النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية
الوَضِعُ الخُلقِ والاجتماعيُّ للبلاد:
هذهِ الفئةُ الحاكمةُ التُّرکیةُ كانت تعيش في شعور بالأفضلية ، وتمتاز في كل
شيء عن المجتمع العام في الدولة ، وتتكلَّم بلغتها الأم التركية عدا مناسبات
العبادة أو الخطاب مع العلماء أو الحديث مع الجماهير (وقلَّما كانت تحتاج إلى
الحديث مع الجماهير مباشرة) ، فإنها كانت تستخدم اللغة العربية ، وقد كان
البعضُ من هؤلاء الملوك لا يعرفون من العربية إلا القدر الذي يُؤدون به
الواجب ، وكانوا مع ذلك يُقدِّرون العلماء ، ويُحبُّون المشايخ والصلحاء ،
ويُقبلون على بناء المساجد وتأسيس المدارس ، لم يكونوا يتحيَّزون في تقسيم
المناصب إلى فئةٍ دون فئةٍ أو جنسٍ دون جنسٍ ، إلا أنَّ المناصب الإدارية
والعسكرية كانت تتحوَّل إلى الرؤساء الأتراك بحكم الطبيعة ، وكان الأتراك
والتتار هم أصحابُ الحكم والإقطاعات الذين كانوا يستغلون المزارعين
والعمال.
وفي ٦٩٧ هـ حينما حاول الملكُ حسامُ الدين لاجين في أيام حكمه توزيعَ
الأراضي بطريق ينفع المزارعين ويُصلح حالهم ، وتتقدَّم به الزراعة والإنتاج
الزراعي ، لم يرض به الحكام في مملكته وثاروا عليه.
كان التتارُ عُنصراً مهماً في المجتمع ، إنَّهم كانوا من مخلفات الحروب التي
نشبت بين سيفٍ الدين قطز والملك الظاهر وناصر الدين قلاوون وبين التتار ،
فقد أُسر فيها عدد كبير من التتار وجيء بهم إلى مصرَ والشام حيث استوطنوا ،
إنَّهم كثروا في أيام الملك بيبرس وملؤوا مصر والشام وانتشرت عاداتهم
وطرائقُهم فيهما ، كما تحدَّث عنهم المقريزيُّ في ((خِطَط مصر)) وأنهم على
رغم إسلامهم لم يتركوا كثيراً من عاداتهم وتقاليدهم ، واستمروا على
خصائصهم القومية .
وفي الحقيقة يتعذَّر في التاريخ نظيرُ المهتدين الجدد إلى الإسلام الذين
تحوَّلوا إلى الإسلام كلياً ، وتجرَّدوا عن عقائدهم وأفكارهم السابقة وخصائص

٤٤٢
الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية
حضارتهم وتأثير عقلياتهم تجرداً كاملاً ، إنما كان ذلك من خصائص الصحابة
الكرام رضي الله عنهم ومعجزة النبي ◌َّ إذ أن صراع الجاهلية والإسلام انتهى
في حياتهم تماماً ، کأنهم خُلقوا في الإسلام من جدید.
ففي هذا المجتمع والعصر إذ لم يكن للتعليم والتربية نظامٌ دقيق ، وليس في
المجتمع الإسلامي من قوة إذابة المهتدين الجدد وصَوغهم في قالبه ، لا يصح
أن يُرجى من التتار والأتراك العجم أن ينصاغوا في قالب العقائد والعبادات
الإسلامية ، ويتنازلوا عن قديم عاداتهم وأخلاقهم ، ويتجردوا عنها مئة في
المئة ، ولذلك فقد كانت حياةُ هؤلاء التتار المسلمين مزيجاً من الإسلام والتأثير
الجاهلي ، يتحدَّث عنهم المؤرِّخ المصري الشهير المقريزي في ((خطط مصر))
فيقول :
((وكانوا إنَّما رُبُّوا بدار الإسلام، ولُقِّنوا القرآن، وعرفوا أحكام الملَّة
المحمدية ، فَجَمعوا بين الحق والباطل ، وضموا الجيِّد إلى الرديء ، وفوَّضوا
لقاضي القضاة كل ما يتعلق بالأمور الدينية من الصلاة والصوم والزكاة
والحج ، وناطوا به أمر الأوقاف والأيتام ، وجعلوا إليه النظر في الأقضية
الشرعية كتداعي الزوجين ، وأرباب الديون ، ونحو ذلك.
واحتاجوا في ذاتِ أنفسهم إلى الرجوع لعادة جنكيزخان والاقتداء بحكم
الياسق ، فلذلك نَصَبوا الحاجب ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه من عوائدهم ،
والأخذ على يد قويِّهم وإنصاف الضعيف منه على مقتضى ما في الياسق ،
وجعلوا إليه مع ذلك النظر في قضايا الدواوين السلطانية عند الاختلاف في أمور
الإقطاعات؛ ليُنفِّذوا ما استقرت عليه أوضاع الديون وقواعد الحساب ، وكانت
من أجلِّ القواعد وأفضلها حتى تحكّم القِبط في الأموال وخراج الأراضي)) (١) .
وكان لزاماً أن يتأثَّر المجتمع الإسلامي والعرب القدامى بما حمل إليهم
هؤلاء الأتراك العجم والتتار المُهتدون ، من عادات ، وأخلاق ، وحضارات ،
(١) خطط مصر: ج ٢، ص ٢٢١.

