النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه ويَقولُ صاحب ((الكواكب الدرية)) رواية عن الثقات: ((إنه كان قد قَطع جُلَّ وقته وزمانهِ في العبادة حتى إنه لم يجعل لنفسه شاغلةً تشغلهُ عن الله وما يزاوله ، لا من أهلٍ، ولا من مالٍ)) (١). لم تُمهِله أشغالُه وأفكاره ، وانهماكه في العلم والدِّين ، وحياتهُ المشغولة (وقد قضى جزءاً وجيهاً منها في الحبس والاعتقال) أن يتزوَّج ، فقد عاش طوال حياته عَزباً ، اشتغالاً بطلب العلم والمجاهدة. يتحدَّث مؤلف ((الكواكب الدرية)) عن برامجه اليومية، وأعماله الرتيبة فيقول : ((ولا يزالُ تارةً في إفتاء الناس ، وتارةً في قضاء حوائجهم حتى يُصلِّي الظهر مع الجماعة، ثم كذلك بقية يومه، ثم يُصلَي المغرب ويُقرأ عليه الدرس، ثم يصلي العشاء ، ثم يُقبل على العلوم إلى أن يذهب طويل من الليل وهو في خلال ذلك كله يقضي الليل والنهارَ يذكر الله تعالى ، ويُوحِّده، ويستغفره))(٢). إذا كان العلمُ شُغلاً مؤقّتاً، وخدمة طارئة لأي مدرّس ، أو مُفتٍ؛ فإنه كان غذاءه ، ولباسه ، امتزج بطبيعته. يقول الشيخ سراج الدين أبو حفص البزَّار: ((وكان العلم قد اختلط بلَحْمِه ، ودمه، وسائره ، فإنه لم يكن مُستعاراً ، بل كان له شعاراً، ودثاراً)) (٣). ولا أدلّ على إخلاصه وورعه من أنه عفا عن أعدائه ، ومعارضيه في كلِّ مناسبة ، وأعلنَ بصراحة: ((أَحلَلْتُ كلَّ مسلم عن إيذائه لي)). وإنَّنا نستطيع أن نُقدِّر مدى وَرعه ، وسماحةِ نفسه ، وإخلاصه بقصة عفوه (٢٢٣)، وابن حبان في الصحيح (٢٨٩/١) برقم (٨٨) وغيرهم من حديث أبي الدرداء = رضي الله عنه]. (١) الكواكب الدرية: ص ١٥٦ . (٢) المرجع السابق: ص ١٥٦ . (٣) المرجع السابق: ص ١٥٦ . ٥٤٢ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه عن أكبر معارضيه القاضي ابنٍ مخلوف بعد عودة السلطان الناصر ، ورغم إلحاحه على عدم الصفح عنه، وبما أثنى على القاضي ، وجميع شركاء المملكة ، وعلمائِها للسلطان ، وشفاعته لهم إليه ، وقد ثَبت بذلك أنَّ كُلَّ خلافاته إنما كانت على الأساس العلمي ، والديني ، لا تَشُوبها شائبة من النفسانية والعداوة . إنه خلَّف ذخيرةً من الآثار العلمية والمؤلَّفات القيمة، التي تُعتبر مفخرة لجماعة من أهل العلم في حياته البالغة ٦٧ سنة الحافِلة بالحوادث والوقائع الشاذَّة نتيجَةَ إخلاصه، وانهماكه ، وخلّف نتيجةً لذلك أيضاً تأثيراً عميقاً في عصره يُؤْهِّله بكل جدارة أن يُسمى رائدَ عهدٍ جديد ، وذا شخصيةٍ قويّةٍ تُغيِّر مجرى التاريخ. ٥٤٣ الفصل الخامس: خصائصه التّاليفية الفصل الخامس خَصائِصُه التَّأليفية إنَّ مؤلَّفاتٍ ابن تيمية تَتَفرَّد بخصائص بارزة تُميزها من بين مؤلفات عصره بكل وضوح ، إنها لا تزال تُؤثِّر في قلوب الجيل الجديد وعُقوله رغم أنه مضى عليها قرون عديدة ، وحدثت في خلالها ثورات في دنيا العلم والتفكير ، وقد أنتج ذلك أنها تَنالُ الإعجاب والقبول من جديد في هذا العصر الوَلوع بالتجديد والعقلية ، وهناك أربعةُ جوانب ذاتُ أهمية في هذه الخصائص : ١ - كُلُّ دارسٍ لمؤلّفات ابن تيمية يرجع بانطباع: أنَّ مؤلِّفها عارفٌ بمقاصد الشريعة ، ومُطَّلِعٌ على روح الدين ، وأنهُ آخذ بأطراف الدين وأصوله ، ولذلك فإنه يركز بحثه في كل أمر من أموره على الأصول بحيث يشفي العليل ، ويروي الغليلَ ، ويَبعث الطمأنينة ، واليقين في النفس ، إنَّه يضغط على الأصول دون الفروع ، ويبدأ كلَّ بحث بأسلوب يُشعر القارىء بأنه هو طبيعة الدين ، وروحه ، ومقتضى الشريعة المحمدية بالبداهة والاضطرار ، إنَّ السرَّ في تفوقه بإزاء معاصريه، والمؤلفين الآخرين هو اطلاعه على مقاصد الشريعة، وروح الدين، وشرحهِ الناجح لهما، وذلك ما يتجلى في كل ما ألَّفه من صغير، وكبير، ولا سيَّما عندما يَتحدَّث في العقائد، والمسائل الكلامية ، والفقهية المهمّة. ٢ - الميزة الثانية البارزة: أنَّ كُتبه تفيض حيويَّة، ويبدو أنها لم تُؤْلَّف في ٥٤٤ الفصل الخامس: خصائصه التّاليفية رُكن من المكتبة مُنْزَوٍ ، أو جزيرة منقطعة عن الناس ، بل إنها أُلِّفت في معترك الحياة، وأوساط العامة، إن من يدرسها يستطيع أن يُعيِّن، ويُقدِّر العصر الذي أُلفت فيه بسهولةٍ عقليةَ المجتمع وأخلاقه الذي كان يتصل به مؤلِّفُها (١). كما أَنَّ مؤلَّفاته تُشير إلى عواطفه ، وحماسه، وحُبُّه ، وكراهيته، ويبدو أنّ مؤلفها كان صاحب عقل واع ، وقلبٍ حساس ، ومشاعرَ حية قوية ، ولم يكن مُجرَّد آلة للكتابة ، ولا محّض عقل. وكذلك أُسلوبُ تفسيره يتّسم بارتباطه مع الحياة ، إنَّه يُطبق الآيات القرآنية على ما حوله من الحياة ، والإنسان ، ويستعرض الحياة من وجهة نظرها ، ويتناول معاصريه ، وطبقات الأمة المختلفة بالاحتساب ، إنَّه يضع الأصبع في مواطن الانحراف عن هذه الآيات ، والحقائق ، ويُخبر بنتائج ذلك (٢). إنَّ ميزة الحيوية هذه مَنحتْ مؤلفاته حياة طويلة، وتأثيراً عميقاً ، وروعة عجيبة ، قد تندر في مؤلفات غيره ، وقد تكون مفقودة فيها . ٣ - إنَّه يَجمع معلوماتٍ، وموادَّ في كل موضوع يطرقه في عشراتٍ من الكتب ومئات من الصفحات ، إنَّ أسلوب تأليفه هذا - الذي يمكن أن يُسمَّى أسلوباً موسوعياً - أبرز ميزة لجميع مؤلفاته سواء كانت في المباحث النقلية ، أو العقلية ، وهكذا فإن كتبه تجمع معلومات كثيرة وفيرة تُغني أكثر الأحيان عن مكتبة، بل تقوم مقامها، ويَستغني بها الطالب عن مراجعة المصادر، والمباحث. وطالمَا يُفْلِت منه طرفُ البحث في تأييد كلامه بالمواد ، والمعلومات؛ حتى إنَّ الدارس يضل في خضم الأقوال والشواهد ، ويتعسّر عليه التغلب على البحث ، ولكن على الرغم من ذلك لا يُستهان بجانب الإفادة في كتبه ، وهو أنها مخزن أقوال المعاصرين ، وآرائهم ، وموسوعة صغيرة في مواضيعها ، إنه حفظ كثيراً من المواد ، والمعلومات القديمة ، وكثيراً من الآراء ، والأفكار في (١) وكنموذج اقرأ كتابه ((اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم)). (٢) اقرأ تفسير ((سورة النور)) و((سورة الإخلاص)) وما إلى ذلك، لابن تيمية. ٥٤٥ الفصل الخامس: خصائصه التَّأليفية كتبه ، وصانها من الضياع ، وهي مِنَّةٌ علمية كبرى ، لا تنسى من ابن تيمية . ٤ - تمتازُ كتبه بين كُتب الفقه والكلام العامة بخُلوِّها من الجفاف ، والتعقيد ، والاختصار ، الأمر الذي يُعتبر سِمة الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع ، ولكن بالعكس من ذلك إن مؤلفات ابن تيمية تتَّسم بالسلامة ، والقوة ، والعربية ، وأحياناً بصفة البلاغة ، والأدب ، والخطابة من غير قصد ، تلك التي تجعل كتبه (وأكثرها دفاتر ضخمة) ذاتَ روعة ، وحيوية ، وقوَّة ، لا سيما عندما يبحث هو في ترجيح مذهب السلف ، وفي تفوقهم العلمي ، والديني ، وفضلِهم العملي ، والفكري يستمد قلمه قوَّةً ، ويستوحي بحثه صفة من الرجز. لقد تحدَّثَ معاصروه ، والمؤلفون عن حياته ، وبلاغته ، وخطابته بصفة خاصة ضمن الحديث عن أحواله ، وفضائله ، يقول الحافظ أبو حفص: ((يجري كما يجري التيار ، ويفيض كما يفيض البحر ، ويَصير منذ يتكلم إلى أن يفرغ كالغائب عن الحاضرين ، مُغمضاً عينيه ، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يُرعد القلوب، ويُحيِّر الأبصار، والعقول)) (١). يبدو من دراسة مؤلّفاته: أنَّ سلاسة الألفاظ ، وفيضان العلم ، لا يختصان بمجالسه ، بل يشارك قَلَمُهُ لسانه ، هكذا أبدى الأقشهري انطباعه عنه في رحلته؛ إذ إنه يقول: ((وقلمه ولسانه متقاربان)». وعلى هذا الاعتراف بمحاسنه لا بدَّ من الإشارة إلى بعض جوانب الضعف لكل مؤرخ ناقد ، وهي أن في كتبه ومباحثه اضطراباً ، وانتقالاً من معان إلى أخرى ، وبدء بحث جديد بأدنى مناسبة، كما أنها تتَّسم بالإطناب ، والتطويل ، ولا شك أنَّ ذلك مما يسبب حيرة شديدة للقارىء لا سيما إذا كان يجهل أسلوبه ، وطراز تأليفه ، إنَّ السبب الكبير لذلك إنما هو حِدَّةُ ذهنه ، وفَرطُ ذكائه ، ووفرةُ عِلمه ، وحماسُ طبيعته، ويبدو أنَّ ذهنه وقلمه لا يكادان (١) الكواكب الدرية: ص ١٥٥. ٥٤٦ الفصل الخامس: خصائصه التَّأليفية يستقران في مجال البحث على نقطة واحدة وترد إليه الخواطر ، وينتقل ذهنه بسرعة بالغة ، لا تضع عليهما حداً ، وذلك ما كان يتصف به درسه ، يقول تلميذه أبو حفص البزَّار: ((كان ابنُ تيمية إذا شرع في الدرس يفتح الله عليه أسرار العلوم، وغوامض ، ولطائف ، ودقائق فنون ونقول ، واستدلالات بآيات وأحاديث ، واستشهاداً بأشعار العرب ، وهو مع ذلك يجري كما يجري التيار ، ويفيض كما يفيض البحر)) (١) . وهذه الخِصِّيصة مِن وفرة المعلومات ، وكثرة البراهين ، والدلائل ، وتَموُّج ذهنه هي التي كانت تسد الطريق على مناظريه في مجلس المناظرة ، إنه كان يُدخل في ثنايا بحثه ومناظراته علوماً ومسائل تعسر على خصمه أن يرتكز على بحث واحد ، ويَنضبط في مسألة واحدة ، وذلك ما جعل العلماء والفقهاء في مصر والشام يتجنَّبون مناظرته في المجالس العامة ، ويعتذرون إليه ، وقد عبر عن هذه الصعوبة أحد معاصريه ، ومناظريه الفضلاء الشيخ صفيُ الدين الهندي بكلامه الآتي : ((ما أرَاكَ يابن تيمية إلا كالعصفور حيث أردتُ أن أقبضه من مكان فَرَّ إلى مكان آخر)) (٢). إنَّ هذه الطبيعة العلمية (التي ليست نتيجة نقص ، أو عيب ، بل إنها دليلٌ على كثرة معلوماته ، ووفرة فضله، وذكائه، وعلمه) توجد في مؤلّفاته ، فإذا تجلَّد الطالب الصادق ، ودأب على الغوص في بحره؛ فلا شك أنه يرجع منها بدرر ثمينة ، ولآلىء فاخرة. (١) الكواكب الدرية: ص ١٥٥ . (٢) نزهة الخواطر: ج ٢، ص ١٤٠، ترجمة محمد بن عبد الرحيم الأرموي (الشيخ صفي الدين الهندي) . ٥٤٧ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه جــ الفصل السادس أسْبَابُ معَارضة ابن تيميّة بين نُقّاده والمُدافعين عنه ينشأُ هنا سؤالٌ في نفس كلِّ إنسان سليم الطبع ، هو أن ابن تيمية على رغم تبوئه هذا المنصب العالي للعلم، والدين، وتحلِّيه بالفضائل الفكرية ، والتدين ، والإخلاص إلى حدِّ الإبداع ، والتفرد ، لماذا خُولف وعورض هذه المعارضة الشديدة (١) من قِبل معاصريه وبعض المتأخرين من العلماء؟ ولماذا ظلَّت شخصيتُه موضع بحث وانتقاد منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا؟. ولماذا لم يتفقِ الناس على عظمة هذا الإنسان الجامع للفضائل والكمال؟ . إِنَّ هذا السؤال حقٌّ ، ويجدر بأن نردَّ عليه في وضوح ، وصراحة في ضوء سيرته ، وتاريخه المعاصر . ١ - إنَّ وجود فريقين منافسين في شخصيةٍ ، وصراعهما في تحديد مكانتها الدليل على عظمتها قبل كلِّ شيء ، فإن الشخصيات التي لمعت في التاريخ ، وتميّزت بفضائل خارقة للعادة إنما واجهتْ هذا الوضع دائماً، ونالتْ تأييدَ (١) لا يغيبنَّ عن البال: أنَّ هناك فرقاً بين المخالفة والاختلاف؛ إذ أن الاختلاف حقٌّ لأهل العلم والتحقيق دائماً، لا يمكن سلبه من العلماء في أيٍّ زمان، ولذلك فإننا لا نعني هنا الاختلاف مطلقاً بل نبحث في المخالفة ، وأسباب تضليله ، وتكفيره. ٥٤٨ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه فريق ، وإعجابه ، ومبالغةً في مدحها والثناء عليها ، وانتقاد فريق آخر ومعارضته ، ومغالاته في الحط من شأنه ونقص منزلته ، إنها تجربة مستمرة للتأريخ ، فيما يتصل بالشخصيات العظيمة ذات العبقريات حتى إنَّ بعض فلاسفة التاريخ وعلم النفس ، وأصحاب البصيرة للعظمة والعبقرية اعتبروا ذلك من مبادىء العظمة ، وشروط العبقرية . ٢ - كان ابنُ تيميَّة أعلى من المستوى الفكري والعلمي للجيل الذي نشأ فيه ، وكان ذلك بلاءً عظيماً لمعاصريه؛ إذ أنَّ السمو على المستوى السائد نعمةٌ موهوبة ، ومِنحةٌ من الله يغتبط عليها ، إلا أن صاحب هذه النعمة يضطرُّ إلى دفع ثمنٍ باهظٍ لها ، إنَّه يعيش في بلاء مستمر ، ومحنة دائمة من قِبل معاصريه . كما أنَّ أولئك المعاصرين يُعانون من شقاء ومصيبة طول حياتهم من أجله ، وذلك لأنهم لا يسايرون طراوة فكره ، وعُلو نظره ، وقوة اجتهاده ، ولا يستطيعون أن يتوصلوا إلى آفاق عِلْمِه وفكره العالية . هذا وهو لا يقدر على أن يبقى مُقيَّداً محدوداً في مصطلحاتهم المحدودة المرسومة ، وحدودهم المدرسية ، بل إنه يطير بحرية في أجواء العلم والفكر الواسعة ، ويَسْبَح في بحار الكتاب والسنَّة الزاخرة ، إنَّ مبلغ علمهم لا يعدو فَهْمَ كتب المتقدِّمين ، وأهل التدريس ، أمَّا هو فإنه يكون مجتهداً ، ومجدداً في علوم كثيرة ، وقد يكون مُرْسِياً لقواعد بعض الفنون ، مُبتكراً لها. وبالجملة فإنَّ تفاوت المدارك والكفاءات يُحدِث صراعاً عجيباً - لا يكاد ينتهي - بينه وبين معاصريه المخلصين ، فلا يستطيع أن يقنعهم في حال ما ، إن أصحاب الفضل ، ومجتهدي الفن من العلماء واجهوا هذه المشكلة في كلِّ زمانٍ ، إنهم وجدوا أنَّ تحقيقاتهم وعلومهم تعدَّت المستوى العلمي ، والدراسي السائد في عصرهم ، فلم يتمكن من فهمها ، والتغلب عليها أولئك العلماء الذين لم ينطلقْ فكرهم من نطاق الكتب المتداولة ، وذلك هو العامل ٥٤٩ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه الكبير لمعارضة كثير من أهل العلم (١). ٣ - إنَّ طائفةَ المعارضين إنما كانت تُعارض هؤلاء العباقرة على أساس أنهم إنما كانوا يسيطرون على رجال الحكومة، وينالون إعجاب الجميع من العامة والخاصَّة بفضل ذكائهم ، وعِلمهم ، وعُلوّ مكانتهم ، وجمال شخصيتهم. ولا يقوم أحدٌ أمام علمهم، وبيانهم ، إنهم يستولون على الجميع حيثما كانوا ، فإن درَّسوا؛ أوحشتْ مجالس الآخرين ، وإنْ خطبوا ، تتدفّقُ منهم بحار العلم ، ولقد أشار الحافظ الذهبيُ في الفقرة التالية ذات المغزى الدقيق إلى كوامن النفوس هذه ، يقول ((غير أنه يَغترفُ من بحر ، وغيره من الأئمة يغترفون من السَّواقي)» (٢). ولا شكَّ أنَّ العلماء في كل عصرٍ إنما كانوا بشراً يتمتعون بأفكار ، ومشاعر البشر ، فلا غرابة إذا كان سببُ معارضتهم لدى كثير منهم ما يسمَّى في عصرنا بمُرَّب النقص ، وضَعْف الطبيعة البشرية ، ذلك الذي يتعسَّر التحُّز منه ، إنَّ المؤرِّخين حينما يتحدَّثون عن أسباب العداوة والمعارضة مع الإمام أبي حنيفة ينشدون البيت الذي یصدق في کل عصر: حَسدوا الفَتى إذْ لم ينالوا سَعْيَه فالناسُ أعداءٌ لَهُ وخُصُومُ ٤ - إنَّ السَّبَبَ الطبيعيّ لمعارضته لدى كثير من المعاصرين خِصِّيصةٌ كانت في نفس شيخ الإسلام تلك التي توجد عند كثير من أهل الفضل الذين يتميزون بذكاء غير عادي ، وسعة النظر ، وكثرة المعلومات ، وأعني بها حِدّة الطبيعة؛ (١) ولقد أشار إلى هذه النقطة أفضل المتأخِّرين