنهم من يقول: كل رزق لا يرزقه إياه شيخه
لا يريده ، ومنهم من يذبح الشاة ، ويقول: باسم سيدي ، ومنهم من يقول: إن
شيخه أفضل من الأنبياء والمرسلين ، ومنهم من يعتقد فيه الإلهية كما يعتقده
النصارى في المسيح ، فإذا ذكروا شيخهم؛ عظَّموه، وادعوا فيه الإلهية ،
وأنشدوا على لسانه:
مُوسى على الطُّور لما خَرَّ لي ناجى وصاحِبُ الثُّرب أنا جئتُه حتى جا
ولهم أيضاً:
وأنا صرختُ في العرش حتى ضجّ وأنا حملتُ على علي حتَّى هج
وإنَّ البحار السبعة من هَيْبتي تَرتَجّ)»
(١) الرد على البكري: ص ٢٥١.

٥٨٧
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
العقيدة بألوهية المشايخ:
((وهؤلاء يجعلون الرسلُ، والمشايخ يُدبرون العالم بالخلق ، والرزق ،
وقضاء الحاجات ، وكشف الكربات ، وهذا ليس من دين المسلمين ، بل
النصارى تقول هذا في المسيح وحده لشُبهة الاتحاد والحلول ، ولهذا لم يقولوا
ذلك في إبراهيم ، وموسى ، وغيرهما من الرسل مع أنهم في غاية الجهل في
ذلك)) (١).
((ومِن هؤلاء مَن يظن: أن القبر إذا كان في مدينة ، أو قرية؛ فإنهم ببركته
يُرزقون ، وينصرون ، وأنه يندفع عنهم الأعداء ، والبلاء بسببه ، ويقولون عمن
يعظمونه: إنه خفير البلد الفلاني ، كما يقولون: السيدة نفيسة خفيرة مصر
القاهرة ، وفلان ، وفلان خفراء دمشق ، أو غيرها ، وفلان خفير حران ، أو
غيرها ، وفلان ، وفلان خفراء بغداد ، أو غيرها ، يظنون: أن البلاء يندفع عن
هذه المدائن والقرى بمن عندهم من قبور الصالحين ، أو الأنبياء)) (٢).
((حتى إنَّ العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون
بالموتى عند القبور التي يرجُون عندها كشف ضرِّهم ، وقال بعضُ الشعراء:
يا خَائفينَ مِنَ الثَّتَزْ لُوذوا بِقَبْرِ أبي عُمَز
أو قال:
عُوذُوا بقَبْرِ أبي عُمَرْ يُنجِيكُمُ مِنَ الضَّرَرْ
فتنةُ المشاهد:
وكانت النتيجةُ الحتميةُ لهذا الإجلال والتعظيم أن تتزايد أهميةُ المشاهد
بإزاء المساجد ، وتتحوَّل المشاهد مزارات الجهلة ، ومراكز قضاء الحاجات ،
والاستغاثة بها لدى هذه الطبقة ، فقد انتشرت هذه المشاهدُ، والمزاراتُ في
(١) الرد على البكري: ص ٣٢٨.
(٢) الرد على الأخنائي: ص ٨٢ - ٨٣.

٥٨٨
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
كل ركن من أركان العالم الإسلامي ، ووُجدت آلاف مؤلفة من القبور
المزورة ، وتصدَّى الأمراء ، والسلاطين لوقف الممتلكات والأراضي الواسعة
عليها ، وأقيمتْ عمارات ضخمة ، وقباب فخمة في أمكنة هذه القبور ،
ومشاهد المشايخ ، كما وُجدت أمة بأسرها من العاكفين، والكنَّاسين ،
والخدم لهذه القبور ، ونالتِ الرحلة إليها كلَّ إعجاب ، واهتمام ، حتى بدأت
تصل قوافل الحجاج إليها من مسافات بعيدة تضارع قوافل الحجيج إلى بيت
الله، بل تفوقها بعض الأحيان في الشوكة، والزينة ، وتحوَّل إقبالُ عامة
المسلمين من المساجد إلى هذه المشاهد.
وفي القرنين السابع ، والثامن دخلتْ هذه المشاهدُ ، والضرائحُ في حياة
المسلمين الدينية ، ونالت عندهم من القبول ، والمركزية ما جعلها تُنافس بيت
الله، وتتحدَّاه ، ونستطيع أن نقدِّر مدى خطورة فتنة المشاهد هذه، وتَغلغل
جذورها في أحشاء المجتمع ، وكم كان للجَهلة من المسلمين ، والانتهازيين
من علاقةٍ عميقة بها عن طريق كتابات ابن تيمية ، ومؤلفاته.