٤٤٣
الفصل الثانى: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية
وتقاليد، واجتماع ، حتى بما اتَّصفوا به من عقائد وأفكار ، لقد كان الشرق
والغرب يختلطان فيما بينهما ويجتمعان بهجوم التتار وفي حالة انتصارهم
وانهزامهم ، كما اختلطت آسيا وأوربة في الحروب الصليبية ، قد بدأ هذا
الاختلاط من الاشتباكاتِ في ساحة القتال ، ولكنَّه انتهى بالامتزاج الحضاري
والفكري والخُلقي ، وتأثَّر كل واحد بصاحبه وأَثَّر عليه .
إنَّ هذا الاختلاط أحدثَ مشكلاتٍ جديدةً وعديدة ، فقد نشأت حضارةٌ
جديدةٌ واجتماعٌ جديدٌ ، يَصعُبُ الحكمُ فيها هل هي حضارة إسلامية أو اجتماع
عربي؟ وفي مثل هذا الوضع تتَضاعف مسؤولية مُصْلِحٍ ومُربٌ لا يَرضى بوجود
أيِّ عادة من عادات الجاهلية أو تأثير غير إسلامي في مجتمع المسلمين ، ويُريد
أن يرى هذا المجتمع تابعاً للكتاب والسنَّة بأكملهِ ، ومقتفياً آثار الصَّدر الأول
وخيرٍ القرون من المسلمين ، ويُحب أن يراه تفسيراً عملياً لقول الله تعالى:
﴿ أَدْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ كَافَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨].
الوَضْعُ العِلمي:
نَهَضَ في أوساط هذا القرن أئمةٌ كبارٌ كالعلاَّمة تقيِّ الدين أبي عمرو ابن
الصَّلاح (٥٧٧ - ٦٤٣ هـ) وشيخ الإسلام عزِّ الدّين بن عبد السلام (٥٧٨ -
٦٦٠ هـ) والإمام محيي الدين النَّووي (٦٣١ - ٦٧٦ هـ).
وظهر في أواخر هذا القرن علماء كبار مثل المحدِّث الكبير شيخ الإسلام
تقي الدين ابن دقيق العيد (٦٢٥ - ٧٠٢هـ)، والأصولي المتكلّم العلامة علاء
الدين الباجي (٦٣١ - ٧١٤هـ
وقد كان من مُعَاصري ابن تيمية كبارُ المحدِّثين والمؤرخين كالعلامة جمال
الدين أبي الحجاج المِزِّي (٦٥٤ - ٧٤٢هـ) والحافظ علم الدين البُرزالي (٦٦٥
- ٧٣٩هـ) والعلامة شمس الدين الذَّهبي (٦٧٣ - ٧٤٨هـ) الذين كانوا يُعدُّون
((الأركان الأربعة)» للحديث والرواية في عصرهم، والذين يَعتمدُ على كتبهم
المتأخِّرون من العلماء.

٤٤٤
الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية
كما نَبغ في عصره أساتذةُ الفنِّ البارعون وعلماءُ ذوو كفاءاتٍ علمية قوية
كانوا مرجع الخلق وطار صيتهم العلمي في الآفاق ، كقاضي القضاة كمال
الدين بن الزَّمْلكاني (٦٦٧ - ٧٢٧هـ) وقاضي القضاة جلال الدين القَزْويني
(م٧٣٩هـ) وقاضي القضاة تقي الدين السّبكي (٦٨٣ - ٧٥٦هـ) والعلامة
أبي حيَّان النَّحوي (٦٥٤ - ٧٤٥هـ).
لقد كان انتشارُ العلم في تقدُّم مطردٍ ، فقد وُجدت في مصر والشام مدارسُ
كبيرة ، ودور الحديث ، تلك التي أسسها الأيوبيون والمماليك ، كان يَؤُمُّها
الطُلاب من أنحاء العالم لتلقي العلوم الدينية والعقلية ، وكانت مكتباتٌ كبيرةٌ
تابعةٌ لهذه المدارس وأخرى مستقلة بذاتها تحتوي على ذخائر علمية ونوادر من
كلِّ علمٍ وفنٍ ، لا يُوصد بابُها لأي دارس ، ولقد كانتِ المكتبةُ التابعة للمدرسة
الكاملية التي أسّسها الكامل محمد الأيوبي سنة ٦٢١ هـ تحتوي وحدَهَا على مئة
ألفٍ کتاب.
وقد أُلِّفَ في نفس هذا القرن كتبٌ جليلة تعتبر مرجعاً للمتأخِّرين من
العلماء ، مثل: ((مقدِّمة)) العلامة تقي الدين ابن الصلاح، و((القواعد الكبرى))
للشيخ عز الدين ابن عبد السلام، و((المجموع)) (شرح المهذَّب) وشرح مُسلم
للإمام النووي وكتاب ((الإمام))، و ((إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام)) لابن
دقيق العيد و((تهذيب الكمال)) لأبي الحجاج المِزِّي، و((ميزان الاعتدال))
و((تاريخ الإسلام)) للعلامة الذَّهبي.
باستثناء عددٍ من الشخصيات ومآثر علمية كان يتّسم العلم والتأليف في هذا
القرن بالسّعة وقلَّة التعمُّق، ويغلب طابع النَّقل والاقتباس على التفكير
والدراسة والتعمق في العلم ، وتكوَّنت للمذاهب الفقهية قوالبُ من حديد
لا تقبل المرونة والتسامح ، وإن كان القولُ السائد أنَّ الحق دائر بين المذاهب
الأربعة ، ولكنَّ أتباع كُلِّ مذهب يحصُرون الحق في مذهبهم في الواقع ،
ولا يزيدون إذا توسعوا كثيراً على أن يقولوا: ((رَأيُ إمامنا صوابٌ يحتمل
الخطأَ ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصوابَ)).