شيخُ الإسلام ولي الله بن عبد الرحيم الدِّهلوي في مؤلفاته، يقول في موضوع من كتابه ((إزالة الخفاء)): ((بما أنَّك لم تقرأ هذه المقدمة في كتب علم الكلام بمثل هذه الروعة يحتمل أن تتطرق إلى قلبك وحشة))، ويقول في مكان آخر: ((إنْ فهم هذا المعنى في غاية من الدقة، فإن الجماعة التي لا يتجاوز علمها شرح ((الوقاية)) و(«الهداية» كيف تستطيع أن تدرك هذا السر الدقيق» (ج٢، ص ٨٤). (٢) الكواكب الدرية: ص ١٤٥ . ٥٥٠ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه التي تَبعثهم في بعض الأحيان على تناول بعض معاصريهم بالنقد اللاذع؛ وإظهار جهلهم، وغبائهم ، وقِلَّة علمهم ، وتخرج من أفواههم من شِدَّة التأثر كلماتٌ تجرح شعور أهل العلم من معاصريهم والمعجَبين بهم تُبُّط همةً تلاميذهم ، الأمر الذي يبذرُ في قلوبهم بُذور النفور ، والعداوة الدائمة ، وذلك ما يُنتج إصدار فتاوى الكفر والضلال عليهم ، والمعارضة المستمرة ، والتربص لهم بالدوائر . لم يَصرفْ معاصرو شيخ الإسلام ومترجمو حياتهِ نظرهم عن تلك الخِصِّيصة الطبيعية التي كانت نتيجة أحواله ، ويقول الحافظ الذهبي الذي كان مُعْجَباً بفضائله العلمية ، والدينية : («تَعْتريه حِدَّةٌ في البحث ، وغضبٌ ، وصَدْمةٌ للخصوم ، تَزْرَعُ له عداوةٌ في النفوس ، ولولا ذلك لكان كلمةَ إجماع ، فإنَّ كبارهم خاضعون لعلومه ، معترفون بأنه بحرٌ لا ساحلَ له ، وكنزٌ ليس له نظير)). ونجد في حياته عدداً مِن أحداث تؤكِّد: أنه لم يتمكن من تحمُّل قِلَّة فَهْم ، أو قِصرَ نظرٍ ودراسة لمعاصره في أي مسألة دينية ، وعلمية ، فلم يلبث أن جهر بذلك حتى إنَّ معاصره عاد منافساً ، ومعانداً له بصورة دائمة . ففي مسألة الزيارة حينما ردَّ عليه تقي الدين ابن الأخناني المالكي ، وقرأ رسالة ردِّه تصدى للردِّ عليها ، وقال فيها: إنه قليل العلم والمعلومات ، لا يَصلُح للكتابة في هذه المسألة ولكنَّ نَقْدَه هذا سببُ محنته وإیذائه ، فقد یری بعضُ مترجمي حياته ومؤلّفي سيرته: أن ذلك هو السبب في اعتقاله الأخير وطول أسارته ومصادرة أدوات كتابته (١). وهكذا حضر أبو حيَّان المفسِّر الذي كان يُعتبر إمام عصره في النحو ابنَ تيمية مُعْجَباً به ومعترفاً بفضله، وقد كان قد قرض قصيدة في مدحه كان مطلعها : (١) البداية والنهاية: ج ١٤ ص ١٣٤. ٥٥١ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه لمَّا أتانا تَقِيُ الدِّينِ لاحَ لَنَا داعٍ إلى اللهِ فَرْدٌ ماله وِزْرُ ومن جملتها قوله: يا مَنْ يُحدِّث عَنْ عِلْمِ الكِتاب أصِغْ هذا الإمامُ الذي قَدْ كَانَ يُنْتَظَرُ وفي ثنايا الكلام دار الحديثُ حَول مسألة نحوية ، فأورد أبو حيان مذهب سيبويه مؤيِّداً جانبهَ ، وكان يتوقَّع أن يسكُت ابن تيمية ، ويعترف بفضل سيبوبه ، ولكنه ردَّ عليه قائلاً: ((إنَّ سيبويه ليس نبياً للنحو معصوماً عن الأخطاء بل إنه أخطأ في ((الكتاب)) في ثمانين موضعاً، لا تستطيعُ أن تتفطَّن لها))، وما إن صادف أبو حيان هذا الكلام الشاذَّ من ابن تيمية؛ إذ تنغص خاطره ، حتى أخرج قصيدة ابن تيمية من ديوانه ، ولم يَعُد مُعْجَباً بابن تيمية بل أصبح من معارضيه ، ونقَّاده. ٥ - وسببٌ آخر لمعارضته هو تحقيقاته، وترجيحاته التي ينفرد بها ، ويَنْشَقُّ فيها عن جماعة الأئمة الأربعة والمذاهب المشهورة في بعض الأحيان ، إنَّ هذه التفردات لا تَبْعَثُ وحشةً واستنكاراً في نفوس مَن لهم اطلاعٌ واسعٌ على تاريخ الفقه والخلافيات وأقوال الأئمة والمجتهدين ومسائلهم ، إنَّهم يعرفون جيداً: أَنَّ تفردات الأئمة المشهورين والأولياء المقبولين ومسائلهم الغريبة إذا جُمِعَتْ تتضاءل أمامها هذهِ التفرّدات وتبدو لهم كلُّ شيءٍ، ويتضعضعُ اعتقادهم بالتفرد الذي يعتبرونه مضاداً للقبول، ومُنافياً للحق ، ويشترطون لعظمته ، وولايته ألا يكون له رأيٌّ ، أو تحقيق يُعارض الآراء ، والتحقيقات المشهورة. أمَّا الذين لا يملكون نظرةً واسعةً حول الخِلافيات ، أو أنهم يَسمحون بالتفرد ، والشُّذوذ للمتقدِّمين، لكنهم لا يَرون في ذلك مندوحة للمعاصرين مهما بلغوا من التَّفَؤُّق، والكمال شأواً بعيداً ، فقد أصبحَ لهم هذا التَّفَرُّد أيضاً مبعثاً للمخالفة ، وفساد العقيدة، والضلال، ودليلاً إلى خرق الإجماع . ٥٥٢ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه وما أعدلَ وأجملَ كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني (وقد تقدم فيما مضى) وأبعد من الإفراط والتفريط في هذا الموضوع ، إنه يقول: ((فالذي أصابَ فيه - وهو الأكثر - يستفاد منه، ويُرحم عليه بسببه ، والذي أخطأ فیه لا يُقلَّد ، فیه بل هو معذور)). ٦ - وهناك سببٌ آخر قويٌّ لمعارضته، وهو أنه خالف ذلك الأسلوب في تأويل الصفات والمتشابهات الذي كان يعرف باسم ((العقيدة الأشعرية)) بل باسم عقيدة أهل