ومن الأسباب التي أدَّت دوراً هاماً في توسّع هذه الفتنة ، وتأصلها: أن
الدولة الباطنية (١) حكمت قروناً طويلة في رُقعة تمتد من المغرب الأقصى إلى
مصر والشام ، وما يعرفه الجميع: أن أهل الرفض والتَّشيّع كانوا يتصلون
بالمشاهد أكثر منهم بالمساجد ، وبالنجف ، والكربلاء، والمشهد أكثر منهم
بالحرمين الشريفين.
ولو أنَّ دولة مصر الفاطمية كانت قد انتهت قبل ولادة ابن تيمية ، إلا أن
تأثيرها الفكري والحضاري لم ينته بعد ، وبخاصة في الشام فقد وُجد فيها عدد
كبير من الشيعة ، والباطنية ممن لم تكن صحبتهم تخلو من تأثير سيِّىءٍ على
العامة والجهلة من المسلمين.
كما أنَّ التصوُّف الدخيل الذي ابتعد عن تعاليم الإسلام في العصر الأخير
(١) وتعرف بوجهٍ عامٍّ باسم الدولة الفاطمية ، والحقيقة أنها دولة العبيدية.

٥٨٩
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
الذي تحتل فيه المشاهد والضرائح محلاً خاصاً من الأهمية والتقديس ، وتنعقد
عليها اجتماعات سنوية ، سبَّبت ازدهارها ، حتى غدت وسيلة كبرى من
وسائل الشرك ، والبدع، يقول الإمام ابن تيمية وهو يتحدث عن هذه المشاهد
والقبور :
الحَجُّ إلى المشاهدِ والقبور:
((وآخرون يَحُّون إلى القبور ، وطائفةٌ صنَّفوا كتباً ، وسمّوها مناسك حجِّ
المشاهد ، كما صنَّف أبو عبد الله محمد بن النعمان الملقَّب بالمفيد أحد شيوخ
الإمامية كتاباً في ذلك ، وذكر فيه من الحكايات المكذوبة على أهل البيت ما
لا يخفى كذبه على من له معرفةٌ بالنقل ، وآخرون يُسافرون إلى قبور المشايخ ،
وإن لم يُسمَّوا ذلك منسكاً وحجاً ، فالمعنى واحد ، ومن هؤلاء من يقول:
وحقِّ النبي الذي تحجُّ إليه المطايا ، فيجعلُ الحج إلى النبي لا إلى بيتِ الله
عز وجل)) (١).
التَّرجيح على الحجّ إلى الكعبة:
((ومِن هؤلاء من يُرَجِّحُ الحج إلى المقابر على الحجِّ إلى البيت ، لكن قد
يقول أحدهم: إنك إذا زُرت قبر الشيخ مرتين أو ثلاثاً؛ كان كحجةٍ، ومن الناس
من يجعل مقبرة الشيخ بمنزلة عرفات ، يُسافرون إليها وقت الموسم ، يُعرِّفون
بها كما يُعرِّف المسلمون بعرفات ، كما يفعل هذا في المغرب ، والمشرق.
ومنهم من يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يُعظمه أفضل من الحج ،
ويقول أحد المريدين للآخرين وقد حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق: أتبيعُني
زيارة قبر الشيخ بالحجج السَّبع؟ فشاور الشيخ: فقال: لو بعتَ؛ لكنتَ
مغلوباً ، ومنهم من يقول: من طاف بقبر الشيخ سبعاً كان كحجة)) (٢).
(١) الرد على البكري: ص ٢٩٥.
(٢) المرجع السابق: ص ٢٩٦ .
٠

٥٩٠
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
الإعراض عن المساجد والاهتمام بالمشاهد:
((وكثيرٌ مِن هؤلاء يُخرِّبون المساجد ، ويعمرون المشاهد ، فتجد المسجد
الذي بُني للصلوات الخمس معطلاً مخرباً ليس له كسوة إلا من الناس وكأنه خانٌ
من الخانات ، والمشهد الذي بُني على الميت عليه الستور ، وزينةُ الذهب ،
والفضة ، والرخام ، والنذورُ تغدو، وتروح إليه ، فهل هذا إلا من استخفافهم
بالله تعالى ، وآياته ، ورسوله ، وتعظيمهم للشرك ، فإنهم اعتقدوا: أنَّ دعاء
الميت الذي بُني له المشهد ، والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء الله تعالى ،
والاستغاثة به في البيت الذي بُني لله عز وجل ، ففضَّلوا البيت الذي بُني لدعاء
المخلوق على البيت الذي بُني لدعاء الخالق ، وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف
كان وقف الشرك أعظم عندهم؛ مُضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله تعالى
حالهم في قوله تعالى:
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِنَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ
بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَيْنَا فَمَا كَانَ لِشُرَ كَآَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا
كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآ بِهِمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾(١) [الأنعام:
١٣٦ ] .
وبهذه المقتطفاتِ التي أوردناها يستطيع أن يُقدِّر القارىء الكريم مدى
الضلالات العقائدية ، والعملية التي كان الجهلة ، والعامة من المسلمين قد
أصيبوا بها في القرنين السابع ، والثامن الهجري على رغم وجود حكومات
إسلامية قوية ، ووجود كبار أئمة الفن من المحدِّثين ، والفقهاء ، والمدارس
الدينية ، والمراكز العلمية ، وكيف كانتِ العقائد، والأعمال المُشركة قد
تسرَّبت إلى نفوس العامة منهم.
وبصرف النظر عن هؤلاء العامة والجهلة من الناس ، فإن كثيراً من العلماء
والفقهاء وجدتِ الشبهات سبيلاً إلى نفوسهم حول هذه العقائد والأعمال ، فإن
(١) الرد على البكري: ص ٢٥٠.

٥٩١
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
كتاباتهم ، وفتاواهم تشير إلى أن أفكارهم لم تكن نقيّةً في موضوع الشرك ،
والتوحيد كما ينبغي أن تكون لرجل استفاد عقيدة التوحيد من الكتاب والسنة
مباشرة ، واطّلع على سيرة السلف الصالح ، وعقيدتهم ، وسلوكهم.
وتُقدَّر وجهةُ نظرٍ هذه الطبقة التي تأثرت بتقاليد عصرها الرائجة ، وعاداته
القديمة من كتاباتِ مُعاصِري ابن تيمية الشيخ علي بن يعقوب البكري ،
والأخنائي التي تصدى شيخ الإسلام ابن تيمية للرد عليها ، فألَّف كتابين
مبسوطين (١) اقتطفنا منهما ما مرَّ آنفاً.
مُهمَّته الإصلاحية ومعارضته للعقائد المشركة:
رفع ابنُ تيمية لواء الجهاد ، والتَّجديد محارباً لهذه الأعمال ، والأفكار ،
والتقاليد المشركة الرائجة ، مُستغنياً في ذلك عن سَخَط العامة ، وغَضب
الخاصة ، وعِتابهم ، وضربَ على جذور تلك العقائد، والآراء التي كانت
أساسَ هذه الأعمال المشركة.
والذي دفع العامة من الناس إلى زيارة هذه القبور ، وممارستهم لهذه
الأعمال، والتقاليد المشركة هو أنَّهم إنما كانوا يدعون أصحابها لتحقيق
أغراضهم، ومآربهم، فكانوا يستغيثون، ويستعيذون بهم، وقد صرَّح ابن تيمية
في مؤلفاته أن دعاء غير الله لا يجوز ألبتة، وهو شِرك جليٌّ دخل فيهم بجهالتهم،
واختلاطهم بغير المسلمين ، إنه يقول في كتابه «الرد على البكري)):
المَنْع عن الدعاء والاستغاثة بغير الله:
((فإنَّا بعدَ معرفة ما جاء به الرسول نعلمُ بالضرورة: أنه لم يَشرع لأمته أن
تدعو أحداً من الأموات ، لا الأنبياء ، ولا الصالحين ، ولا غيرهم ، لا بلفظ
الاستغاثة ، ولا بغيرها ، ولا بلفظ الاستعاذة ، ولا بغيرها ، بل نعلم: أنه نهى
(١) تلخيص كتاب ((الاستغاثة)) المعروف بـ ((الرد على البكري))، المطبعة السلفية مصر عام
١٣٤٦ هـ، وكتاب ((الرد على الأخنائي واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية))،
المطبعة السلفية عام ١٣٤٦ هـ، والكتاب المذكور آخراً على هامش المذكور أوَّلاً .

٥٩٢
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
عن كل هذه الأمور ، وأنَّ ذلك من الشرك الذي حرّمه الله تعالى ورسوله ، لكنْ
لغلبة الجهل ، وقِلَّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخِّرين لم يكن تفكيرهم
بذلك حتى يتَبيَّن لهم ما جاء به الرسول وََّممَّا يُخالفه)) (١).
ويقول في مناسبة أخرى:
(((أبعدُها) عن الشرع أن يَسأل المَيِّتَ، أو يستغيث به، كما يفعل كثيرٌ من
الناس بكثير من الأموات ، وهو من جنس عبادة الأصنام، ولهذا تتمثل لهمُ
الشياطين على صورة الميت ، أو الغائب كما كانت تتمثل لعُبَّاد الأصنام ، بل
أصلُ عبادة الأصنام إنما كانت من القبور ، كما قال ابن عبّاس ، وغيره))(٢) .
ويقول في موضع آخر:
((سؤالُ المَيِّت ، والغائب - نبياً كان أو غيره - من المحرَّمات المنكرة باتفاق
أئمة المسلمين لم يأمر الله به ، ولا رسوله ، ولا فعله أحد من الصحابة ،
ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا استحبَّه أحدٌ من أئمة المسلمين ، وهذا مما
يُعلم بالاضطرار من دين المسلمين: أن أحداً منهم ما كان يقول إذا نزلت به ترةٌ،
أو عرضت له حاجةٌ لميتٍ: يا سيدي فلان! أنا في حَسْبك ، أو اقضٍ حاجتي ،
كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى، والغائبين ،
ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم استغاث بالنبي ◌َِّ بعدَ موته ، ولا بغيره
من الأنبياء، لا عند قبورهم، ولا إذا بَعُدوا عنها ، وقد كانوا يقفُون تلك
المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ، ويشتد البأسُ بهم ، ويظنون
الظنون ، ومع هذا لم يَستَغث أحدٌ منهم بنبي ، ولا غيره من المخلوقين ،
ولا أقسموا بمخلوقٍ على الله أصلاً، ولا كانوا يقصدُون الدعاء عند قُبُور
الأنبياء ، ولا قبور غير الأنبياء ، ولا الصلاة عندها ، وقد كرِه العلماء كمالكٍ ،
(١) الرد على البكري: ص ٣٧٧.
(٢) المرجع السابق: ص ٥٦.

٥٩٣
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
وغيره أن يقومَ الرجل عند قبر النبيِّ ◌َ﴿ يدعو لنفسه، وذكروا: أنَّ هذا مِن البدع
التي لم يفعلها السلفٌ)) (١).
ويقول في رسالته المعروفة باسم ((التوسل والوسيلة)):
((فإنَّ دعاء الملائكة ، والأنبياء بعد موتهم، وفي مغيبهم، وسؤالهم ،
والاستغاثة بهم، والاستشفاع بهم في هذه الحال ، ونصب تماثيلهم بمعنى
طلب الشفاعة منهم ، هو من الدّين الذي لم يَشرَعْهُ الله ، ولا ابتعثَ به رسولاً ،
ولا أنزل به كتاباً )) (٢).
الحِكمة في تَحريم دعاء غير الله:
ويتحدَّثُ في هذا الكتاب عن الحكمة في تحريم دعاء غير الله ، فيقول:
(نهى سبحانه عن دعاء الملائكة، والأنبياء، مع إخباره لنا: أنَّ الملائكة
يدعون لنا ، ويستغفرون ، ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم ، وكذلك
الأنبياء والصالحون ، وإن كانوا أحياء في قبورِهم ، وإن قدر: أنهم يدعون
للأحياء - وإن وردت به الآثار - فليس لأحد أن يَطلُب منهم ذلك ، ولم يفعل
ذلك أحد من السلف ، لأنَّ ذلك ذريعةٌ إلى الشرك بِهم ، وعبادتهم من دون
الله ، بخلاف الطَّلب من أحدهم في حياته ، فإنه لا يُفضي إلى الشرك ، لأنَّ
ما تفعله الملائكة ، ويَفعله الأنبياء ، و الصالحون بعد الموت هو بالأمر
الكوني ، فلا يُؤثِّر فيه سؤال السائلين ، بِخلاف سؤال أحدهم في حياته فإنه
يُشرع إجابة السائل ، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم)) (٣).