٤٤٥
الفصل الثانى: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية
لقد كان أتباعُ كُلِّ مَذهب يُرجِّحون مذهبهم الفقهي على سائر المذاهب
الفقهية ، ويعتبرونه مَقبولاً ومؤيّداً من الله، كانوا يبذلون كُلَّ ذكائهم وقوة
بيانهم وتأليفهم في ترجيحه وتفضيله على غيره.
أمّا النظرةُ التي كان أتباع المذاهب ينظرون بها إلى مذاهبهم ، والعقلية التي
كانت تسود على أهلها فيمكن تقديرُ ذلك بأن الملك الظاهر بيبرس لمَّا نصب
لكل مذهب قاضياً للقضاة خاصاً به ، خلافاً للعادة المتّبعة في زمنه ، وهي ألا
يكون قاضي القضاة إلَّ شافعياً، استنكر ذلك فقهاءُ الشافعية ، إذ كانوا
لا يرضون إلا أن يروا مصر خاضعة للقاضي الشافعي. ظنًَّ منهم أن مصرَ أحق
بالمذهب الشافعي لأنها مَدفن الإمام الشافعي ، ولما انتهى حكم الملك الظاهر
وانتقلت المملكة من أسرته إلى غيرها ، رأى ذلك بعضُ الشافعية نقمة إلهية
وعقاباً لِفعلته التي فعلها.
وقد كان التعصُّبُ الكلاميُّ مع التحزُّب الفقهي بالغاً مداه ، كان أتباع
المذاهب الأربعة تلاميذ وشيوخاً فيما بينهم معترفين بعضهم بفضل بعض،
يتبادلون الحبَّ والإكرامَ والزيارةَ ، غير أنَّ اتحاد الأشاعرة مع الحنابلة كان شبه
مستحيل ، فبينما كانت المذاهب تختلفُ في الأفضلية والأولوية، كانت
الأشعرية والحنبلية تختلفان في الكُفر والإسلام ، كلٌّ طائفة كانتِ تُلِخُ على
تكفير الطائفة الأخرى ، وكانت المباحث الاعتقادية وتقعُّر المتكلِّمين تتغلّب
على جميع المباحث الأخرى ، وكان هذا الذَّوق فوق كلِّ ذوق ، يَسكَر به
العامةُ والخاصة جميعاً وتُبتلى به الحكومات أيضاً.
هذا ، وكان التصوُّف في جانبٍ آخر قد بلغ أوجه ، ودخل فيه كثير من
الأفكار والعناصر غير الإسلامية ، وانتمى إليه كثيرٌ من الجهلاء والمحترفين
والمبتدعين المارقين ، وسبّبوا ضلال العامة والخاصة ، وازدهارَ الشرك والبدع
في المجتمع .
كما اشتغلتْ طائفةٌ من الفلاسفة بنشر تعاليمها جَهراً وعلانية حيناً ، وسِّاً
وخفية بعض الأحيان ، مُتحرِّرة من قيود الدين وتعاليم الأنبياء ، وطائفةٌ أخرى

٤٤٦
الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية
كانت تعتبر الفلسفةَ مقياساً أصيلاً وتُريد ترقيعها بالأديان ، وتحاول التوفيق
بين العقل والنقل. وكانتِ الطائفتان كلتاهما من مُقلِّدي أرسطاطاليس ،
وأفلاطون ، ومُقدّسي أفكارهما وآرائهما ، ومن المعتقدين لصحةٍ علومهما
وفضلهما ، وكونهما أمراً فوق الطاقة البشرية ، فلم تكونا تَعترفان بخطئِهما في
أي ناحية ، ولا تحيدانٍ في شيءٍ عن نتاج أفكارهما ، ودراستهما.
كان ذلك هو الوسطَ السياسيُ والاجتماعيُ والفكريُّ والعلميُّ الذي ترعرع
فيه ابنُ تيمية ، ورفع فيه لواءَ الإصلاح والتجديد.

٤٤٧
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
الفصل الثالث:
نشأةُ ابنِ تيمية وَحَيَاته
مَسْقَطُ رأس ابن تيمية:
تَتَوزَّع بلاد ما بين النهرين (دجلة والفرات) بين جُزءين:
١ - الجزء الجنوبي الذي يُسمى بالعراق العربي ، وهو يتضمن بغداد
والبصرة .
٢ - الجزء الشمالي ويسمى في الأدب العربي القديم بديار بكر وديار مضر ،
ويُعبِّر عنه الجغرافيون العرب باسم ((الجزيرة)) ، ويقع في شمالها أرمينيا ، وفي
جنوبها العراق العربي ، وفي شرقها كردستان ، وفي الغرب آسيا الصغرى
وبادية الشام ، وفي هذه المنطقة تقع الموصل والرقة (البيضاء) ونصيبين
والرُّها (١) ، وفي جنوب الرُّها على بعد ثماني ساعات تقع حرَّان ، المدينة
التاريخية الشهيرة التي ظلت مركزاً دينياً وعلمياً للصابئين من قديم كما يقول ابن
حوقل ، واشتهرتْ هذه المدينة وامتازت بصفةٍ خاصة بالفلسفة والعلوم اليونانية
القديمة ، وتلك هي حران التي كانت موطن ابن تيمية القديم حيث كانت أُسرته
تسکن من قرون.
(١) وتُعرَف اليوم باسم ((أورفا)) وهي ضمن دولة تركيا اليوم.

٤٤٨
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
أُسْرةُ ابن تيمية:
أُسرةُ ابن تيمية (١) التي عُرِفتْ بهذا الاسم من قديم ، كانت أُسرة حران
المعروفة بالعلم والدين ، وكانت هذه الأسرة - منذ أن عُرف تاريخها - حنبليةَ
العقيدة والمذهب ، تتزعَّم المذهب الحنبلي في تلك الديار ، واشتغل رجالُها
العلماء دائماً بالتدريس والإفتاء والتأليف.
كان جَدُّ ابن تيمية أبو البركات (مجد الدين) من أئمة المذهب الحنبلي و کبار
علمائه ، وقد سماه بعض أهل العلم بالمجتهد المطلق (٢) ، يقول الحافظ
الذَّهبي إمام فَن الرجال في كتاب ((النبلاء)):
((وُلد مجد الدين ابن تيمية حوالي سنة ٥٩٠هـ ، وأخذ العلم أولاً عن عمه
الخطيب والواعظ الشهير فخر الدين ابن تيمية ، ثم تلقى العلم من محدِّثي
وعلماء حرَّان وبغداد ، وتخرَّج عليهم ، وبرع في الفقه ، وانتهت إليه الإمامة
في الفقه. ولمّا وصل إلى بغداد في سنة ٦٥١هـ في رحلته إلى الحج قضى
عُلماء بغداد العجبَ مما رأوه من ذكائه وبراعته في العلم.
يقول الإمامُ الذهبي: ((حكى لي شيخُ الإسلام ابن تيمية بنفسه أنَّ الشيخ ابن
مالك(٣) كان يقول: لقد ألان الله الفقه لمجد الدين ابن تيمية كما ألان الحديد
لداود عليه السلام».
(١) كانت بداية هذه النسبة منذ جده الأكبر محمد بن الخضر، واختلف المؤرخون في سبب
هذه التسمية، وقيل: إن اسم أم محمد بن الخضر التي كانت واعظة كان: تيمية، ومن
هنا انتمت هذه الأسرة إليها .
(٢) راجع ترجمة صاحب ((منتقى الأخبار)) بقلم العلامة محمد بن علي الشوكاني صاحب
((نيل الأوطار)).
(٣) [هو محمد بن عبد الله بن مالك، أبو عبد الله، أحد الأئمة في علوم العربية، وُلد في
جيان (بالأندلس) وانتقل إلى دمشق وتوفّ بها سنة ٦٧٢ هـ، ومن أشهر كُتبه ((الألفية))
في النحو].

