النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته في خلاف ذلك من المضار ، والمفاسد ، إن كلامه يتلخص في أن الاهتمام الشديد بالسفر لزيارة القبور يفتح الأبواب، والأعمال التي قد تُفضي إلى الشِّرك، ويعتقدُ كثير من الناس أنَّ مثل هذه الزيارة عبادةٌ وذريعة إلى التقرب إلى الله ، وعندما يفعلون ذلك يتعدَّوْن حدود الشريعة ، ويتفلَّتُ منهم حبل التوحيد. وقد كان النبي ◌َّ شديدَ الاهتمام بحفظ قبره من العادات والتقاليد الجاهلية ، التي كانت شائعة منتشرة بين اليهود والنصارى حتى قال: ((لَعنَ الله اليهود والنصارى اتخذوا قُبُورَ أنبيائهم مساجدَ))(١)، وابتهل إلى الله تعالى فقال: ((اللَّهم لا تجعلْ قَبري وثناً يعبد ، اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ))(٢) وقال أيضاً: ((لا تشَّخِذوا قبري عيداً، وصَلوا عليّ، فإنَّ صلاتكم حيثما كنتم تبلغني)»(٣). ولذلك لم يُحبَّ النبي ◌َّر أن يدفن في الصحراء ، وإنما دفن في حُجرة عائشة - رضي الله عنها - التي هي مكان حريز ، وذلك لكي يُصان قبره من جميع هذه الأخطار ، ولا يسمح للناس بالرحلة إليه وزيارته أفواجاً إلا الذي يأتي إلى المسجد النبوي للصلاة فيه يزور القبر الشريف بالطريق المسنون ، ويصلي (١) [أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، برقم (١٣٣٠)، ومسلم في كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المسجد على القبور ... ، برقم (٥٣٠)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٢٥٩/١) برقم (٧٨٢) و(٦٥٨/١) برقم (٢١٧٣)، وأحمد في المسند (٢١٨/١) برقم (١٨٨٤). وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنه]. (٢) [أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الصلاة، باب جامع الصلاة، برقم (٤٢٣)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٢/ ١٥٠) برقم (٧٥٤٤) و(٣٠/٣) برقم (١١٨١٩)، وعبد الرزاق في المصنف (٤٠٦/١) برقم (١٥٨٧) مرسلاً من حديث عطاء بن يسار]. (٣) [أخرجه أحمد في المسند (٣٦٧/٢) برقم (٨٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥٠) برقم (٧٥٤٢) و(٣٠/٣) برقم (١١٨١٨)، وعبد الرزاق في المصنف (٥٧٧/٣) برقم (٦٧٢٦)، وأبو يعلى في المسند (٣٦١/١) من حديث علي بن حسين رضي الله عنه]. ٥٢٢ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته ويُسلم على النبي ◌َّكما كان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم يفعلون (١). لقد أُخرجت هذه الفتوى بعدَ سبعة عشر عاماً بحكم عوامل عديدة ، وشُهرت ، وانُّخذت ذريعة لإثارة عواطف المسلمين لما للنبي وَّ من مكانٍ قُدسيٍّ في القلوب، إنهم رأوا فيها إساءة أدبٍ إلى مكانة النبي ◌َّهِ، كما أنَّ العلماء رأوها يتجلَّ فيها الاعتماد الزائد على الرأي الشخصي ، ومعارضة لجمهور الأمة ، ولعلَّ ذلك هو العامل الأقوى لمعارضتهم إياه . وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ هذا الخلاف قد نال من الأهمية والشهرة ما جعل الحكومة (سواء على طلب من العلماء، أو نُزولاً على مصالح النظام) تتدخّل فيه ، وصدر المرسومُ في السابع من شعبان ٧٢٦هـ بحبسه ، فرحب به الشيخُ ترحيباً بالغاً، وأبدى سروره على ذلك ، وقال فور ما علِمَ بحبسه ((أنا كُنت منتظراً ذلك ، وهذا فيه خيرٌ كثير، ومصلحة كبيرة))، ونُقل الشيخ إلى قلعة دمشق حيث أُخْليت له قاعةٌ ، وأجري إليها الماء ، وأقام معه أخوه زينُ الدين ابن تيمية يخدمُه بإذن السلطان ، وأجري عليه ما يقوم بكفايته . ((وما إنْ اعتقل الشيخُ حتى تكشَّفت القلوب عن خبيئاتها ، وتوجَّه الأذى إلى تلاميذه ، وأوليائه ، فأمر قاضي القضاة بحبس جماعة من أصحابه ، وعزّر جماعة منهم بإركابهم على الدواب ، والمناداة عليهم ، وبعد ذلك أطلقوا من محابسهم ، ما عدا صفيه ، وحامل اللواء من بعده شمس الدين محمد ابن قيم (١) إنَّ قضية صيانة عقيدة التوحيد، وسد ذرائع الشرك، والغلو في التعظيم، والتشبه بالأمم التي اتخذت قبور أنبيائها مساجد قضية مسلمة لا تقبل نقاشاً ، ويؤيدها كل من فهم روح الدين وتذوق الكتاب والسنة ، ولكن المنع عن زيارة القبر النبوي الشريف بتاتاً ، والتشديد في ذلك لا يخلو من شيء من المغالاة ، والتطرف إنما كان ذلك نتيجة ذكاء ابن تيمية المتوقد ، وحسه المرهف ، الذي يمثل لصاحبه أبعد الإمكانات ، وأقبح الاحتمالات ، وذلك لا يغطي فضائله الكثيرة ومواقفه العظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين ، وبلوغه درجة الإمامة في علوم الدين ، ولم يكن يستحق بذلك ما لقيه من نكران وجفاء ، وبقاء في الحبس إلى أن يفارق الدنيا. (المؤلِّف). ٥٢٣ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته الجوزية فإنه حُبس بالقلعة)) (١) ، وظلَّ معه في الحبس، وما أفرج عنه إلا بعد وفاته . تَأْسُف أهلِ العلم والدين واحتجاجُهم: إذا كان اعتقالُ شيخ الإسلام ابنِ تيمية موضعَ سرور عند شِرْذِمَةٍ قليلةٍ من الحُسَّاد والمناوئين؛ فلقد كان مَبعثَ أَلَمٍ عميق عند جماعة كبيرة من أهل العلم والمسلمين والمخلصين الذين اعتبروه انتصاراً للبدعة على السنة ، وذلةً للحق وأهله ، ولقد بعَثَ أهل العلم والدين من أنحاء المملكة المختلفة إلى السلطان الناصر بمصر كتاباً يُصوِّرون فيه النازلة التي نزلت بالإسلام والمسلمين ، ويَحسُن بي أن أنقلَ إلى القارىء الكريم كتاباً بعثَه علماء بغداد إلى السلطان ، وحسبنا أن نقدِّر بذلك أنَّ دعوة الشيخ وشُهرته كانت قد انتشرت في جميع الأقطار الإسلامية ، وأنَّ أهل الحق جميعاً إنما كانوا يحبونه ، ويُعجبون به. يقول علماءُ بغداد : ((لمَّا قرأ أهلُ البلاد المشرقية والنواحي العراقية التَّضييق على شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية سلَّمه الله ، عظُم ذلك على المسلمين ، وشقَّ على ذوي الدين ، وارتفعت رؤوس المُلحدين ، وطابت نفوسُ أهل الأهواء ، والمبتدعين ، لمَّا رأى علماءُ أهل هذه الناحية عِظم هذه النازلة من شماتة أهل البدع وأهل الأهواء بأكابر الفضلاء، وأئمة العلماء؛ أنهوا حال هذا الأمر الفظيع والأمر الشنيع إلى الحضرة الشريفة السلطانية زادها الله شرفاً ، وكتبوا أجوبتهم في تصويب ما أجاب به الشيخ سلَّمه الله في فتاواه ، وذكروا مِن علمه وفضائله بعض ما هو فيه ، وحملوا ذلك بين يدي مولانا ملك الأمراء أعزَّ الله أنصاره ، وضاعف اقتداره ، غيرةً منهم على هذا الدين ، ونصيحةً للإسلام ، وأُمراء المؤمنين)» (٢). (١) ابن تيمية: محمد أبو زهرة، ص ٨٤. (٢) العقود الدرية: ص ٣٥٠ - و((الكواكب الدرية)» ص ١٩٨. ٥٢٤ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته وهذا الكتابُ يدلُّ على أمرين : أحدهما ، وهو العُمدة: أن ذلك العالم الجليل قد عمَّت دعوته إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة البقاعَ الإسلامية ، ولم تَعُدْ آراؤه ومنهجه مقصورة على أهل الشام ، بل تجاوزتها إلى البقاع الإسلامية كلِّها ، وفوق ذلك لم تعد مقصورة على الحنابلة ، بل تحمَّسَ لها المالكيةُ، والحنفيةُ ، والشافعيةُ ، مما يُثبت أنه لم يعد نصيراً لمذهب مُعيَّن مِن مذاهب الإسلام بل نصيراً للإسلام في لُبُّه وصميمه . الأمر الثاني: أنَّ أهل الأهواء قد أظهروا الشماتة ، والعداوة ، وأبدوا صفحتهم بعد أن كانوا قد أخفوها ، وكانوا مستورين غير مكشوفين ، وإذا كان أوَّلُ متهم بجريمة هو المنتفع منها فلا بدَّ أن أولئك الذين والوا دَسَّهم على الشيخ ، وكانوا يتظاهرون بالمذاهب السُّنية؛ ليخدعوا الأمراء والقضاة ، ولمَّا تمَّتِ الخديعة ظهرت شماتَتُهم للعيان ، وبدت ظاهرة غير مستورة. أشغالُ الشّيخ في القلعة: تمتَّع الشيخُ بنعمة الهدوء والخلوة في القلعة بعد مُدَّة طويلة ، ولعلَّه كان قد أشار إلى ذلك بقوله: (فيه خيرٌ كثيرٌ، ومصلحةٌ كبيرةٌ) إنه قدَّر فرصة الخلوة والانقطاع هذه حقَّ قدرِها، وأقبل على العبادة والتلاوة بكل رغبة وانهماك ، فإذا توفّر له بعضُ الوقت من هذه الأعمال شَغَله بالمطالعة والتأليف ، وتنقيح كتبه ، الأمر الذي كان يُعدُّ عبادة من العبادات، وطاعةً من الطاعات التي يتقَّب بها إلى الله ، غير أنه كان لتلاوة القرآن قسطٌ أكبر، ونصيبٌ أوفر من أوقاته وأشغاله؛ إذ أنه ختم القرآن مع أخيه الشيخ زين الدين ابن تيمية خلال الفترة التي قضاها في هذا المحبس (وهي سَنتان) ثمانین ختمة . وجُلُّ ما ألَّفه في ذلك المحبس كان يتَّصل بالتفسير ، ولعلَّ إكثارَه من تلاوة القرآن والتدبر فيه كان السبب في ذلك ، كما أنه ألَّف الرسائل ، وردّ على بعض ٥٢٥ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته المسائل ، وكان يُجيب على كل ما يرِدُ إليه من الخارج من الأسئلة العلمية ، والاستفتاءات الفقهية ، وهكذا فقد كان مستمراً في جميع أعماله وأشغاله سوى المواعظ والدروس العامة ، أضف إلى ذلك كثرة التلاوة ، والعبادة. القُيود الجديدة وحرمانُه أدوات الكتابة والدراسة: كانَ الناس يتلقَّفون كُلَّ ما كان يكتُبه الشيخ في المجلس ، ويصل من أقصى البلاد إلى أقصاها ، ومن بين ما كتبه الشيخ من الرسائل والمسائل في حبسه رسالةٌ في موضوع مسألة الزيارة ردّاً على أحد قضاة المذهب المالكي في مصر القاضي