أَشْكَالٌ وأنواعٌ متعدِّدة للداعين :
وفي موضع آخر يشرح ألوان ، وأحوال الداعين ، والسائلين على القبور ،
ويَذْكرُ أحكام كلٌّ منهم ، يقول:
(١) الرد على البكري: ص ٢٣٣.
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: ص ١٥.
(٣) المرجع السابق: ص ١٣٢ .

٥٩٤
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
((وأمَّا مَن يأتي إلى قبر نبيّ، أو صالح، أو من يُعتقد فيه: أنه قبر نبي ، أو
رجل صالح، وليس كذلك ، ويسأله ، ويستنجده فهذا على ثلاث درجات:
أحدها: أن يسأله حاجته ، مثل أن يسأله أن يُزيل مرضه ، أو مَرضَ دوابّه ، أو
يقضي دَينه ، أو ينتقمَ له من عدوِّه ، أو يعافي نفسه ، وأهله ، ودوابه ، ونحو
ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ، فهذا شرك صريح يجب أن يُستتاب صاحبه ،
فإنْ تاب ، وإلا؛ قُتل.
وإنْ قال: أنا أسأله لكونه أقرَب إلى الله منِّي؛ ليَشْفع لي في هذه الأمور لأني
أتوسَّل إلى الله به كما يُوسَّلُ إلى السلطان بخواصِّه وأعوانه ، فهذا من أفعال
المشركين ، والنصارى ، فإنهم يزعمون: أنهم يتخذون أحبارهم ، ورهبانهم
شُفعاءً يستشفعون بهم في مطالبهم ، وكذلك أخبرَ اللهُ عن المشركين: أنهم
قالوا ﴿ مَاتَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، وقال سبحانه وتعالى:
﴿ أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءُ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا
يَعْقِلُونَ ﴿ قُل لِلَّهِ الشَّفَحَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْحَعُونَ !
[الزمر : ٤٣ _٤٤].
وقال تعالى: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيَعْ أَفَلَا تَتَذَّكْرُونَ﴾ [السجدة: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ،﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فهذا هو القِسم الثاني ، وهو ألَّ تَطلبَ منه الفعل ، ولا تدعوه ، ولكن
تَطلُبُ أن يدعو لك كما تقول للحيّ: ادع لي ، وكما كان الصحابة رضوان الله
عليهم يطلبون من النبي ◌َِّ الدعاء، فهذا مشروع في الحيِّ، كما تقدَّم.
وأمَّا الميتُ من الأنبياء ، والصالحين، وغيرهم؛ فلم يُشرع لنا أن نقول:
ادع لنا ، ولا اسأل لنا ربك ، ولم يفعل هذا أحدٌ من الصحابة ، والتابعين ،
ولا أمر به أحد من الأئمة ، ولا ورد فيه حدیث.
بل الذي ثبت في الصحيح: أنهم لما أجدّبوا زمن عمر رضي الله عنه
استسقى بالعباس، وقال: ((اللهم إنا كنَّا إذا أَجْدَبنَا؛ نتوسَّلُ إليك بنبيِّنا،

٥٩٥
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
فتسقيَنا، وإنا نتوسَّلُ إليك بِعمِّ نبيِّنا، فاسقنا! فيُسقون))(١).
ولم يجيئوا إلى قبر النبي ◌َلّ قائلين: يا رسولَ الله! ادعُ لنا، واستسقِ لنا ،
ونحن نشتكي إليك مما أصابنا ونحو ذلك ، لم يفعل ذلك أحدٌ من الصحابة
قطُّ ، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان.
وأمَّا القِسمُ الثالث: وهو أن يقول: اللَّهم بجاه فُلانٍ عندك، أو ببركة فلان،
أو بِحُرمَة فلانٍ عندك افعل بي كذا ، وكذا ، فهذا يفْعَله كثير من الناس لكن لم
يُنقل عن أحد من الصحابة أو التابعين وسَلَفِ الأمة: أنَّهم كانوا يَدْعُون بمثل هذا
الدعاء ، ولم يَبْلُغني عن أحدٍ من العلماء في ذلك ما أحكيه إلا ما رأيتُ في
فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام(٢) فإنه أفتى أنه لا يجوز لأحدٍ أن يفعل
ذلك إلا للنبيِّ ◌َّ؛ إن صحَّ الحديث.
وقالتْ طائفة: ليس في هذا جوازُ التوسُّل به في مماته وبعد مغيبه ، بل إنما
فيه التوسُّل في حياته بحضوره)) (٣).