٤٤٩
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
وكان يقولُ أيضاً: ((إنَّ جدنا (مجد الدين) كان فيه شيء من السَّورة
والغضب.
وقد سأله أحدُ العلماء مرَّة عن مسألة علمية ، فقال له: إنَّ جواب هذه
المسألة على ستين طريقاً ، ثم عدد عليه كلَّ جواب واحداً بعد آخر وقال له:
حَسْبُك أن تُعيدها ، إنه دُهش بهذا الذكاء النادر وبُهت .
ويقول ابنُ تيمية أيضاً: إنَّه كان فريد دهره في نقل المتون وحفظ المذاهب ،
لم يكن يفتقر في ذلك إلى تكلُّف أو اهتمام (١).
توفِّي سنة ٦٥٢ هـ ، ومن أشهر تصانيفه وتذكاره العلمي ((منتقى الأخبار))
استفاد منه العلماء ، واعتنوا به في كل عصر ، وقد اهتم المؤلف في هذا الكتاب
بِجَمع الأحاديث حول الأبواب الفقهية ، التي تُعتبر دليلاً لأهل المذاهب
ومرجعهم.
وقد تَصدَّى في الأخير عالمُ اليمن المجتهد ومحدِّثها النابغة العلامة
محمد بن علي الشَّوكاني المتوفى ١٢٥٥ هـ لشرح هذا الكتاب فشرحه في ثمانية
مجلَّدات باسم ((نيل الأوطار)) الذي يَخْتلُّ مكانةً مرموقةً في الأوساط العلمية
والتدريسية لما يحتوي عليه من حسن التلخيص وجودة الترتيب والبحوث
المقنعة ، وسَعة نظر المؤلف ، ورَحابة قلبه(٢) .
أمّا والدُ ابن تيمية الشيخ شهاب الدين عبد الحليم ابن تيمية فقد كان عالماً
مُحدِّثاً ، وفقيهاً حنبلياً ، وصاحب تدريس وإفتاء ، ولمّا انتقل من حران إلى
دمشق قام بالتدريس بصورة مُنظمة في الجامع الأموي الذي كان يعتبر مركزاً
لكبار العلماء والمدرسين ، ولم يكن يَسعُ كلَّ عالمٍ أو مدرِّسٍ أن يُدرِّس فيه ،
وقد كانت تمتاز دروسه بالارتجال والتكلّم عن ظهر القلب ، من غير أن يستعين
في أثناء التدريس بكتاب ، إنما كان يعتمد على ذاكرته وحفظه ، وولِّي مع ذلك
(١) وقد انتقلت هذه الخصائص كلها إلى حفيده العظيم.
(٢) راجع («البداية والنهاية)) ج١٣ ص ٣٠٣.

٤٥٠
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
شياخة دار الحديث السُّكرية(١) بالقصَّاعين وبها كان سكنه ، توفي سنة ٦٨٢ هـ
ودفن بمقابر الصوفية(٢) رحمه الله (٣).
مَولدهُ وانتقاله من حرَّان إلى دمشق:
وُلد تقي الدين ابن تيمية يوم الإثنين ١٠ ربيع الأول سنة ٦٦١ هـ في هذه
الأسرة العلمية والدينية الشهيرة ، وسماه والده بأحمد تقي الدين ، واكتنى
بأبي العباس يافعاً ، ولكنه اشتهر بابن تيمية ، وغَلب لقبُه النسبي على اسمه
وبذلك عُرف بين الناس.
وقد ذكرنا أنَّ عصرَ ابن تيمية كان مليئاً بالقلاقل وفظائع التتار ، فقد كان
العالم الإسلامي كُلُّه يرتجف خوفاً من التتار الوحوش ، غير أنَّ أرض العراق
والجزيرة كانت مجالهم بصفةٍ خاصةٍ ، وما كاد ابنُ تيمية يبلغ سبع سنين من
عمره حتى أغار التتار على حرَّان ، فالتجأت أسرته إلى الفرار منها بجميع
ما كان لديها من تراث العلم والفضيلة ، وما كانت تملكه من الفضل والكرامة
والشرف والطهارة شأنَ مئات من أُسَر العلماء والأشراف.
وبما أنَّ العراق كان مركز غارة التتار ونهيهم لم تُفكّر هذه الأسرة في الهجرة
إليه ، وكانت الشام أقرب بلدٍ لم يصل إليه لهيب هذا الفساد والدمار حيث
كانت تحكم ملوك مصر الأقوياء ، فاتجهتْ إليها أسرة ابن تيمية ، وقصدت
دمشق فراراً من فتنة التتار وغارتهم.
(١) [كانت داراً، وقفها زكي الدين أحمد بن طلائع على الأمير شرف الدين سُكَّر، ومن
بعد تصبح دارَ حديثٍ ومسجداً، وبعد أن أصبحت دارَ حديثٍ، سكّنَ فيها شيخُ
الإسلام ابن تيمية ، والمدرسة اليوم داخلة في البناء الملاصق لدار القرآن الخيضرية من
الجنوب ، ولا أثر لها (خطط دمشق: للأستاذ أكرم حسن العلبي: ٨٠ - ٨١)].
(٢) [وهي المقبرة الشهيرة التي هي مدفن كبار أهل العلم والصلاح، كابن عساكر، وابن
الصلاح، وابن الأثير، والحافظ المُزِّي، وابن كثير، وقد دُرِسَتْ وبُنيتْ عليها عمارة
جامعة دمشق].
(٣) راجع («البداية والنهاية)) ج ١٣ ص٣٠٣.