عبد الله ابن الأخنائي (١) ، أثبتَ فيها أنَّ القاضي المذكور رجلٌ قليلٌ البضاعة في العلم ، فاشتكى القاضي من ذلك إلى السلطان ، وأبدى سخطه ، واستنكاره ، فأصدر السلطان مرسوماً يُصرح بمصادرة جميع ما عند الشيخ من أدوات الكتابة والكُتب، حتى لا يبقى عنده ما يستعينُ به في التأليف، والكتابة. وفي التاسع من جمادى الآخرة سنة ٧٢٨ هـ نفّذ المرسومُ وصُودرت جميعُ أدوات الكتابة والدراسة من الشيخ باسم الحكومة . وفي غرة رجب أرسلت جميع مسوداته وأوراقه من المحبس إلى المكتبة ((العادلية (٢) الكبرى)) وكان ذلك نحو سِتِّين مجدّداً من الكتب ، وأربع عشرة ربطة كراريس التي كان يشتغل بها دراسة وتأليفاً. الكتابةُ والتَّأليفُ بالفَحم: ولكنَّ الشيخَ لم يُفزعه كلُّ ذلك، وما أبدى شَكاةً منه للحكومة ، ولمَّا مُنع من الكتابة ، وأخذ منه القلم والدواة ، بدأ يكتُب بالفحم على أوراق مبعثرة هنا وهناك ، ووجدت له عدةُ رسائل وكتابات مكتوبة بالفحم ، وظلّت محفوظة في (١) اقرأ ((الرسالة الأخنائية)) طبع مصر. (٢) [والتي تقع اليوم أمام مكتبة الظاهرية، كانت مقرّ المتحف الوطني، ومجمع اللغة العربية في عصر الانتداب]. ٥٢٦ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته هذه الحالة ، وإنه في مثل هذا الاضطرار والعجز يبدو شاكراً، وراضياً بقدر الله ، إنه يشعر بأنه سيُحرز بهذه الأحوال فضيلةَ الجهاد ، وكأنَّ الوضع لم يتغير عما كان عليه ، ويقول في رسالة له: ((نَحنُ ولله الحمدُ في عظيم الجهاد في سبيله ، بل جهادُنا في هذا مثل جهادنا يوم قازان ، والجبلية ، والجهمية ، والاتحادية ، وأمثال ذلك ، وذلك مِن أعظم نعم الله علينا ، وعلى الناس ، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون)». الخضوع أمام قَدَر الله وعاطفةُ الحَمْد والشُّكر: ويتجلَّى في رسالةٍ أُخرى الخضوعُ أمام قدرِ الله وعاطفةُ الرضا والشكر ، يقول : ((كلُّ ما يقضيه الله تعالى فيه الخيرُ والرحمة والحكمة ، إنَّ ربي لطيفٌ لما يشاء إنه هو القوي العزيز العليم الحكيم ، ولا يَدخل على أحد ضررٌ إلا من ذنوبه ﴿َّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَ اَللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَيِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. فالعبدُ عليه أن يَشْكُر الله ويحمده دائماً على كلِّ حالٍ ، ويستغفر من ذنوبه ، فالشُّكر يوجب المزيد من النعم ، والاستغفار يدفَع النَّقم ، ولا يقضي الله للمرء من قضاءٍ إلا كان خيراً له ، إنْ أصابته سرّاءُ شكَرَ ، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له)). إنَّه في هذه الحال أيضاً متأكدٌ من صحة مذهبه وبراءته ، ويعتقدُ أنه ليس عليه ذَنب سوى أنه لم يخضع أمامَ السلطان في مسألةٍ شرعية ، وظل قائماً على ما كان يراه حقاً ، ولكنه يعترفُ بجريمته ، ويعتبرُ ذلك مقتضى الإيمان والتوحيد ، يقول: («غايةُ ما عندهم أنه خُولف مرسوم بعض المخلوقين ، والمخلوق كائناً مَن كان إذا خالف أمرَ الله تعالى ورسوله لم يَجبْ بل لا تجوزُ طاعته في مخالفة أمر الله ورسولهِ باتفاق المسلمین)». ٥٢٧ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته أيَّامُه الأخيرةُ ووفاته: يقولُ الشيخ زين الدين عبد الرحمن شقيقُ شيخ الإسلام: إنَّه لمّا بدأ يقرأ القرآن بعد ما أكمل ثمانين ختمة ووصل إلى قوله تعالى ﴿ إِنَّ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِكٍ مُقْنَدِرٍ ﴾ [القمر: ٥٤ -٥٥] ترکني اٌلْتَّفِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ ! ٥٤ وأخذ في مدارسة القرآن مع الشيخ عبد الله بن مُحب وعبد الله الزَّرعي ، وكانا في غاية من الصلاح والتقى ، وأخوين شقيقين ، وذلك لأن الشيخ إنما كان مُعجباً بقراءتهما القرآن ، وما كادت تنتهي هذه المُدارسةُ حتى انتهت أيام حياته . ولمّا بلغ نائبَ دمشق نبأ مرضه الأخير استأذن في الدخول عليه ليعوده ، فأذن له ، فلمَّا جلس أخذ يعتذر ويلتمس منه أن يعفو عنه إذا كان قد وقع منه تقصير أو أذى في حقه ، فأجابه الشيخ: ((إِنِّي قد أحلَلْتُك، وجميعُ من عاداني، وهو لا يعلم أني على الحق ، وأحلَلْتُ السلطان المعظّم الملك الناصر من حبسِه إياي ، لكونه فعل ذلك مُقدِّداً معذوراً، ولم يفعله لحظ نفسه ، وقد أحلَلْتُ كلَّ أحد مما بيني وبينه إلا مَن کان عدواً لله ورسوله پے)). دامت العِلَّةُ مُدةً تُقارب ثلاثة أسابيع ، واستمر به الحال حتى وافاه الأجل في ليلة ٢٢ من شهر ذي القعدة سنة ٧٢٨هـ ، وارتحل من هذه الدنيا وقد بلغ من العمر ٦٧ سنة ﴿ كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: ٢٦ -٢٧]. ونعى الشيخَ مؤذِّنُ القلعة على المنارة ، وتكلّم بها الحرَّاس على الأبرجة ، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا بهذا الخطب العظيم والأمر الجسيم ، وبادروا على الفور إلى القلعة من كلِّ مكان أمكنهم المجيء منه ، وفُتح بابُ القلعة واجتمع حَشْدٌ عظيم من الخاصة والعامة يدخلون إليه أفواجاً ويزورونه ، ومنهم ٥٢٨ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته من كان يقبل رأسَه وناصيته التي كانت تَنْصَب على الأرض ساعات طوالاً أمام ربّه. وبدأ الناسُ يختمُون القرآن قبل غسله ، وأُذِن للنساء بعد الرجال فزُرْنَه، ولم يبق عند الغسل إلا من كان عليه أن يُغسله. وَضْفُ الجنازة والتَّدفين: وصُلِّيَ عليه أولاً بالقلعة ، وتقدَّم في الصلاة عليه أولاً الشيخُ محمد بن تمام ، وأخرِجت الجنازةُ بعد الصلاة ، وغصَّتِ الطرقُ كلها ما بين القلعة والمسجد بالناس حتى حضرت الجنازةُ في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ، ووُضعت في الجامع ، والجُند قد احتاطوا بها يحفظونها من الناس من شدة الزحام ، وتزايدَ الزحامُ إلى حدٍّ لا يبلغ الإحصاء والتقدير ، وقد صاح بين هذا الزحام صائحٌ يقول ((هكذا تكونُ جنائز أئمة السنة)) الجملةُ التي هاجت الناس وأثارت أحزانهم ، وحماسهم ، فارتفعتِ الأصوات ، وعلا النشيج. وصُلِّي عليه عقيب صلاة الظهر في الجامع الأموي ، وقد تضاعف اجتماعُ الناس إلى أن ضاقت الرِّحاب والأزقة والأسواق بأهلها ومن فيها ، وأُغلقت الأسواق ، والمتاجر ، والمطاعم ، وقد نَوى كثير من الناس الصيام؛ إذ كانوا في شُغل شاغل عن الطعام والشراب. ثُم حُمِلَ بعد أن صُلِّ عليه على الرؤوس والأصابع ، واشتد الزحامُ ، وعَلَتِ الأصواتُ بالبكاء ، والنحيب ، والترجُّم عليه، والثناء ، والدعاء له ، وألقى الناس على نعشِه مناديلهم ، وعمائِمهم، وثيابهم ، وفارقتِ النعالُ ، والقباقيبُ الأرجلَ ، والأقدامَ ، وسقطت المناديلُ، والعمائم عن الرؤوس ، والناس لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة ، وصار النَّعش على الرؤوس تارةً يتقدم ، وتارة يتأخر ، وتارة يقف ، حتی یمر الناس. وعَظُمَ الأمر بسوق الخيل ، وتضاعف الخلق ، وكثر الناس ، ووُضعت ٥٢٩ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته الجنازةُ هناك ، وتقدَّمَ للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن ، وحُمل إلى مقبرة الصوفية (١) حيث دُفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله رحمهما الله . وكان دَفْنُه قبل العصر بيسير ، وذلك من كثيرٍ من يأتي ويُصلِّ عليه ، ولم يتخلَّف عن الحضور إلا مَن هو عاجز عن الحضور ، ويُحزَرُ الرجال الذين حضروا الجنازة ما بين ستين ألفاً إلى مئة ألف ، عدا النساء ، يُقدَّر عددُ الحاضرات منهن خمسة عشر ألف امرأة ، عدا من كُنَّ على الأسطحة والغرف ، ولم يُعهد مثل هذا الزحام في تاريخ دمشق ، ويمكن أن يكون ذلك في زمن بني أمية حين كان الناس كثيرين وكانتْ دمشقُ دار الخلافة (٢) . صَلاةُ الغائب على ابن تيمية: وصُلي عليه صلاة الغائب في معظم الأقطار الإسلامية حتى في أقصى الجنوب والشرقٍ. يقول ابنُ رجب في ذيل ((طبقات الحنابلة)) : (١) هي المقبرة الشهيرة التي هي مدفن كبار أهل العلم والصلاح كابن عساكر ، وابن الصلاح، وابن الأثير ، وأبي الحجاج المِزْي ، والحافظ عماد الدين ابن كثير، وغيرهم ، وقد زالت آثارها وتقوم عليها الآن عمارات شامخة ، إلا أن قبر ابن تيمية لا يزال باقياً أمام قاعة الجامعة السورية ، وعمارة مستشفى الولادة ، وقد أتيحت لي زيارته في ١٠ شوال عام ١٣٧٠ هـ (٢٨ يوليو سنة ١٩٥١م) بصحبة علامة الشام الشيخ بهجة البيطار ، وقد حذَّثني الشيخ بأن هذه المقبرة درست من القبور في إحدى الليالي بمناسبة تأسيس عمارة في الجامعة السورية ، ولمَّا انتشر الخبر في الصباح أرسل الرئيس شكري القوتلي إلى مدير الجامعة النصراني ، وقال له: لو أنَّ قبر ابن تيمية اندرس ماذا عسى أن يكون جوابي لصديقي الملك عبد العزيز بن سعود إذا سألني عن هذا الحادث فإنه من محبي ابن تيمية ، وأنصاره؟! وهنالك أبقي قبر الشيخ ابن تيمية الذي لا يزال موجوداً حتى الآن. (المؤلِّف). (٢) كلُّ هذه التفاصيل مما كتبه ابن كثير برواية الشيخ علم الدين البرزالي الذي كان من معاصري الإمام ابن تيمية وزميل دراسته ، انظر (البداية والنهاية)) ج ١٤ ص ١٣٦ - ١٤٩. ٥٣٠ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته ((وصُلِّي عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة ، والبعيدة ، حتى في اليمن ، والصِّين ، وأخبر المسافرون: أنه نُودي بأقصى الصين للصلاة عليه يوم جمعة ، وأُعلِن: «الصلاة على ترجمان القرآن)). -٠٠ ٥٣١ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه الفصل الرابع ميّزاتُ ابن تيميَّة البارزة وخصائِصُه ذَاكِرَتهُ الموهوبة وذكاؤه النادر: إنَّ المكانة الاجتهادية في العلوم الإسلامية التي أحرزها شيخُ الإسلام ابن تيمية في عصره ، وإنَّ التأثيرَ العميق الذي خلَّفه على أهل زمانه لإمامته في التفسير والحديث معاً، وتبخُّره، ونبوغه في العلوم إنما كان الفضلُ الأكبرُ في ذلك يرجعُ إلى ذاكرته النادرة ، وذكائه المفرط ، وكلُّ ذلك نعمةٌ أكرمه الله بها ، وموهبةٌ اختصه بها . وكانتِ العلومُ الإسلاميةُ قد توسَّعت في عصره، وتجمَّعت ذخيرةٌ واسعةٌ للعلوم النَّقلية بحيث لم يكن بإمكان أحد أن يُحيط بها علماً، ولا أن يتجرَّأ على الكلام في المسائل المختلفة فيها أمام مُعاصريه الكبار، ولا كان يملك حقَّ اختلاف مع عالم متقدِّم في أي مسألة ما لم يكن يتمتع بذاكرةٍ نادرةٍ ، وذكاءٍ مفرط . ولكنَّ الذاكرة القوية ، وقُوة الاستحضار التي كان قد أكرمَ اللهُ بها ابن تيمية مكَّنته من الإحاطة بالذخائر الموجودة آنذاك من التفسير ، والحديث ، والفقه ، ٥٣٢ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه وعِلْم الخلاف ، والكلام، والتاريخ، والسير، والآثار، وعلم الرجال ، واللغة ، والنحو. فقد درس ما تيسّر له من الكتب ، والمواد العلمية ، ووعثْها ذاكرتُه القوية الأمينة ، واستعانَ بها في حياته العلمية ، والتأليفية ، كما يستعينُ الجنديُّ المُحنَّك بذخائر کِنانته. كان مُعترفاً بذاكرته النادرة القوية وذكائه البارز لدى معاصريه من العلماء . وقد اتفق المعاصرون ، والمتأخِّرون كُلُّهم على قوَّة حفظه ، وسُرعة فهمه ، وشِدة ذكائه ، يقول زميلُه في الدراسة العلامة عَلم الدين البِرْزَالي: ((قَلَّ أنْ سمع شيئاً إلا حفظه، وكان ذكياً كثير المحفوظ)» (١) . ويقول الحافظُ الذهبي الذي يُعتبر من أئمة علم الرجال ومؤرِّخ الإسلام: ((ما رأيتُ أشد استحضاراً للمتون ، وعَزْوِها منه ، وكانت السُّنة بين عينيه وعلى طرف لسانه ))(٢). ومِن أکبر الشهادات على حفظه للمتون وقُوَّة ذاكرته هو قول معاصريه فیه : ((كلُّ حديث لا يعرفُه ابنُ تيمية فليس بحديث)). ولا يخفى أنَّ حفظَ ذخائر الحديث الواسعة إنما كان من الصعوبة بمكان ، ولكنَّ الاعتماد على عِلمه وذاكرته وحدهما في موضوع الحديث والحكم على أساس قوله لا يمكن مالم يُعترف بأنه أكبر حافظ للحديث في عصره ، وأنَّ قوة حفظه لا تخذله في أي حال ولا مجال. يقول الحافظُ الذهبي: ((يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فلیس بحديث)) (٣). وحتى قال بعضُ معاصريه: وهذا معاصره العلامة كمال الدين الزَّملكاني (١) الرد الوافر: ص ٦٦. (٢) القول الجلي: ص ١٠١ . (٣) الكواكب الدرية: ص ١٤٥ . ٥٣٣ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه الذي كان خصمه في مجلس المناظرة ، وكان بينه وبين ابن تيمية خلاف كبير في کثیر المسائل يشهد بصفته الموهوبة هذه ، فيقول: ((لم يُرَ من خمسمئة أو أربعمئة سنة - والشك من الناقل - أحفظ منه))(١). ويَتحدَّث عن ذكائه المُفرط الحافظُ الذهبي، فيقول: ((كان يتوقَّد ذكاء)» ، ويقول في مكان آخر: ((كان آية على الذكاء، وسُرعة الإدراك)) (٢). التَّبَخُر العِلميِ والجَامعيَّة: لقد تبخّرَ ابنُ تيمية في العلوم الإسلامية ، والموضوعات السائدة في زمانه ، وتمثَّع بصفة الجامعية في هذه العلوم والفنون بفضل ذاكرته الموهوبة، وذكائه النادر، وذوقه العلمي الذي ورثَه من آبائه ، ثم بجُهوده البالغةِ والمشاقّ التي احتملها في سبيل دراسته ، وبفضل التوفيق الإلهي قبل كل شيء؛ بحيث إنَّ معاصريه الكبار الذين كانوا يكبُرونه في السن ، وكانوا أساتذة الفن ، والذين انتهت إليهم رئاسة التدريس ، والإفتاء ، وسُلِّمت إمامَتهم في العلوم الإسلامية قد قضوا من هذه الصفات عجباً ، وشهدوا: أنه بحر العلوم ، ومكتبةُ الإسلام الناطقة ، وله في كل فَنَّ براعة تدُّ على أنه صاحب اختصاص في هذا الفن. ولمّا سافر ابنُ تيمية إلى مصر في عام ٧٠٠ هـ ولقي هناك العلامة ابن دقيق العيد؛ أعجب به على ما كان يحتله من المكانة العليا في علم الحديث ، ويعتبر أستاذ العلماء ، وكبيرهم، وقد عبَّر العلامة عن إعجابه بابن تيمية ، فقال: ((لما اجتمعتُ بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلُّها بين عينيه، يأخُذ منها