لا يَجوز للمرء أن يطلب من أيِّ كائنِ حيِّ ما وراء الأسباب
الدنيوية:
ولا يكتفي ابنُ تيمية باعتبار حُرمة مَدِّ يد السؤال إلى شيخ ميت ، أو نبيٌّ ، أو
صاحب قبر ، بل إنه يعتبرُ طَلب كلِّ شيء يكون وراء الأسباب الدنيوية ،
ويتَّصل بالقدرة الإلهية، أو بالإرادة المطلقة التي عبَّر عنها بقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا
(١) [أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا،
برقم (١٠١٠)، وفي كتاب فضائل أصحاب النبي ◌َّر، باب ذكر عباس بن عبد المطلب
رضي الله عنه، برقم (٣٧١٠)، والبيهقي في السنن (٣٥٢/٣) برقم (٦٢٢٠)،
والطبراني في الكبير (٧٢/١) برقم (٨٤) عن أنس رضي الله عنه، ولم يذكر أحدٌ منهم
لفظَ ((أجدبنا))].
(٢) [هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم، عز الدين الملقَّب بسلطان العلماء،
فقيه شافعي بلغ رتبةَ الاجتهاد ، توفّي بالقاهرة سنة ٦٦٠ هـ].
(٣) ملخصاً عن رسالة ((زيارة القبور)) ص ١٠٦، ١١٢.

٥٩٦
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. واختصَّهُ الله بنفسه وإن كان
ذلك إنساناً حيّاً ، يقول في رسالته ((زيارة القبور)):
((إنَّ مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله مثل أن يَطلُب
شفاءً مرضه من الآدميين ، والبهائم ، أو وفاء دينه من غير جهة معينة ، أو عافيةً
أهله ، وما به من بلاء الدنيا والآخرة ، وانتصاره على عدوه ، وهداية قلبه ،
وغفران ذنبه ، أو دخوله الجنة ، أو نجاته من النار ، أو أن يتعلَّم العلم ،
والقرآن ، أو أن يُصلح قلبه ، ويحسن خلقه ، ويزكي نفسه ، وأمثال ذلك،
فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تُطلب إلا من الله تعالى ، ولا يجوز أن يقول
لمَلك، ولا نبي ، ولا شيخ سواء كان حيّاً، أو ميِّتاً اغفر لي ذنبي ،
ولا انْصُرني على عدوي ، ولا اشف مريضي ولا عافني ، أو عاف أهلي ، أو
دابَتي وما أشبه ذلك ، ومن سألَ ذلك مخلوقاً كائناً من كان فهو مشرك برَبه من
جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة ، والأنبياء ، والتماثيل التي يُصَوِّرونها
على صورهم، ومن جِنس دُعاء النصارى للمسيح وأمه)) (١) .
حقِيقَةُ الواسطة:
ويحتوي هذا الموضوع على بحث آخر يسمى بالواسطة ، أو التوسُّط ،
ويقال لمن يخالفون أن يُدعى الرسول، أو الشيخ، أو الولي: أنَّهم يُنكرون
الواسطة ، على أن من المعلوم أن النبيّ هو الواسطة بين الخلق والخالق ،
ويستحيل الوصول إلى الله بدونه.
وقد تصدَّى ابنُ تيمية للردِّ على الاعتراض بطريق واضح ، وبيَّن: أنَّ هناك
مفهومين للواسطة ، مفهوماً حقاً مُتَّفقاً عليه ، وعليه أساس الدين كله ،
ومفهوماً باطلاً لا أساس له اخترَعَه الناس ، وقد وضع في هذا الموضوع رسالةً
مُستقلة باسم ((الواسطةُ بين الخَلْقِ والحقِّ) يقول فيها:
((إنْ أراد بذلك أنَّه لابد من واسطة تُلِّغُنا أمر الله فهذا حق، فإنَّ الخَلْقَ
(١) رسالة زيارة القبور: ص ١٠٤، ١٠٥.

٥٩٧
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
لا يعلمون ما يُحِبُّه الله ويرضاه ، وما أمر به وما نهى عنه ، وما أعدَّه لأوليائه
من كرامته ، ما وعدَ به أعداءه من عذابه ، ولا يعرفون ما يستحقُّه الله تعالى مِن
أسمائه الحسنى، وصفاته العليا التي تعجز العقولُ عن معرفتها ، وأمثالٍ ذلك
إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عبادِهِ .. وهذا مما أجمع عليه جميعُ أهلِ
المِلَل من المسلمين ، واليهود، والنصارى ، فإنهم يُثبتون الوسائط بين الله
وبين عباده ، وهم الرسل الذين بلغوا عن أمر الله وخبره قال تعالى:
اَللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. ومن أنكر هذه
الوسائط؛ فهو كافرٌ بإجماع أهل الملل)) (١).