السنة ، وكان الناس يرون العدول عنه نوعاً من الجهل ، أو معارضة أهل السنة ، وقد أسلفنا التفصيلَ بأن الإمام ابن تيمية خالفَ ذلك بكل جرأة وقوة ، وشرح مذاهب الصحابة ، والتابعين رضي الله عنهم، والأئمة المجتهدين ، والمتكلمين ، والمتقدِّمين، والإمام أبي الحسن الأشعري ، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين بأقوالهم ومؤلفاتهم ، وأثبت من مقتطفات كتبهم: أنَّ هؤلاء الأئمة كلهم إنما يُوجبون الإيمان بالصفات ، إنهم يعترفون بحقيقتها التي تتفق وعظمة الله سبحانه وتعالى أو تنطبق على قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وتتنزَّه من النفي والتعطيل والتشبيه والتجسيم ، إنهم يَدَّعون: أنَّه لم يثبت خلاف ذلك لفظٌ واحدٌ لا نصاً ولا ظاهراً من الصحابة ، والتابعين ، والسلف رضي الله عنهم. لقد كان العالم الإسلامي آنذاك تحتَ تأثير العلماء والمتكلِّمين الأشعريين، ولذلك فإنَّ اختلاف ابن تيمية الذي كان مؤسَّساً على أسس علمية خالصة اعتبره الناس نوعاً من البدعة ، ومرادفاً لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: [النساء: ١١٥] واتهموه بالتجسيم. وبما أنَّ العلماء في ذلك العصر كانوا يَرون: أنَّه لا مناص منه قد أطبقوا على ((التأويل)) ركَّز ابن تيمية كل قُوته على رد التأويل ، وقد شكَّ الناسُ بجهره برد التأويل في اعتقاده ، ورمَوْه بالتجسيم ، وغالوا في ذلك إلى حدٍّ أنهم نسبوا إليه رواياتٍ تؤكد: أنَّه من الفرقة المجسمة ، مثلاً: أنَّه كان يخطب في الجامع ٥٥٣ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه الأموي بدمشق ، ونزل من درجة المنبر إلى أدناها ، وقال: إنَّ الله تعالى ينزل كنزولي هذا (١) . إنَّ الإمام ابن تيمية وتلاميذَه كلهم نَفَوا هذه التهمة ، وأبدوا ، وأعادوا براءتهم عن التجسيم ، ولكن كتاباته القوية في معارضة التأويل التي كانت عن ضرورةٍ قدّمها معارضوه كدلیل علی عقيدة تجسیمه ، وقد كان ذلك أقوی سبب من الأسباب التي دعت كثيراً من العلماء وأتباعهم إلى معارضته ، والواقع: أنَّ الطريق بين التأويل والتجسيم شائك حَرِج بحيث لا يتسنَّى لكلِّ إنسان أن يفهم الفرق بينهما ، وقد لوحظ: أنَّ عدداً من الحنابلة ومنكري التأويل تسرّبوا إلى ثغر التجسيم ، فلا غرابة فيما إذا رمي ابنُ تيمية بالتجسيم في مثل هذه الأوضاع ، على أنَّ الحقيقة تؤكد أنَّه كان بريئاً من هذه التهمة كل البراءة. ٧ - وسببٌ آخر لمعارضته هو مخالفته للشيخ محيي الدين ابن عربي ، فإنَّ ذلك ذنبٌ لا يُغتفر لدى كثير من الناس، ولا سيما الذين يغالون في المذهب الصوفي ، ويتَّجهون إلى أنهم يرون أن نفيه لمذهب وحدة الوجود، وردّه على آراء الشيخ محيي الدين وتحقيقاته المشهورة يكفيان للقضاء على جميع فضائله ، ومحاسنه التي كان يتحلّى بها . وليس شيخُ الإسلام ابن تيمية هو الفريد في نقده لآراء الشيخ محيي الدين ابن عربي ومذهبه ، بل يوافقه في هذا الاتجاه بعضُ كبار الصوفية وأئمة الطرق المحقّقين ، وقد حمل لواء الرد على الشيخ محيي الدين ، ومخالفة مذهبه في وحدة الوجود الإمام أحمد بن عبد الأحد السَّرهندي ، إمام الطريقة المجدِّدية (١) سجَّل ابن بطوطة هذه القصة في رحلته كحادث رآه بعينه، وقد سألتُ علامة الشام الشيخ بهجة البيطار عن هذه القصة فقال: إنها لا تستند إلى أصلٍ تاريخيّ، فإنَّ ابن بطوطة يتحدَّث عن وصوله إلى دمشق في رمضان ٧٢٦هـ والمعلوم أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان قد اعتقل في ٧٢٦، ثم إنه لم يكن خطيباً في الجامع الأموي في أيِّ زمان، وكان الشيخ جلال الدين القزويني هو خطيب الجامع الأموي في عهده، وهذا يؤكّد: أنَّ ابن بطوطة التبس عليه الأمر، أو أنه زوَّر الكلام. ٥٥٤ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه النقشبندية في رسائله الخالدة ، وانتهت إليه رئاسة معارضة الشيخ ، والدفاع عن العقيدة السنية ، ورسائله وجهها إلى أحد أصحابه : ((إنَّ أكثر معارفه التي تتعلق بالكشوف ، وتُعارض علومَ أهل السنة بعيدة عن الصواب، ولا يتَّبعه فيها إلا من هو مريض القلب، أو أنه مُقلِّدٌ بحتٌ)) (١). وقد ذكر العلاَّمةُ نُعمان الآلوسي صاحبُ ((جلاء العينين)) قائمة لأولئك العلماء الذين كانوا يؤيِّدون ابن تيمية في هذه المسألة ، وقد ألّف عدد منهم رسائل مستقلة في هذا الموضوع نجد من بينهم العلامة السَّخاوي ، والعلامة سعد الدين التَّفتازاني ، والعلامة نور الدين بن علي بن سلطان محمد الهَرَوِي المعروف بمُلَّ علي القاري، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وأبا حيَّان المفسر ، وشيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ، والحافظ أبا زُرعة ، وشيخ الإسلام سراج الدين البَلْقِيني ، شخصيات لامعة من الأئمة الأعلام وعلماء (٢) الإسلام (٢). ثم إنَّ مخالفة شيخ الإسلام ابن تيمية مع الشيخ الأكبر لا تقوم على أساسٍ الشخصية أو العاطفة ، إنما هي مخالفة باعثُها الحمية الدينية ، والغيرة الشرعية ، يزخر بأمثلتها تاريخُ السلف ، والخلف ، فإن أهل الحمية الدينية ، والمحافظين على الشريعة كلما رأوا كلاماً لأحد يعارض السنة ونصوص الشريعة ، ويتنافى مع عقائدهم القطعية المتواترة، تصدوا للردِّ عليه ، ولم تَخُل دون ذلك عظمةُ صاحب ذلك الكلام ، وشهرتُه ، ولا آثار ولايته وقبولهِ العام ، وذلك لأن حُرمة الشريعة ، وعظمةَ مكانة النبوّة فوق كلِّ حرمة وعظمة ، وإن الشيخ السرهندي نفسه لم يستطع أن يضع حَدّاً على حماسه العُمري، وسَوْرَة حمِيَّته الدينية، وتصدَّى للرد على مثل هذه الأقوال بكل (١) مجموع رسائل: رقم ٢٦٦، ج١. (٢) جلاء العينين: للعلامة خير الدين نعمان ابن العلامة محمد الألوسي، ص ٤٣ - ٤٤. ٥٥٥ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه قوة ، أخبره أحد العلماء المعاصرين مرة: أن الشيخ عبد الكبير اليمني يعلم غیب الله تعالى ، فردّ علیه قائلاً: ((يا سيّدي! إن هذا الفقير لا يحتمل أن يسمع مثل هذه الترهات ، فإن العِزْق العُمري الذي ورثته عن آبائي ينبض ، ويثور، ويفور فيَّ، ولا يتركني أن أؤوِّل مثل هذا اللغو من الأقوال ، وإنْ كان الذي يقوله الشيخ عبد الكبير اليمني ، أو الشيخ الأكبر الشامي ، إنَّ الحجة في كلام سيدنا محمد العربي (عليه وعلى آله الصلاة والسلام) ، لا في كلام محيي الدين ابن عربي، وصدر الدين القونوي ، وعبد الرزاق الكاشي، إنما يَعنينا النصُّ (١) لا الفصُّ (٢)، وقد أغنَتْنا الفتوحات المدنية (٣) عن الفتوحات المكيَّة)) (٤). هذه الحميةُ والغيرةُ ، وهذا الاختلاف والإنكار ، ذلك الذي لا ينبعث إلا من الحمية الدينية، والانتصار للكتاب والسنة، وإيثار جانب الله والرسول وَل على كل شيء سواهما ، وهذا الحُب الخالص لمن يستحق الحب والاحترام ، ليس كُلُّ ذلك ما يُعَدُّ من المعائب، إنما يجدر أن يعتبر ذلك من أفضل المناقب ، وأعلی الفضائل؛ إذ إنه مصداق کامل لما صح من حديث: ((ثلاثٌ مَنْ كَنَّ فيه وجد بِهِنَّ حلاوة الإيمان ، مَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما ، ومَن أحبَّ عبداً لا يحبه إلا لله ، ومَن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلْقَى في النار))(٥) . (١) يريد به نصوصَ الكتاب والسنة. (٢) يشير إلى كتاب الشيخ محيي الدين بن عربي المعروف بـ ((فصوص الحكم)). (٣) يريد بها تعاليمَ الكتاب والسنة. كتاب الشيخ محيي الدين ابن عربي المعروف بـ((الفتوحات المكية)). (٤) (٥) [أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، برقم (١٦)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن ... ، برقم (٣٤) والترمذي في أبواب الإيمان، باب حديث ((ذاق طعم الإيمان)) برقم (٢٦٢٤)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٥٢٧/٦) برقم (١١٧١٨)، وأحمد في المسند (١٠٣/٣) برقم (١٢٠٢١) وغيرهم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه]. ٥٥٦ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه ٨ - وأُصيبت طائفةٌ بسوء ظنّ كبيرٍ به ، ومغالطات كثيرة في بابه ، فقد نسبَ إليه بعض المؤلِّفين الحاقدين عليه أقوالاً تُوجب الكفر ، وفقاً لمذاهب الجمهور ومعتقدات أهل السنة العامة ، كما نُسبت إليه أقوال أخرى تحط من شأن صاحب النبوة العظمى، وتسيء إليه (أعاذنا الله وجميع المسلمين منها). ولم يكن ابنُ تيمية وحده هدفاً لهذه المعاملة الشنيعة ، بل تناول المعاندون رجال الأمة الآخرين أيضاً بهذه المؤامرة الدنيئة ، إنهم لم يكتفوا بنسبة تلك الأقوال ، والعقائد التي كانوا أبرياء منها ، بل زادوا في مؤلّفاتهم من المواد التي تستوجب الكفر ، والضلال. وتقدَّموا خطوة زائدة، فألفوا كتباً بذاتها - مشتملة على مواد الكفر - ونسبوها إليهم ، جاهدين في نشرها على أوسع نطاق ، هكذا عُومِل حجَّة الإسلام الإمام الغزالي من قِبل معارضيه؛ إذ أنَّ جماعةً كبيرةً من العلماء تعتقد أن الكتب التالية: ((المضنون به على غير أهله)) و((المضنون به على أهله)) و((معراج القدس)) ((ومشكاة الأنوار)) منحولة إليه، فعلَ ذلك أعداؤُهُ وحُسَّاده ، ويقال: إن بعض مؤلفات الشيخ محيي الدين ابن عربي دسَّ فيها مواد وآراء تُخالف مبادىء الإسلام، وما ثبت بالضرورة في الإسلام ، كما يقول الإمام الشعراني ، وقد جرب هو نفسه في كتبه أيضاً قصة تثير الاستغراب والدهشة ، يقول في «الأجوبة المرضية)): ((لقد ألحَقَ بعضُ الحسَّاد إلى كتابي ((البحر المورود في المواثيق والعهود)) زياداتٍ كانت تعارض الشريعةَ، وتولَّوا إشاعتها في الجامع الأزهر وغيره ، حتى نجمتْ بذلك فتنة ، وهنالك اضطررت إلى أن أقدم النسخة الصحيحة الأصلية من