٤٥١
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
ولم تنسَ هذه الأسرةُ العظيمةُ في مثل هذه الحالة القَلِقَةِ والوضع القاسي أن
تنقل معها مكتبتها الثمينة التي كانت تراثها العلمي التَّليد الوحيد ، ولم ترض
بمفارقتها على الرغم ما ستُقاسِيه من جرائها من متاعب ومشاقّ شديدة ،
وحمَّلت الكتب أغلى متاعها على مركبةٍ وخرجت ليلاً من غير أن يُفارقها خوف
التتار ، فقد كان الخوف يشملُ كلَّ مكان ومعها النساء والولدان ، وقد تزايدتِ
الصعوبة والمشقة في جرِّ المركبة بالأيدي لعدم توفر الدَّواب ، وكان هذا
الركب سائراً على قدم وساق ، إذ كاد العدو (التتار) يلحقهم لتوقف المركبة
عن السير ، وهنالك تضرَّع أعضاءُ الأسرة إلى الله واستعانوا به ، حتى نَصرهم
الله وأنجاهم من المهلكة.
في دمشق:
وما كادتْ هذه الأُسرةُ العلمية تصِل إلى دمشق حتى شاع خبرُها في أوساط
الناس ، وقد كان أصحابُ العلم عارفين باسم أبي البركات مجد الدين ابن
تيمية وأعمالهِ ، كما كان عبد الحليم ابن تيمية معروفاً بينهم بعلمه وفضله ،
وما هي إلا بضعةُ أيام إذ بدأ عبد الحليم يُدرس في الجامع الأموي ، وفي دار
الحديث الشُّكَّرية ، وصار مرجعَ الطلبة وعلماء المذهب الحنبلي ، وهكذا لم
تشعر هذه الأسرة في هذا البلد الجديد بأيِّ غُربةٍ أو وحشةٍ.
وانتهى ابنُ تيمية الصغيرُ من حفظ القرآن الكريم في وقت مُبكِّر ، واشتغل
بدراسة الفقه والحديث وعُلوم العربية ، وكان يحضُر خلال ذلك رغم صِغر سنِّه
مجالسَ التدريس والوعظ عند والده ، وعندَ العلماء في حِلَقهم ، ويُشارِكهم
في المذاكرات العلمية التي كانت سبباً لتوسع عقلهِ الأخّاذ وتفتُّح ذهنه
الفخَاص .
ذاكرةٌ عبقريَّةٌ:
عُرِفت أسرةُ ابن تيمية بقوة الذاكرة وكثرةِ الحفظ وسُرعتِه ، فقد كان أبوه
وجدُّه قويي الذاكرة ، ولكنَّ تقي الدين ابن تيمية سَبق أسرته كُلَّها في هذه

٤٥٢
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
النعمة ، فقد أدهش العلماءَ وأساتِذته بذاكرته القوية النادرة وسرعةٍ حفظه
واشتهر بذلك في دمشق، يتحدَّث عن ذلك صاحب ((العقود الدرية)) (١) فيقول:
((اتَّفق أنَّ بعضَ المشايخ العلماء بحلَبٍ قدِم إلى دمشق ، وقال: سمعتُ في
البلاد بصبيّ يقال له أحمدَ ابن تيمية ، وأَنَّه سريع الحفظ ، وقد جئتُ قاصداً
لعلِّي أراه ، فقال له خيَّاط: هذه طريقُ كُتَّبه ، وهو إلى الآن ما جاء ، فاقعد
عندنا الساعة يَجيء ، فجلس الشيخ الجليل قليلاً فمرَّ صَبِيَّان ، فقال الخياط
للشيخ الحلبي: هذا الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد ابن تيمية ، فناداه
الشيخ فجاء إليه ، فتناول الشيخُ اللوح ، فنظر فيه ثم قال: يا ولد امسح هذا
حتى أَملي عليك شيئاً تكتبه ، ففعل ، فأملى عليه من مُتون الأحاديث أحد عشر
أو ثلاثة عشر حديثاً فقال: اقرأ هذا ، فلم يزد على أن تأمّله مرة بعد كتابته إياه ،
ثم رفعه إليه ، وقال: اسمعه ، فقرأ عليه عرضاً كأحسن ما أنت سامع ، فقال:
يا ولدي امسح هذا ، ففعل ، فأملى عليه عِدةً أسانيد انتخبها ، ثم قال: اقرأ هذا
. فنظر فيه كما فعل أول مرة ، فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبيّ
ليكوننَّ له شأنٌ عظيمٌ، فإنَّ هذا لم يُر مثلُه)) (٢).
وبالنسبة إلى حكايات سرعة الحفظ وقوة الذاكرة التي تتضمَّنها كُتب التاريخ
الموثوق بها ، وما نشاهده ونجربه في رواة وأئمة الأدب من أمثلة عديمة النظير
للذاكرة النادرة ، فليست قصةُ ذاكرة ابن تيمية هذه مستحيلةٌ ولا غريبةٌ ، وإنما
يُصدِّق ما ظهر منه نفسُه في حياته الآتية من وقائع الحفظ والنقل أنه رُزق ذاكرة
عبقرية يتعذَّر نظيرها.
الدِّراسةُ والتَّخرَّج:
بدأ ابنُ تيمية دراسة العلوم باهتمام وعناية بالغين ، يتحدَّث عنه معاصروه
(١) [هو تلميذ شيخ الإسلام الحافظ ابن عبد الهادي المقدسي، وكتابه العقود الدرية في
مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية؛ قد طبع بعناية الشيخ محمد حامد الفقي].
(٢) ابن تيمية: لمحمد أبي زهرة، ص٢١ .