((وإنَّ مَن أراد بالواسطة: أنَّه لا بد من واسطة في جلب المنافع، ودفع المضار،
مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهُداهم يسألونه ذلك ، ويرجعون
إليه فيه ، فهذا من أعظم الشرك الذي كفَّر الله بهِ المشركين ، حيثُ اتَّخذوا من
دون الله أولياء ، وشُفعاء، يجتلبون بهم المنافع، ويجتنبون المضار)) (٢).
وقد غالى العامَّةَ، والجهلةَ، وكثير من الخواص أيضاً إلى حدٍّ أن اتخذوا
الأولياء ، والصلحاء واسطة بينهم وبين الله تعالى فضلاً عن الأنبياء ،
والرسول ◌َّله فكانوا يرجعون إليهم في كل شيء من الدعاء، والاستعانة ،
والتوكُّل ، والرجاء، يتحدَّث ابن تيمية عنِ الفَرقِ بين هؤلاء، وأولئك، فيقول:
((ومَنْ سِوى الأنبياء من مشايخ العلم والدين، فَمَنْ أثبتهم وسائط بين
الرسول وأمَّته ، يُبَلُّغونهم، ويعلمونهم، ويُؤدِّبونهم، ويقتدون بهم؛ فقد
أصاب في ذلك ، وهؤلاء إذا أجمعوا؛ فإجماعهُم حجَّة قاطعة ، لا يجتمعون
على ضلالة ، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول ، إذ الواحد منهم
ليس بمعصوم على الإطلاق بل كُلُّ أحد من الناس يُؤخذ من كلامه ، ويُترك إلا
رسول الله رَالقر .
(١) الواسطة بين الخلق والحق: ص ٤٥، ٤٦.
(٢) المرجع السابق: ص ٤٦.

٥٩٨
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
وإنْ أثبتُم وسائطَ بين الله وبين خلقه كالحجاب الذي بين المَلك ورعيَّته ،
بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائجَ خلقه ، فالله إنما يهدي عباده ،
ويرزقهم بتوسطهم ، فالخلق يسألونهم ، وهم يسألون الله، كما أنَّ الوسائط عند
الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقُربهم منهم ، والناس يسألونهم أدباً
منهم أن يُباشروا سؤال الملك ، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفعُ لهم من طلبهم
من الملوك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج ، فمن أثبتهم
وسائط على هذا الوجه فهو كافرٌ مشرك يَجب أن يُستتاب ، فإن تاب ، وإلا؛
قُتل، وهؤلاء مُشبّهون لله، شبَّهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أنداداً)) (١).
المَشاهِدُ بِدْعَةٌ قَبيحة:
يُعارِض ابنُ تيمية بعنفٍ ، وصراحةٍ هذه المشاهد و((المزارات)) التي كانت
قد تحولت في العالم الإسلامي كُلُّه إلى مرتع للشرك، والبدع ، والفِسق ،
والفجور ، وألوان من المنكرات ، وظهرتْ فيه كفتنة عظيمة ، ويَعتبرها ابن
تيمية معارضة مكشوفة للشريعة ، وبدعة قبيحة في الزمن المتأخِّر ، يقول في
((الرد على البكري»:
(«وكذلكَ المساجدُ المبنيَّةُ على القبور التي تسمَّى المشاهد مُحدَثة في
الإسلام ، والسفرُ إليها محدث في الإسلام ، لم يكن شيء من ذلك في القرون
الثلاثة المفضّلة .
بل ثبت في الصحيح عن النبي ◌َّر: أنه قال: ((لَعنَ اللهُ اليهود والنصارى
اتَّخذوا قُبور أنبيائهم مساجد)»(٢) يُحذِّرُ ما فعلوا. قالت عائشة رضي الله عنها:
ولولا ذلك لأبرز قبره ، ولكن كَرِه أن يُتَّخذ مسجداً.
(١) الواسطة بين الخلق والحق: ص ٤٧ - ٤٨ .