ما يريد ، ويَدعُ ما يريد)) (٣) . ويُبدِي عَجبه من ابن تيمية زميلُه العلاّمة كمال الدين الزَّمْلكاني، الذي كان (١) الكواكب الدرية: ص ١٤٥ . (٢) الرد الوافر: ص ٢٩. (٣) المرجع السابق: ص ٣١. ٥٣٤ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه عالماً مُتبخّراً بنفسه في كثير من الفنون ، فيقول: ((كان إذا سُئل عن فَن من العلم؛ ظن الرائي، والسامع: أنه لا يعرف غير ذلك الفن ، وحَكم أنَّ أحداً لا یعرف مثلە)» (١). أمَّا العلَّمة تقي الدين السّبْكِي الذي هو خصمه الشهير، وألّف في الردِّ عليه حول مسألة شد الرحال ، وفي بعض المسائل الفقهية كُتباً مستقلة بذاتها ، وأبدى رأيه عنه في النظام أيضاً ، فإنه بالرغم من ذلك كتب في رسالة له موجهة إلى الحافظ الذهبي : («المملوكُ يتحقَّق كبيرُ قدره، وزَخارة بحره، وتوسُّعه في العلوم الشرعية ، والعقلية، وفرط ذكائه، واجتهاده، وبلوغه في كل ذلك المبلغ الذي لا يتجاوزه الوصف ، والمملوك يقول ذلك دائماً)) (٢) . إنَّ التاريخ لم يكن من اختصاص ابن تيمية: ولم يتوفر على دراسته كتوفره على دراسة العلوم الدينية ، ولكن الذهبي الذي كان من مؤرِّخي الإسلام المبصرين في التاريخ والناقدين له يتحدَّث عن معرفته بالتاريخ فيقول: ((ومعرفته بالتاريخ ، والسير فعجبٌ عجيب)). وقد نقلَ تلميذُه النابغةُ ابن قيم الجوزية حادثاً مدهشاً عن علمه بالتاريخ ، وسعة نظره ، وحضور ذهنه في كتابه ((زاد المعاد)) إنه يقول: ((ولمَّا كان في بعض الدول التي خَفيت فيها السُّنة وأعلامها أظهر طائفةٌ منهم كتاباً قد عتَّقوه ، وزوَّروه ، وفيه: أنَّ النبي ◌َّيّ أسقط عن يهود خيبر الجزية ، وفيه شهادةُ عليّ بن أبي طالب ، وسعد بن معاذ، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم، فراج ذلك على مَنْ جَهل سُنَّة رسول الله بَطَر ومغازيه وسيره ، وتوهَّموا بل ظنوا صحته ، فأُجيزوا على حكم هذا الكتاب المزور ، حتى ألقي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية (قدَّس الله روحه) وطُلب منه أن يعين على تنفيذه ، (١) الرد الوافر: ص ٣٠. (٢) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (ترجمة العلامة تقي الدين السبكي). ٥٣٥ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه والعمل عليه ، فبصَق عليه واستدل على كذبه بعشرة أوجه: منها: أنَّ فيه شهادة سعد بن معاذ ، وسعدٌ تُوفِّي قبل خيبر. ومنها: أنَّ في الكُتب: أنه أسقط عنهم الجزية ، والجزية لم تكن نزلت بعدُ، ولا يعرفها الصحابة حينئذ ، فإن نزولها كان عام تبوك بعد خيبر بثلاثة أعوام. ومنها: أنَّه أسقط عنهم الكُلَف، والسُّخَرَ ، وهذا محالٌ ، فلم يكن في زمانه كُلَفٌ؛ ولا سُخَرٌ تُوجد منهم، ولا من غيرهم ، وقد أعاذَهُ الله، وأعاذَ أصحابه من أخذ الكلف ، والسخر ، وإنما هي من وضع الملوك الظَّلمَة ، واستمر الأمر عليها . ومنها: أنَّ هذا الكتاب لم يذكره أحدٌ من أهل العلم على اختلاف أصنافهم ، فلم يذكُرُه أحدٌ من أهل المغازي ، والسير ، ولا أحدٌ من أهل الحديث ، والسنة ، ولا أحدٌ من أهل الفقه، والإفتاء ، ولا أحدٌ من أهل التفسير ، ولا أظهروه في زمان السَّلَف لعلمهم أنهم إن زوَّروا مثل ذلك؛ عَرفوا کذبه ، وبطلانه (١). ويُمكن تقدير ذكائه وتبُّرِه العلمي بما حدَّثه أحدُ معاصريه الشيخُ صالح تاج الدين ، إنه يقول: ((حَضَرْتُ مجلسَ الشيخ رضي الله عنه وقد سألهُ يهوديّ عن مسألة في القدر؛ وقد نظمها شعراً في ثمانية ، فلما وقف عليها فكَّر لحظة يسيرة ، وأنشأ يكتب جوابها ، وجعل يكتب ، ونحن نَظُنُّ أنه يكتب نثراً ، فلما فرغ تأمَّله من حضر من أصحابه؛ فإذا هو منظوم من بحر أبيات السؤال ، وقافيتها ، تقرُب من مئة وأربعة وثمانين بيتاً ، وقد أبدى فيها من العلوم ما لو شُرح لبلغ مجلَّدين کبیرین)» (٢). ولمَّا رأى المعاصرون من العلماء والمتأخِّرون منهم تبخُّره في العلوم ، (١) زاد المعاد: ج ١ ص ٣٣٦، فصل في هدي النبي ◌َّر في عقد الذمة وأخذ الجزية. (٢) الكواكب الدرية: ص ١٥٤ . ٥٣٦ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه وجَمعه للصفات العالية ، والمميزات البارزة ، لم يلبثوا أن وصفوه بأسمى الصفات ، فاعتبروه نادرة الزمان ، إمام المحققين ، آخر المجتهدين ، وآيةً من آيات الله ، حتى يقول ابن سيد الناس (المتوفى عام ٧٣٤هـ): ((لم ترَ عَيْنُ مَن رآه مثله ، ولا رأت عينُه مثل نفسه)) (١) ولم يملك الحافظ شمس الدين الذَّهبي ذلك المؤرِّخ الكبيرُ الناقد البصير إلا أن يصفه بقوله: ((لو حَلَفْتُ بين الركن والمقام لحلفتُ أنّ ما رأيت بعيني