كتابي إلى العلماء ، فكتب عليه كبار العلماء ، ومشايخُ الإسلام تزكية وتصديقاً ، ومن ثَمَّ اطلعوا على حقيقة تلك الزيادات التي كان قد ألحقها الحسَّاد إلى كتابي ، وماتت الفتنة)). ولا شكَّ أن المعاملة القاسية التي لقيها ابن تيمية من بعض المعاصرين ، والمتعصبين تؤكد أن كثيراً من أقوال الكفر والعبارات التي يستدل بها على ٥٥٧ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه الإساءة إلى مقام الرسالة العظمى، وقلة الأدب معه (أعاذ الله شيخ الإسلام وجميع المسلمين منها) ، مما حمل كثيراً من المخلصين والعلماء ذوي حميَّة دينية على معارضته ، بل على تكفيره ، وضلالته. وقد غالت طائفةٌ من معارضيه وأعدائه في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع إلى حدٍّ أنها أصدرت فتوى بأنَّ من يُسمي ابن تيمية شيخ الإسلام فهو كافر (١)، فألَّف حافظ الشام شمس الدين الشهير بـ((ابن ناصر الدين)) الشافعي (م ٨٤٢) رداً على هذه الفتوى، وإثباتاً لفضل شيخ الإسلام ابن تيمية ، وعظمته، وإمامته ، وبراءته من هذه الأقاويل كتابه الشهير «الردُّ الوافر على من زعم أن من سمَّى ابن تيمية شيخ الإسلام فهو كافر» (٢) ، جمع فيه شهادات من ٨٧ عالماً وإماماً وآراءهم وانطباعاتهم واعترافاتهم بعظمته وإمامته ، وقدَّم لهذا الكتاب الحافظ ابن حجر العسقلاني والعلامة العيني، وأفاضا في الثناء على ابن تيمية وتأييده ، وأبديا أنه كان صحيحَ العقيدة، وسنيَّ المذهب، وشيخَ الإسلام بلا نزاع ، حتى إن العلامة بدر الدين العيني قال فيما كتب ((من نسبه إلى الزَّندقة؛ فهو زنديق ، وقد سارت تصانيفُه إلى الآفاق وليس فيها شيءٌ مما يدل على الزيغ والشقاق)). بيد أنَّ هذه المؤامرة على ابن تيمية ظَلَّت مستمرةً ، ولم تزل طائفةٌ من (١) يتقدَّم هذه الطائفة الصغيرة الشيخ محمد بن محمد البخاري المشهور بعلاء البخاري، ولد سنة ٧٧٩هـ، وتوفي ٨٤١هـ، كان فقهياً حنفياً، ولد بإيران، ونشأ ببخارى، ورحل إلى الهند، ثم إلى مكة ، ومصر، وأقام بهما طويلاً، ثم انتقل إلى دمشق ، ومات فيها، وكان شديد الإنكار على ابن تيمية ، وعلى الشيخ محيي الدين ابن عربي في وقت واحد، وألف في الأخير كتاباً أسماه ((فاضحة الملحدين وناصحة الموحدين)). (٢) صدر هذا الكتابُ في مجموعة ألَّفها ورتَّبها فرج الله زكي الكردي، واهتم بطبعها الشيخ عبد القادر التلمساني في مطبعة كردستان العلمية في مصر عام ١٣٢٩ هـ، وقد أصدر المكتب الإسلامي في بيروت طبعة جميلة منقحة بتحقيق صديقنا الفاضل الأستاذ زهير الشاويش مع حواش مفيدة وفهارس عديدة سنة: ١٣٩٤هـ، فكان عملاً مشكوراً، والكتاب أثمن ذخيرة تحتوي على حياة الشيخ وسيرته (المؤلِّف). ٥٥٨ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه الناس تنسب إليه أقوالاً لم تكن تمثُ إليه بصلة ، وتناقلها الناسُ مما أثار العواطف خلافه ، وجعل الناس يُخالفون بكتاباتهم ، وكان في مقدِّمتهم عالم القرن العاشر ومؤلِّفه الشهير العلامة ابن حجر الهَيْئَمِي المكِّي (١) ، الذي أصدر فتاوى قاسية على ابن تيمية ، تضمَّنت كلمات نابية مثلاً ((عبدٌ خذلهُ الله تعالى ، وأضلَّه، وأصمَّه ، وأذلَّه)). ولكنَّ عبارة الفتوى نفسها تدل على أن العلامة ابن حجر نفسه لم يطلع على كتبٍ ابن تيمية ، وأن معلوماته لم تكن مباشرة وشخصية ، إنما كان جُلُّ اعتماده في ذلك على تلك النقول ، والإشاعات التي تولى إشاعتها ، وترويجها بين الناس معارضوه ، ودسوها في كتبهم ومؤلفاتهم ، وتحدَّثوا عنها في مجالسهم في ذلك العصر ، إنه يقول في نفس الفتوى بعد ما يَنقل تفرُّدات ابن تيمية الفقهية ، والكلامية: ((وقال بعضهم: ومَن نظر إلى كتبه لم ينسب إليه أكثر هذه المسائل)) ويُبدي شكَّه في آخر الفتوى بقوله: ((فإنْ صحَّ عنه مُكَفِّر، أو مبدِّع؛ يعامله الله تعالى بعدله ، وإلا يغفرُ الله لنا وله)). وقد قام بالردِّ على هذه الفتوى والمحاكمة بين ابن حجر وابن تيمية العلاّمةٌ خير الدين نعمان الألوسي ابن العلاَّمة محمود الآلوسي صاحب ((روح المعاني)) في كتابه القيم ((جلاء العينين في محاكمة الأحمدين))، وردّ على العلاّمة ابن حجر بتفصيل ، وأثبت: أنَّ جزءاً من هذه المنقولات زُورٌ، وافتراء محض ، لا أساس له ، فإن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية تتضمن بياناً وتصريحاً تعاكس هذه المنقولات ، وتضادها تماماً ، وإنَّ جزءاً خفيفاً جداً من هذه المنقولات (١) [وُلد عام ٩٠٩ هـ في مصر، وتوفي سنة ٩٧٣هـ بمكة المكرمة، وأشهر كتبه «تحفة المحتاج)) أربعة أجزاء و((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) و((الصواعق المحرقة)) و((الفتاوى الفقهية والحديثية))، وابن حجر المكي هذا غير العلامة ابن حجر العسقلاني صاحب ((فتح الباري)) ومتأخر عنه، إن ابن حجر العسقلاني إمام