٤٥٣
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
ومؤرخوه أنه رغم صِغَر سنه لم يكن يتَّجه إلى الملاعب والملاهي كما يفعل
الأطفال فلم يكن يُضيع فيها وقته ، ولكنْ كان على ذلك مطلعاً على أمور الحياة
والمجتمع في ذلك الوقت وخبيراً بأحوال المدينةِ وعاداتِ الناس وأخلاقهم ،
ويبدو من تأليفاتهِ أنه كان واسعَ النظر عميقَ الدراسة للحياة والمجتمع ، ولم
يكن يعيش في عُزلة عن الجماهير قابعاً في ركن علمي فحسب.
درس ابنُ تيمية العلومَ المعروفة في عصره ، وعُني بالعربية عناية كبيرة وبرع
في اللغة والنحو براعةً تامة ، وقد اعتنى بدراسة ((الكتاب)) لسيبويه بنظر ناقد ،
وعقل فاحص ، وهو كتاب له أهمية كبرى في النحو ، (حتى إذا قيل ((الكتاب))
مُطلقاً يعنى به كتاب سيبويه) فخالفَ فيه بعضَ مسائله وانتقد مواضع ضَعفه ،
وأخذ على المؤلف أخطاءه ، وكانت له مَلَكةٌ قوية في العربية واللغة والنحو
استخدمها في حياته العلمية واعتمد عليها في أبحاثه وتأليفاته ، وقد حَفِظَ على
ذلك جزءاً كبيراً من مَنثور كلام العرب ومنظومه .
ودرس أحوالَ الجاهلية والعرب الأولين ، وتوسّع في دراسة تاريخ العهد
الإسلامي والدول الإسلامية ، واستفاد من كلِّ هذه الدراساتِ المتنوِّعة الواسعة
في مناحي حياته العلمية المختلفة فيما بعد ، ولم يُوجد ممن عاصروه وناظروه
من العلماء أحدٌ يساويه في سّعة المعلومات وعُمق النظر ، وكان ذلك سبباً كبيراً
لتفوُّقه العلمي وكَعْبه العالي في العلم والتحقيق.
وعُني مع دراسته للعلوم بالخط والحساب والعلوم الرياضية ، وتلقاها من
أساتذتها .
كما أنه اعتنى بالغ الاعتناء بالعلوم الدينية من الفقه والأصول والفرائض
والحديث والتفسير.
أمَّا الفقهُ الحنبلي فقد ورثه من آبائه ، وكان أبوه أستاذه العطوف ومربِّيه
المخلص في هذه الناحية.
وكان سماعُ الحديث وحفظه وكتابته من عاداتِ عصره المتبعة ، وأولُ

٤٥٤
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
كتاب حفظه في الحديث ((الجمع بين الصحيحين)) للحُميدي، ثم استفادَ من
شيوخ عصره وعلماء الشام وأخذ عنهم الحديث ورواهُ.
يقول ابن عبد الهادي: ((إنَّ شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مئتي شيخ ،
ومن خواص شيوخه ابن عبد الدائم المقدسي ورجال طبقته ، وسمع (مسند
الإمام أحمد) مرات، وكذلك سمع الصحاح الستة مراتٍ عديدة)) (١).
أمَّا التفسير فكان أحبَّ موضوع لدى ابن تيمية ، وكان له شَغفٌ زائد بهذا
الفن ، يتحدث بنفسه أنه درس أكثر من مئه كتاب في تفسير القرآن ، وكانت له
مناسبة طَبعية بهذا الفن ، وقد أفاضَ الله عليه علومَ القرآن بوجه خاص لكثرةٍ
تلاوته القرآن والتدبر في معانيه ودراستِهِ بتأمّل وبصيرة ، وكان لا يكتفي بدراسة
القرآن فحسب بل يُنيب إلى ربِّه ويسأله نِعمة فَهم القرآن وشَرْح الصدر ، إنه
يتحدث عن طَلَبِه لعلم القرآن وتدبره فيه ، يقول:
((ربّما طَالعتُ على الآية الواحدة مئة تفسير ثم أسأل الله الفهم وأقول:
يا معلم آدم وإبراهيم علَّمني ، وكنت أذهبُ إلى المساجد المهجورة ونحوها
وأمرغ وجهي في التراب وأسأل الله وأقول: يا مُعلُّم إبراهيمَ فَهِّمني)) (٢).
وكانت لِعِلمِ الكلام الذي حمل لواءه الأشاعرةُ كلمةٌ نافذة في هذا العصر ،
ولا سيما في مصر والشام ، فقد كان السلطان صلاح الدين نفسُه أشعرياً ،
حافظاً لمتن قُطب الدين أبي المعالي الأشعري (الذي كان قد ألَّفه في العقائد)
منذ صِغره ، وكان يُشرف على تحفيظه لأولاد أسرته الصغار ، وكان هو
وخلفاؤه بنو أيوب قَد جعلوا الناس ملتزمين للعقيدة الأشعرية ، فكانت
((الأشعرية)) تتمتّع بحماية الحكومة إلى عصره وعصر خلفائه مماليك مصر (٣).
وكانت الحنابلة يُعتبرون خصماً معارضاً للأشاعرة ، تَحدث بينهم بعض
المناوشات الكلامية ويشتغل كلا الفريقين بالجدل والكلام ، فقد كان كلام
(١) راجع ((الكواكب الدرية)).
(٢) العقود الدرية: ص٢٦ .
(٣) راجع ((خطط مصر)) للمقريزي.

٤٥٥
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
الأشاعرة وطريقُ إثباتهم مبنياً على الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي.
أمَّا الحنابلة فكانوا يبحثون عن المعاني الظاهرة للنصوص والآيات
والأحاديث ، وكان يبدو بعض الأحيان أنَّ كفتهم تطيش في الجدال العلمي
لعدم تعمقهم في علم الكلام وانقطاعِهم عن ممارسة العلوم العقلية ، فكان
يغلب على الظن ويُخيل إلى الناس أنَّ خبرتهم بالعلوم العقلية قليلةٌ أو عديمة
وأنهم ليسوا متعمِّقين في العلم.
ولعلَّ ذلك ما حفز ابن تيمية ، ذلك الشاب الغيور والعالم الذكي على
التوسع والتعمُّق في علم الكلام والاطلاع على العلوم العقلية مباشرة ، فعكف
على الدراسة العميقة لهذه العلوم وتبخَّر فيها حتى أدرك مواضع الضَّعف فيها
وأخطاء مؤلفيها وأئمتها من حكماء اليونان ، وتصدَّى للرد على هذه العلوم
وانتقادها ، وألف كتباً عَجزت الأوساط الفلسفية كُلُّها عن الردِّ عليه .
والحاصلُ أنَّ ابن تيمية شمَّر عن ساق الجد لشرح الكتاب والسنة في عصره
وإثبات تفوُّق الدين وصحته، وإزالة معالم الضلالات العلمية والعملية، وتسلَّح
له بأسلحة علمية ، كان يتطلَّبها ذلك العصر في خضمٌ علومه وفترةِ الفوضى
العلمية والفكرية ، إنه تعلم المحاربة بالأسلحة التي كان معارضوه من أعداء
الإسلام قد تسلَّحوا بها ، إنه تبخّرَ في العلوم بما أدهش معاصريه ، يَعترف
بفضله ونبوغه العلمي مُعاصِرُه الشهير العلامة كمال الدين الزَّملكاني ، ويقول:
((قد أَلانَ الله له العلوم كما ألان لداود الحديد ، كان إذا سُئل عن فن من
العلم ظنَّ الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن ، وحكم أن أحداً لا يعرفه
مثلَه ، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذهبهم منه
ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك ، ولا يُعرف أنه ناظر أحداً فانقطع منه ، ولا تكلّم
في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أو غيرِها إلا فاق فيه أهله
والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف)) (١).
(١) الكواكب الدرية: ص ٥.