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب مرض النبي ◌َّر ووفاته، برقم (٤٤٤١) من
حديث عائشة رضي الله عنها، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٦٥٨/١) برقم (٢١٧٤)،
وأحمد في المسند (٣٦٦/٢) برقم (٨٧٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

٥٩٩
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
وثبت في الصحيح عنه: أنه قال قبل أن يموت بخمس: ((إنَّ من كان قبلكم
كانوا يتخذون القبور مساجدَ ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن
ذلك(١))) (٢).
ويتقدَّم فيقول: ((وأيضاً فلمَّا فتح المسلمون تُسْتَر(٣)؛ وجدوا فيها قبر
دانيال عليه السلام ، وكان أهل البلد يستسقون به ، فكتب في ذلك أبو موسى
إلى عمر بن الخطاب ، فكتب إليه: أن احفِر بالنهار ثلاثة عشر قبراً ، وادفنه
في الليل في واحد منها؛ لئلا يفتتن به الناس ، فيستسقون به ، فهذه كانت
سنة الصحابة رضوان الله عليهم ، ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين
لهم بإحسان على وجه الأرض في ديار الإسلام مسجد مبنيٌّ على قبرٍ ،
ولا مشهد يُزار، لا بالحجاز، ولا باليمن، ولا مصر، ولا العراق،
ولا خراسان)» (٤).
ويقول في كتابٍ آخر:
((وأمَّا الحُجَّاج إلى القبور، والمتَّخذون لها أوثاناً، ومساجدَ، وأعياداً
فهؤلاء لم يكن على عهد الصحابة ، والتابعين ، وتابعيهم منهم طائفة تُعْرَف ،
ولا كان في الإسلام قبرٌ، ولا مشهد يُحجُّ إليه ، بل هذا إنما ظهر بعد القرون
الثلاثة .
والبدعةُ كُلَّما كانت أظهرَ مخالفة للرسول؛ يتأخّرُ ظهورها ، وإنما يحدث
أولاً ما كان أخفى مخالفةً للكتاب والسنة)» (٥).
(١) [أخرجه أبو نعيم الهراني في ((المسند المستخرج على صحيح مسلم)) (١٣٣/٢) من
حديث جندب بن سفيان).
(٢) الرد على البكري: ص ٣٣٣.
(٣) [مدينة إيرانية تقع في خوزستان شمالي الأهواز، وهي تسمَّى بالفارسية ((شُوشْتَرَ))].
(٤) الردُّ على البكري: ص ٢٨٢.
(٥) الرد على الأخنائي: ص ١٠٢ .

٦٠٠
الفصل الأول: تجديد التوحيد وإبطال العقائد والتقاليد الشركية
المشاهد ((مسحة)» الرّوافض والباطنية:
إنَّه يعتقد: أنَّ الروافض ، والباطنية هم الذين أحدثوا بِدْعة المشاهد ،
ووضعوا أحاديث تُؤيِّد مذهبهم فيها ، وذلك لأنَّهم مُعْجَبون في الحقيقة
بقبور أئمتهم ومشاهدهم ، يقول:
((وأول مَن وضع هذه الأحاديث في السّفر لزيارة المشاهد التي على القبور أهلُ
البدع من الروافض ، ونحوهم الذين يعطِّلون المساجد ، ويُعظِّمون المشاهد التي
يُشْرَك فيها، ويكذب فيها ، ويُبتدع فيها دينٌ لم يُنَزِّل الله بهِ سُلْطَاناً.
فإنَّ الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد كما قال تعالى:
﴿ قُلّ ◌َأَمَرَ رَبِي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ ﴾،
[الأعراف: ٢٩].
وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: ١٨].
وقال: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨].
وقال: ﴿وَلَا تُبَشِرُ وهُربَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُمٍ﴾ [البقرة: ١١٤].
وقد ثبت عنه ◌َّ: أنه كان يقول: ((إنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور
مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك(١)) (٢).
معظم هذه المشاهد والقُبور مُزَوَّرة:
وقد حقَّق ابنُ تيمية: أن معظم هذه المشاهد ، والقبور مُزوَّرةٌ مفترضةٌ ،
وما أحسن ما يقول في تأييد هذا المعنى:
((وكثيرٌ من المشاهد كَذِبٌ، وكثيرٌ منها مشكوكٌ فيه ، وسبب ذلك: أن
معرفة المشاهد ليست من الدين الذي تكفَّل الله بحفظه للأمة لِعَدم حاجتِهم إلى
(١) قد سبق تخريجه قبل قليل.
(٢) الرد على الأخنائي: ٤٨، ٤٩.