شهير في الحديث ومحقق بالغ النظر، يتعذر نظيره في المتأخرين، ولا يدانيه ابن حجر المكي في العلم وسعة النظر ورحابة الصدر والتحقيق]. ٥٥٩ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه يحتاج إلى تفصيل؛ إذ أنه لا يتحدث عن الحقيقة التي بينوها ، أو أن ابن تيمية لا يتفرد فيه وحده كما أنه جمع في هذا الكتاب ذخيرةً قيمةً من سيرته وأحواله (١). ولقد ظلَّ العلماءُ المحقِّقون ، والمؤلفون من العلماء المنصفين ، وواسعي النظر يُعارضون ابنَ حجر المكِّي في هذا الموضوع، ويُبرئون ابن تيمية ، ويعترفون بنبوغه ، وعلو مكانته في رسائلهم ومؤلفاتهم ، حتى إن تلميذ ابن حجر المكي العلامةُ نور الدين علي بن سلطان محمد الهروي المشهور بالمُلّ علي القاري (٢) يعارض آراءه في ابن تيمية ، فإنه يُثني عليه في مؤلفاته ثناء بالغاً ، يقول في ((شمائل الترمذي)) و((المرقاة شرح المشكاة)»: ((ومَن طالع شرح ((منازل السائرين)) تبين لهُ: أنَّهما(٣) كانا مِن أكابر أهل السنة والجماعة ، ومن أولياء هذه الأمة)). وقد تصدَّرَ في آخر الزمان إمامَ المتأخرين شيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم المشهور بولي الله الدَّهلوي بالدفاع عن ابن تيمية بكل قوّةٍ ، وصرح بأنه لم يكن عالماً سني العقيدة ، وسلفي المذهب فحسب ، بل كان شارحاً كبيراً ، ومناضلاً قوياً عن الشريعة الإسلامية ، وخادماً مخلصاً للكتاب والسنة ، وعالماً جليلاً أتحفَ الله به الأمة المحمدية ، كان من نوادر الزمان ممن لا يجودُ (١) طُبع هذا الكتاب في مطبعة بولاق بمصر عام ١٢٩٨ هـ، بالحروف الحديدية الدقيقة ويقع في ٣٦٢ صفحة. (٢) [كان مِن أهل هرات (أفغانستان) ويعتبر من أكابر العلماء الحنفية في عصره، سافر إلى مكة المكرمة حيث توطّن، وكان من علماء المناسك ، والفقه ، والحديث البارزين ، اشتهر من بين مؤلفاته ((المرقاة شرح المشكاة)) و((شرح الفقه الأكبر)) و((شرح الشفاء)» و(شرح شمائل الترمذي)) و((شرح النخبة)) و((شرح الشاطبية)) و((شرح الجزرية)) و((خلاصة القاموس)) وما إلى ذلك، كانت له قدم في التصوُّف أيضاً، توفي عام ١٠١٤ هـ، وصلَّت عليه جماعةٌ كبيرةٌ صلاة الغائب في الجامع الأزهر بمصر]. (٣) [أي: الإمام ابن تيمية، وتلميذه النابع العبقري: الإمام ابن قيّم الجوزية - رحمهما الله]. ٥٦٠ الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بين نقاده والمدافعين عنه به الدهر إلا بعد قرون ، والذين عارضوه ، وتعقبوا عليه لم يبلغوا معشار ما آتاه الله من العلم العميق ، والنظر الدقيق. يقول عنه الشيخ الدَّهلوي تعديلاً لعلماء الإسلام ، وحملة الكتاب والسنة ، ومستشهداً بالحديث الشهير: ((يحمل هذا العلمَ من كلِّ خلفٍ عُدوُله))(١): ((وعلى هذا الأصل اعتقدنا في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فإنا قد تحققنا من حاله: أنه عالم بكتاب الله ، ومعانيه اللغوية ، والشرعية ، وحافظ لسنَّة رسول الله وَّة، وآثار السلف ، عارفٌ لمعانيهما اللغوية والشرعية ، أستاذ في النحو واللغة ، مُحرِّرٌ لمذهب الحنابلة فروعه وأصوله ، فائقٌ في الذكاء ، ذو لسان وبلاغة في الذَّبِّ عن عقيدة أهل السنة ، لم يُؤتَر عنه فِسقٌ ، ولا بدعةٌ ، اللهم إلا هذه الأمور التي ضُيِّق عليه لأجلها ، وليس شيءٌ منها إلا ومعه دليلُه من الكتاب ، والسنة ، وآثار السلف ، فمثلُ هذا الشيخ عزيز الوجود في العلم ، ومن يُطيق أن يلحق شأوه في تحريره وحديثه ، والذين ضيَّقوا عليه ما بلغوا معشار ما آتاه الله تعالى ، وإن كان تضييقه ذلك ناشئاً من اجتهاد ومشاجرة العلماء في مثل ذلك ، وما هي إلا كمشاجرة الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيما بينهم ، والواجب في ذلك كَفُّ اللسان إلا بخير)) (٢). (١) [أخرجه أبو القاسم الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه في ((سنن الشاميين)) (٣٤٤/١) برقم (٥٩٩)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٤٠): رواه البزار، وفيه عمرو بن خالد القرشي ، كذَّبَه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل ، ونسبه إلى الوضع]. (٢) هذه العبارة جزء من رسالة وجهها الشيخ الدهلوي إلى أحد معاصريه المخدوم معين الدين تَهْتَهْوِي (تهتهة مدينة بولاية السند). رداً على رسالة له. وقد كان صاحب هذه الرسالة وجه إلى الشيخ الدهلوي بعض الأسئلة حول تفردات ابن تيمية، مشيراً إلى خلافات معارضيه ، وطلب منه أن يبدي رأيه في ابن تيمية، وقد تولى تلميذ الشيخ الدهلوي ومسترشده الشهير الخواجه محمد أمين الكشميري تدوين مجموعة لرسائله، طبعت في المطبعة الأحمدية باسم («مناقب أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وفضيلة ابن تيمية)) وتوجد نفسُ هذه العبارة المذكورة لرسالة الشيخ الدهلوي في ((جلاء العينين)) أيضاً.