النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته ثم إنَّه أثبت بالدلائل أنَّ المتكلِّمين المتأخِّرين اندفعوا بتأثير الفلسفة اليونانية وشيءٍ من المغالاة في التنزيه إلى تأويل هذه الصفات تأويلاً بعيداً عن حقيقة اللّغة، وفهم الصحابة، ونصوص الحديث بُعداً شائناً مسَّ حُدود النفي والتعطيل. إنَّهم ابتعدوا في ذلك عن مذهب السلف من العلماء وأئمة السنة والمتكلِّمين المتقدِّمين أنفسِهم، حتى جعلوا يتكلَّمون عن السلف ما يُزري بعلمهم، أما مَن يأخذ بالحيطة البالغة منهم فيقول: إنَّ طريقة السلف أسلمُ وطريقة الخلفِ أعلمُ. ولا شكَّ أن هذا الكلام مبنيٌّ على الجهل بمكانة السلف وحقيقتهم ودليلٌ على قلة علمهم ، فإنَّ السلف إنما كانوا على علم جَمَّ بالشريعة ، وأين فروخ فلاسفة اليونان ، والملتقطون من فُتات مائدة الهنود والفرس من ورثة الأنبياء المتقدِّمين وخلفاء الرُّسل وحملةِ الكتاب والسنة في المعرفة الإلهية وتَفْهُم الأسماء والصفات؟! إنَّ أقوال الفلاسفة والمتكلِّمين عند رحيلهم من الدنيا تشهدُ على أنهم كانوا نادمين على تقعيراتهم ، هائمين على وجوههم ، وباكين على خيبتهم ، حتى قال بعضهم: إنّني لم أدَّخر طول حياتي سوى القيل والقال. وقال آخر: ((لقد ضَّيعتُ الحياة في خوض بحرٍ لا ساحل له ، نَقَّبتُ في الصحارى معرضاً عن علوم الإسلام ، ولا أدري ماذا سيكون مصيري إذا لم يأخذِ الله بيدي ، أشهد أنني أموت على عقيدة أمي)). هذه الفتوى رسالةٌ علميةٌ مستقلة تتجلَّى فيها خصائص شيخ الإسلام العلمية والتأليفية بوضوح ، فإنَّ السهولة وقوة الاستدلال ، والخطابة ، وحُسنَ الاستشهاد بالكتاب والسنة ، وجدَّة الأسلوب ، والخطاب إلى العقل ، والارتجال ، وعدم التكلّف ، والمعلومات التاريخية ، والنقد اللاذع ، للمتكلمين والفلاسفة ، كل ذلك خصائصُ تتميز بها هذه الرسالة ، بينما خَلت ٤٦٢ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته منها عامةُ الكتب التي أُلفت في ذلك العهد ولا سيما كتب الفتاوى التي كانت تؤلّف باللغة الفقهية ومصطلحاتها . لأوّل مرّة ظهر شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الفتوى كمدافع قويٍّ عن العقيدة التي كانت عقيدة السَّلفِ، واعتقادَ أهل السنة في نظره ، وعقيدةً ((التجسيم)) والحنبلية المشوَّهة عند معارضيه . إنَّ الأسلوب الذي احتوت عليه هذه الفتوى والتحدِّي السافر الذي ضمنته ، ثم الاستقبال الرائع الذي لقيته من الأوساط الحنبلية ، كان من النتائج الطبيعية لكل ذلك أن يَعُم بذلك سخط واستنكارٌ عام في وسط الأشاعرة والمتكلِّمين الذي كان يتمتع بتأييد الحكومة والجماهير ، والذي كان رجاله متبوِّتين مناصبَ القضاء والإفتاء الرسمية ومُسيطرين على مراكز التدريس والتأليف. يتحدَّثُ عن ذلك ابنُ كثير ضمن الأحداث التي وقعت في سنة ٦٩٨ هـ يقول : ((قامَ عليه جماعةٌ من الفقهاء ، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي فلم يحضُر ، فنوديَ في البلد في العقيدة التي كان قد سألَهُ عنها أهل حماة المسماة بالحموية فانتصرَ له الأمير سيف الدين جاغان ، وأرسل يطلب الذين قاموا عندَه فاختفى كثيرٌ منهم ، وضُرب جماعة ممن نادى على العقيدة، فسكَت الباقون ، فلما كان يوم الجمعة عمل الشيخ تقي الدين الميعاد بالجامع على عادته ، وفسَّر في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ٤]. ثم اجتمعَ بالقاضي إمام الدين يوم السبت ، واجتمع عنده جماعةٌ من الفضلاء وبحثوا في الحموية وناقشوه في أماكن فيها ، فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير ، ثم ذهب الشيخ تقيُ الدين وقد تَمهَّدتِ الأمور ، وسكنتِ الأحوال)» (١). (١) البداية والنهاية: ج١٤ ص٤. ٤٦٣ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته وكان من المتوقَّع جداً أَنْ تكون هذه القصة قد امتدَّت وثارتْ هناك ضجّةٌ أخرى ، ولكن حدثَ في الوقت نفسه من الأحوال ما لم يسمح بالخوض في الخلافات والمناقشات العقائدية ، أعني بذلك غارة التتار ، بَرز فيها ابنُ تيمية کمجاهدٍ عظیم ، وقائدٍ عام. تَوَجُّه التتر إلى دمشق: وما إن استهلَّت سنة ٦٩٩ هـ إذ تتابعت الأخبار بأن قازان حاكم التتار في العراق وفارس يَنوي الغارة على الشام ، وأنَّ عساكره متوجِّهة إلى دمشق ، لقد أثار هذا النبأ دهشةً في بلاد الشام كُلُّها نظراً إلى ما جرَّبته الأقطار الإسلامية من شدائد غاراتهم ، وما خلّفته هذه الغارات من حكايات النهب والقتل الشنيعة ، وهنالك جعلَ الناس يخرجون من حلب وحماة متوجِّهين إلى العاصمة حتى غلتِ الأسعار والأجور ، وارتفعت أجرة السفر من حماة إلى دمشق إلى مئتي درهم بالفَرَسِ ، ولكن سُرعان ما اطمأنَّ الناس أنَّ سلطان مصر (الملك الناصر محمد بن قلاوون) قادمٌ مع العساكر الملوكية إلى الشام لحمايتها من غارة التتار ومقاومتهم. في ٨ ربيع الأول سنة ٦٩٩ هـ دخلتِ الجيوش المصرية دمشقَ ، فاستقبل الناسُ السلطانَ وجيوشه استقبالاً رائعاً رغم شِدة المطر وكثرة الوَحل في الطريق ، وزُيَّنت المدينة واهتمَّ الناس بالدعاء لانتصار السلطان والمسلمين على التتار ، وخرج السُّلطان بعساكره لمبارزة التتار في ١٧ ربيع الأول ، وخَرج معه قاضي القضاة الحنفي وأعيان البلد وعلماؤهُ ، وساند الجيشَ جماعةٌ من المجاهدين وعددٌ من المحاربين ، وعني الناس بالدعاء والقنُوت في المساجد عنایةً خاصة. انهزامُ السُلطان ، والوَضْعُ في دمشق: في ٢٧ ربيع الأول قامتِ المبارزة بين قازان والسلطان ، فحارَب المسلمونَ بشجاعةٍ نادرة ، ولكنَّهم هُزموا ، فتوجهت عساكر السلطان إلى مصر راجعة ، ٤٦٤ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته والتجأ أهل دمشق إلى دمشق وقد عمّ الخوف في البلد من انسحاب الجيوش المصرية وخطرٍ اقتحام التتار في دمشق منتصرين غالبين ، فكان كبار العلماء وأعيان الناس يغادرون دمشق إلى مصر ، فالقاضي الشافعي ، والقاضي المالكي ، وبعضُ العلماء المشهورين ، ووالي البلد ، والمحتسبُ ، وغيرهم من التجار والعامة كانوا قد غادروا البلد ، كما أن الحكّام كانوا قد خرجوا من دمشق ، سوى نائب القلعة فقد كان لا يزال مقيماً ، أما سائرُ الحكام المسؤولين عن الإدارة والنظام فلم يستطيعوا البقاء في المدينة ، وكانت الأسعار قد غلت إلى حد مخيف ، وأُغلقت الحدود. والذي زاد الطينُ بلَّة أن المسجونين في سجن المدينة هدموه وخرجوا يَنْهبون المتاجر والبضائع ، واستغلَّ الوضعَ أوباشُ الناس وعاثوا في ظاهر البلد وكسروا أبواب البساتين (وعليها معظمُ الاعتماد في معاش أهل دمشق) وقلعوا من الأبواب والشبابيك شيئاً كثيراً وباعوها بأرخص الأثمان. وبينما كانت دمشق تعيشُ في هذا الوضع المُرعب إذ طار الخبر في الناس بقصد قازان إلى دمشق ، فزادوا فزعاً على فزع ، وعمّ الخوف والإرجاف في طول المدينة وعرضها. لقاءُ ابنُ تَيمِيَّة مع قازان: اجتمع ابنُ تيمية بأعيانِ البلد للتفكير في الوضع الحاضر ، واتَّفقوا على المسير إلى قازان لتلقِّيه في وفد من العلماء وأصحابهم ، وذلك لأخذِ الأمان منه لأهل دمشق . ففي يوم الإثنين ٣ ربيع الآخر سنة ٦٩٩ هـ اجتمع مُمَثِّلُ أهل دمشق وسفيرُ الإسلام ابن تيمية بقازان طاغية التتار في بلدة ((النبك)) (١) ، ولْنتركِ الشيخ كمال (١) يقع هذا البلد بين دمشق وحمص، معروف بمائه بصفة خاصة، وهو مُتنزَّه في الوقت الحاضر . ٤٦٥ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته الدين ابن الأنجا الذي رافق ابن تيمية ، وحضر معه إلى قازان يتحدَّث عن هذا اللقاء : («كنتُ حاضراً مع الشيخ ، فجعَل يُحدِّث السلطان بقول الله ورسولهِ في العدل وغيره ويرفعُ صوته على السلطان ويقربُ منه في أثناء حديثه ، حتى لقد قربَ أن تلاصق ركبتهُ ركبةَ السلطان ، والسلطان مع ذلك مُقبلٌ عليه بكلية مُصغٍ لما يقول ، شاخصٌ إليه لا يُعرِض عنه ، وإن السلطان من شدّة ما أوقع الله له في قلبه من المحبة والهيبة ، سأل: من هذا الشيخ؟ فإني لم أرَ مثله ، ولا أثبتَ قلباً منه ، ولا أوقعَ من حديثه في قلبي ، ولا رأيتُني أعظمَ انقياداً لأحد منه ، فأُخبر بحاله وما هو عليه من العلم والعمل ، فقال الشيخ للترجمان: قلْ للقازان: ((أنتَ تزعم أنك مسلم ، ومعك قاضٍ وإمامٌ وشيخٌ ومؤذنون على ما بلغنا فغزوتَنا ، وأبوك وَجدُّك كانا كافرين ، وما عملا الذي عملت ، عاهدا فوفيا ، وأنت عاهَدت فغدَرت ، وقلتَ فما وفيت وجُزْتَ)). ثم خرج من بين يديه مُكرَّماً معززاً بحُسن نيته الصالحة من بذل نفسه في طلب حَقْن دماء المسلمين ، وبلَّغه الله تعالى ما أراده ، وكان أيضاً سبباً لتخليص غَالب أسارى المسلمين من أيديهم ، وردّهم على أهلهم وحفظ حريمهم ، وهذا من أعظم الشجاعة والثبات ، وقُوَّة التجاسر. وكان يقول: «لن يخاف الرجل غيرَ الله إلا لمرضٍ في قلبه ، فإنَّ رجلاً شكا إلى أحمد بن حنبل خوفَه من بعض الولاة فقال: لو صحَّحتَ لم تخف أحداً ، أي خَوفُك من أجل زوال الصِّحة من قلبك)). وأخبر قاضي القضاة أبو العباس: أنَّهم لما حضروا مجلس قازان ، قدَّم لهم طعاماً فأكلوا منه ، إلا ابن تيمية ، فقال: لم لا تأكل ؟ فقال: كيف آكلُ مِن طعامك ، وكله مما نَهبتم من أغنام الناس وطبختُموه بما قطعتم من أشجار الناس ؟ !! ثم إن قازان طلب منه الدعاء ، فقال في دعائه: الَّلهم إن كنت تعلم أنَّه إنما ٤٦٦ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، وجاهَد في سبيلك ، فأن تؤيِّده وتنصره ، وإن كان للمُلك والدنيا ، والتكاثر فأن تفعل به ، وتَصنع ، فكان يدعو عليه ، وغازان يؤمن على دعائه ، ونحن نجمع ثيابنا خوفاً أن يُقتل فيطرطش بدمه . ثم لمَّا خرجنا قلتُ له: كدتَ تُهلكُنا معك ، ونحن ما نصحبك من هنا ، فقال: وأنا لا أصحبكم ، فانطلقنا عصبة ، وتأخر ، فتسامعت به الخَوانين والأمراء ، فأَتَوه من كل فج عميق ، وصاروا يتلاحقون به ليتبركوا برؤيته ، فما وصل إلا في نحو ثلاثمئة فارس في ركابه ، وأمَّا نحن فخرج علينا جماعة فشلَّحونا (١). وَخشِيَّة التتار في دمشق: وإنْ كان أهل دمشق قد حصلوا على وثيقة الأمن من سلطان التتار وأُعلن ذلك في دمشق ، غير أنَّ التتار كانوا مُستمرين في السلب والنهب ونقضٍ القانون والوحشية في نواحي دمشق وضواحيها ، وكان الوضعُ شِبه ثورةٍ خارج سور البلد ، وغلتِ الأسعار غلاءً فاحشاً أزعج الناس. وممَّا زاد في هَلع الناس أنَّ التتار طالبوا أهلَ دمشق بتسليم جميع ما عند الناس من الخيول والسلاح والأموال المختَأة من جهة الدولة السابقة إلى التتار ، وقد عَيَّن التتار سيف الدين قَبجق حاكم الشام من قبلهم ، فبدأ يُشدد على سكانها ، وكانت سيطرة التتار قد تمت على البلد ، إلا القلعة فإنَّ نائب القلعة أرجواش امتنع عن تسليمها إليهم أشد الامتناع ، وكان ذلك بإشارة من الشيخ ابن تيمية كما يقول ابن كثير: «فإن الشيخ تقي الدين ابن تيمية أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك: لو لم يبقَ فيها إلا حجرٌ واحدٌ فلا تسلمهم ذلك إن استطعت ، وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام ، فإنَّ الله حفظ لهم هذا (١) الكواكب الدرية: ص ٢٥ - ٢٦. ٤٦٧ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته الحصن والمعقل الذي جعله الله حرزاً لأهل الشام التي لا تزال دار إيمان وسنة)) (١). عاث التتارُ فساداً في البلد ، وما تركوا شيئاً إلا غيَّروه بالنهب والسلب ، وسجنوا عدداً كبيراً من المسلمين رجالاً ونساء، واسترقُّوهم ، ففي محلة الصالحية(٢) وحدها قتل نحو أربعمئة وأُسر نحو من أربعة آلاف أسير ، وَسَبوا كثيراً مِن الفتيان والفتيات من أُسرٍ شريفةٍ وبيوتاتٍ فضلٍ وعلمٍ ، واستباحوا حرمات المسلمين بوجه عام ، ونُهبت كتبٌ كثيرة من المكتبات الكبرى ومن الوَقْفِ وباعوها بأبخسٍ ثمنٍ . رأى ابنُ تيمية هذه الأحوال من النهب والقتل والأسر فلم يصبر عليها وخرج في جماعة من أصحابه يوم ٢٥ ربيع الآخر للاجتماع بملك التتار (قازان) مرة أخرى ، وانتظره يومين ولكن لم يُح له اللقاء وَحَجَبَه عنه وزيره ، واشتهر في البلد أن التَّار يريدون دخول دمشق ، فانزعج الناس بهذا الخبر وخافوا خوفاً شديداً ، وأرادوا الخروج منه والهرب على وجوههم ولكن أين المفرَّ ، ولات حين مناص ؟ وبدا التتار بعمل مجانيقَ بالجامع ليرموا بها القلعة من صَحنه ، ويحفرون الخنادق ، وقعدَ الناس في بيوتهم خوفاً من أن يؤخَذوا بالسخرة ، يقول ابن كثير: ((وكانت الطرقات لا يُرى بها أحد إلا القليل ، والجامع لا يُصلِّي فيه أحد إلا اليسير ، ويوم الجمعة لا يتكامل فيه الصف الأول وما بعده إلا بجهد جهيد ، ومَن خرج من منزله في ضرورة يخرج بثياب زَئِّهم ثم يعود سريعاً ، ويظن أنه لا يعود إلى أهله)) (٣). وفي التاسع عشر من جمادى الأولى توجَّه ((قازان)) إلى بلاد العراق وترك نُوَّابه بالشام في ستين ألف مقاتل ، وأعلنَ عند رحيله من الشام ((إنا قد تركنا (١) البداية والنهاية: ج١٤ ص ٧ - ٨. (٢) [الصالحية: أحد أحياء دمشق، ويوجد على سفح جبل قاسيون، وقد بناها المقادسةُ في القرن السادس الهجري ، كانت فيها مدارس ومساجد كثيرة]. (٣) البداية والنهاية: ج ١٤، ص٩. ٤٦٨ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل ، وفي عزمنا العودُ إليها في زَمَن الخريف والدخول إلى الديار المصرية وفتحها))، وبالرغم من أن قازان كان قد ارتحل من الشام ولكنَّ أميراً آخر من التتار اسمه ((أمير بولائي)) ظلَّ مستمراً في النهب والسلب في نواحي دمشق ، وقد خَب قرى كثيرة ، وسبى عدداً كبيراً من أطفال المسلمين ، وجَبى من دمشق نفسها أموالاً طائلة ، وفي ثامن رجب خرج الشيخ ابن تيمية إلى مخيم بولائي فاجتمع به في فكاك من كان معه من أسارى المسلمين فاستنقذ كثيراً منهم من أيديهم ، وكان من بين هؤلاء الناجين مسلمون وغيرهم من الذميِّین الشامیین. وفي الثالث من رجب نُودي في البلد من جهة نائب القلعة بأن العساكر المصرية قادمة إلى الشام ، وفي عشية اليوم التالي رحل بولائي وأصحابه من التتار وانشمروا عن دمشق ، وقد خَلَتْ دمشق ونواحيها من التتار ، وظلت كذلك حتى السابع من رجب ، وأزاح الله عز وجل شرَّهم عن العباد والبلاد. وفي الثامن من رجب خرج الشيخ ابن تيمية إلى مخيم الأمير بولاي ، فاجتمع به في فكاك مَنْ كان معه من أسارى المسلمين ، فاستنقذ كثيراً منهم من أيديهم ، وكان مِنْ بين هؤلاء الناجين مسلمون وغيرهم من الذميين الشامیین . وفي التاسع من رجب وصل الخبر بخروج الجيوش المصرية والسلطان محمد بن قلاوون إلى الشام لإنقاذها من أيدي التتار ، ولم يكن بالبلد أحدٌ في ذلك الوقت من الحكام والمسؤولين ، وكانتْ أسوار البلد متهدمة من غارة التتار ، فنادى أرجواش نائب القلعة: احفظوا الأسوار والأبواب ، لا يَبيتنَّ أحدٌ إلا أن يحرس السور مُسلَّحاً ، فاجتمع الناس على الأسوار لحفظ البلاد ، وكان الشيخ ابنُ تيمية يدور كلَّ ليلة على الأسوار