٤٥٦
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
دَرْسُ ابن تيميَّة الأول:
وما كاد ابنُ تيمية يبلغ من عمره ٢٢ سنة حتى تُوفِّي والده العظيم
عبد الحليم بن تيمية في سنة ٦٨٢ هـ ، وحدث فراغ كبير في مشيخة التدريس
بدار الحديث السُّكَّریة .
ولكن لم يَطل على فراغه زمن طويل ، وخلفه في التدريس ابنهُ النابغة في
الثاني من محرم ٦٨٣ هـ وسدَّ ذلك الفراغ ، وألقى درسه الأول وكان في ذلك
الحين ابن ٢٢ سنة، وقد حضر درسه هذا الأول كبار علماء دمشق وفضلاؤها ،
فالشيخ قاضي القضاة بهاء الدين بنَ الَّكي الشافعي كان حاضراً بنفسه علاوة
على الشيخ تاج الدين الفِزاري شيخ الشافعية ، والشيخ زين الدين بن المنجا
الحنبلي من علماء الحنفية ، وغيرهم من سراة العلماء وكبارهم حضروا درسه
الأول الذي ترك في نفوسهم تأثيراً عميقاً ، وجعلهم يعترفون بالتبحر العلمي ،
وسرعة بديهة العالم الشاب ، وفصاحته ، وجراءته.
يتحدَّثُ الحافظ ابن كثير تلميذُ ابن تيمية ضمن أحداث سنة ٦٨٣ هـ عن
درسه هذا ، ويصفه بما يأتي :
((وكان درساً هائلاً، وقد كتبهُ الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة
فوائده، وكثرةٍ ما استحسنه الحاضرون ، وقد أطنبَ الحاضرون في شكره على
حداثة سِنِّه وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين)) (١).
«ثم جلسَ الشيخ تقي الدين المذكور أيضاً يوم الجمعة عاشر صفر
بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيىء له لتفسير القرآن العزيز
فابتدأ من أوله في تفسيره ، وكان يجتمعُ عنده الخلق الكثير والجم الغفير من
كثرة ما كان يُورد من العلوم المتنوعة المحَّرة مع الديانة والزهادة والعبادة مما
(١) البداية والنهاية: ج ١٣ ص٣٠٣.
-

٤٥٧
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان ، واستمرَّ على ذلك مدة سنين
متطاولة))(١).
رحلته إلى الحج:
((في سنة ٦٩٢ هـ حَجَّ الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله مع الركب
الشامي)) وكان أميرُهم الباسطي ، ونالهم في ((معان)) ريحٌ شديدة جداً مات
بسببها جماعة ، وحملتِ الريح جمالاً عن أماكنها ، وطارتِ العمائم عن
الرؤوس واشتغل كل أحد بنفسه)) (٢).
عُقوبة شاتم الرسول والر :
((في سنة ٦٩٣ هـ حدث ما ظهرت به حميَّتُه الدينية وعاطفته الإيمانية بشكل
علمي ، فقد كان في دمشق رجلٌ اسمه عساف النصراني شهد عليه جماعة أنه
سبَّ النبي ◌َّر، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل علي،
فاجتمع الشيخ تقي الدين ابن تيمية والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار
الحديث ، فدخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة ، فكلماه
في أمره ، فأجابهما إلى ذلك ، وأرسل ليحضره ، فخرجا من عنده ومعهما
خلق كثير من الناس ، فرأى الناس عسافاً حين قدم ومعه رجل من العرب ،
فسُّوه ، وشتموه ، فقال ذلك الرجل البدوي: إنه خير منكم - يعني النصراني -
فرجمهما الناس بالحجارة ، وأصابت عسافاً ، ووقعت خبطة قوية ، فأرسل
النائب ، فطلب الشيخين ابن تيمية والفارقي ، فضربهما بين يديه ، ورسم
عليهما في العذراوية ، وقدم النصراني فأسلم ، وعقد مجلس بسببه ، وأثبت
بينه وبين الشهود عداوة ، فحُقن دمه ، ثم استدعى بالشيخين ، فأرضاهما ،
وأطلقهما .
(١) البداية والنهاية: ج ١٣، ص ٣٠٣.
(٢) المصدر السابق ج ١٣، ص ٣٠٣.