مثله ، ولا والله رأی هو مثل نفسه في العِلم)). الشَّجاعةُ والاستقلال الفكريُّ: لقد كانتْ شجاعةُ ابن تيميَّة وبسالتُه وصمُوده ، أمامَ الموت موضع دهشةٍ عندَ جميع معاصريه حتى ضباط الجيش، وقواد الأتراك ، فإن الشجاعة والجرأة التي أبداها إزاء المغول ، وثبات الجأش الذي ظهر به أمامهم أثار استغراب الجميع ، ولم يترك ((قبجق)) نفسه الذي يعتبر من كبار الضباط العسكريين الأتراك وأشهرهم في عصره إلا وجعله يندهش من شجاعته الفذة التي لا يُعرف لها نظير في حملة العلم ، يصفه الحافظُ سراج الدين بالكلام الآتي : ((وكان إذا ركب الخيلَ يجول في العدو كأعظم الشُّجعان ، ويقومُ كأثبت الفرسان ، ويُنكي العدو من كثرة الفتك بهم ، ويخوض بهم خوض رجلٍ لا يخاف الموت)» (٢). ولكنِّي لا أريد أن أتحدَّث هنا عن شجاعته التي أبداها في ساحة القتال وبلاط الملوك إعلاءً لكلمة الحق ، فقد مرَّ بعض التفاصيل عنها في الصفحات الماضية ، إنني أتحدث هنا عن شجاعته التي ظهرت منه في مجال العلم ، والتحقيق ، والمعارك الكلامية ، والصَّدع بالحق. يعرفُ أهلُ العلم من القُراء أن ابن تيمية ليس مُتَفرِّداً في أكثر المسائل ، (١) الكواكب الدرية: ص ١٥٤. (٢) المرجع السابق: ص ١٦١ . ٥٣٧ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه فقد نوقشتْ هذه المسائل من قبل ، وألِّفتْ في موضوعها رسائل ، وقد وُجد في عصره من كان يوافقُه في آرائه من معاصريه ، غير أنَّ الجُرأة والصراحة اللتينِ اتَّسم بهما في إبداء آرائه وتحقيقاته ، وأعلنهما في كتاباته وخُطبه كان المجلِّي فيهما ، ولا أدلَّ على صفته هذه مما قام به من شرح التوحيد الخالص ، وردِّ الاستغاثة والاستعانة بغير الله ، ومُعارضة البدع والمنكرات السائدة في عصره ، والكِفاح بالقلم واللّسان مقابل وحدة الوجود ، ونظرية الحلول والاتحاد ، وهَتْك الأستار عن تلبيسات المتصوفين الدُّخلاء والمبتدعين المفترين. إنَّ الجرأةَ البالغةَ التي مَثَّلها في إحقاق المسائل والتحقيقات التي کان يراها حقاً سواء كان لها علاقة بالمباحث الكلامية ، أو المذاهب الفقهية ، وإنَّ الأسلوب القويّ الذي اتخذه لإثبات عقائده ونظرياته ، وإن الأذى الذي احتمله في هذا السبيل ، كلُّ ذلك ليس حجَّة على شجاعته واستقامته فحسب ، بل يَدُكُّ على عظمته ، وإمامته في الدين أيضاً. يتحدَّث الحافظُ الذهبي عن شجاعته ، واستقامته العلمية والدينية ، فيعبر عنهما بما يلي : ((أطلَقَ عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون، وهابوا، وجسَر هو عليها، حتى قام عليه خلقٌ من علماء مصر والشام قياماً لا مزيد عليه ، وبدَّعوه ، وناظروه ، وكاتبوه ، وهو ثابت لا يُداهن، ولا يُحابي ، بل يقول الحقَّ المرّ الذي أدَّاه إليه اجتهاده، وحِدَّة ذهنه ، وسعة دائرته في السنن والأقوال مع ما اشتُهر عنه من الورع، وكمالِ الفكر، وسعة الإدراك، والخوف من الله العظيم ، والتعظيم لحرمات الله ، فيَجري بينه وبينهم حملاتٌ حربيةٌ ، ووقعات شامية ومصرية ، وكم من نوبة رموه عن قوس واحد ، فيُنجيه الله)) (١) . ولا شكَّ أنَّ ابن تيمية إنما كان يمتاز في تبخّره العلمي عن معاصريه ، كما (١) الرد الوافر: ص ٧١. ٥٣٨ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه اعترف بذلك معاصروه بكلمات قوية ، غير أنَّ مِيزَته الأصيلة التي جعلته فَذّاً بين أقرانه المعاصرين ، وخلَّدتِه في التاريخ لم تكن مجرد تبخّره في العلم ، بل إنما هو استقلالُه الفكري ، وذوقه للبحث والتحقيق وأسلوبُه الاجتهادي ، إنه لم يدرس من العلوم والفنون إلا ما كان قد درسه أكثر معاصريه ، ولكنَّه شق فيها طريقه الذي سار عليه ، وسُرعان ما أحرز مكانته الخاصة ، لقد كان كلّ العلماء في زمنه قد تعلموا النحو ، واعتقدوا في سيبويه إماماً للنحو واجبَ الاتباع ، واعتبروا قَوله هو الحُجَّة الأخيرة في النحو ، ولكنَّ ابن تيمية كان قد درس ((الكتاب)) لسيبويه دراسةً نقد وتحليل ، فلما ذكر أبو حيان النحوي بعض مسائل النحو برواية سيبويه ، أجابه الشيخ ابن تيمية ، بأنه لم يكن نبياً نزل عليه النحو ، بل إنه أخطأ في ٨٠ موضعاً من ((الكتاب)). وقد أخذ أكثرُ علماء عصره بالحيطة في دراسة المنطق والفلسفة اليونانية ، أما الذين كانوا درسوهما؛ فقد تأثروا بهما في قليل أو كثير، حتى إنَّ حُجة الإسلام الغزالي الذي يُعتبر أكبر ناقد للفلسفة اليونانية ، ومُطّلع على مواضع ضعفها في جماعة المسلمين لم يتمكّن من صَون مؤلفاته وحتى كتابه «إحياء علوم الدين)) من تأثير العلوم الإلهية اليونانية ، وفلسفةِ أخلاقها كلياً ، ويتجلَّى ذلك