يُحرِّض الناس على الصبر والقتال ويتلو عليهم آياتِ الجهاد والرباط (١). (١) البداية والنهاية: ج ١٤، ص ١١. ٤٦٩ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته أَعْمالُه الإصلاحيَّة: ولمَّا سَمع المسلمون بقدُوم الجيش المصري وسلطان مصر ، وأن التتار قد تراجعوا، فرحوا بذلك كثيراً، وارتفعت هِممهم، وصمَّموا على إزالة آثار الفساد الذي كان قد انتشر في ظلِّ هذه الأمة الجاهلية وحُكَّامها المفسدين ، وكان ابن تيمية قد تولى قيادةَ المحاربة لهذا الفساد ، وكان نائبُ الشام سيف الدين قَبْجَق هو الذي انتشرتِ الحاناتُ في أيام حكمه القصير وشاع شرب الخمر في الناس ، وكانت هذه الحانات مورداً كبيراً من موارده المالية ، ولم يعدِ الآن أيُّ مبرر لبقائها ، ولم يكن في دمشق أي حاكم ولا مسؤول من الحكام ، فتولى ابن تيمية قطع دابر هذا الفساد وتجوّل في طول البلد مع تلاميذهِ وأنصاره ، وحيثما رأوا حانةً أو خمَّارة كسروا أواني الخمور فيها وشقَّقوا الظروف وأراقوا الخمور ، وعزروا جماعة من أهل الحانات المتَّخذة لهذه الفواحش ، ففرح الناس بذلك. إِصلاحُ عَقائِد السُّكان في الجبال: وفي عام ٦٩٩ هـ عندما كان قد دخل الجيش التتاري إلى دمشق وعاتُوا فيها فساداً وقتلاً ، كانتْ هناك جماعة من الغلاة ساكنةٌ في الجبال من المسيحيين والباطنيين ، قد لاذت بالتتار ووازرتْهم وآذت المسلمين معهم ، ولمَّا كان جيش المسلمين يرجع منهزماً ومَّ بمنطقتهم حالت هذه الجماعة دون طريقهم ووثبت عليهم ، وسلَبتْ ما كان معهم من الأسلحة والخيول وقَتلت كثيراً من المسلمين ، ولم تكن هذه الجماعة قبل ذلك داخلةً في طاعة الجند ولا ملتزمةً أحكام الملة ولا مُتدينةٌ بدين الحقِّ ولا محرِّمة ما حَّم اللهُ ورسولُه. ولمَّا استقرَّتِ الأحوالُ في دمشق، وانقشع السحاب المكفَهُّ؛ فكّر ابن تيمية في تأديب هؤلاء المفسدين وإصلاح أحوالهم ، ومِن حُسن الصدفة خرج نائب السلطنة جمال الدين آقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان وانتهزَ هذه الفرصة الشيخ ابن تيمية وخرج معه في خلق كثير من المتطوِّعة ٤٧٠ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته والحوارنة إلى أهل تلك الناحية ، فلمَّا وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، فاستتابهم ، وبيَّن للكثير منهم الصواب ، وحصل بذلك خيرٌ كثير وانتصار كبير على أولئك المفسدين ، والتزموا بردِّ ما كانوا أخذوه من أموال الجيش ، وقرّر عليهم أموالاً كثيرة يحملونها إلى بيت المال، .. وعاد نائب السلطنة مع ابن تيمية، وكُلِّلت مساعيهم بالنجاح (١). عَودة التتار إلى الشام وإعلانُ ابن تيمية الجهاد: وفي مستهلِّ عام ٧٠٠ هـ وَردتِ الأخبار إلى دمشق بقصد التتار بلاد الشام فمادتِ الأرض بالناس ، وطاشَتْ عقولُهم وألبابهم ، وبدؤوا يتهَّبون إلى مصر والبُلدان الأخرى والحصون المنيعة ممَّا كان بنجوة عن مَعَّة التتارِ وغائلتهم ، وبيعتِ الأمتعة والثياب والغلَّت بأرخص الأثمان ، فارتفعت أجرةُ الحمَّارة والنقل إلى آخر نقطة ، وأسعار الجمل والحمار من خمسمئة إلى ألف. واستعدَّ الشيخ ابن تيمية لإلقاء المواعظ والدروس في الجامع بنشاط بالغ ، وحرَّض الناس على القتال ، ونهاهم عن الإسراع في الفرار ، وذمَّ هذه الخصلة ورغَّبهم في إنفاق الأموال في الذَّبِّ عن المُسلمين وبلادهم وأموالهم ، وأن ما يُنفق في أجرة الهرب إذا أُنفق في سبيل الله كان خيراً ، وأوجَبَ جهاد التتار حتماً في هذه الكرة. وسكنتِ الأحوالُ بمجالسهِ المتتابعة في ذلك ، ونُودي في البلاد: لا يسافر أحد إلا بمرسوم وورقة ، فتوقَّفَ الناس عن السير والفرار وسكنَ جأشهم، وتحدَّث الناس بخروج السلطان من القاهرة بالعساكر ، ودُقَّت البشائرُ لخروجه . الرّحلةُ إلى مصر: وفي ربيع الآخر قَوِيَ الإرجاف بأمر التتار وجاء الخبر بأنهم قد وصلوا إلى (١) البداية والنهاية: ج١٤، ص١٢. ٤٧١ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته البيرة بالجهاد العام ، وكانت الأنباء تتوالى بتقدُّم التتار إلى الشام ونُودي في البلد بتطييبٍ القلوب بالناس ، وإقبالهم على معايشهم ، وأنَّ السلطان والعساكر واصلةٌ ، ثم فوجىء الناس بأن سلطان مصر رجع عائداً إلى مصر بعد أن خرج منها قاصداً إلى الشام فكثُر الخوف واشتد الحال ، وخرج كثيرٌ من الناس خِفافاً وثقالاً يتحمّلون بأهليهم وأولادهم ، وجعلوا يحملون الصغار على الدوابِّ والرقاب. وخرج الشيخ ابن تيمية إلى نائب الشام في المَرْج، وكان مُرابطاً خارج دمشق لمقاومة التتار وسدِّ سيولهم ، فشبّته وقوى جأشه وطيب قلبه ، .. ووعدهُ بالنصر والظفر على الأعداء وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ. ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اَللَّهُ إِنَ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ ﴾ [الحج: ٦٠]. وسأله النائبُ والأمراءُ أن يركب على البريد إلى مصر ، ويَستحثَّ السلطان على المجيء ، فساق وراء السلطان ، وكان قد وصل إلى الساحل ، فلم يُدركه إلا وقد دخل القاهرة ، وتفارَط الحال فاستثار غيرته ، وقال له فيما قال: ((لو قُدِّر أنكم لستم حُكَّام الشام ولا ملوكه، واستنصركم أهله ، وجبَ عليكم النصر ، فكيف وأنتم حكَّامه وسلاطينه، وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم)) وقال أيضاً: ((إن كنتم أعرضْتُم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطاناً يَحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن)». وقوَّى الشيخُ ابن تيمية جأشَ السلطان وأكَّد له أن النصر حليفُهُ في هذه الكرة ، وظل الشيخ مُقيماً في حصن مصر إلى ثمانية أيام يُحرِّض الناس على الجهاد ومقاومة التتار. واستعدَّ السلطانُ للخروج إلى الشام مرة أخرى نتيجةً لجهود ابن تيمية المخلصة التي بذلها في هذا السبيل ، وتوجهتِ العساكر إلى الشام لجهاد التتار ، ولما سمع الناس بذلك فرحوا أشدَّ الفرح بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم وأهليهم وأموالهم. ٤٧٢ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته ثم قَوِيَتِ الأراجيفُ بوصول التتار ، وتحقُّق عَودِ السلطان إلى مصر ، ونادى ابنُ النحاس متولي البلد في الناس: من قدر على السفر فلا يقعد بدمشق ، وهنالك ارتفعت الأصوات ، وتصايح النساء والولدان ، ورهق الناس ذِلَّة عظيمة وخمدة ، وزُلزلوا زلزالاً شديداً، وغُلِّقت الأسواقُ ، وتيقنوا أن لا ناصر إلا الله عز وجل ، ويقولون: ما بقي أهل دمشق إلا طعمةً للعدو. ودخل كثيرٌ من الناس إلى البراري والقفار والمُغر بأهالِيهم من الكبار والصغار ، ولم يبقَ بدمشق من أكابرها إلا القليلُ ، ونودي بالناس: مَن كانت نيَّتهُ الجهاد فليلحق بالجيش ، فقد اقترب وصول التتار وخرجَ العلماء ، ومن بينهم شرفُ الدين ابن تيمية أخو ابن تيمية إلى نائب السلطنة الأفرم ، وقوَّوا عزمه على لقاء العدوِّ، واجتمعوا بـ «مُهَنا)) أمير العرب ، فحرَّضوه على قتال العدوِّ ، فأجابهم بالسمع والطاعة . ورجعَ ابنُ تيمية من مصر ، وبشَّر الناس باستعداد سلطان مصر وأعيان الدولة لجهاد العدو ، ثم جاءتِ الأخبار بأن ملك التتار قد خاض الفُرات راجعاً عامَه ذلك ، فطابت النفوس لذلكٍ وسكنتْ ، وعادوا إلى منازلهم منشرحين آمنين (١)، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالَّ﴾. الحَربُ الحاسمة مع التتر ، وصَنِيعَةُ ابن تيمية: وفي رجب سنة ٧٠٢ هـ قَويَتِ الأخبارُ بعزم التتار على دخول بلاد الشام ، فانزعج الناسُ لذلك واشتدَّ خوفهم جداً ، وقَنتَ الخطيبُ في الصلوات ، وقُرىء صحيح البخاري، وشَرع الناس في الجَفل إلى الديار المصرية ، والكرك، والحصون المنيعة، وتأخَّر مجيءُ العساكر المصرية عن إيَّانها فاشتد لذلك الخوف . وفي ثامن عشر من رجب قدمتْ طائفةٌ كبيرةٌ من جيش المصريين بقيادة (١) البداية والنهاية: ج ١٤، ص ١٦. ٤٧٣ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته الأمراء الأتراك المشهورين ، وتَلتْها طائفةٌ أخرى فقَويتِ القلوب واطمأنَّ كثيرٌ من الناس ، ولكن الناس في جَفل عظيم من بلاد حلب ، وحماة ، وحمص ، وتلك النواحي، وتحدَّث الناس بالأراجيف، فاجتمع الأمراءُ بالميدان وتحالفوا على لقاء العدو وشجَّعوا أنفسهم ، ونُودي بالبلد أن لا يرحل أحدٌ منه، وتوجَّه ابنُ تيمية إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القُطَيْفَةِ(١)، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو ، فأجابوه إلى ذلك ، وحلَفوا معهم، وكان الشيخ يَحِلِفُ للأمراءُ والناس: إنَّكم في هذه الكرّة منصورون ، فيقول له الأمراء: قُل إنْ شاء الله ، فيقول: إنْ شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً ، ويقول: نحن مظلومون ، والمظلوم منصور ((ومَن بُغي عليه لَينصرنه الله))، ولذلك فإن النَّصر مؤكَّدٌ، والفتح قريبٌ، وإنَّ وعد الله كان مفعولاً (٢). وقد تكلّم الناسُ في حُكم قتال هؤلاء التتار من أيٍّ قبيل هو؟ فإنهم يُظهرون الإسلام ، وليسوا بُغاة على الإمام ، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقتٍ ثم خالفوه ، فكيف يَجوز القتال ضدَّهم؟ وقد ارتبك العلماء في ذلك ، فقال ابنُ تيمية: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على سيدنا عليّ، ومعاوية - رضي الله عنهما - ورأوا أنهم أحقُّ بالأمر منهما ، وهؤلاء يزعمون أنهم أحقُّ بإقامة الحق من المسلمين ، ويَعيبون على المسلمين ما هم متلبّسون به من المعاصي والظلم وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة ، فتفطَّن العلماء والناس لذلك ، وكان يقول للناس: إذا رأيتموني في صفِّ التتار موالياً لهم وعلى رأسي مصحف فاقتلوني ، فتشجَّع الناس في قتال التتار وقَويَتْ قلوبهم ونیاتهم . کانت دمشق کلُّها تعيش في قلق وانزعاج شدیدین ، لم يصل أُّ خبر بقدوم السلطان ، ولم يكن الناس متأكّدين أن العساكر المصرية والشامية ستُحارب (١) [بلدةُ تقع في شمال شرق دمشق على طريق حمص]. (٢) البداية والنهاية: ج١٤، ص٣٤. ٤٧٤ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته التتار ، وقد وصلتِ التتار إلى قارة (١)، وقيل إنَّهم وصلوا إلى القُطَيْفَة ، فانزعج الناس لذلك انزعاجاً شديداً، ولم يَبق حولَ القرى والحواضر أحدٌ ، وامتلأتِ القلعة والبلد ، وازدحمت المنازلُ والطرقاتُ، واضطرب الناس ، وخرج ابن تيمية من باب النَّصر بمشقة كبيرة ، وصحبه جماعة ليشهدَ القتال بنفسه ومن معه ، فظنوا أنه إنما خرج هارباً فحصلَ اللوم من بعض الناس ، وقالوا: أنت منعتنا من الجفل وها أنت هارب من البلد! فلم يُرُدَّ عليهم ، وبقي البلد ليس فيه حاكم ، وجاسَ اللصوص، والحرافيش فيه ، يُخرِّبون، وينتهبون ما قدروا عليه. ولم يَعُد للناسِ شُغلٌ غير الصعود إلى المآذن ينظرون يميناً وشمالاً فتارةً يقولون: رأينا غَبرةً فيخافون أن تكون من التتار ، ويتعجبون من الجيش مع كثرتهم وجُودة عِدَّتهم وعددهم أين ذهبوا؟ فلا يدرون ما فعل الله بهم ، وكلُّ شخص كان ينتظر حكم القضاء فيه ، ويفكر فيما إذا وقعت الحرب أم لا؟ وإذا وقعتْ فمن ينتصر ، وإذا انهزم الجيش - لا قدّر الله - فماذا سيكون مصيرهم؟ ومن يحمي أنفسهم ، وأعراضهم، وأموالهم ، وكان كما صوَّر القرآن الكريم جَ هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ ﴿وَإِذِ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ الْقُّنُونَأْ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالَأَ شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١]. ووَصَلَ ابنُ تيمية إلى العسكر الشامي فطلب منه أمراءُ الجيش أن يسير إلى السلطان يَستحِثهُ على السير إلى دمشق ، فسار إليه فحثَّه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر ، فجاء هو وإياه جميعاً فسأله السلطانُ أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ: السُّنة أن يقف الرجلُ تحت راية قومه، ونحن مع جيش الشام لا نقف إلا معهم ، وحرَّض السلطان على القتال وبشّره بالنصر ، وجعل يَحلف بالله الذي لا إله إلا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرة. فيقول له الأمراء: قُلْ إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. (١) [بلدةٌ تقع في القلمون على طريق حمص]. ٤٧٥ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته وفي ليلة التاسع والعشرين من شعبان ثَبتت رؤية هلال رمضان فبدأ الناسُ يستعدُّون لصلاة التراويح وقد استبشروا بشهر رمضان وبركته ، وأصبحوا يوم الجمعة في هَمِّ شديدٍ ، وخوفٍ أكيدٍ ، ورأوا يوم السبت من المآذن سواداً وغبرة من ناحية العسكر والعدو ، فغلب على الظنون أن الوقعة اليوم فابتَهلوا إلى الله عز وجل بالدعاء في المساجد والبلد ، وطَلع النساء والصغار على الأسطحة ، وكشفوا رؤوسهم ، وضحَّ البلد ضجةً عظيمةً ، فلمّا كان بعد الظهر قُرئت بطاقةٌ بالجامع تتضمن أن في الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان ، وفيها طلبُ الدعاء من الناس ، والأمرُ بحفظ القلعة . وفي ثاني من رمضان اصطفَّ الجيشان في ساحة شَقْحَب ، وأفتى ابنُ تيمية بالفِطر مُدَّة قتالهم ، وأفطرَ هو أيضاً ، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده ليُعلمهم أن إفطارهم ليتقوَّوا على القتال أفضل ، وكان يقرأ لهم حديثَ رسول الله وَِّ ((إنكم ملاقو العدوِّ غداً، والفطر أقوى لكم))(١). ولمَّا ابتدأتِ الحربُ والتحم الفريقان ثَبت السلطان ثباتاً عظيماً ، وكان الخليفة العباسي أبو الربيع سليمان في صحبته ، وأمر السلطان بجواده فقُيّد حتى لا يهرب ، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف ، وجرت خطوبٌ عظيمةٌ وقتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ ، ولكنْ نزل النصر على المسلمين واستظهروا على التتار ، فلما جاء الليلُ ، لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام ، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب ، ويَرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتل منهم ما لا يعلم عددَه إلا الله ، وجعلوا يجيئون بهم في الحبال فتُضربُ أعناقهم ، ثم كانوا يتساقطون في الأودية والمهالك ، وغرِق منهم جماعةٌ في الفرات بسبب الظلام. (١) [ذكره العراقيُ في ((فتح المغيث)) في بحث ((الناسخ والمنسوخ)) (٦٥/٣)، ولم أجده عند غيره في المصادر الحديثية ، والله أعلم]. ٠٠ ٤٧٦ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته وفي يوم الإثنين رابع من رمضان دخل ابن تيمية في دمشق ، ففرح به الناس ودعوا له وهنَّؤوه بما يسَّر الله على يديه من الخير ، ودخل السلطانُ إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس من رمضان ومعه الخليفة والعساكر منتصرين فرحين ، واستقرتِ الخواطرُ ، وذهبَ اليأسُ ، وطابت قلوب الناس. إنكارُ البدع وتغييرُ المنكرات: وما أنْ فرغ ابنُ تيمية من قضية التتار إلا وقد عكف على إلقاء دروسه ومواعظه ، ونشر السنة وردِّ البدع كسابق عهده بذلك ، واشتغل بجهاد الشرك ، والجاهلية ، وكان أحبّ عمل لديه وأسمى غاية في حياته بكل نشاط وهمة. وكان قد دخل في ذلك العهد إلى مجتمع المسلمين كثيرٌ من أعمالٍ كانت بقيةَ عهدِ الجاهلية ، وشعارَ المشركين والوثنيين بحكم اختلاطهم باليهود والنصارى ، وتعاليمَ الزعماء الجاهليين وفاسدي العقائد ، كانت بنهر قلوط في ضواحي دمشق صخرةٌ تُزار ويُنذر لها النذور قد اشتهرت عنها قصص وروايات عديدة ، فعادت فتنةً كبيرةً لِضعاف العقيدة من المسلمين ، إذ كانوا يزورونها ويُقدِّمون لها النذور ، فذهبَ إليها ابنُ تيمية مع جماعة من الحجّارین في رجب عام ٧٠٤ هـ وقطَعها، وأراح المسلمينَ منها ومن الشِّرك بها ، وأزاح عنهم شبهةً كان شرُّها عظيماً (١). لم يكن ابنُ تيمية يَصْبِرُ على أمور تخالف الشريعة والسنة ، فإذا رآها قام بتغييرها بيده من غير تأخير؛ إذ كان ذلك هو الدرجةَ العليا للإيمان والحاجةَ الأولى للحميَّة الدينية ((مَن رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده، فمَن لم يستطع فبلسانه ، فمن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان))(٢). (١) البداية والنهاية: ج١٤، ص٣٤. (٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان برقم (٤٩)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب وقت الخروج إلى العيد، برقم (١١٤٠)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٥٣٢/٦) برقم (١١٧٣٩)، وابن ماجه في أبواب = ٤٧٧ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته أمّا الحُكَّام فكانوا في شُغلِ شاغلٍ عن أمور الدين ، وكان العلماء لا يُعيرون الأمورَ المخالفة للشرع أهمية في بعض الأحيان ، كما كانوا يخافون من المعارضة والإنكار في حين آخر ، ولذلك فكان ابنُ تيمية يتولَّى هذه المسؤولية بنفسه في أكثر الأحيان ، وكانت معه جماعةٌ من تلاميذه ومحبيه يؤازرونه في هذه الأمور ويساعدونه ، ولذلك فإنه كان قد أقام حِسبةً شرعيةً وخُلقيةً ابتغاء وجه الله ، فإن كان المنكر يُفلِتُ من عتاب الحكام الذين كان أكثرُهم من أهل البدع ، ومعارضين لابن تيمية ، ومن غضب العلماء؛ لم يكن ليُفلِتَ من رقابة ((البوليس الشرعي)) الذين كان على رأسِهم ابنُ تيمية. وفي رجبَ هذا العام أُحْضِر إلى ابن تيمية شيخٌ كان يلبس دلقاً كبيراً متَّسعاً جداً ، يُسمى المجاهد إبراهيم القطَّان ، وكان ذا شعر طويل ، وأظفار طوال ، وشارب مسبل ، يُكثِرِ من كلام الفحش وأكل ما يغير العقل من الحشيشة وما لا يجوز من المحرمات ، فأمَرَ ابنُ تيمية بتقطيع ذلك الدلق ، فتناهبه الناس من كلِّ جانب وقطعوه حتى لم يدعوا فيه شيئاً، وأمَر بحلق رأسه وشاربه وتقليم أظفاره، واستتابه من كلام الفحش ، واستعمال الحرام (١). وكذلك كان شخصٌ اسمه محمد الخبَازِ البلاسي ، يُكثر من أكل المحرمات ، ويُجالس اليهود والنصارى ، ويتكلّم في تأويل الرؤى ، ويتدخّل في العلوم والمسائل التي لم يكن له بها علم ، فاستحضره ابنُ تيمية ، واستتابه عن أكل المحرمات ، يقول ابن كثير: ((وبهذا وأمثاله حَسدوه، وأبرزوا له العداوة» . الجهادُ مع الملحِدين والمُفسدين: وعلى ما قام به ابنُ تيمية من الإصلاح في الداخل لم يكن في شغل عن الصلاة، باب ما جاء في صلاة العيدين، برقم (١٢٧٥)، وأحمد في المسند (١٠/٣) = برقم (١١٠٨٨) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]. (١) البداية والنهاية: ج ١٤، ص ٣٣. ٤٧٨ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته أولئك المفسدين الذين لم يألوا جهداً في الإضرار بالمسلمين والمؤامرة مع أعداء الإسلام ، كلما حَزَبَهُم أمرٌ أو أحاطتْ بهم مصيبةٌ ، ولو أنه كان قد قام بإصلاح القبائل الساكنة في جبال الجُرد وكسروان ومعه نائب السلطة الأفرم في عام ٦٩٨ هـ، وقد تاب منهم كثيرٌ، ووعدوا باتِّباع أحكام الإسلام واحترام نظام السلطنة ، ولكنَّ التجارب أثبتت أنهم لم يمتنعوا عن تخابتهم ، وأنهم لا يزالون بحاجةٍ ماسة إلى مزيد من الإصلاح والتنبيه ، ولا يزال الخطر موجوداً من قبلهم كلما سنحت لهم بذلك فرصة. وفي مستهلِّ ذي الحجة رکب ابنُ تيمية ومعه جماعة من أصحابه إلى جبال الجرد وكسروان ومعه نقيبُ الأشراف زين الدين بن عدنان ، فقامَ فيهم بالتبليغ واستتَاب خلقاً منهم ، وألزمهم بشرائع الإسلام. إنَّ قبائل الروافض في جبال الجرد أصابوا المسلمين بأضرار ، وجَاهروا في إيذائهم ومعارضتهم ، وهم الذين دعوا الصليبيين والتتار للعدوان على البلاد الإسلامية ، ووفّروا كلَّ نوع من التسهيلات ، واستباحوا كُلَّ فرصة لاستغلال ضعف المسلمين وقلةٍ وسائلهم ، ونالوا من أعراضهم وأموالهم ، وأذلُّوهم حتى باعوهم بيد الأعداء كالغنم. لقد شاهَدَ كلَّ ذلك ابنُ تيمية ، فكان يَعيشُ في تألُمٍ شديدٍ ، وقلقٍ عظيمٍ جداً ، وكان قلبه الغَيور يشعر بشدةِ هذا التألم ، إنه لم يكن ليعفو عن هؤلاء الخساس الأشرار ، ولم يكن ليرضى بالتغاضي عن هؤلاء المنافقين ، الذين أصابوا المسلمين بالذِّلة والتضييق في ساعة حرجة جداً ، وساعدوا أعداءهم ونصروهم ، وقد أراد ابن تيمية ألَّ يتْرُك المجرمين إلا ويُذيقهم عقاب أعمالهم ، وأن يَسُدَّ في وجوههم كلَّ طريق يتسلَّلون منه إلى المسلمين بإيلام ، أو إيذاء عند أي حرب ، أو ساعة حرجة ، إنه استَلْفَت نظر السلطان الناصر (سلطان مصر والشام) إلى هذه المهمّة ، وأخبره بخطرهم ونواياهم الفاسدة ، وقد قال في رسالة وجَّهها إلى السلطان: ٤٧٩ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته ((ولمَّا قَدم التتار إلى البلاد؛ فَعلوا بمعسكر المسلمين ما لا يُحصى من الفساد ، وأرسلوا إلى أهل قبرص، فملكوا بعض الساحل، وحملوا راية الصليب ، وحملوا إلى قبرص من خيل المسلمين وسلاحهم وأسراهم ما لا يُحصي عددَه إلا الله ، وقام سوقهم بالساحل عشرين يوماً يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرص (أي الصليبيين المحاربين للمسلمين) وفرحوا بمجيء التتار. ولمَّا خرجتِ العساكر الإسلامية من الديار المصرية؛ ظهر فيهم من الخِزي والنكال ما عرفه الناس منهم ، ولمَّا نصر الله الإسلام النُّصرة العظمى عند قدوم السلطان كان بينهم شبيه بالعَزاء ... كلُّ هذا وأعظم منه عند هذه الطائفة كان من أسباب خروج جنكيزخان إلى بلاد الإسلام ، وفي استيلاء هولاكو على بغداد وفي قدومه إلى حلب ، وفي نهب الصالحية ، وغير ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله)). ويقول فيها أيضاً: ((ولقد كان جيرانُهم من أهل البقاع وغيرها منهم في أمر لا يُضبط شره ، كل ليلة تتنزل منهم طائفة ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا ربُّ العباد ، كانوا في قطع الطرقات ، وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عُرفت من أهل الجنايات ، يَرِدُ إليهم النصارى من أهل قبرص ، فيضيفونهم ، ويعطونهم سلاح المسلمين، ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين ، فإمّا أن يقتلوه، وإما أن يَسلبوه، وقليل منهم من يَفلت بالحِيلة))(١). وفي الثاني محرم عام ٧٠٥هـ توَّجه ابن تيمية في طائفة من الجيش لغزو أولئك المفسدين الملحدين ، وسار إلى بلاد الجرد ، وكسروان ، فخرج نائبُ السلطنة الأفرم بنفسه بعد خروج الشيخ لغَزوهم ، فنصرهم الله عليهم ، وأبادوا خلقاً كثيراً منهم، ومن فرقتهم الضالة ، ووطئوا أراضي كثيرة من صُنع بلادهم، وقد أفتى ابن تيمية: أنَّه يجوز قطع أشجارهم، ونخيلهم كبني النضير؛ (١) ابن تيمية: للشيخ محمد أبو زهرة، ص ٤٥ . ٤٨٠ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته لأنهم يتخذونها كَميناً يتستَّرون فيه ، يجعلونها قواعد للحرب والمؤامرة على المسلمين ، وقد حصل بسبب شهود الشيخ هذه الغزوة خيرٌ كثير ، وأبانَ الشيخُ علماً وشجاعة فيها ، وقد امتلأتْ قلوبُ أعدائِه حَسَداً له، وغماً) (١). مُنَاظرتُه مع الأحمدية: وفي يوم السبت التاسع من جمادى الأولى عام ٧٠٥ هـ حضَر جماعةٌ كثيرةٌ من الفقراء الأحمدية (٢) إلى نائب السلطنة بالقصر الأبلق، وحضر الشيخ تقيُّ الدين ابن تيمية ، فسألوا من نائب السلطنة بحضرة الأمراء أن يكفّ الشيخ تقي الدين إمارته عنهم ، وأن يُسلّم لهم حالهم ، فقال لهم الشيخ: هذا ما يمكن ، ولا بدَّ لكل أحد أن يدخل تحت الكتاب والسنة ، قولاً وفعلاً ، ومن خرج عنهما وجب الإنكار علیه. قال ابنُ كثير: ((فأرادوا أن يفعلوا شيئاً من أحوالهم الشيطانية التي يتَعاطونها في سماعاتهم ، فقال الشيخ: تلك أحوال شيطانية باطلة ، وأكثر أحوالهم من باب الحِيَل ، والبهتان ، ومن أراد منهم أن يدخل النار؛ فليدخل أولاً إلى الحمام ، ولیغسل جسده غسلاً جيداً ، ويُدلكه بالخل ، والشنان ، ثم يدخل بعد ذلك إلى النار؛ إن كان صادقاً. ولو فرض أنَّ أحداً من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل فإن ذلك لا يدل على صلاحه ، ولا على كرامته ، بل حاله من أحوال الدجاجلة المخالفة (١) البداية والنهاية: ج١٤ ، ص ٣٥. (٢) تدرج كثير من المنتمين إلى الطريقة الرفاعية - التي قد تسمى الأحمدية، عَزواً إلى مؤسسها السيد أحمد الرفاعي الكبير رحمه الله - إلى أعمال ومظاهر ، تبدو أنها كرامات وخوارق ، ويقولون: نقيم بها برهاناً على فضل الإسلام ، ونستدرج بها الجهال من الحكام التتار والمغول إلى الإسلام ، وتورط كثير منهم مع الزمان ، وتأثير الجهل ، وافتتان الناس بالعجائب والشعوذة فيما لا يصح من الاعتقاد ، ولا يجوز من العمل ، والإسلام منه بريء ، وقد أنكر عليهم كثير من علمائهم، ومن رسخت قدمه في علوم الشريعة وفهم الدين، والتمسك بتعاليم إمامهم الشيخ أحمد الرفاعي ، وسيرته في التزام الأحكام الدينية ، والتأدب بآداب الشرع. (المؤلّف).