٤٥٨
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
وصنَّف الشيخ تقي الدين ابن تيمية في هذه الواقعة كتابه الشهير ((الصارم
المسلول على شاتم الرسول)) (١).
((وفي الرابع من شهر شعبان سنة ٦٩٥ هـ تُوفي شيخ الحنابلة العلامة زين
الدين ابن المنجًّا فخلفه ابنُ تيمية، وشَغَل شياخة التدريس في المدرسة
الحنبلية)) (٢).
المعارضة الأولى:
وبينما كان ابنُ تيمية مشغولاً بالدرس والتدريس ، وكان إقبالُ الناس من
الخاصة والعامة كبيراً عليه؛ إذْ قامت عليه الضَّجة لأوَّلِ مرة في سنة ٦٩٨ هـ ،
واستهدفت شخصيته ، ومُعتقداته بصفة خاصة.
وممَّا يُحكى عن تفاصيل هذه القصة أنَّ بعض أهل ((حماة)) من الشام
وجَّهوا إليه استفتاءً في سنة ٦٩٨ هـ يسألونه فيه عن تحقيق العلماء في
الصِّفتين التي وصف الله بهما نفسه في هذه الآيات: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
[طه: ٥] و﴿ثُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] وما أشبههما، وعن تحقيقهم في
هذه الأحاديث ((إنَّ قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن))(٣) و((يضع
الجبَّار قدمه في النار))(٤) وما شاكلهما ، وسألوه عمَّا يذهب إليه أهل السنة من
(١) البداية والنهاية: ج١٣، ص ٣٣٥ -٣٣٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٤٤.
(٣) [أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٤١٤/٤) برقم (٧٧٣٩) من حديث عبد الله بن
عمرو رضي الله عنه ، والحاكم في المستدرك (٣١٧/٢) برقم (٣١٤٠) من حديث جابر
ابن عبد الله رضي الله عنه، والطبراني في الأوسط (١٤٧/٢) برقم (١٥٣٠) من حديث
عائشة رضي الله عنه، وقال الهيثمي في المجمع (٢١٠/٧): رواه الطبراني في
الأوسط ، وفيه العلاء بن الفضل. قال ابن عدي: في بعض ما يرويه نكرة وبقية رجاله
وثُقوا].
(٤) [لم نجده في مصادر الحديث إلا ما ذكره أبو الحسن الجزري في ((اللباب في تهذيب
الأنساب)) (٤٠٨/١)، وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه (١٢٧/٥) بمعناه من =
٠

٤٥٩
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
العلماء في باب صفات الله تعالى .
فأجابهم شيخُ الإسلام عن هذه الأسئلة بتفصيل كبير وإيضاح كافٍ (١) ،
وتحدَّث عن مذهب الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والمتكلِّمين
والمتقدِّمين من العلماء (كالإمام أبي الحسن الأشعري ، والقاضي أبي بكر
الباقلاني ، وإمام الحرمين) مستدلاً بأقوالهم وتآليفهم ، وأثبتَ من مقتطفات
كتبهم أن كل هؤلاء العلماء إنما كانوا يرون الإيمان بصفات الله تعالى من
واجبات الدين ، وأنهم يعترفون بحقيقتها التي تتفق مع جلال الله تبارك وتعالى
وتجدر بذاته العلية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
ومع التنزه الكامل من كل تشبيه أو تجسيم ومن كل نفي وتعطيل.
يعني أن هذه الصفات لا يقيسونها على صفات الخلق ، ولا أنهم ينكرونها ،
وينفونها من شِدَّة المغالاة والإفراط في التنزية والتقديس ، ولا أنهم يُؤولونها
تأويلاً يبعدها عن الحقيقة ويتركها مجرد كناية ومجاز ، بل إنهم كما يؤمنون
بذاته وصفاته السبع (من الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر،
والكلام ، والإرادة) يؤمنون كذلك بحقيقتها التي تتَّفق وعظمة الألوهية .
كما أنَّهم يؤمنون بالألفاظ المنصوصة من الوجه ، واليد ، والغضب ،
والرضا ، وفي السماء، وفوق العرش ، حقيقةً من غير تأويل أو مجاز ،
ويُثبتون حقيقتها بما يليق ذاته المنزهة المقدَّسة التي ليس كمثلها شيء والتي
لا تُحدُّ ولا تقاس.
إنَّ مذهب هؤلاء الرجال من علماء أهل السنة ونظرتَهم لا يختلفان في هذين
النوعين من الصفات ، وكما أن الإيمان بالحياة ، والعلم ، والقدرة ، وما إلى
ذلك لا يستلزم أن المراد بذلك حياة المخلوقات والمحدثات الضعيفة ،
=
حديث أنس رضي الله عنه].
(١) عُرف هذا الجواب باسم ((العقيدة الحموية الكبرى)) رسالة تقع في ٥٠ صفحة ضمن
((مجموعة الرسائل الكبرى)» طبع في مصر سنة ١٣٢٣ هـ.

٤٦٠
الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته
وعلمها المستعار المحدود وقدرتَها الناقصة ، ولا أنَّ الجماعة المؤمنة بحقيقة
هذه الصفات تسمَّى ((المجسِّمة)) .
وكذلك الاعتقاد بما جاء في القرآن من ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]
( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] و﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] و﴿ءَأَمِنْثُم مَّن
فِي السَّمَاءِ ﴾ [الملك: ١٦] من غير تأويل أو توجيه لا يعني أن المراد باليد والوجه
المخلوق ويد الحادث ، وأن القَصد من الفوقية والمكانية كفوقية ومكانية
المحدود بإزاء المحدود ، والجسم مقابل الجسم، كما لا يصح الطّعن
((بالتشبيه والتجسيم)) لمن يُؤمن بحقيقة هذه الصفات.
يُؤيِّد هذا المذهب ما استدلَّ به ابن تيمية من أقوال السلف الأولين
والمتكلمين المتقدمين وعباراتهم ، إنه يقول: ((ليس في كتاب الله ولا في سنة
رسول الله ◌َّ ولا عن أحدٍ من سلف الأمة، ولا من الصحابة والتابعين،
ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرفٌ واحدٌ يخالف
ذلك ، لا نصاً ولا ظاهراً ، ولم يقل أحد منهم: إن الله ليس في السماء ولا أنه
ليس على العرش ، ولا أنه في كل مكان ، ولا أن جميعَ الأمكنة بالنسبة إليه
سواء ، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصل ولا منفصل ، ولا أنه
لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها .
فلئنْ كان الحقُّ ما يقوله هؤلاء السَّالبون النافون من هذه العبارات ونحوها
دونَ ما يُفهم من الكتاب والسُّنة إما نصاً وإما ظاهراً؛ كيف يَجوزُ على الله ثم
على رسوله ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائماً بما هو نَصِّ أو ظاهر في
خلاف الحق ؟
ثم الحقُّ الذي يجب اعتقاده لا يَبوحُون به قط ولا يدلُّون عليه نصاً ولا ظاهراً
حتى أنباطُ الفرس ، والروم ، وفروخُ اليهود ، والفلاسفة يُبيِّنون للأمة العقيدة
الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضلٍ أن يعتقدها))(١).
(١) العقيدة الحموية الكبرى: ص ٤٢٠ - ٤٢١.