لكثير من مؤرخي الفلسفة في كثير من مؤلفاته)) (١). أمَّا ابن تيمية فإنَّه رفع لواء الثورة على المنطق ، والفلسفة اليونانية ، ولم يتفاهم معهما في أي حال ، إنه ناقش مسائل ومقدمات المنطق ، والفلسفة المعترف بها كناقد بصير، وصوفي خبير في كتابه ((الرد على المنطقيين)» وتناولها بعملية جراحية ، وزَعزع أساسها بالكلية ، ولم يترك موضعاً إلا وثَقَبَهُ بسهامه الحادة. مُنذُ مدَّةٍ كان البحث والدراسة في مجال الفقه والحديث قد انحصر في نطاق (١) راجع للتفصيل ((فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلاتها بالفلسفة الإغريقية)» و«تاريخ الأخلاق)» للدكتور محمد يوسف مرسي. ٥٣٩ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه محدود ، ولم يكن يتجرأ أحدٌ أن يخرج عنه ، ولا كانت ذخائرهما العلمية تتسع، وتنمو منذ مُدة طويلة، وجاءَ ابنُ تيمية فاستأنفَ النظرَ في كثير من المسائل الفقهية التي كانت تُعتبر مقرَّرةً لا تحتاج إلى تفكير، أو دراسة من جديد ، وقدَّم نتائج بحثه ودراساته إلى أوساط العلماء والفقهاء بكل شجاعة وصرامة علمية ، لقد أثار ذلك سواكن العقول ، وحرَّك الأوساط العلمية ، وفتح باب التفكير والدراسة من جديد ، وفي الأخير بدأ يُفتي على أساس الكتاب ، والسنة ، وآثار الصحابة. يقول الحافظُ الذهبي - وابن تيمية لا يزال بقيد الحياة -: ((ولهُ الآن عِدَّة سنين لا يُفتي بمذهب معيَّن ، بل بما قام الدليل عليه ، ولقد نَصر السنة المحضةَ ، والطريقة السلفية ببراهين ، ومقدمات ، وأمورٍ لم يُسبق إليها)) (١). وهو يتقرَّرُ في هذه الاجتهادات أحياناً ، ولا يَبعد أن يُخطىء كما هو الشأن في جميع البشر ، ولا يتحَتَّم أن تكون دلائله في كلِّ مسألة قوية واجبة التسليم ، ولكن الذي لا شك فيه: أنه إنما كان جد مُخلص في مقاصده ، وأنه لم يكن يترك مذهب إمام من الأئمة أو قول الجمهور ، ولا كان يستنبط مسألةٌ اتباعاً للهوى ، أو النفس ، أو لأجل مصلحة ، أو حاجة في نفسه ، بل إنه كان طالباً للحق ، خاضعاً للدليل ، مُتَّبعاً للكتاب ، والسنة. وللحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي صاحب ((فتح الباري)) قولٌ فصلٌ في هذا الموضوع إنه يقول: ((إنَّه شيخ مشايخ الإسلام في عصره بلا ريبَ، والمسائل التي أُنكرت عليه ما كان يقولها بالتشهي. ولا يُصر على القول بها إلا بعد قيام الدليل عليه(٢) غالباً ، فالذي أصاب فيه وهو الأكثر ، سيُستفاد منه ، ويترحم عليه بسببه ، (١) الرد الوافر: ص ١٧. (٢) الضمير يعود على ((القول)). ٥٤٠ الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه والذي أخطأ فيه لا يُقلَّد فيه بل هو معذور لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد فيه ، حتى كان أشدُّ المتعصبين عليه ، والعاملين في إيصال الشرِّ إليه ، وهو الشيخ جمال الدين الزَّملكاني شهدَ له بذلك)) (١). إخلاصه وانهماكُه: ومِيزَتُه البارزةُ الثانية: أنه وَقف نفسَه لخدمة علوم الدين ، إنه لم يسمح لنفسه بأية علاقة بأمرٍ آخر طول حياته ، بينما ظل أكثر معاصريه ، وزملائه ، وأترابه - الذين وُجد من بينهم كبار المخلصين والفضلاء - يشغلون مناصب الحكومة المختلفة ، أو أنهم كانوا يحملون المسؤولية عن منصب دينيٍّ ، أو إداريٍّ ، أو حَظُوا بمنحة ملك ، أو خِلعة سلطان ، أو جائزة ملكية ، أو كانوا يقبلون رواتب الحكومة ، ولكنَّ ابن تيمية ظل في غِنىّ عن جميع هذه الملابسات ، وكان في شُغل عن كل شيء سوى الاشتغال بالعلم والدين من الإفتاء ، والتدريس ، والوعظ والإرشاد ، والتأليف ، والتحقيق. يشهد بانهماكه الديني ، وانصرافه إلى العلم مع الانقطاع عن الدنيا أحدُ معاصريه بالكلام الآتي : ((وما خالطَ الناس في بيع ولاشراء ، ولا معاملة ولاتجارة ، ولا مشاركةٍ ، ولا مزارعة ، ولا عمارة ، ولا كان ناظراً، أو مباشراً لمالٍ وقف ، ولم يقبل جراية ، ولا صِلةً لنفسه من سلطان، ولا أمير، ولا تاجِر ، ولا كان مدَّخراً ديناراً ، ولا درهماً ، ولا متاعاً، ولا طعاماً ، وإنما كانت بضاعته مدة حياته وميراثُه بعد وفاته رضي الله عنه العلمُ، اقتدى بسيِّد المرسلين ، فإنه قال: ((إنَّ العلماء ورَثَةُ الأنبياء ، إنَّ الأنبياء لم يُورِّثوا ديناراً، ولا درهماً، ولكن ورَّثوا العلمَ ، فمن أخذ به؛ أخذ بحظُّ وافر(٢)) (٣) . (١) الرد الوافر: ص٧٨. (٢) الكواكب الدرية: ص ١٥٦ و١٥٧. (٣) [أخرجه الترمذي في أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة ، برقم (٢٦٨٢)، وابن ماجه في المقدمة ، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، برقم =